الشيخوخة والتسلي بالعناية الربانية

By:

Apr 6, 2019

 

﴿كهيعص * ذِكرُ رَحمَتِ رَبكَ عَبدَهُ زكريا * إذْ نادى رَبهُ نِداءً خَفِياً *

قال ربّ إني وهَنَ العظمُ مِني واشَتعَلَ الرَّأسُ شَيباً ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِياً﴾

(مريم:1-4)

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

 عندما ساقوني منفياً الى قسطموني(1) بعد أن اكملت سنة محكوميتي في سجن (اسكي شهر) وانا الشيخ الهرم، مكثت موقوفاً

هناك في مركز الشرطة حوالي ثلاثة اشهر. ولا يخفى عليكم مدى الأذى الذي يلحق بمثلي في مثل هذه الاماكن، وقد انعزل عن الناس، ولا يتحمل البقاء حتى مع اصدقائه الاوفياء، ولا يطيق أن يبدل زيه الذي اعتاد عليه(1).

فبينما كان اليأس يحيط بي من كل جانب، اذا بالعناية الإلهية تغيث شيخوختي، اذ اصبح افراد الشرطة المسؤولين في ذلك المخفر بمثابة اصدقاء أوفياء، حتى كانوا يخرجونني متى شئت للاستجمام والتجوال في سياحة حول المدينة وقاموا بخدمتي كأي خادم خاص، فضلاً عن أنهم لم يصروا عليّ بلبس القبعة مطلقاً.

ثم دخلت المدرسة النورية التي كانت مقابل ذلك المخفر في قسطموني وبدأت بتأليف الرسائل، وبَدأ كل من (فيضي وامين وحلمي وصادق ونظيف وصلاح الدين) وامثالهم من ابطال النور يداومون في تلك المدرسة لاجل نشر الرسائل وتكثيرها، وأبدوا في مذكراتهم العلمية القيمة التي أمضوها هناك جدارة تفوق ما كنت قضيتها ايام شبابي مع طلابي السابقين.

ثم بدأ اعداؤنا المتسترون يحرَضون علينا بعضاً من المسؤولين وبعضاً ممن يعتدون بأنفسهم والمغرورين من العلماء والمشايخ الصوفية، فأصبحوا الوسيلة في جمعنا في تلك المدرسة اليوسفية (سجن دنيزلي) مع طلاب النور القادمين من عدة ولايات.

هذا وان تفاصيل هذا الرجاء السادس عشر هي في تلك الرسائل التي ارسلتها سراً من (قسطموني) والتي ضمت في كتاب (ملحق قسطموني) وفي الرسائل المقتضبة السرية التي كنت قد ارسلتها الىاخواني من سجن دنيزلي. ويرد تفاصيله ايضاً في (الدفاع) المرفوع امام محكمة دنيزلي.

فحقيقة هذا الرجاء تظهر بوضوح في ذلك، نحيل الى تلك التفاصيل المذكورة في (الملحق) و (الدفاع) ونشير هنا اشارة مختصرة اليها:

لقد خبأتُ بعض الرسائل الخاصة والمجموعات المهمة ولاسيما التي تبحث عن دجال المسلمين (السفياني) وعن كرامات رسائل النور، خبأتها تحت أكوام من الحطب والفحم لأجل أن تنشر بعد وفاتي، او بعد أن تصغي آذان الرؤساء وتعي رؤوسهم الحقيقة ويرجعوا الى صوابهم. كنت مطمئت البال من هذا العمل، ولكن ما ان داهم موظفو التحريات ومعاون المدعي العام البيت واخرجوا تلك الرسائل المهمة المخبوءة من تحت اكوام الفحم والحطب، ساقوني الى سجن (اسبارطة) وانا اعاني من اعتلال صحتي ما اعاني. وبينما كنت متألماً بالغ الالم ومستغرقاً في التفكير حول ما اصاب رسائل النور من اضرار، اذا بالعناية الربانية تأتي لأغاثتنا جميعاً حيث بدأ المسؤولون الذين هم في أمسّ الحاجة الى قراءة تلك الرسائل المخبوءة القيمة، بدأوا بدراستها بكل اهتمام ولهفة، فتحولت تلك المحافل الرسمية الى ما يشبه المدارس النورية، اذ انقلب النقد والجرح عندهم الى نظرة الاعجاب والتقدير. حتى انه في (دنيزلي) قرأ الكثيرون سواء من المسؤولين او غيرهم – دون علمنا – رسالة (الآية الكبرى) المطبوعة بسرية تامة فازدادوا أيماناً واصبحوا سبباً لجعل مصيبتنا كأن لم تكن.

