احدى نكات اسم الله الحكم

By:

Nov 26, 2018

 

تشير الى النور الثالث من الانوار الستة للاسم الاعظم :

﴿ادعُ الى سَبيل ربك بالحِكْمةِ﴾(النحل:125)

لقد تراءت لي نكتة من النكات الدقيقة لهذه الآية الكريمة، ونور من أنوار تجليات اسم الله (الحَكَم) الذي هو اسم الله الاعظم، أو أحد أنواره. في شهر رمضان المبارك. فكُتبت هذه النكتة المشتملة على خمس نقاط على عجل، فأثبتّها على حالها في المسودة دون تنقيح أو تغيير.

النقطة الاولى:

مثلما ذكرنا في (الكلمة العاشرة) ان التجلي الاعظم لاسم (الحَكَم) جعل هذا الكون بمثابة كتاب عظيم كُتبتْ في كل صحيفة من صحائفه مئات الكتب، واُدرجت في كل سطر منه مئات الصفحات، وخُطَّتْ فيكل كلمة منه مئات الاسطر، وتُقرأ تحت كل حرف فيه مئات الكلمات، وحُفِظَ في كل نقطة من نقاطه فهرسٌ مختصر صغير يلخص محتويات الكتاب كله.. فهذا الكتاب بصفحاته وأسطره بل بنقاطه يدل دلالة واضحة ساطعة - بمئات الأوجه - على مصوِّرِه وكاتبه، حتى أن مشاهدة الكتاب الكوني العظيم هذا وحدَها كافية للدلالة على وجود كاتبه، بل تسوقنا الى معرفة وجوده ووحدانيته بما يفوق دلالة الكتاب على نفسه اضعافاً مضاعفة.

اذ بينما يدل الحرفُ الواحد على وجوده ويعبّر عن نفسه بمقدار حرف فأنه يعبّر عن أوصاف كاتبه بمقدار سطر..

نعم! ان سطح الارض (صحيفة) من هذا الكتاب الكبير، هذه الصحيفة تضم كتباً بعدد طوائف النباتات والحيوانات، وهي تُكتب أمام أنظارنا في موسم الربيع في غاية الكمال والاتقان من دون خطأٍ، كتابةً متداخلة، جنباً الى جنب، في آن واحد.

والبستان (سطر) من هذه الصحيفة، نشاهد فيه قصائد منظومة وهي تُكتب أمام أعيننا بعدد الازهار والاشجار والنباتات، كتابةً متداخلة، جنباً الى جنب، من دون خطأ.

والشجرة النامية الزاهية أوراقُها، المفتحة أزهارُها، وقد أوشكت أن تخرج أثمارُها من اكمامها، هذه الشجرة (كلمةٌ) من ذلك السطر، فهذه الكلمة تمثل فقرةً كاملة ذات مغزى تعبّر تعبيراً بليغاً عن ثنائها وحمدها ودلالتها على (الحكم) ذي الجمال، بعدد أوراقها المنتظمة وأزهارها المزينة وأثمارها الموزونة، حتى لكأن تلك الشجرة المفتحة الازهار قصيدةٌ عصماء تتغنى بالمدح والثناء على آلاء بارئها المصور الجليل.

وكأن (الحكيم) ذا الجلال يريد أن ينظر عباده الى ما عَرَضه من بدائع آثاره وعجائب مخلوقاته في معرض الارض البديع بألوف من العيون.

وكأن تلك الهدايا الثمينة والأوسمة الغالية والشارات اللطيفة التي منحها الله تعالى لتلك الشجرة قد أعطتها من الشكل الجميل المزيَّن،

والهيأة الموزونة المنتظمة، والابانة الحكيمة البليغة ما يهيؤها للعرض أمام أنظار الملِك العظيم في يوم عيده البهيج وعرضه العام للمخلوقات.. في الربيع الزاهي.. فتنطلق بالشهادة على وجود البارئ المصور، والدلالة على أسمائه الحسنى ألسنةٌ عديدة ووجوهٌ كثيرة متداخلة؛ من كل زهرة من أزهار الشجرة، ومن كل ثمرة من ثمارها.

