كلمة ختام

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَأمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾

حمدا للّٰه بما لا يتناهى من الحمد، حمدا للّٰه بما يليق من الحمد، حمدا للّٰه بما هو أهله. فاللّٰهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وإمام الأصفياء والمتقين وحبيب رب العالمين وعلى آله الأطهار وصحبه الأبرار.

وإذ أبتهل إلى المولى القدير أن مَنّ علينا هذه النعمة العظمى، نعمة ترجمة رسائل النور. أتضرع إليه تعالى أن يوزعني شكرَ نعمته هذه، ويديمها علينا جميعا.. ولقد عزمنا على نشر "كليات رسائل النور" كاملة في مجموعات بإذن اللّٰه تعالى وسنفرد منها مجلدا كاملا لحياة الأستاذ المؤلف مع دراسة مفصلة عن رسائل النور، لذالم نَرَ داعيا إلى تقديم الكتاب بنبذة عن المؤلف والمؤلَّف كما هو معتاد.

ومع هذا أراني مضطرا إلى أن أضع هذه الملاحظات أمام القارئ الكريم في ختام هذه "الكلمات":

إن الذي يُواكِب خيالا زمن تأليف رسائل النور ونشرها يجد أن الأمة، أمة الإسلام تمر في أحلك فترات حياتها، حيث تجتاح سيول الظلمات، ظلمات الفتن العاتية أرجاء العالم الإسلامي كافة، وتغزو الشبهات والأفكار الباطلة العقول والقلوب من كل صوب، فأظلمت النفوس واختنقت الأرواح حتى انقطع الرجاء..

في هذه الفترة الحرجة من حياة الأمة مَنّ اللّٰه عز وجل على هذه الأمة فقيّض الأستاذ سعيد النورسي للذود عن حياض الإيمان وبيان أنوار القرآن، وشرح صدره للتتلمذ على يدي القرآن العظيم والتزود من نبعه الفيّاض، حتى استنار قلبُه وسطع فكره وارتوت روحه من زلال القرآن ونور الإيمان، فأملى على من حولَه من محبيه ما استلهمه من نور الكتاب المبين هذه اللفتات القرآنية والمعارف الإلهية والفيوضات الإيمانية، فكانت هذه الرسائل التي أطلق عليها اسم: "رسائل النور".

وهذه المجموعة "الكلمات" التي تضم ثلاثا وثلاثين كلمة هي عمدة "رسائل النور"، إذ"الكلمة الثالثة والثلاثون" منها عبارة عن ثلاث وثلاثين مكتوبا، جُمعت في مجموعة مستقلة سميت بـ"المكتوبات". وانبثقت من "المكتوب الحادي والثلاثين" ثلاث وثلاثون لمعة هي مجموعة "اللمعات". وتشعبت من "اللمعة الحادية والثلاثين" منها مجموعة "الشعاعات" التي تضم خمسة عشر شعاعا.

فرسائل النور مائةوثلاثون ونيف من الرسائل مع خمس عشرة رسالة باللغة العربية.. كل منها رسالة مستقلة بحد ذاتها أي لا تُلجئ القارئ الكريم إلى البحث عن الرسائل الأولى كي يحيط فهما بالتالية منها، بل هو حر في اختيار الرسالة من أية مجموعة كانت بغير اعتبار لتسلسلها. وإن لقيَه شيء من الغموض سواء في العبارة أو في المعنى فسيلاقيه حتما توضيح وبيان في موضع آخر.

وقد وضعنا هوامش لتوضيح بعض العبارات أو المصطلحات، كما وضعنا أرقام الآيات الكريمة وأسماء سورها، وكذا خرّجنا الأحاديث الشريفة من مظانها من الكتب الموثوقة، وأبقينا ما لم نستطع على تخريجه كما هو، علّنا نظفر في قابل الأيام بنصيحة أخوية من عالم ضليع بالحديث النبوي الشريف.

وقد يلفت نظر القارئ الكريم ما يذكره الأستاذ المؤلف من مفاهيم علمية أو مصطلحاتها التي كانت دارجة زمن تأليف الرسالة، إلاّ أنها تبدلت وتغيرت بمرور الزمن، كمولّد الحموضة ومولّد الماء، أو عدد المسلمين في العالم.. أو ما شابهها من الأمور، فترجمناها نصا دون أن نحشر فيها شيئا من عندنا إلاّ ما أشرنا إليه بهامش، وذلك حفاظا على أمانة الترجمة.