ثم ساقونا الى سجن دنيزلي وزجوني في ردهة كبيرة ذات عفونة ورطوبة شديدتين فوق ما فيها من برودة شديدة، فاعتراني حزن وألم شديدان من جراء ابتلاء اصدقائي الابرياء بسببي فضلاً عن الحزن النابع مما اصاب انتشار (النور) من عطل ومصادرة مع ما كنت اعانيه من الشيب والمرض.. كل ذلك جعلني اتقلب مضطرباً فيضجر وسأم.. حتى اغاثتني العناية الربانية فحوّلت ذلك السجن الرهيب الى مدرسة نورية، فحقاً ان السجن مدرسة يوسفية، وبدأت رسائل النور بالانتشار والتوسع حيث بدأ أبطال (مدرسة الزهراء) بكتابة تلك الرسائل بأقلامهم الالماسية. حتى أن بطل النور قد استنسخ اكثر من عشرين نسخة من رسالتي (الثمرة) و(الدفاع) خلال مدة لم تتجاوز اربعة اشهر، مع ضراوة تلك الظروف المحيطة، فكانت تلك النسخ سبباً للفتوحات في السجن وفي خارجه فحوّل ضررنا في تلك المصيبة الى منافع وبدّل ضجرنا وحزننا الى افراح، مبدياً مرة اخرى سراً من اسرار الآية الكريمة ﴿وعَسى أنْ تَكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكُم﴾(القرة:216).

ثم وُزّع ضدنا بيان شديد اللهجة بناء على التقرير السطحي الخاطيء المقدَّم من قبل (الخبراء الاوليين) وشنّ وزير التربية هجوماً عنيفاً علينا، مما حدا بالبعض أن يطالب باعدامنا بل قد سعوا في الامر.

وفي هذا الوقت العصيب بالذات جاءتنا العناية الربانية فأسعفتنا ايضاً، اذ بينا ننتظر انتقادات لاذعة عنيفة من (خبراء انقرة) اذا بتقاريرهم المتضمنة للاعجاب والتقدير برسائل النور، واذا بهم لم يجدوا من مجموع خمسة صناديق من رسائل النور الاّ بضعة اخطاء لاتتجاوز العشرة، وقد وضحنا امام المحكمة واثبتنا كذلك ان هذه الاخطاء التي أوردوها ليست أخطاءً، بل الحقيقة بعينها، وان الخبراء هم انفسهم على خطأ فيما يدّعون، وبينا أن في تقريرهم المتكون من خمس اوراق حوالي عشرة اخطاء.

وبينما كنا ننتظر التهديد والأوامر المشددّة من الدوائر الرسمية السبع التي أُرْسِلَتْ إليها رسالتا "الثمرة" و"الدفاع" كما أُرسلت إلى دائرة العدل جميعُ الرسائل، ولاسيما تلك الرسائل الخاصة المتضمنة للصفعات الشديدة والتعرض لأهل الضلالة.. أجل، بينما كنا ننتظر التهديد العنيف منهم، إذا بتقاريرهم المسلّية وهي في منتهى اللين والرقة -الشبيهة بتلك الرسالة التي بعثها رئيس الوزراء إلينا- وكأنهم يبدون رغبتهم في المصالحة معنا. فأثبت -كل هذا- إثباتاً قاطعاً أنَّ حقائق رسائل النور بفضل العناية الإلهية وكرامتها قد غلبَتهم وانتصرت عليهم حتى جعلَتهم يقرؤونها ويسترشدون بها، وحَوَّلتْ تلك الدوائر الرسمية الواسعة إلى ما يشبه المدارس النورية، وأنقذت كثيراً من الحيارى والمترددين وشدّت من إيمانهم، مما ملأنا بهجة وسروراً هو أضعاف أضعاف ما كنا نعانيه من ضيق وضجر.

ثم دسّ الأعداءُ المتسترون السُّمَّ في طعامي، ونُقل بطل النور الشهيد "الحافظ علي" على إثرها إلى المستشفى بدلاً عني، ومن ثم ارتحل إلى عالم البرزخ أيضاً عوضاً عني، مما جعلنا نحزن كثيراً ونبكي بكاءً حاراً عليه.

