لابد من الامتحان والتمحيص

 

النورسي 

بديع الزمان 

 

رسائل من سجن أفيون 

لابد من الامتحان والتمحيص: 

اخواني الاعزاء ذوي الشفقة والوفاء! 

لقد اشتد عليّ منذ يومين أثر الرشحة (الزكام) سواء في رأسي وفي اعصابي. ففي مثل هذه الحالات اشعر بحاجة إلى الانس بالاصدقاء والتسلي بلقائهم ولكن ضايقتني وحشة الانفراد والتجريد العجيب مضايقة شديدة، فورد إلى القلب شكوى على هذه الصورة.

لِمَ هذا التعذيب؟ وما فائدته لخدمتنا في سبيل القرآن والإيمان؟

وفجأة اُخطر للقلب صباح هذا اليوم، الآتي:

ان دخولكم هذا الامتحان القاسي، وتمييزكم الدقيق في المحك مرات عدة ليخلص الذهب عن النحاس، واختباركم من كل جانب وناحية بتجارب ظالمة لمعرفة مدى بقاء حظوظ نفوسكم الأمارة ودسائسها ومن ثم تمحيصكم بثلاث ممحصات، كان ضرورياً جداً لخدمتكم التي هي خالصة لوجه الحق والحقيقة، لذا سمح القدر الالهي والعناية الربانية به، لان الإعلان عن هذه الخدمة السامية، في ميدان امتحان كهذا، تجاه معارضين عنيدين ظلمة يتشبثون بأتفه حجة..

جعل الناس يفهمون: ان هذه الخدمة القرآنية نابعة من الحق والحقيقة مباشرة، ولا تداخلها حيلة ولا خداع ولا أنانية ولا غرور، ولا غرض شخصي ولا منافع دنيوية واخروية،

إذ ما كان عوام المؤمنين يثقون بها لولا هذا الامتحان،

حيث كان لسان حالهم يقول: ربما يقولون ليغرروا بنا ويخدعوننا.

ويرتاب خواص المؤمنين ويقولون: ربما يعملون هكذا وصولاً إلى مقامات معينة، وكسباً لثقة الناس بهم ونيلاً للاعجاب، كما يفعله بعض أهل المقامات المعنوية.

وعندئذ لا يثقون بالخدمة.

ولكن بعد الابتلاء، اضطر حتى اعتى عنيد مرتاب إلى التسليم بالأمر.

لذا ان كانت مشقتكم واحدة فان ربحكم ألف ان شاء الله.(1)(*)

 

___________________________

(1) الشعاعات/569

(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:429