الشيخوخة والتسلي بالفيض المنبعث من القرآن

By:

Apr 6, 2019

 

﴿كهيعص * ذِكرُ رَحمَتِ رَبكَ عَبدَهُ زكريا * إذْ نادى رَبهُ نِداءً خَفِياً *

قال ربّ إني وهَنَ العظمُ مِني واشَتعَلَ الرَّأسُ شَيباً ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِياً﴾

(مريم:1-4)

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

 حينما خالط بعض شعرات رأسي البياض الذي هو علامة الشيخوخة، وكانت اهوال الحرب العالمية الاولى وما خلفه الاسر لدى الروس من آثار عميقة في حياتي عمقت فيّ نوم غفلة الشباب. وتلا ذلك استقبال رائع عند عودتي من الاسر الى استانبول، سواء من قبل الخليفة او شيخ الإسلام، او القائد العام، او من قبل طلبة العلومالشرعية، وما قوبلت به من تكريم وحفاوة اكثر مما استحق بكثير.. كل ذلك ولد عندي حالة روحية فضلاً عن سكرة الشباب وغفلته، وعمقتْ فيّ ذلك النوم اكثر، حتى تصورت معها ان الدنيا دائمة باقية، ورأيت نفسي في حالة عجيبة من الالتصاق بالدنيا كأنني لا أموت.

ففي هذا الوقت، ذهبت الى جامع بايزيد في استانبول، وذلك في شهر رمضان المبارك لأستمع للقرآن الكريم من الحفاظ المخلصين، فاستمعت من لسان اولئك الحفاظ ما اعلنه القرآن المعجز بقوة وشدة، خطابه السماوي الرفيع في موت الانسان وزواله، ووفاة ذوي الحياة وموتهم، وذلك بنص الآية الكريمة:

﴿كُلُّ نَفس ذائِقةُ الموْت﴾(آل عمران:185).

نفذ هذا الاعلان الداوي صماخ أذني مخترقاً وممزقاً طبقات النوم والغفلة والسكرة الكثيفة الغليظة حتى استقر في اعماق اعماق قلبي.

خرجت من الجامع، رايت نفسي لبضعة ايام، كأن اعصاراً هائلاً يضطرم في رأسي بما بقي من آثار ذلك النوم المستقر فيّ منذ امد طويل، ورأيتني كالسفينة التائهة بين أمواج البحر المضطربة البوصلة. كانت نفسي تتأجج بنار ذات دخان كثيف.. وكلما كنت انظر الى المرآة، كانت تلك الشعرات البيضاء تخاطبني قائلة: انتبه!!!.

نعم ان الامور توضحت عندي بظهور تلك الشعرات البيضاء وتذكيرها إياي، حيث شاهدت ان الشباب الذي كنت أغتر به كثيراً، بل كنت مفتوناً باذواقه يقول لي: الوداع! وان الحياة الدنيا التي كنت ارتبط بحبها بدأت بالانطفاء رويداً رويداً، وبدت لي الدنيا التي كنت اتشبث بها، بل كنت مشتاقاً اليها وعاشقاً لها، رأيتها تقول لي: الوداع!! الوداع!! مشعرة اياي، بانني سأرحل من دار الضيافة هذه، وسأغادرها عما قريب. ورأيتها – أي الدنيا – هي الاخرى تقول: الوداع، وتتهيأ للرحيل. وانفتح الى القلب من كلية هذه الآية الكريمة

﴿كُلُّ نَفس ذائِقةُ الموْت﴾(آل عمران:185) ومن شموليتها، ذلك المعنى الذي يتضمنها وهو:

ان البشرية قاطبة انما هي كالنفس الواحدة، فلابد انها ستموت كي تبعث من جديد، وان الكرة الارضية كذلك نفسٌ فلابد انها سوف تموت ويصيبها البوار كي تتخذ هيأة البقاء وصورة الخلود، وان الدنيا هي الاخرى نفسٌ وسوف تموت وتنقضي كي تتشكل بصورة (آخرة).

فكرت فيما أنا فيه؛ فرأيت:

أن الشباب الذي هو مدار الاذواق واللذائذ، ذاهب نحو الزوال، تارك مكانه للشيخوخة التي هي منشأ الاحزان. وان الحياة الساطعة الباهرة لفي ارتحال، ويتهيأ الموت المظلم المخيف – ظاهراً – ليحل محلها.

ورأيت الدنيا التي هي محبوبة وحلوة ومعشوقة الغفاة وتُظن انها دائمة، رأيتها تجري مسرعة الى الفناء. ولكي انغمس في الغفلة واخادع نفسي وليت نظري شطر اذواق المنزلة الاجتماعية ومقامها الرفي الذي حظيت به في استانبول والذي خُدعت به نفسي وهو فوق حدى وطوقي من حفاوة واكرام وسلوان واقبال واعجاب.. فرأيت أن جميعها لا تصاحبني الاّ الى حد باب القبر القريب مني، وعنده تنطفىء.