فمثلاً: ان كل ما في الزهرة والثمرة موزونٌ بميزان دقيق، وذلك الميزان مقدّر وفق تناسق بديع، وذلك التناسق يسير منسجماً مع تنظيم وموازنةٍ يتجددان، وذلك التنظيم والموازنة يجريان في ثنايا زينة فاخرة وصنعة متقنة، وتلك الزينة والاتقان يظهران بروائح ذات مغزى وبمذاقات ذات حكمة.. وهكذا تشير كل زهرة الى (الحكم) ذي الجلال اشاراتٍ، وتدل عليه دلالات، بعدد أزهار تلك الشجرة.

والشجرة التي هي بمثابة كلمة، وثمارها التي هي بحكم حروف تلك الكلمة، وبذور الثمر كأنها نقاط تلك الحروف التي تضم فهرس الشجرة كاملاً وتحمل خطة اعمالها. هذه الشجرة اذا اخذناها مثالاً وقسنا عليها كتاب الكون الكبير، نرى سطورَه وصحائفه قد صارت بتجلى انوار اسم (الحكيم الحَكَم) معجزة باهرة، بل غدت كل صحيفة منه، وكل سطر منه، وكل كلمة، وكل حرف، وكل نقطة معجزة تبلغ من العظمة ما لو اجتمعت الاسباب المادية كلها على أن تأتي بمثل تلك النقطة - أي البذرة - أو بنظيرها لا تأتي بمثلها. بل تعجز الاسباب جميعُها عجزاً مطلقاً عن معارضتها.

نعم، ان كل آية كونية من آيات قرآن الكون العظيم المنظور تُعرِض للانظار معجزاتٍ نيّرات هي بعدد نقاطها وحروفها، فلا جرم أن المصادفة العشواء والقوة العمياء، والطبيعة الصماء البلهاء التي لا هدف لها ولا ميزان، لا يمكنها ان تتدخل - في أية جهة كانت - في هذا الميزان المتقن الخاص، وفي هذا الانتظام الدقيق البديع المتّسمين بالحكمة والبصيرة. فلو اُفترض تدخلها - جدلاً - لظهر أثر التدخل،بينما لا يشاهَد في أي مكان تفاوتاً ولا خللاً قط.

النقطة الثانية:

وهي مسألتان:

lالمسألة الاولى: مثلما وضح في (الكلمة العاشرة) أنه من القواعد الاساسية الرصينة:

ان الجمال الذي هو في منتهى الكمال لابد أن يَشهَد ويُشهِدَ جمالَه.

وان الكمال الذي هو في منتهى الجمال لابد أن يَشهَد ويُشهِد كمالَه.

فبناء على هذا الدستور العام فان البارئ المصور سبحانه الذي أبدع كتاب الكون العظيم هذا يعرِّف جمالَ كمالِه ويحبّبه بألسنةِ مخلوقاته - ابتداءً من أصغر جزئي الى أكبر كلي - فيعرِّف سبحانه ذاتَه المقدسَّة، ويفهّم كمالَه السامي، ويُظهر جمالَه البديع: بهذا الكون الرائع، وبكل صحيفة فيه، وبكل سطر فيه، وبكل كلمة فيه، بل حتى بكل حرف وبكل نقطة من كتابه العظيم هذا.

فيا أيها الغافل! ان هذا (الحكيم الحَكمَ الحاكم) ذا الجلال والجمال، اذ يعرّف نفسَه لك ويحبّبها اليك بكل مخلوقٍ من مخلوقاته، وبهذه الصورة الرائعة وبهذه الكثرة الكاثرة من الوسائل البديعة، اِن لم تقابِل تعريفَه هذا بالايمان به ولم تعرِفه، وإن لم تقابِل تحبيبه هذا بالعبادة له ولم تحبّب نفسَك اليه، فما أعظم جهلك اذن، وما أفدح خسارتك!. أحذر!. أنتبه!.. وأفِق من غفلتك!.

lالمسألة الثانية: انه لا مكان للشرك قط في هذا الكون الشاسع العظيم الذي أبدعه الصانع القدير الحكيم بقدرته وحكمته؛ لأن وجود منتهى النظام في كل شئ لن يسمح بالشرك ابداً، فلو تدخلت أيدٍ متعددة في خلق شئٍ ما لبان التفاوت والاختلال في ذلك الشئ، مثلما تختلط الامور اذا ما وجد سلطانان في بلاد، ومسؤولان في مدينة،ومديران في قصبة، ومثلما يرفض أبسط موظف تدخل أحدٍ في شأن من شؤونه التي تخص وظيفته..