لقد قلت يوماً -قبل نـزول هذه المصيبة بنا- وأنا على جبل قسطموني. بل صرختُ مراراً: يا إخواني "لا تلقوا اللحمَ أمام الحصان ولا العشبَ أمام الأسد" بمعنى: لا تعطوا كل رسالة أياً كان حذراً من أن يتعرضوا لنا بسوء. وكأن الأخ "الحافظ علي" قد سمع بهاتفه المعنوي كلامي هذا -وهو على بعد مسيرة سبعة أيام-. فكتب إليّ -في الوقت نفسه- يقول: "نعم يا أستاذي.. إنها من إحدى كرامات رسائل النور وخصائصها أنها لا تعطي اللحم الحصانَ ولا العشب الأسدَ، بل تعطى العشبَ الحصانَ واللحم الأسد!" حتى أعطى ذلك العالِمَ رسالة "الإخلاص"، وبعد سبعة أيام تسلّمنا رسالته هذه، وبدأنا بالعدّ والحساب فعلمنا أنه قد كتب تلك العبارة الغريبة نفسَها في الوقت الذي كنت أُرددها من فوق جبل "قسطموني".

فوفاة بطل معنوي مثل هذا البطل من أبطال النور، والمنافقون يسعون لإدانتنا وإنـزال العقوبة بنا، علاوة على قلقي المستمر من أخذهم إياي بأمر رسمي إلى المستشفى لمرضي الناشئ من التسميم.. في هذا الوقت وجميعُ هذه المضايقات تحيط بنا، إذا بالعناية الإلهية تأتي لإمدادنا؛ فلقد أزال الدعاء الخالص المرفوع من قبل إخواني الطيبين خطرَ التسميم. وهناك أمارات قوية جداً تدل على أن ذلك البطل الشهيد منهمك في قبره برسائل النور، وأنه يجيب بها عن أسئلة الملائكة. وأن بطل دنيزلي "حسن فيضي" -تغمده اللّٰه برحمته- وأصدقاءَه الأوفياء سيحلّون محلّه فيقومون بمهمته في خدمة النور سراً.. وأن أعداءنا قد انضموا إلى الرأي القائل بضرورة إخراجنا من السجن خوفاً من سعة انتشار الرسائل بين المساجين وسرعة استجابتهم لها ليحولوا بيننا وبين السجناء، وقد حوّل تلاميذُ النور تلك الخلوة المزعجة إلى ما يشبه كهف أصحاب الكهف، أولئك الفتية المؤمنين، أو ما يشبه مغارات المنـزوين من الزهاد، وسعوا بكل اطمئنان وسكينة في كتابة الرسائل ونشرها.. كل ذلك أثبت أن العناية الإلهية كانت تمدّنا وتغيثنا.

ولقد خطر للقلب: مادام الامام الاعظم (ابو حنيفة النعمان) وامثاله من الائمة المجتهدين قد اوذوا بالسجن وتحملوا عذابه، وان الامام احمد بن حنبل وامثاله من المجاهدين العظام قد عذّبوا كثيراً لاجل مسألة واحدة من مسائل القرآن الكريم. وقد ثبت الجميع امام تلك المحن القاسية وكانوا في قمة الصبر والجلد، فلم يُبد احدهم الضجر والشكوى، ولم يتراجع عن مسألته التي قالها. وكذا علماء عظام كثيرون وأئمة عديدون لم يتزلزلوا قط امام الآلام والاذى الذي نزل بهم، بل صبروا شاكرين لله تعالى، مع أن، البلاء الذي نزل بهم كان أشدّ مما هو نازل بكم، فلابد أن في اعناقكم دَين الشكر لله تبار وتعالى شكراً جزيلاً على ما تتحملونه من العذاب القليل والمشقة اليسيرة التنازلة بكم في سبيل حقائق عديدة للقرآن الكريم مع الثواب الجزيل والاجر العميم.

وسأبين هنا باختصار احدى تجليات العناية الربانية من خلال الظلم الذي يقترفه البشر:

كنت اكرر واقول في العشرين من عمري: سأنزوي في اخريات حياتي في مغارة، مبتعداً عن الحياة الاجتماعية كما كان ينزوي الزهاد في الجبال، وكذلك قررت عندما كنت اسيراً في شمال روسيا في الحرب العالمية الاولى أن سأقضي بقية ايام عمري في الكهوف والمغارات منسلاً عن الحياة الاجتماعية والسياسية. كفاني تدخلاً.. فتجلت العناية الربانية وعدالة القدر – رحمة بشيخوختي – وحولتا تلك المغارات التي كنت أتصورها الى ما هو خير وافضل منها، وبما يفوق كثيراً رغبتي وقراري.. حوّلتا الى سجون انزواء وانفراء، ومنحتا لي (مدارس يوسفية) بدلاً عن تلك المغارات في الجبال للمنزوين واهل الرياضة الروحية، لئلا تضيع اوقاتنا سدىً، حيث ان في تلك المغارات فوائد اخروية زيادة عما فيها من اداء مهمة الجهاد لاجل القرآن والحقائق الإيمانية. حتى عزمت – بعد الافراج عن اخواني وتبرئتهم – أن أظهر شيئا يدينني ويبقيني في زنزانة السجن مع (خسرو وفيضي) وامثالهم من المجاهدين المخلصين المتفرغين للخدمة لأتخذها حجة تغنيني عن الاختلاط بالناس ولئلا أضيع شيئاً من وقتي فيما لايعني من الامور وبالتصنع وحب الظهور، حيث البقاء في ردهات السجن افضل، الاّ ان القدر الإلهي وما قسم الله لنا من رزق قد ساقني الى محل انزواء آخر. فحسب مضمون (الخير فيما اختاره الله) وبسر الآية الكريمة ﴿وعَسى أنْ تَكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكُم﴾(القرة:216) ورحمة بشيخوختي، ولاجل ان نسعى بشوق اكثر في الخدمة الإيمانية، فقد وُهبتْ لنا مهمة، وأوكلت الينا وظيفة، هي خارج إرادتنا وطوقنا في هذه المدرسة اليوسفية الثالثة.

