قطرات نورية

الحاكمية تقتضي التوحيد

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي  

هذه المصنوعات انما تخلق وتوجد بالصفات المطلقة لحاكم حكيم، كبير كامل، وباسمائه المطلقة وبعلمه غير المحدود وبقدرته غير المتناهية. يشهد على هذا ماهو ماثل امامنا من الافعال الحكيمة والتصاريف البصيرة للامور الجارية في هذا الكون.نعم، يُفهم ويُعلم قطعاً بحدس قطعي، من هذه الآثار بل يشاهد: ان ذلك الصانع له حاكمية وآمرية بدرجة الربوبية العامة، وله كبرياء وعظمة بدرجة الجبروتية المطلقة، وله كمال واستغناء عن غيره بدرجة الالوهية المطلقة، وله فعالية وسلطنة لاتتناهى ولايحدها حد ولايقيدها قيد.

 

فالحاكمية والكبرياء والكمال والاستغناء عن الغير والاطلاق والاحاطة وعدم التناهي وعدم الحدّ، كلها تستلزم الوحدانية وتضادد الشرك.

ثمرة التوحيد في ذوي الشعور

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي  

هذه الثمرة متوجهة الى ذوي الشعور، ولاسيما الى الانسان. 

نعم، ان الانسان بسر التوحيد، صاحب كمال عظيم بين جميع المخلوقات، وهو أثمن ثمرات الكون، وألطف المخلوقات واكملها، واسعد ذوي الحياة ومخاطب رب العالمين واهلٌ ليكون خليله ومحبوبه. حتى ان جميع المزايا الانسانية وجميع مقاصد الانسان العليا مرتبطة بالتوحيد وتتحقق بسر التوحيد، فلولا التوحيد لأصبح الانسان اشقى المخلوقات وادنى الموجودات واضعف الحيوانات واشد ذوي المشاعر حزناً واكثرهم عذاباً وألماً.

ذلك لان الانسان يحمل عجزاً غير متناه، وله اعداء لانهاية لهم، وينطوي على فقر دائم لاحدود له وحاجات لاحدود لها. 

ثمرة التوحيد في ذات الكون وماهيته

 

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي  

هذه الثمرة تتوجه الى ذات الكون وماهيته، كما كانت الثمرة الاولى متوجهة الى الذات المقدسة لرب العالمين جلّ وعلا.

نعم، انه بسر التوحيد تتحقق مزايا الكون وكمالاته، وتُدرك الوظائف الراقية للموجودات، وتتقرر نتيجة خلق المخلوقات، وتُعرف اهمية المصنوعات.

وتبرز ما في هذا العالم من مقاصد إلهية، وتظهر حكمة خلق ذوي الحياة وسر وجود ذوي المشاعر، وتبدو الوجوه المليحة البشوشة للرحمة والحكمة وراء السيماء الغاضبة الكالحة لهذه الحوادث القاهرة المدمّرة ضمن التحولات المثيرة للدهشة، وتُعرف ان الموجودات التي تغيب وراء الزوال والفناء وترحل من هذا العالم، عالم الشهادة تدع انواعاً كثيرة من الوجود بدلاً عنها، امثال نتائجها وهوياتها وماهياتها وارواحها وتسبيحاتها ثم ترحل من هذا العالم.

ثمرة التوحيد في الذات الإلهية

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي  

ان الجمال الإلهي والكمال الرباني يظهران في التوحيد وفي الوحدانية، ولولا التوحيد لظل ذلك الكنز الأزلي مخفياً.

نعم، ان الجمال الإلهي وكماله الذي لايحد، والحسن الرباني ومحاسنه التي لانهاية لها، والبهاء الرحماني وآلاءه التي لاتعد ولاتحصى، والكمال الصمداني وجماله الذي لامنتهى له، لايشاهد الاّ في مرآة التوحيد؛ بوساطة التوحيد ونور تجليات الاسماء الإلهية المتمركزة في ملامح الجزئيات الموجودة في اقصى نهايات شجرة الكائنات.فمثل:ان إرسال اللبن الخالص السائغ الى رضيع صغير لايملك حولاً ولاقوة، ومن حيث لايحتسب، من بين فرث ودم، فعلٌ جزئي. هذا الفعل الجزئي ما ان يُنظر اليه بنظر التوحيد حتى يظهر الجمال السرمدي لرحمة الرحمن بأبهى كماله وبأجلى سطوعه في إعاشة جميع الصغار في العالم إعاشة خارقة، وفي احاطتهم بمنتهى الشفقة والحنان، بتسخير والداتهم لهم . ولكن هذا الفعل، فعل ارسال اللبن ان لم ينظر اليه بنظر التوحيد، لاختفى ذلك الجمال الباهر كلياً ولما ظهر قطعاً، إذ تحال تلك الاعاشة الجزئية كذلك الى الاسباب والمصادفة والطبيعة، فتفقد قيمتها كلياً بل تفقد ماهيتها.

استراق الجن للسمع

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحمْنِ الرَّحيْمِ

﴿لا يَسمَعُونَ إِلَى المَلإِ الأَعلَى وَيُقذَفُونَ مِن كلِ جَانِب * دُحُوراً وَلَهُم عَذَابٌ وَاصِبٌ *

إِلاَّ مَن خَطِفَ الخَطفَةَ فَأَتبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾(الصافات:8-10)

﴿وَلَقَد زَينا السمَآءَ الدُّنيَا بِمصَابِيحَ وَجَعَلناهَا رُجُوماً لِلشيَاطِينِ﴾(الملك: 5)

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي  

سنبين نكتة مهمة من نكات هذه الآيات الكريمة وامثالها من الآيات لمناسبة اعتراض يرد من اهل الضلالة على وجه النقد

تفيد هذه الآيات الكريمة ان جواسيس الجن والشياطين يسترقون السمع الى اخبار السموات ويجلبون منها الاخبار الغيبية الى الكهان والماديين، والذين يعلمون في تحضير الارواح. فحيل بين هذه الاخبار وبين التجسس الدائمي لأولئك الجواسيس ورجموا بالشهاب أزيد ماكان في تلك الفترة من بداية الوحي، وذلك لئلا يلتبس شىء على الوحينبين جواباً في غاية الاختصار عن سؤال في غاية الاهمية وهو ذو ثلاث شعب

سؤال

يفهم من امثال هذه الآيات الكريمة المتصدرة انه لاجل استراق السمع وتلقي الخبر الغيبي حتى في الحوادث الجزئية بل احياناً حوادث شخصية تقتحم جواسيس الشياطين مملكة السموات التي هي في غاية البعد، لكأن تلك الحادثة الجزئية هي موضع بحث في كل جزء من اجزاء تلك المملكة الواسعة، ويمكن لاي شيطان كان، ومن أي مكان دخل الى السموات، التنصت ولو بصورة مرقعة الى ذلك الخبر وجلبه هكذا الى الارض.