كل ذلك دلالة على ان الخاصة الاساسية للحاكمية انما هي: (الاستقلال) و(الانفراد) فالانتظام يقتضي الوحدة كما ان الحاكمية تقتضي الانفراد.

فاذا كان ظلٌ باهت زائل للحاكمية لدى هذا الانسان العاجز الفقير يردّ المداخلة بقوة، فكيف بالحاكمية الحقيقية التي هي في مرتبة الربوبية المطلقة لدى القدير المطلق سبحانه؟ ألا تردّ الشرك وترفضه رفضاً باتاً؟.

فلو اُفترض التدخل - ولو بمقدار ذرة - لاختلط الانتظام والتناسق واختل النظام والميزان!. مع العلم ان هذا الكون قد أبدع ابداعاً رائعاً الى حد يلزم لخَلْق بذرة واحدة قدرة قادرة على خلق شجرة كاملة، ويلزم لخلق شجرة واحدة قدرة قادرة لإبداع الكون كله. واذا ما افتُرض وجود شريك في الكون كله وَجَب أن يظهر نصيبهُ في التدخل لخلقِ أصغر بذرة مثلاً - اذ البذرة نموذج الكائنات - وعندئذ يلزم استقرار ربوبيتين - لا يسَعهما الكونُ العظيم - في بذرة صغيرة، بل في ذرة!! وهذا من أسخف المحالات والخيالات الباطلة وأبعدها عن المنطق والعقل.

فاعلم من هذا! ما أتفه الشرك والكفر من خرافة! وما اكذبهما من كلمة! وما أفظعهما من افتراء! اذ يقتضيان عجز القدير المطلق الذي يمسك السموات والارض أن تزولا، والذي بيده مقاليد السموات والارض يديرهما بميزان عدله ونظام حكمته.. يقتضيان عجزه سبحانه حتى في بذرة صغيرة!!

واعلم! ما أصوبَ التوحيد من حق وحقيقة! وما أعدله من صدق وصواب! ادرك هذا وذاك وقل: الحمد لله على الايمان.

النقطة الثالثة:

ان الصانع القدير باسمه (الحَكَم والحكيم) قد أدرج في هذا العالم ألوف العوالم المنتظمة البديعة، وبوأ الانسانَ - الذي هو اكثر من يمثل الحِكَم المقصودة في الكون وأفضل مَن يظهرها - موقعَ الصدارة، وجعله بمثابة مركز تلك العوالم ومحورها؛ اذ يتطلع ما فيها من حِكَم ومصالح الى الانسان. وجعل الرزق بمثابة المركز في دائرة حياة الانسان؛ فتجد ان معظم الحِكَم والغايات وأغلب المصالح والفوائد – ضمن عالم الانسان – تتوجه الى ذلك الرزق وتتضح به؛ لذا فان تجليات اسم (الحكيم) تبدو واضحة بأبهر صورها واسطعها من خلال مشاعر الانسان، ومن تضاعيف مذاقات الرزق، حتى غدا كل علم - من مئات العلوم التي توصّل الانسان الى كشفها بما يملك من شعور - يعرِّف تجلياً واحداً من تجليات اسم (الحَكَم) في نوع من الأنواع.

فمثلا:

لو سُئل علم الطب: ما هذه الكائنات؟

لأجاب: انها صيدلية كبرى اُحضرت فيها باتقان جميع الادوية وأدّخرَت.

واذا ما سُئل علم الكيمياء: ما هذه الكرة الارضية؟

لأجاب: انها مختبر كيمياء منتظم بديع كامل.

على حين يجيب علم المكائن: انها معمل منسَّق كامل لا ترى فيه نقصاً.