ورأيت أن رياءً ثقيلاً، وأثرة باردة وغفلة مؤقتة، تكمن تحت الستار المزركش للسمعة والصيت، التي هي المثل الاعلى لارباب الشهرة وعشاقها، ففهمت ان هذه الامور التي خدعتني حتى الآن لن تمنحني أي سلوان، ولا يمكن ان اتلمس فيها أي قبس من نور.

ولكي استيقظ من غفلتي مرة اخرى وانتبه منها نهائياً، بدأت بالاستماع كذلك لأولئك الحفاظ الكرام في (جامع بايزيد) لأتلقىالدرس السماوي للقرآن الكريم.. وعندها سمعت بشارات ذلك الارشاد السماوي من خلال الاوامر الربانية المقدسة في قوله تعالى:

﴿وبشر الذين آمنوا…﴾(البقرة:25).

وبالفيض الذي اخذته من القرآن الكريم تحريت عن السلوة والرجاء والنور في تلك الامور التي ادهشتني وحيرتني في يأس ووحشة، دون البحث عنها في غيرها من الامور. فألف شكر وشكر للخالق الكريم على ما وفقني لان أجد الدواء في الداء نفسه، وأن أرى النور في الظلمة نفسها، وان اشعر بالسلوان في الالم والرعب ذاتهما.

فنظرت اول ما نظرت الى ذلك الوجه الذي يُرعب الجميع ويُتوهم أنه مخيف جداً.. وهو وجه (الموت) فوجدت بنور القرآن الكريم، ان الوجه الحقيقي للموت بالنسبة للمؤمن صبوح منور، على الرغم من ان حجابة مظلم والستر الذي يخفيه يكتنفه السواد القبيح المرعب. وقد اثبتنا واوضحنا هذه الحقيقة بصورة قاطعة في كثير من الرسائل وبخاصة في (الكلمة الثامنة) و (المكتوب العشرين) من ان الموت: ليس اعداماً نهائياً، ولا هو فراقاً ابدياً، وانما مقدمة وتمهيد للحياة الابدية وبداية لها. وهو إنهاء لأعباء مهمة الحياة ووظائفها ورخصة منها وراحة واعفاء، وهو تبديل مكان بمكان، وهو وصال ولقاء مع قافلة الاحباب الذين ارتحلوا الى عالم البرزخ.. وهكذا، بمثل هذه الحقائق شاهدت وجه الموت المليح الصبوح. فلا غرو لم انظر اليه خائفاً وجلاً، وانما نظرت اليه بشيء من الاشتياق – من جهة – وعرفت في حينها سراً من اسرار (رابطة الموت) التي يزاولها اهل الطرق الصوفية.

ثم تأملت في (عهد الشباب) فرأيت أنه يُحزن الجميع بزواله، ويجعل الكل يشتاقون اليه وينبهرون به، وهو الذي يمر بالغفلة والآثام، وقد مرّ شبابي هكذا! فرأيت أن ثمة وجهاً دميماً جداً بل مسكراً ومحيراً تحت الحلة القشيبة الفضفاضة الملقاة عليه، فلو لم اكنمدركاً كنهه لكان يبكيني ويحزنني طوال حياتي الدنيا، حتى لو عمرت مائة سنة حيال بضع سنين تمضي بشنوة وابتسامة، كما قال الشاعر الباكي على شبابه بحسرة مريرة:

ألا ليت الشبابَ يعود يوماً فأُخبره بما فعلَ المشيبُ

نعم ان الذين لم يتبينوا سر الشباب وماهيته من الشيوخ يقضون شيخوختهم بالحسرة والنحيب على عهد شبابهم كهذا الشاعر. والحال ان فتوة الشباب ونضارته اذا ما حلت في المؤمن المطمئن الحصيف ذي القلب الساكن الوقور، واذا ما صُرفت طاقة الشباب وقوته الى العبادة والاعمال الصالحة والتجارة الاخروية، فانها تصبح اعظم قوة للخير وتغدو افضل وسيلة للتجارة، واجمل وساطة للحسنات بل ألذها.

نعم، ان عهد الشباب نفيس حقاً وثمين جداً، وهو نعمة إلهية عظمى، ونشوة لذيذة لمن عرف واجبه الإسلامي ولمن لم يسىء استعماله. ولكن الشباب ان لم تصحبه الاستقامة، ولم ترافقه العفة والتقوى، فدونه المهالك الوبيلة، اذ يصدّع طيشه ونزواته سعادة صاحبه الابدية، وحياته الاخروية، وربما يحطم حياته الدنيا ايضاً. فيجرعه الآلام غصصاً طوال فترة الهرم والشيخوخة لما أخذه في بضع سنين من اذواق ولذائذ.

