نكتة تخص الاخلاق

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي  

كتبت لمناسبة ظهور حالات غير مريحة في سجن اسكي شهر من جراء انقباض النفوس

ان من كمال الله سبحانه وسعة رحمته وطلاقة عدالته ان ادرج ثواباً ضمن اعمال البر، واخفى عقاباً معجلاً في اعمال الفساد والسيئات. فقد ادرج طي الحسنات لذائذ وجدانية معنوية ما يذكر بنعم الآخرة، وادرج في ثنايا السيئات اعذبة معنوية ما يحسس بعذاب الآخرة الاليم

فمثلاً: ان افشاء المحبة والسلام في صفوف المؤمنين، انما هو حسنة كريمة للمؤمن، فله ضمن هذه الحسنة لذة معنوية وذوقاً وجدانياً وانشراحاً قلبياً ما يذكر بثواب الآخرة المادي. ومن يتفقد قلبه يشعر بهذا الذوق

ومثلاً: ان بث الحصومة والعداء بين المؤمنين انما هو سيئة قبيحة، فهذه السيئة تنطوي على عذاب وجداني واي عذاب، بحيث يأخذ بخناق القلب والروح معاً، فكل من يملك روحاً حساسة وهمة عالية يشعر بهذا العذاب

ولقد مررت بنفسي – طوال حياتي – بأكثر من مائة تجربة على هذا النوع من السيئات. فكنت كلما حملت عداء على اخ مؤمن تجرعت عذاب تلك العداوة، حتى لم يبق لي ريب من ان هذا العذاب انما هو عقاب معجل لسيئتي التي ارتكبتها. فاعاقب عليها واعذب بها

ومثلاً: ان توقير الجديرين بالاحترام والتوقير وابداء العطف والرحم لمن يستحقها عمل صالح وحسنة للمؤمن. ففي هذه الحسنة تكمن لذة عظيمة ومتعة وجدانية الى حدٍ قد تسوق صاحبها الى

التضحية حتى بحياته. فان شئت فانظر الى اللذة التي تكسبها الوالدت من بذل شفقتهن لاولادهن، حتى أنها تمضي في سبيل تلك الرأفة والشفقة الى الجود بنفسها. بل ترى هذه الحقيقة واضحة حتى في عالم الحيوان، فالدجاجة تهاجم الاسد دفاعاً عن فراخها

اذن ففي الاحترام والرأفة اجره معجلة. يشعر بهذه اللذة اولئك الذين يملكون ارواحاً عالية ونفوساً ابية شهمة

ومثلاً: ان في الحرص والاسراف عقوبة معنوية معجلة وجزاء قلبياً، اذ يجعل صاحبه ثملاً من كثرة الشكوى والقلق، فترى العقوبة نفسها بل اشد منها في الحسد والتنافس والغيرة، حتى ان الحسد يحرق صاحبه قبل غيره. وتنقلب الآية في التوكل والقناعة اذ فيهما ثواب واي ثواب بحيث انه يزيل آثار المصائب واوضار الفاقة والحاجة

ومثلاً: ان الغرور والتكبر حمل ثقيل مقيت على كاهل الانسان، حيث انه يتعذب من رؤيته استثقال الآخرين له في الوقت الذي ينتظر منهم احترامه

نعم! ان الاحترام والطاعة توهب ولا تطلب

ومثلاً: ان في التواضع وترك الغرور والكبر لذة عاجلة ومكافأة آنية يخلص المتواضع من عبء ثقيل وهو التصنع والرياء

ومثلاً: ان في سوء الظن وسوء التأويل جزاء معجلاً في هذه الدنيا. حتى غدت (مَن دقّ دُقّ) قاعدة مطردة. فالذي يسىء الظن بالناس يتعرض حتماً لسوء ظنهم. والذي يؤول تصرفات اخوانه المؤمنين تأويلاً سيئاً، لا محالة سيتعرض للجزاء نفسه في وقت قريب

وهكذا فقس على هذا المنوال جميع الخصال الحسنة والذميمة

نسأل الله الرحيم ان يرزق الذين يتذوقون طعوم الاعجاز القرآني المعنوي المنبعث من رسائل النور في زماننا هذا ذوق تلك اللذائذ المعنوية المذكورة، فلا تقرب اليهم بأذن الله الاخلاق الذميمة .(*)

_____________________

(*) كليات رسائل النور – اللمعات ص: 434