ومضات تربوية

التمريض تجارة اخروية

 
 
قطرة نورية من كليات رسائل النورسي
 
ايها الممرضون المعتنون بالاطفال المرضى الابرياء وبالشيوخ الذين هم بحكم الاطفال عجزاً وضعفاً‍ ان بين ايديكم تجارة اخروية مهمة، فاغتنموا تلك التجارة وليكن شوقكم اليها عظيماً وسعيكم حثيثاً. ان امراض الاطفال الابرياء هي حقنات تربية ربانية لاجسادهم الرقيقة للاعتياد عليها وترويضهم بها لمقاومة مشتقات الحياة في المستقبل، وهي تحمل حكماً وفوائدَ تعود عليهم في حياتهم الدنيوية وفي حياتهم الروحية، فتصفي حياة الصغار تصفية معنوية مثلما تصفى حياة الكبار بكفارة الذنوب.

مرض مبارك

 
 
قطرة نورية من كليات رسائل النورسي
 
ايها الاخ المريض بداء عضال كالشلل! انني ابشّرك اولاً بأن الشلل يعدّ من الامراض المباركة للمؤمن.. لقد كنت اسمع هذا منذ مدة من الاولياء الصالحين فكنت اجهل سرّه، ويخطر الآن احد اسراره على قلبي هكذا:
 
ان اهل الولاية قد تعقبوا بارادتهم اساسيَن مهمين للوصول الى الحق تبارك وتعالى نجاةً من اخطار معنوية عظيمة ترد من الدنيا وصماناً للسعادة الابدية. والاساسان:
 
اولهما: رابطة الموت، أي أنهم سعوا لاجل سعادتهم في الحياة الابدية بالتفكر في فناء الدنيا وبأنهم ضيوف يُستخدمون لوظائف موقتة.
 
وثانيهما: اماتة النفس الامارة بالسوء بالمجاهدات والرياضة الروحية لاجل الخلاص من مهالك تلك النفس، والاحاسيس التي لاترى العقبى.
 
فيا اخي الذي فقد من كيانه نصف صحته، لقد اُودع فيك دون اختيار منك اساسان قصيران سهلان، يمهدان لك السبيل الى سعادت الابدية، ويذكرانك دائماً بزوال الدنيا وفناء الانسان.

المرض يمنح لذة معنوية

 
 
قطرة نورية من كليات رسائل النورسي
 
ايها الاخ المريض النافذ صبره! مع ان المرض يعطيك ألماً حاضراً فهو يمنحك في الوقت نفسه لذة معنوية مستدرة من زوال مرضك السابق، مع لذةٍ روحية نابعة من الثواب الحاصل من جراء ذلك المرض. فالزمان القابل بعد اليوم، بل بعد هذه الساعة لا يحمل مرضاً. ولاشك أن لا ألمٍ من غير شيء، وما لم يكن هناك ألمٌ فلا توجع ولا شكوى. ولكن لانك تتوهم توهماً خطأً فان الجوع ينتابك، اذ مع زوال فترة المرض المادي قد ذاب ألم تلك الفترة ايضاً وثبت ثواب المرض وبقيت لذة زواله.. فمن البلاهة بل من الجنون ان تتذكر بعد الآن المرض السابق وتتألم منه، فتفقد صبرك وتنفده، في حين بلزمك الانشراح بذهابه والارتياح بثوابه. اما الايام القابلة فانها لم تأت بعد. أليس من البلاهة إشغال النفس من الآن بالتفكير في يوم لم يولد بعد، وفي مرض لم ينزل بعد وفي الم لم يقع بعد؟. فهذا النوع من التوهم – نتيجة التفكر المرير وتكليف النفس ألماً مبرحاً - يدفع الى فقدان الصبر ويُصبغ ثلاثة انواعٍ من العدم بثلاث مراتب من الوجود. أليس هذا جنوناً؟.

المريض الغريب العاجز

 
قطرة نورية من كليات رسائل النورسي
 
ايها المريض الوحيد الغريب العاجز! ان كانت غربتك وعدم وجود من يعيلك فضلاً عن مرضك سبباً في لفت القلوب القاسية نحوك وامتلائها بالرقة عليك، فكيف بنظر رحمة خالقك الرحيم ذي التجليات الذي يقدم نفسه اليك في بدء سور القرآن بصفته الجليلة (الرحمن الرحيم) والذي يجعل جميع الامهات – بلمعةٍ من لمعات شفقته ورأفته الخارقة – يقمن بتربية اولادهن.. والذي يملأ وجه الدنيا ويصبغه في كل ربيع بتجلٍ من رحمته ويملأه بانواع نعمه وفضله.. وبتجلٍ من رحمته كذلك تتجسم الجنة الزاخرة بكل محاسنها. فانتسابك اليه بالإيمان والالتجاء اليه بلسان العجز المنبعث من مرضك، ورجاؤك منه وتضرعك اليه يجعل من مرضك في وحدتك وغربتك هدفاً ووسيلة تجلب اليك نظر الرحمة منه سبحانه تلك النظرة التي تساوي كل شيء.
 
فما دام هو موجوداً ينظر اليك فكل شيء موجود لك. والغريب حقاً والوحيد اصلاً هو ذلك الذي لاينتسب اليه بالإيمان والتسليم، او لايرغب في ذلك الانتساب.

ايها المريض الدنيا ليست للتمتع

 
 
 
قطرة نورية من كليات رسائل النورسي
 
ايها المريض الذي لا يطيق! ان الانسان لم يأت الى هذه الدنيا للتمتع والتلذذ. والشاهد على ذلك: رحيل كل آت، وتشيب الشباب، وتدحرج الجميع في دوّامة الزوال والفراق. وبينا ترى الانسان اكمل الاحياء واسماها واغناها اجهزة بل هو السيد عليها جميعاً، اذا به بالتفكر في لذات الماضي وبلايا المستقبل، يقضي حياته في كدر ومشقة هاوياً بنفسه الى دركات ادنى من الحيوان.
 
فالانسان اذاً لم يأت الى هذه الدنيا لقضاء عيش ناعم جميل مغمور بنسمات الراحة والصفاء، بل جاء الى هنا ليغنم سعادة حياةٍ ابدية دائمة بما يُسر له من سبل التجارة برأس ماله العظيم الذي هو العمر. فاذا انعدم المرضُ، وقع الانسان في الغفلة نتيجة الصحة والعافية، وبدت الدنيا في عينيه حلوة خضرة لذيذة، فيصيبه عندئذ مرضُ نسيانالآخرة، فيرغب عن ذكر الموت والقبر، ويهدر رأس مال عمره الثمين هباءً منثورا..