ولما كان عهد الشباب لا يخلو من الضرر عند اغلب الناس، فعلينا اذن نحن الشيوخ ان نشكر الله شكراً كثيراً على ما نجّانا من مهالك الشباب واضراره. هذا وان لذات الشباب زائلة لا محالة، كما تزول جميع الاشياء. فلئن صُرف عهد الشباب للعبادة، وبذل للخير والصلاح لكان دونه ثماره الباقية الدائمة، وعنده وسيلة الفوز بشباب دائم وخالد في حياة ابدية.

ثم نظرت الى (الدنيا) التي عشقها اكثر الناس، وابتلوا بها. فرأيت بنور القرآن الكريم ان هناك ثلاث دنىً كلية قد تداخل بعضها في البعض الآخر:

الاولى: هي الدنيا المتوجهة الى الاسماء الإلهية الحسنى، فهي مرآة لها.

الثانية: هي الدنيا المتوجهة نحو الآخرة، فهي مزرعتها.

الثالثة: هي الدنيا المتوجهة الى ارباب الدنيا واهل الضلالة، فهي لعبة اهل الغفلة ولهوهم.

ورأيت كذلك ان لكل احد في هذه الدنيا دنيا عظيمة خاصة به، فهناك اذن دنىً متداخلة بعدد البشر. غير ان دنيا كل شخص قائمة على حياته الشخصية، فمتى ما ينهار جسم شخص فإن دنياه تتهدم وقيامته تقوم. وحيث ان الغافلين لايدركون انهدام دنياهم الخاصة بهذه السرعة الخاطفة؛ فهم يفتنون بها، ويظنونها كالدنيا العامة المستقرة من حولهم.

فتأملت قائلاً: لاشك أن لي ايضاً دنيا خاصة – كدنيا غيري – تتهدم بسرعة – فما فائدة هذه الدنيا الخاصة اذن في عمري القصير جداً؟!.. فرأيت بنور القرآن الكريم ان هذه الدنيا – بالنسبة لي ولغيري – ما هي الاّ متجر مؤقت، ودار ضيافة تملأ كل يوم وتخلى، وهي سوق مقامة على الطريق لتجارة الغادين والرائحين، وهي كتاب مفتوح يتجدد للبارىء المصور، فيمحو فيه ما يشاء ويثبته بحكمة. وكل ربيع فيها رسالة مرصعة مذهبة، وكل صيف فيها قصيدة منظومة رائعة، وهي مرايا تتجدد مظهرة تجليات الاسماء الحسنى للصانع الجليل، وهي مزرعة لغراس الآخرة وحديقتها، وهي مزهرة الرحمة الإلهية، وهي مصنع موقت لتجهيز اللوحات الربانية الخالدة التي ستظهر في عالم البقاء والخلود. فشكرتُ الله الخالق الكريم اجزل شكر على خلقه الدنيا بهذه الصورة. بيد ان الانسان الذي مُنح حباً مقبلاً الى وجهي الدنيا الحقيقيين المليحين المتوجهين الى الاسماء الحسنى والى الآخرة، اخطأ المرمى وجانب الصواب عندما استعمل تلك المحبة في غيرمحلها، فصرفها الى الوجه الفاني القبيح ذي الغفلة والضرر حتى حق عليه الحديث الشريف (حب الدنيا رأس كل خطيئة)(1).

فيا ايها الشيوخ ويا ايها العجائز!.

انني رأيت هذه الحقيقة بنور القرآن الحكيم، وبتذكير من شيخوختى، وبما منحه الإيمان لبصيرتي من نور، وقد اثبتها في رسائل كثيرة مع براهين دامغة.. رايت أن هذه الحقيقة هي السلوان الحقيقي لي، وهي الرجاء القوي والضياء الساطع.. فرضيت بشيخوختي وهرمي وسررت من رحيل الشباب.

فلا تحزنوا اذن، ولا تبكوا يا اخوتي الشيوخ على شيخوختكم بل احمدوا الله واشكروه. وما دمتم تملكون الإيمان، والحقيقة تنطق هكذا، فليبك اولئك الغافلون، وليحزن الضالون ولينتحبوا..(*)

___________________________

(1) رواه البيهقي في الشعب باسناد حسن الى الحسن البصري رفعه مرسلاً، وذكره الديلمي في الفردوس وتبعه ولده بلا سند عن على رفعه، قال ابن الفرس: الحديث ضعيف، ورواه البيهقي ايضاً في الزهد وابو نعيم من قول عيسى بن مريم وآخرون يعدّونه من كلام ابن مسعود او جندب البجلي رضي الله عنهم، انظر تفصيله في كشف الخفاء 1099 وتخريج الاحياء للعراقي والدرر المنتثرة 97 وحلية الاولياء 6/388 والمشكاة 52125 والاحاديث المشكلة ص 212 واحاديث القصاص برقم 7 وضعيف الجامع الصغير وزيادته 2681.

(*) كليات رسائل النور – اللمعات ص: 354