مرقاة السنة وترياق مرض البدعة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

(لَقدْ جَاءَكُم رَسُولٌ من انفُسِكُم عَزيزٌ عَليهِ ماعَنِتم حَريصٌ عليكُم بالمؤمنينَ رؤوفٌ رَحيم) (التوبة:128)

(فإن تَولّوا فَقُلْ حَسْبي الله لا اله الاّ هو عَليهِ تَوكّلْتُ وهوَ رَبُّ العَرشِ العَظيمِ) (التوبة: 129)

(قُلْ إنْ كُنتُم تُحبّون الله فاتّبعوني يُحْببكُم الله)   (آل عمران: 31)

 

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

 

ثلاث مسائل:

* المسألة الاولى:

أن لسنة الرسول الاعظم صلى الله عليه وسلم ثلاثة منابع، هي:

اقواله، وافعاله، واحواله. وهذه الاقسام الثلاثة هي كذلك ثلاثة اقسام:

الفرائض، النوافل، عاداته صلى الله عليه وسلم.

ففي قسم الفرائض والواجب، لامناص من الاتباع، والمؤمن مجبر على هذا الاتباع بحكم ايمانه. والجميع بلا استثناء مكلفون بأداء الفرض والواجب، ويترتب على اهماله او تركه عذاب وعقاب.

وفي قسم النوافل، فأهل الايمان هم مكلفون به ايضا حسب الامر الاستحبابي، ولكن ليس في ترك النوافل عذاب ولاعقاب. غير ان القيام بها واتباعها فيه اجر عظيم. وتغيير النوافل وتبديلها بدعة وضلالة وخطأ كبير.

اما عاداته صلى الله عليه وسلم وحركاته وسكناته السامية فمن الافضل والمستحسن جداً تقليدها واتباعها حكمة ومصلحة سواء في الحياة الشخصية او النوعية او الاجتماعية، لان هناك في كل حركة من حركاته الاعتيادية منافع حياتية كثيرة جدا فضلا عن انها بالمتابعة تصير تلك الآداب والعادات بحكم العبادة.

نعم، مادام - عليه الصلاة والسلام - متصف بأسمى مراتب محاسن الاخلاق، باتفاق الاولياء والاعداء.وانه صلى الله عليه وسلم هو المصطفى المختار من بين بني البشر، وهو اشهر شخصية فيهم باتفاق الجميع.. وما دام هو اكمل انسان، بل اكمل قدوة ومرشد

بدلالة آلاف المعجزات، وبشهادة العالم الاسلامي الذي كونه، وبكمالاته الشخصية بتصديق حقائق ما بلغه من القرآن الحكيم.. وما دام ملايين من اهل الكمال قد سموا في مراتب الكمالات، وترقوا فيها بثمرات اتباعه فوصلوا الى سعادة الدارين... فلابد ان سنة هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وحركاته هي افضل نموذج للاقتداء واكمل مرشد للاتباع والسلوك واحكم دستور، واعظم قانون، يتخذه المسلم اساسا في تنظيم حياته.

فالسعيد المحظوظ هو من له أوفر نصيب من هذا الاتباع للسنة الشريفة.

ومن لم يتبع السنة فهو في خسران مبين ان كان متكاسلا عنها.. وفي جناية كبرى ان كان غير مكترث بها.. وفي ضلالة عظيمة ان كان منتقداً لها بما يومئ التكذيب بها.

* المسألة الثانية:

لقد وصف الله سبحانه وتعالى الرسول صلى الله عليه وسلم في القرآن الحكيم بقوله:

  (وإنّكَ لَعلَى خُلُقٍ عَظيم)   (القلم: 4).

ووصفه الصحب الكرام كما وصفـتـه الصحابيـة الجلـيلـة الصـديـقة عـائشـة رضي الله عنها قائلة: (كان خُلُقهُ القرآن)(1)

اي: ان محمدا صلى الله عليه وسلم هو المثال النموذج لما بينه القرآن الكريم من محاسن الاخلاق، وهو افضل من تمثلت فيه تلك المحاسن، بل انه خلق فطرة على تلك المحاسن. ففي الوقت الذي ينبغي ان يكون كل من افعال هذا النبي العظيم صلى الله عليه وسلم واقواله واحواله، وكل من حركاته نموذج اقتداء للبشرية، فما اتعس اولئك المؤمنين من امته الذين غفلوا عن سنته صلى الله عليه وسلم ممن لايبالون بها او يريدون تغييرها فما اتعسهم وما اشقاهم!

* المسألة الثالثة:

لما كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد خلق في افضل وضع وأعدله وفي اكمل صورة واتمها، فحركاته وسكناته قد سارت على وفق الاعتدال والاستقامة، وسيرته الشريفة تبين هذا بياناً قاطعاً وبوضوح تام، بأنه قد مضى وفق الاعتدال والاستقامة في كل حركة من حركاته متجنباً الافراط والتفريط.

نعم لما كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد امتثل امتثالا كاملا قوله تعالى (فاستقم كما اُمرت) (هود: 112)   فالاستقامة تظهر في جميع افعاله واقواله واحواله ظهوراً لا لبس فيه.

فمثل:ان قواه العقلية قد سارت دائماً ضمن الحكمة التي هي محور الاستقامة والحد الوسط، مبرأة عما يفسدها ويكبتها من افراط وتفريط اي الغباء والخب.

وان قواه الغضبية قد سارت دائماً ضمن الشجاعة السامية التي هي محور الاستقامة والحد الوسط، منزهة عما يفسدها من افراط وتفريط اي الجبن والتهور.

وان قوته الشهوية قد اتخذت محور الاستقامة دائما وهي العفة واستقامت عليها باسمى درجات العصمة، فصفت من فساد تلك القوة من افراط وتفريط اي الخمود والفجور.

وهكذا فانه صلى الله عليه وسلم قد اختار حد الاستقامة في جميع سننه الشريفة الطاهرة وفي جميع احواله الفطرية وفي جميع احكامه الشرعية، وتجنب كليا من الظلم والظلمات اي الافراط والتفريط، والاسراف والتبذير، حتى انه قد اتخذ الاقتصاد له دليلا متجنبا الاسراف نهائيا، في كلامه وفي اكله وفي شربه.

وقد ألفت في تفصيل هذه الحقائق آلاف المجلدات، الا اننا اكتفينا بهذه القطرة من البحر، اذ العارف تكفيه الاشارة.(*)

اللهم صل على جامع مكارم الاخلاق ومظهر سـر  (وانك لعلى خلق عظيم)  الذي قال:( من تمسك بسنتي عند فساد امتي فله اجر مائة شهيد).

___________________

(1)  جزء من حديث عائشة رضي الله عنها. اخرجه مسلم 746 واحمد 6/54، 91، 163 وابو داود 1342 والنسائي 3/199 ــ 200  والدارمي.

(*) كليات رسائل النور – اللمعات ص: 94