لِمَ استأت منا

By:

Mar 26, 2019

 

جواب عن سؤال يتسم بالنقد.

يقال من جانب اهل الدنيا:

لِمَ استأت منا وسكتّ فلا تراجعنا ولو لمرة واحدة. ثم تشكو منا شكاية شديدة قائلاً: (انتم تظلمونني). فنحن اصحاب مبدأ، لنا دساتيرنا الخاصة نسير في ضوئها على وفق ما يتطلبه هذا العصر بينما انت لا تنفذ هذه الدساتير على نفسك وترفضها علماً أن من ينفذ القانون لا يكون ظالماً، بينما الرافض له يكون عاصياً. ففي عصرنا هذا، عصر الحرية – مثلاً – وفي عهد الجمهوريات التي بدأنا به حديثاً يجري دستور رفع الاكراه والتسلط على الاخرين. اذ المساواة قانون اساس لدينا، بينما انت تكسب اقبال الناس نحوك وتلفت انظارهم اليك تارة بزيّ العلم واخرى بالتزهد، فتحاول تكوين قوةٍ وكسب مقامٍ خارج نطاق نفوذ الدولة.

هكذا يُفهم من ظاهر حالك وهكذا يدلنا مجرى حياتك السابقة، فهذه الحالة ربما تُستصوب في نطاق تحكم البرجوازيين – بالتعبير الحديث – الاّ ان صحوة طبقة العوام وتغلبها جعلت جميع دساتير الاشتراكية والبلشفية تسيطر وتهيمن، وهي التي تلائم امورنا اكثر من غيرها. فنحن في الوقت الذي رضينا بدساتير الاشتراكية نشمئز من اوضاعك، اذ هي تخالف مبادئنا. لذا لا حق لك في الاستياء منا ولا الشكوى من مضايقاتنا لك.

الجواب: ان من يشق طريقاً في الحياة الاجتماعية ويؤسس حركة، لايستثمر مساعيه ولن يكون النجاح حليفه في امور الخير والرقي ما لم تكن الحركة منسجمة مع القوانين الفطرية التي تحكم الكون، بل تكون جميع اعماله في سبيل التخريب والشر.

فما دام الانسجام مع قانون الفطرة ضرورياً، فان تنفيذ قانون المساواة المطلقة لا يمكن الاّ بتغيير فطرة البشر ورفع الحكمة الاساسية في خلق النوع البشري.

نعم! انني من حيث النسب ونمط معيشة الحياة من طبقة العوام، ومن الراضين بالمساواة في الحقوق فكراً ومشرباً، ومن العاملين على رفض سيطرة طبقة الخواص. المسلمين بالبرجوازيين واستبدادهم منذ السابق وذلك بمقتضى الرحمة وبموجب العدالة الناشئة من الاسلام.

لذا فانا بكل ما اوتيت من قوة بجانب مع العدالة التامة، وضد الظلم والسيطرة والتحكم والاستبداد.

بيد ان فطرة النوع البشري وحكمة خلقه تخالفان قانون المساواة المطلقة، اذ الفاطر الحكيم سبحانه كما يستحصل من شيء قليل محاصيل كثيرة، ويكتب في صحيفة واحدة كتباً كثيرة، ويُجرى بشيء واحد وظائف جمة، كذلك يُنجز بنوع البشر وظائف الوف الانواع، وذلك اظهاراً لقدرته الكاملة وخكمته التامة.

فلاجل تلك الحكمة العظيمة، خلق سبحانه الانسان على فطرة جامعة، لها من القدرة ما يثمر الوف سنابل الانواع، وما يعطى طبقات كثيرة بعدد انواع سائر الحيوانات؛ اذ لم يحدِّد سبحانه قوى الانسان ولطائفه ومشاعره كما هو الحال في الحيوانات، بل اطلقها واهباً له استعداداً يتمكن به من السياحة والجولان ضمن مقامات لاتحد، فهو في حكم الوف الانواع، وان كان نوعاً واحداً.

ومن هنا اصبح الانسان في حكم خليفة الارض.. ونتيجة الكون.. وسلطان الاحياء.. وهكذا فان اجلّ خميرة لتنوع النوع البشري واهم نابض محرك له هو التسابق لإحراز الفضيلة المتسمة بالإيمان الحقيقي . فلا يمكن رفع الفضيلة الاّ بتبديل الماهية البشرية واخماد العقل وقتل القلب وافناء الروح.

(لا يمكن بالظلم والجور محو الحرية

ارفع الادراك ان كنت مقتدراً من الانسانية!)

هذا الكلام الرصين اُثير خطأً في وجه رجل ذي شأن ما كان يليق به مثل هذه الصفعة، بل جدير بهذا الكلام أن يصفع به الوجه الغدار لهذا العصر الحامل لاستبداد رهيب يتستر بهذه الحرية.

فانا اقول بدلاً من هذا الكلام:

لا يمكن بالظلم والجور محو الحقيقة

إرفع القلب ان كنت مقتدراً من الانسانية!

او اقول:

لا يمكن بالظلم والجور محو الفضيلة

إرفع الوجدان ان كنت مقتدراً من الانسانية!

نعم! ان الفضيلة المتسمة بالإيمان، كما لا تكون وسيلة للاكراه، لا تكون سبباً للاستبداد قطعاً. اذ الاكراه والقسر والتسلط على الآخرين، رذيلة ليس الاّ، بل ان اهم مشرب لدى اهل الفضيلة هو الاندماج في المجتمع بالعجز والفقر والتواضع. ولقد مضت حياتنا ولله الحمد وما زالت كذلك تمضي على وفق هذا المشرب. فانا لا أدعي متفاخراً انني صاحب فضيلة، ولكن اقول تحدثاً بنعمة الله عليّ وبنية الشكر له سبحانه: قد احسن اليّ جلّ وعلا بفضله وكرمه فوفقني الى العمل للعلوم الإيمانية والقرآنية وادراكها وفهمها. فتصرفت طوال حياتي – لله الحمد – هذا الاحسان الإلهي بتوفيق منه تعالى، في مصالح هذه الامة المسلمة وبذلته في سبيل سعادتها، ولم يك في أي وقت كان وسيلة للاكراه والتسلط على الآخرين. كما انني – بناء على سرّ مهم أنفر من اقبال الناس وجلب استحسانهم المرغوبتين لدى اهل الغفلة؛ اذ قد ضيعا عليّ عشرين سنة من عمري السابق، فلهذا اعدّهما مضَّرين لي. الاّ انني اراهما أمارة على اقبال الناس على رسائل النور فلا أُسخطهم.

فيا اهل الدنيا!

في الوقت الذي لا اتدخل في دنياكم قط؛ ولا علاقة لي بأية جهة كانت بمبادئكم. ولست عازماً على التدخل مجدداً بالدنيا، بل ولا لي رغبة فيها اصلاً كما تشهد بذلك حياتي، هذه التي قضيتها اسير المنفى طوال تسع سنوات. فلماذا تنظرون اليّ وكأنني متجبر سابق، يضمر التسلط على الآخرين ويتحين الفرص لذلك. بأي قانون يُجرى وعلى اية مصلحة يُبنى هذا المدى من الترصد والمراقبة والعنت؟

فلا توجد في العالم كله، حكومة تعمل فوق القانون، وتسمح بهذه المعاملة القاسية التي اعامل بها والتي لا يرضى بها فرد مهما كان.

فهذه المعاملات السيئة التي تعاملونني بها لا تولد سخطي وحده، بل سخط نوع الانسان – إن ادرك – بل سخط الكائنات.(*)

 

_____________________

(*) كليات رسائل النور – اللمعات ص:257