واسم هذه المجموعة "سوزلر" ترجمناه بـ"الكلمات" لأن الأستاذ المؤلف نفسه قد ذكر في الشعاع الأول: أن "سوزلر" تعنى "الكلمات" باللغة العربية. أما اسم الديوان الملحق بهذه المجموعة "لمعات" فقد ترجمناه بـ"اللوامع" لئلا يلتبس مع اسم مجموعة "اللمعات".

ولقد حرصت كل الحرص في الترجمة أن أكون أمينا ما استطعت، محافظا على المعنى الذي يقصده الأستاذ المؤلف، مما تطلب مني طول النظر في الرسائل كلها والتأمل في عباراتها والإمعان في معانيها. لذا تحاشيت التقيد بحرفية النص، لاعتقادي بعدم إيفائه الغرض، إذ لا يوحي المعنى الذي يريده المؤلف إلى روح القارئ، ولا يخفى مدى الصعوبة البالغة في نقل المعنى من لغة إلى أخرى ولاسيما المعاني الواسعة العميقة التي يحصرها الأستاذ النورسي في عبارات دقيقة وجمل موجزة، ولكن بفضل اللّٰه العميم وبعنايته الشاملة ذُللت تلك الصعوبات، إذ هيأ سبحانه وتعالى للأمر أساتذة كرماء ممن درسوا ودرّسوا قواعد اللغة العربية وآدابها، وعلماء أفاضل ممن لهم الباع الطويل في التفسير والحديث والعلوم الإسلامية، وإخوة صادقين تولوا مهمة التبييض والتنقيح ومقابلة النصوص. بل كنت أستنصح كلَّ قارئ وأستشير كلَّ من له خبرة في هذا الموضوع ليدلّني على الصواب. مما أضفى على الترجمة جمالا في العبارة ودقّة في التعبير وبعدا عن الأخطاء ما أمكن وتطابقا في المعنى، حتى سلمت -في نظري- من عورات الركاكة وعيوب العجمة. والحمد للّٰه أولا وآخرا، وهذا من فضل ربي الذي أسبغ عليّ نعمه ظاهرة وباطنة رحمةً منه تعالى لضعفي ورأفة بعجزي فأمدّني بأولئك الميامين من ذوي الأقلام القوية والفكر الخصب والرأي السديد، الذين آزروني وشدّوا من عزيمتي على الاستمرار في العمل بغير كلل، حتى ظهرت المترجمات إلى ساحة النشر ببركة إخلاصهم وصدق نواياهم. ولولا علمي بأن هؤلاء الإخوة البررة لا يحبذون ذكر أسمائهم، لما ترددت في ذكرهم فردا فردا. ولئن لم أذكرهم بأسمائهم فهم مذكورون لدى العلي القدير بما قدّموا من عملٍ جليلٍ خالص زكي في سبيل نشر الإيمان ورفع راية القرآن.

فإلى كل أولئك الإخوة الأكارم، وإلى الأخوات الفاضلات، وإلى كل من أعانني في أيّ شأن من شؤون الترجمة، تصحيحا وتهذيبا وتشذيبا وتبييضا ودعاءً وحثا، أقدم عظيم شكري ومزيد امتناني راجيا المولى القدير أن يجزل ثواب عملهم الخالص ويرزقهم وإياي حبّه وحب من يحبّه والعمل الذي يبلغنا حبَّه.

وأملي في اللّٰه عظيم أن يكون القارئ العزيز أيضا كريما يصفح عن الزلات، ويغض الطرف عن الهفوات، ويدعو لنا بظهر الغيب خالص الدعوات ويرشدنا إلى ما فيه الخير والسداد.

ومما يزيد شكري وحمدي للّٰه تعالى أن مسك الختام لهذه المجموعة الأولى هو دعاء الأستاذ النورسي نفسه بقلم أوصيائه وطلابه الذين رافقوه ولازموه طوال سني حياته المباركة حتى وافاه الأجل ورحل إلى عالم الآخرة فرحمة اللّٰه عليه رحمة واسعة ونفعنا بعلومه القرآنية وخدمته الإيمانية.

واللّٰه نسأل أن يوفقنا إلى حسن القصد وصحة الفهم وصواب القول وسداد العمل.

وصلِّ اللّهمَّ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

إحسان قاسم الصالحي