كما يجيب علم الزراعة: انها حديقة غنَّاء ومزرعة معطاء، تستنبت فيها انواع المحاصيل، كلٌ في أوانه.

ولأجاب علم التجارة: انها معرض تجاري فخم، وسوق في غاية الروعة والنظام، ومحل تجاري يحوي أنفس البضائع المصنوعة وأجودها.

ولأجاب علم الاعاشة: انها مستودع ضخم يضم الأرزاق كلها بأنواعها وأصنافها.

ولأجاب علم التغذية: انها مطبخ رباني تطبخ فيه مئات الالوف من الاطعمة الشهيَّة اللذيذة جنباً الى جنب بنظام في غاية الاتقان والكمال.

ولو سئل علم العسكرية عن الارض!

لأجاب: انها معسكر مهيب يُساق اليه في كل ربيع جنودٌ مسلحون جُدد يؤلفون أمماً مختلفة من النباتات والحيوانات يبلغ تعدادها اكثر من اربعمائة ألف أمة، فتُنصَب خِيَمُهم في ارجاء سطح الارض. وعلى الرغم من أن ارزاق كل أمَّة تختلف عن الاخرى، وملابسها متغايرة واسلحتها متباينة، وتعليماتها مختلفة، ورُخَصها متفاوتة، الا ان أمور الجميع تسير بانتظام رائع، ولوازم الجميع تُهيأ دون نسيان ولا التباس، وذلك بأمر من الله تعالى وبفضل رحمته السابغة صادراً من خزينته الواسعة.

واذا ما سئل علم الكهرباء!

لأجاب: ان سقف قصر الكون البديع هذا قد زُيِّن بمصابيح متلألئة لاحدَّ لكثرتها ولا منتهى لروعتها وتناسقها، حتى ان النظام البديع والتناسق الرائع الذي فيه يحولان دون انفجار تلك المصابيح السماوية المتوهجة دوماً - وهي تكبر الارض الف مرة وفي مقدمتها الشمس - ودون انتقاص توازنها او نشوب حريق فيما بينها..

تُرى من أي مصدرٍ تُغذّى تلك المصابيح التي لا يحد ولا ينفد استهلاكها؟. ولِمَ لا يختل توازن الاحتراق؟ علماً ان مصباحاً زيتياً صغيراً إن لم يُراعَ ويُعتنَ به باستمرار ينطفئ نورُه ويخبُ.. فسبحانه من قدير حكيم ذي جلال كيف أوقد الشمس - التي هي أضخم من الارض بمليون مرة ومضى على عمرها أكثر من مليون سنة - حسب ما توصل اليه علم الفلك - دون ان تنطفئ ومن دون وقود أو زيت ..(1)

تأمل في هذا وسبّح باسم ربك العظيم وقل: ما شاء الله، تبارك الله، لا اله الا الله.. قلها بعدد الثواني التي مرت على عمر الشمس.. فلاشك ان نظاماً بديعاً صارماً هو الذي يهيمن على هذه المصابيح السماوية المتلألئة ولابد أن رعايتها، ومراقبتها دقيقة، حتى كأن مصدر الحرارة - والمرجل البخاري - لتلك الكتل النارية التي هي في منتهى الضخامة وفي غاية الكثرة، انما هي جهنم لا تنفد حرارتُها وترسلها الى الكل مظلمة قاتمة بلا نور. وكأن ماكنة تلك المصابيح المنورة والقناديل المضيئة التي لاتعد ولا تحصى هي جنة دائمة ترسل اليها النور والضياء فيستمر اشتعالها المنتظم بالتجلي الاعظم لاسم (الحكم والحكيم).

وهكذا قياساً على هذه الامثلة، فان كل علمٍ من مئات العلوم يشهد قطعاً: ان هذا الكون قد زُيِّن بحِكَمٍ ومصالح شتى ضمن انتظام كامل لا نقص فيه، وان تلك الانظمة البديعة والحِكَم السامية النابعة من تلك الحكمة المعجزة المحيطة بالكون قد أدرجت بمقياس اصغر، حتى في اصغر كائن حي وفي أصغر بذرة..

