ومضات تربوية

الشيخوخة والتسلي بالانتساب الى المالك الحقيقي

 
 
﴿كهيعص * ذِكرُ رَحمَتِ رَبكَ عَبدَهُ زكريا * إذْ نادى رَبهُ نِداءً خَفِياً *
 
قال ربّ إني وهَنَ العظمُ مِني واشَتعَلَ الرَّأسُ شَيباً ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِياً﴾
 
(مريم:1-4)
 
قطرة نورية من كليات رسائل النورسي
 
بعدما نجوت من أسر الروس في الحرب العالمية الاولى، لبثت في استانبول لخدمة الدّين في (دار الحكمة الإسلامية) حوالي ثلاث
 
سنوات. ولكن بارشاد القرآن الكريم وبهمة الشيخ الكيلاني، وبانتباهي بالشيخوخة، تولد عندي سأم وملل من الحياة الحضارية في استانبول، وبت أنفر من حياتها الاجتماعية البهيجة، فساقني الشوق والحنين المسمى ب (داء الغُربة) الى بلدتي، اذ كنت اقول: مادمت سأموت فلأمت اذن في بلدتي.. فتوجهت الى مدينة (وان).
 
وهناك قبل كل شيء ذهبت الى زيارة مدرستى المسماة ب(خورخور) فرأيت أن الأرمن قد أحرقوها مثلما احرقوا بقية البيوت الموجودة في (وان) اثناء الاحتلال الروسي..

الشيخوخة والتسلي بالاجر العظيم

 
 
﴿كهيعص * ذِكرُ رَحمَتِ رَبكَ عَبدَهُ زكريا * إذْ نادى رَبهُ نِداءً خَفِياً *
 
قال ربّ إني وهَنَ العظمُ مِني واشَتعَلَ الرَّأسُ شَيباً ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِياً﴾
 
(مريم:1-4)
 
قطرة نورية من كليات رسائل النورسي
 
 عندما كنت نزيل غرفة في (اميرداغ)(1) تحت الاقامة الجبرية وحيداً فريداً، كانت عيون الترصد تتعقبني وتضايقني دائماً فأتعذب منها أشد العذاب، حتى مللت الحياة نفسها وتأسفت لخروجي من السجن، بل رغبتُ من كل قلبي في ان اعود الى سجن (دنيزلي) او دخول القبر، حيث السجن او القبر افضل من هذا اللون من الحياة. فأتتني العناية الإلهية مغيثة، إذ وهبتْ آلة الرونيو التى ظهرت حديثاًلطلاب (مدرسة الزهراء)(2) وهم يحملون اقلاماً ماسية كآلة الرونيو.

الشيخوخة والتسلي بذكر الباقي

 
 
﴿كهيعص * ذِكرُ رَحمَتِ رَبكَ عَبدَهُ زكريا * إذْ نادى رَبهُ نِداءً خَفِياً *
 
قال ربّ إني وهَنَ العظمُ مِني واشَتعَلَ الرَّأسُ شَيباً ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِياً﴾
 
(مريم:1-4)
 
قطرة نورية من كليات رسائل النورسي
 
بينما كنت وحيداً بلا معين في (بارلا) تلك الناحية التابعة لمحافظة (اسبارطة) أعاني الأسر المعذّب المسمى بالنفي، ممنوعاً من الاختلاط بالناس، بل حتى من المراسلة مع أيّ كان، فوق ما كنت فيه من المرض والشيخوخة والغربة.. فبينما كنت اضطرب من هذه الحالة واقاسي الحزن المرير اذا بنور مسلٍّ يشعّ من الاسرار اللطيفة للقرآن الكريم ومن نكاته الدقيقة، يتفضل الحق سبحانه به عليَّ برحمته الكاملة الواسعة فكنت اعمل جاهداً بذلك النور لتناسي ما انا فيه من الحالة المؤلمة المحزنة، حتى استطعت نسيان بلدتي واحبتي واقاربي..

الشيخوخة والتسلي بلقاء الاحبة

 
 
﴿كهيعص * ذِكرُ رَحمَتِ رَبكَ عَبدَهُ زكريا * إذْ نادى رَبهُ نِداءً خَفِياً *
 
قال ربّ إني وهَنَ العظمُ مِني واشَتعَلَ الرَّأسُ شَيباً ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِياً﴾
 
(مريم:1-4)
 
قطرة نورية من كليات رسائل النورسي
 
 بعدما رجعت من الأسر، سيطرت الغفلة عليّ مرة اخرى طوال سنتين من حياتي في استانبول، حيث الأجواء السياسية وتياراتها صرفت نظري عن التأمل في نفسي، وحدثت تشتتاً في ذهني وفكري.
 
فحينما كنت جالساً ذات يوم في مقبرة ابي ايوب الانصاري رضي الله عنه وعلى مرتفع مطلّ على وادٍ سحيق، مستغرقاً في تأمل الافاق المحيطة باستانبول، اذا بي أرى كأن دنياي التخاصة اوشكت على الوفاة، حتى شعرت – خيالاً – كأن الروح تنسل منها انسلالاً من بعض نواحيّ.

الشيخوخة والتسلي بالاخرة

 
 
﴿كهيعص * ذِكرُ رَحمَتِ رَبكَ عَبدَهُ زكريا * إذْ نادى رَبهُ نِداءً خَفِياً *
 
قال ربّ إني وهَنَ العظمُ مِني واشَتعَلَ الرَّأسُ شَيباً ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِياً﴾
 
(مريم:1-4)
 
قطرة نورية من كليات رسائل النورسي
 
 في بداية شيخوختي ومستهلها، ورغبة مني في الانزواء والاعتزال عن الناس، بحثَت روحي عن راحة في الوحدة والعزلة على تل (يوشع) المطل على البسفور. فلما كنت – ذات يوم – اسرح بنظري الى الافق من على ذلك التل المرتفع رأيت بنذير الشيخوخة لوحة من لوحات الزوال والفراق تتقطر حزناً ورقة، حيث جُلتُ بنظري من قمة شجرة عمري، من الغصن الخامس والاربعين منها، الى ان انتهيت الى اعماق الطبقات السفلى لحياتي، فرأيت ان في كل غصن من تلك الاغصان الكائنة هناك ضمن كل سنة، جنائز لاتحصر من جنائز احبائي واصدقائي وكل مَن له علاقة معي.