نعم ان في تحويل العناية الإلهية مغارات عهد الشباب الذي لم يكن له اعداء شرسون، لي ردهات السجن المنفرد، ثلاث حِكم وثلاث فوائد مهمة لخدمة النور:

-الحكمة والفائدة الاولى

اجتماع طلاب النور في هذا الوقت دون ان يتضرر منهم احد انما يكون في (المدرسة اليوسفية). حيث ان اللقاء فيما بينهم في الخارج قد يثير الشبهة ويحتاج الى مصاريف، اذ كان بعضهم ينفق حوالي خمسين ليرة لاجل لقائي مدة لاتزيد عن عشرين دقيقة، او كان يرجع دون أن يتمكن من مقابلتي. لذا فأنا اتحمل ضيق السجن بل أتقبله مسروراً لاجل اللقاء عن قرب مع بعض اخوتي الاوفياء، فالسجن بالنسبة لنا اذن نعمة ورحمة.

-الحكمة والفائدة الثانية

انه لابّد من الاعلان والتبليغ في كل جهة في وقتنا هذا عن خدمة الإيمان برسائل النور، ولفت أنظار المحتاجين اليها في كل مكان. فدخولنا السجون يلفت الانظار الى الرسائل، فيكون اذن بمثابة اعلان عنها، فيجدها اعتى المعاندين والمحتاجين فتكسر بها شوكة عنادهم وينقذون بها ايمانهم، وينجون من المهالك، وتتوسع دائرة مدارس النور.

-الحكمة والفائدة الثالثة

ان طلاب النور الذين دخلوا السجن يتعرف كل منهم على احوال الآخر، ويتعلم كل منهم من الآخر السجايا الحميدة والاخلاص والتضحية، فلا يبالون بعدئذٍ بالمنافع الدنيوية في الخدمة النورية.

نعم انهم يوفقون بالظفر بالاخلاص الكامل لما يجدون ويرون من أمارات كثيرة تدل على ان كل ضيق ومشقة في المدرسة اليوسفية لها عشرة اضعافها من الفوائد المعنوية والمادية، ومن النتائج اللطيفة، ومن الخدمات الواسعة الخالصة للإيمان، بل قد تصل الى مائة صعف، وعندئذٍ لا يتنازلون لكسب المنافع الخاصة الجزئية.

وبالنسبة لي فان لأماكن الانزواء والمعتكفات هذه لطافة حزينة الاّ أنها لذيذة وهي كما يأتي:

اني أجد هنا من الاوضاع والاحوال ما كنت اجدها في ايام شبابي في بلدتي وفي مدرستي القديمة ،حيث كان طعام قسم من طلاب المدارس - حسب عادة الولايات الشرقية - يأتيهم من خارج المدرسة وقسم آخر يطبخونه فيما بينهم في المدرسة ، فكلما نظرت هنا - مع حالات اخرى متشابهة - تذكرت تلك الحالة ايام شبابي من خلال حسرة لذيذة فأذهب خيالاً الى تلك الايام ،وانسى حالات شيخوختي.(*)

 

 

_______________________

(1) مدينة تقع في شمالي تركيا، نفي اليها الاستاذ النورسي سنة 1936 وظل فيها تحت الاقامة الاجبارية في غرفة مقابل مخفر الشرطة الى ان سيق منها (سنة 1943) موقوفاً لمحاكمته في محكمة الجزاء الكبرى في (دنيزلي). – المترجم.

(2) حيث اكره الناس على لبس القبعة والزي الاوروبي بعد صدور (قانون القيافة). – المترجم.

(*) كليات رسائل النور – اللمعات ص: 402