ومن المعلوم بداهة ان تتبع الغايات وارداف الحِكَم والفوائد بانتظام لايحصل الا بالارادة والاختيار والقصد والمشيئة، والاّ فلا. فكما ان هذا العمل البديع ليس هو من شأن الاسباب والطبيعة - اللتين لا تملكان ارادةً ولا اختياراً ولا قصداً ولا شعوراً - فلن يكون لهما تدخلٌ فيه كذلك؛ لذا فما أجهل مَن لايعرف أولا يؤمن بالفاعل المختاروبالصانع الحكيم الذي تدل عليه هذه الانظمةُ البديعة والحِكَم الرفيعة التي لاحدَّ لها وهي مبثوثة في موجودات الكون قاطبة.

نعم! ان كان هناك شئٌ يُستَغرب منه ويُثير عند الانسان العَجب في هذه الدنيا انما هو: انكار وجوده سبحانه؛ لأن الانتظام بأنواعه البديعة التي لا تعد والحِكَم بأشكالها السامية التي لا تحصى والمندرجة في كل موجود في الكون شواهد صادقة على وجوب وجوده سبحانه وعلى وحدانيته.. فبعداً لعمىً ما بعده عمى! وسحقاً لجهلٍ ما بعده جهل لمن لايرى هذا (الرب الحكيم) سبحانه! حتى يمكنني القول: أن السوفسطائيين الذين يُعَدّون حمقى لأنكارهم وجود الكون، هم أعقلُ أهل الكفر؛ لأن الاعتقاد بوجود الكون ومن بعده انكار خالقه - وهو الله سبحانه - غير ممكن قطعاً، ولا يُقبل اصلاً، لذا بدأوا بانكار الكون وأنكروا وجودهم أيضاً، وقالوا لاشئ موجود على الاطلاق. فأبطلوا عقولهم، وانقذوا أنفسهم بأقترابهم شيئاً الى العقل من متاهة الحماقة المتناهية للمنكرين الجاحدين الحمقى المتسترين تحت ستار العقل!

النقطة الرابعة:

مثلما أشير في (الكلمة العاشرة) الى أنه: اذا ما شيَّد معماري بارع حكيم قصراً منيفاً، وأودع في كل حجر من احجاره مئات الحِكَم والمصالح والفوائد، فلا يتصور مَن له شعور ان لايبني له سقفاً يحفظه من البلى والفساد؛ لان هذا يعني تعريض البناء الى العدم والتلف وضياع تلك الفوائد والحكم التي كان يرعاها ويتولاها، وهذا ما لايرضى به ذو شعور. أو أن حكيماً مطلقاً يُنشئ من درهم من البذور مئات الاطنان من الفوائد والحكم والغايات، ويتعقبها ويديرها، لا يمكن ان يَتَصور مَن له عقل صدور العبث والاسراف المنافيين كلياً للحكمة المطلقة من ذلك (الحكيم المطلق) فيقلّد الشجرة الضخمة فائدة جزئية، وغاية تافهة وثمرة قليلة، علماً أنه ينفق لإنشائها واثمارها الكثير!..

نعم، فكما لا يمكن ان يتصور هذا أو ذاك عاقلٌ قط، كذلك لا يمكن ان يتصور مَن له مسكةُ عقل أن يصدُر من (الصانع الحكيم) العبثُ والاسراف بعدم اتيان الآخرة وبعدم اقامته الحشر والقيامة بعد أن قلَّد كل موجود في قصر الكون هذا مئاتٍ من الحكم والمصالح وجهزه بمئاتِ الوظائف - حتى انه قلَّد كل شجرة حكماً بعدد ثمارها ووظائف بعدد ازهارها - فلا يمكن ان يتوارد على خاطر عاقل ان يضيّع هذا (الحكيمُ الجليل) جميعَ هذه الحِكم والمقاصد وجميع هذه الوظائف بعدم اقامته القيامة والآخرة.

اذ يعني هذا اسناد العجز التام الى قدرة القدير المطلق، وتنسيب العبث والضياع الى الحكمة البالغة للحكيم المطلق، وارجاع القبح المطلق الى جمال رحمة الرحيم المطلق، واسناد الظلم المطلق الى العدالة التامة للعادل المطلق، أي انكار كل من الحكمة والرحمة والعدالة الظاهرة المشاهدة، انكارها كلياً من الوجود! وهذا من أعجب المحالات واشدها سخفاً واكثرها بطلاناً!.

