نكتة لطيفة لآية كريمة

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحمٰن الرَّحيْم

(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ* وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ *

إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) (الذاريات:56-58)

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي  

نكتة لطيفة لآية كريمة لطيفة مشهورة الاّ انها ظلت مستورةان ظاهر معنى هذه الآية الكريمة لا يبين الاسلوب الرفيع المنسجم مع بلاغة القرآن المعجزة، مثلما جاء في اغلب التفاسير. لذا كان يشغل فكري في كثير من الاحيان. فنبين ثلاثة اوجه اجمالاً، من بين المعاني الجميلة الرفيعة التي وردت من فيض القرآن الكريم

 

الوجه الاول

ان الله سبحانه يسند احياناً الى نفسه ما يمكن ان يعود الى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم من حالات، وذلك تكريماً له وتشريفاً.

فها هنا كذلك، اذ المعنى المراد من الآية الكريمة المتصدرة، لابد ان يكون الاطعام والارزاق الذي يعود الى الرسول صلى الله عليه وسلم  أي

ان رسولي في ادائه مهمة الرسالة وتبليغه العبودية لله، لايريد منكم اجراً ولا اجرة ولاجزاءً ولا إطعاماً.. وإلاّ إن لم يكن المراد هذا المعنى لكان اعلاماً لمعلوم في منتهى البداهة، مما لا ينسجم وبلاغة القرآن المعجزة

الوجه الثاني

الانسان مغرم بالرزق كثيراً، ويتوهم ان السعي الى الرزق يمنعه عن العبودية، فلاجل دفع هذا التوهم، ولكي لا يُتخَذ ذريعة لترك العبادة تقول الآية الكريمة ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجنَّ والإنْسَ اِلاّ لِيَعْبُدون﴾ وتحصر الغاية من الخلق في العبودية لله، وان السعي الى الرزق – من حيث الامر الإلهي – عبودية لله ايضاً

أما احضار الرزق لمخلوقاتي ولأنفسكم واهليكم وحتى رزق حيواناتكم فأنا الكفيل به. فأنتم لم تخلقوا له، فكل ما يخص الرزق والاطعام يخصني أنا وأنا الرزاق ذو القوة المتين.. فلا تحتجوا بهذا فتتركوا العبادة، فانا الذي ارسل رزق مَن يتعلق بكم من عبادي.

ولو لم يكن هذا المعنى هو المراد، لكان من قبيل اعلام المعلوم. لأن رزق الله سبحانه وتعالى واطعامه محال بديهي ومعلوم واضح. وهناك قاعدة مقررة في علم البلاغة تفيد

ان كان معنى الكلام معلوماً وبديهياً، فلا يكون هذا المعنى مراداً، بل المراد لازمهُ او تابع من توابعه

فمثلاً: ان قلتَ لاحدهم وهو حافظ للقرآن الكريم: انت حافظ. فهذا الكلام اعلامٌ بما هو معلوم لديه، فاذاً المراد منه هو: انني اعلم انك حافظ للقرآن، أي: اُعلِمهُ بما لايعلمه، وهو علمي أنه حافظ للقرآن

فبناء على هذه القاعدة يكون معنى الآية التي هي كناية عن نفي رزق الله واطعامه هو

انكم لم تخلقوا لإيصال الرزق الى مخلوقاتي التي تعهدت انا برزقهم. فالرزق أنا به زعيم. فواجبكم الاساس هو العبودية، والسعي على وفق اوامري للحصول على الرزق، بذاته نوع من العبادة

الوجه الثالث

ان المعنى الظاهري للآية الكريمة ﴿لَم يَلِد وَلَم يُولَد﴾ في سورة الاخلاص، معلوم وبديهي. فيكون المقصود لازماً من لوازم ذلك المعنى. أي: ان الذين لهم والدة وولد لا يكونون الهاً قطعاً

فيقضي سبحانه وتعالى بقوله ﴿لَم يَلِد وَلَم يُولَد﴾ الذي هو بديهي ومعلوم ويعني انه ازلي وابدي، لاجل نفي الالوهية عن سيدنا عيسى عليه السلام وعزير عليه السلام والملائكة والنجوم والمعبودات الباطلة.

فكما أن هذه الآية هكذا فهنا ايضاً يكون معنى الآية الكريمة ﴿ما اُريد منه مِن رزقٍ وما اُريد أن يُطْعِمون﴾ ان كل ما يُرزق ويُطعم وله استعداد للرزق والاطعام لا يمكن ان يكون الهاً. فلا تليق الالوهية بما هو محتاج الى الرزق والاطعام

 

سعيد النورسي

 

_____________________

(*) كليات رسائل النور – اللمعات ص: 436