لِم يتدخل اهل الدنيا بامور آخرتك

 

سؤال مهم يخصني بالذات ويخص رسائل النور. يقول كثيرون:

لِم يتدخل اهل الدنيا بامور آخرتك كلما وجدوا لهم فرصة، مع أنك لاتتدخل في شؤون دنياهم؟ علماً انه لا يمسّ قانون اية حكومة كانت شؤون تاركي الدنيا المعتزلين الناس!

الجواب: ان جواب (سعيد الجديد) عن هذا السؤال هو: السكوت؛ اذ يقول: ليُجب عني القدر الإلهي. ومع هذا يقول بعقل (سعيد القديم) الذي اضطر الى استعارته: ان الذي يجيب عن هذا السؤال هو حكومة محافظة اسبارطة واهالي هذه المحافظة؛ لان هؤلاء – المسؤولين والناس كافة – اكثر علاقة مني بالمعنى الذي ينطوي عليه السؤال.

وما دامت حكومة افرادها يربون على الالوف، واهلون يزيدون على مئات الالوف مضطرين الى التفكير والدفاع عوضاً عني، فلِمَ اذاً احاور – دون جدوى – المدّعين دفاعاً عن نفسي؟.

فها أنذا منذ تسع سنوات في هذه المحافظة، وكلما مرّ الزمان ادرت ظهري الى دنياهم. ولم تبق لي حال من احوالي مخفية عنهم مستورة عليهم، بل حتى اخص رسائلي واكثرها سرية يتداولها المسؤولون في الدولة وهي في متناول عدد من النواب. فلو كان لي شيء من تدخلٍ او محاولة ما لتعكير صفو دنياهم والاخلال بها، اوحتى التفكير في هذا الامر، لما آثر المسؤولون في هذه المحافظة والاقضية السكوت تجاهي وعدم الاعتراض عليّ على الرغم من مراقبتهم اياي وترصدهم لي وتجسسهم عليّ طوال تسع سنوات، وعلى الرغم من انني ابوح دون تردد بأسراري الى من يزورني.

فان كان لي عمل مخل بسعادة الامة وسلامة الوطن ويلحق الضرر بمستقبلها، فالمسؤول عنه جميع افراد الحكومة طوال تسع سنوات ابتداءً من المحافظ الى اصغر موظف في مخفر القرية.

فعلى هؤلاء جميعاً يقع الدفاع عني، وعليهم ان يستصغروا ما استهوله واستعظمه الآخرون، وذلك لينجوا من تبعات المسؤولية. ولاجل هذا احيل جواب هذا السؤال اليهم.

أما ما يدفع مواطني هذه المحافظة عامة للدفاع عني اكثر من نفسي فهو:

ان هذه تسع سنوات، ومئات الرسائل التي نسعى لنشرها، قد اثبتت تأثيرها في هذا الشعب الاخ الصديق المبارك الطيب، واظهرت مفعولها الفعلي والمادي في حياته الابدية وفي دعم قوة أيمانه وسعادة حياته، ومن غير ان تمسّ احد بسوء او تولد أي اضطراب او قلق كان، اذ لم يشاهد منها ما يؤمىء الى غرض سياسي ونفع دنيوي مهما كان، حتى ان هذه المحافظة، اسبارطة، قد اكتسبت ولله الحمد بوساطة رسائل النور مقام البركة من حيث قوة الإيمان والصلابة في الدين، من نوع البركة التي نالتها الشام الطيبة في السابق ومن نوع بركة الجامع الازهر الذي هو مدرسة العالم الإسلامي عامة.

فهذه المحافظة لها فضل ومزية على المحافظات الاخرى، حيث قد كسبت من رسائل النور التمسك باذيال الدين، فتهيمن فيها قوة الإيمان ازاء الاهمال، وتسيطر فيها الرغبة في العبادة تجاه السفه والغي؛ ولاجل هذا كله فالناس كلهم في هذه المحافظة، حتى لوكان فيهم ملحد (فرضاً) مضطرون الى الدفاع عني وعن رسائل النور.

 

وهكذا لا يسوقني حقي الجزئي الذي لا اهمية له ضمن حقوق دفاع ذات أهمية الى هذا الحد، ان ادافع عن نفسي ولا سيما انني قد انهيت خدماتي ولله الحمد ويسعى لها الوف من الطلاب عوضاً عن هذا العاجز. فمن كان له وكلاء دعوى ومحامون يربون على الالوف، لا يدافع عن دعواه بنفسه.(*)

 

_____________________

(*) كليات رسائل النور – اللمعات ص: 255