فليأت أهلُ الضلالة، ولينظروا الى ضلالتهم كيف انها مظلمة مليئة بالعقارب والحيات كقبورهم التي سيصيرون اليها! وليدركوا ان طريق الايمان بالآخرة منوَّرٌ جميل كالجنة فليسلكوه ولينعَموا بالايمان.

النقطة الخامسة:

وهي مسألتان:

lالمسألة الاولى: ان تعقب الصانع الجليل - بمقتضى اسم (الحكيم) لألطف صورة في كل شئ واقصر طريق، وأسهل طراز، وأنفع شكل.. يدل دلالة واضحة على ان الفطرة لا إسراف فيها قط ولا عبث، فما من شئ الاّ وفيه نفعه وجدواه، وإن الاسراف مثلما ينافي اسم (الحكيم) فالاقتصاد لازمُه ومقتضاه ودستوره الاساس.

فيا ايها المسرف المبذر! اعلم مدى مجانبتك الحقيقة بقعودك عن تطبيق أعظم دستور للكون المبني على الاقتصاد. وتدبّر الآية الكريمة ﴿وكُلوا واشربوا ولاتُسرفوا﴾(الاعراف: 31) لتعلم مدى رسوخ الدستور الواسع الشامل الذي ترشد اليه.

lالمسألة الثانية: يصح ان يقال: ان اسم الله (الحكم) و(الحكيم) يقتضيان بداهة نبوة محمد   صلى الله عليه وسلم ورسالته، ويدلان عليها ويستلزمانها.

 

 

 

نعم! مادام الكتاب البليغ بمعانيه ومراميه، يقتضي بالضرورة معلماً بارعاً لتدريسه.. والجمال الفائق يقتضي مراةً يتراءى فيها، ويُري بها جمالَه وحُسنه.. والصنعةُ البديعة تستدعي منادياً داعياً اليها..

فلابد ان يوجد بين بني البشر الذي هو موضع خطاب كتاب الكون الكبير المتضمن مئات المعاني البليغة والحِكَم الدقيقة في كل حرف من حروفه، اقول:

لابد ان يوجد رائدٌ اكمل، ومعلمٌ اكبر، ليرشد الناس الى ما في ذلك الكتاب الكبير من حِكم مقدسة حقيقية.. وليعلّم وجود الحِكَم المبثوثة في ارجائه ويدل علىها.. وليكون مبعث ظهور المقاصد الربانية في خلق الكون، بل السبب في حصولها.. وليرشد الى مايريد الخالق اظهارَه من كمال صنعته البديعة، وجمال اسمائه الحسنى، فيكون كالمرآة الصافية لذلك الكمال البديع والجمال الفائق.. ولينهض بعبودية واسعة - باسم المخلوقات قاطبة - تجاه مظاهر الربوبية الواسعة، مثيراً الشوقَ وناثراً الوجدَ في الآفاق براً وبحراً ملفتاً انظار الجميع الى الصانع الجليل بدعوةٍ ودعاء، وتهليل وتسبيح وتقديس، ترنّ به ارجاء السماوات والارض.. وليقرع اسماع جميع ارباب العقول بما يلقّنه من دروس مقدسة سامية وارشادات حكيمة من القرآن الحكيم.. وليبين بأجمل صورة واجلاها بالقرآن العظيم المقاصد الإلهية لذلك الصانع (الحكم الحكيم).. وليستقبل بأكمل مقابلة وأتمهامظاهر الحكمة البالغة والجمال والجلال المتجلية في الآفاق. فانسانٌ هذه مهمته، انسان ضروري وجوده،بل يستلزمه هذا الكون،كضرورة الشمس ولزومها له.

فالذي يؤدي هذه المهمات، وينجز هذه الوظائف على اتم صورة ليس الا الرسول الاكرم  صلى الله عليه وسلم كما هو مشاهد؛ لذا فكما تستلزم الشمس الضوء، ويستلزم الضوء النهار، فالحِكَم المبثوثة في آفاق الكون وجنباته تستلزم نبوة محمد  صلى الله عليه وسلم ورسالته.

 

 

نعم! مثلما يقتضي التجلي الاعظم لاسم (الحكم والحكيم) - في اوسع مداه - الرسالة الاحمدية، فان اغلب الاسماء الحسنى؛ (الله، الرحمن، الرحيم، الودود، المنعم، الكريم، الجميل، الرب) وامثالها، تستلزم الرسالة الاحمدية في اعظم تجلياتها واحاطتها بالكون كله، استلزاماً قاطعاً لا ريب فيه.

فمثلاً:

ان الرحمة الواسعة التي هي تجلي اسم (الرحيم) تظهر بوضوح بمَن هو (رحمة للعالمين)..

وان التحبب الإلهي، والتعرف الرباني - اللذين هما من تجليات اسم (الودود) - يفضيان الى نتيجتهما ويجدان المقابلة بـ(حبيب رب العالمين)..

وان جميع انواع الجمال: من جمال الذات الى جمال الاسماء، وجمال الصنعة والاتقان، وجمال المصنوعات، والمخلوقات، كل انواع الجمال – التي هي تجلٍ من تجليات اسم (الجميل) - تشاهَد في تلك المرآة الاحمدية، وتُشهد بها..

بل حتى تجليات عظمة الربوبية، وهيمنة سلطنة الالوهية انما تُعرف برسالة هذا الداعية العظيم الى سلطان الربوبية وتتبين بها، وتُفهم عنها، وتؤخذ منها وتُصدّق بها..

وهكذا فأغلب الاسماء الحسنى انما هي برهان باهر على الرسالة الاحمدية كما مر آنفاً..

نحصل مما سبق:

ما دام الكون موجوداً بالفعل ولا يمكن انكاره، فلا يمكن ان يُنكَر كذلك ما هو بمثابة ألوانِه وزينته، وضيائه واتقانه، وانواع حياته، واشكال روابطه من الحقائق المشهودة، كالحكمة، والعناية، والرحمة، والجمال، والنظام، والميزان، والزينة، وامثالها من الحقائق..

فمادام لا يمكن انكار هذه الصفات والافعال، فلا يمكن انكار موصوف تلك الصفات، ولا يمكن انكار فاعل تلك الافعال ونور شمس تلك الاضواء، اعني ذات (الله) الاقدس جلّ جلالُه (الواجب الوجود)، الذي هو الحكيم، الرحيم، الجميل، الحكم، العدل..

وكذا لا يمكن انكار مَن هو مدارٌ لظهور تلك الصفات والافعال، بل مَن هو مدارٌ لعرض كمالاتها، بل تحقق تجلياتها، ذلكم الرسول الكريم محمد y، الرائد الاكبر، والمعلم الاكمل، والداعية الاعظم، وكشاف طلسم الكائنات، والمرآة الصمدانية، وحبيب الرحمن.. فلا يمكن انكار رسالته قطعاً، لأنها اسطع نور في هذا الكون كسطوع ضياء عالم الحقيقة ونور حقيقة الكائنات .

عليه وعلى آله وصحبه الصلاة والسلام بعدد عاشرات الايام وذرات الأنام.

﴿سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلاّ مَا عَلّمْتَنَا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيمُ﴾ (*)

______________________________

(1) اذا ماحُسب مايلزم مدفأة قصر الكون ومصباحه -وهو الشمس- كم تحتاج يومياً من الوقود ومن الزيت للاضاءة، نرى أنها -بحساب الفلكيين- بحاجة الى مليون ضعف حجم الكرة الارضية من الوقود والوف الاضعاف من حجم البحار من الزيوت!!

فتأمل في عظمة الخالق القدير ذي الجلال الذي يوقد تلك المدفأة ويشعل ذلك السراج الوهاج من دون وقود ولازيت، ويشعلها بلا انقطاع. تدبّر في سعة حكمته وطلاقة قدرته، وقل: سبحان الله.. ماشاء الله.. تبارك الله.. بعدد ذرات الشمس. المؤلف

(*) كليات رسائل النور - اللمعات - ص: 528