الانتظام البديع يدل على التوحيد

By:

Apr 22, 2019

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي  

وجود الانتظام الاكمل بلا خلل والانسجام الأجمل بلا نقص والميزان العدل الذي لايظلم قطعاً، في كل شئ في الكون ابتداءً من الذرات الى المجرات.

نعم، لايكون الانتظام البديع والميزان الدقيق الاّ بالوحدة والتوحيد، لأن الايدي المتعددة اذا ماتدخلت في فعل واحد فانها تفسده.فتعال تأمل في هيبة هذا الانتظام البديع الذي جعل هذا الكون على هيئة قصر عظيم فخم، في كل حجر من احجاره صنعة  القصر بكامله.. وجعله مدينة رائعة التنسيق والنظام بحيث تصرف صادراتها غير المحدودة وتأتي وارداتها غير المعدودة واموالها الثمينة وارزاقها المتنوعة بانتظام كامل من وراء ستار الغيب، كلٌ في وقته المناسب، ومن حيث لايحتسب.. وجعله كتاباً معجزاً بليغا بحيث أن كل حرف فيه يفيد معاني مائة سطر وكل سطر فيه يعبّر عن معاني مائة صحيفة، وكل صحيفة فيه تبين معاني مائة باب، وكل باب فيه تفصح عن معاني مائة كتاب. فضلاً عن أن كلاً من ابوابه وصحائفه وسطوره وكلماته وحروفه يشير الواحدُ الى الآخر ويدلّ عليه.

وتعال تأمل في كمال التنظيم ضمن هذا الانتظام العجيب، الذي جعل الكون كله نظيفاً انيقاً طاهراً كأنه مدينة رائعة في النظافة والنقاء، بل كأنه قصر بديع يعتنى بنظافته وأناقته غاية العناية، بل كأنه حورية من حور الجنة لبست سبعين حلة من الحلل المزينة الجميلة. بل زهرة لطيفة مغلفة بسبعين ورقة من اوراقها الملونة الزاهية.

وتعال تأمل في كمال عدالة هذا الميزان ضمن هذا الانتظام والنظافة بحيث يوزن كل شئ بذلك الميزان؛ فالمخلوقات والحيوانات الدقيقة التي لاترى الاّ بعد تكبيرها الف

مرة، وكذا النجوم والشموس التي هي أكبر من الارض بألف مرة، يوزن كل منها بذلك الميزان ويكال بمكياله، فتعطى لتلك المخلوقات كل ما يلزمها من حاجيات من غير نقص وقصور حتى تتساوى أمام ذلك الميزان، ميزان العدالة، تلك المخلوقات الصغيرة جداً مع تلك المصنوعات الخارقة في الضخامة. علماً أن منها ما له تأثير عظيم الى حد تختل موازنة العالم بفقد موازنته لثانية واحدة، ولربما تؤدي الى انفلاق القيامة.

وتعال تأمل في هذا الجمال الزاهي والحسن الباهر ضمن هذا الانتظام والنظافة والميزان، بحيث جعل هذا الكون العظيم على صورة مهرجان في منتهى الجمال والبهجة، وعلى صورة معرض بديع في منتهى الزينة والروعة، وعلى صورة ربيع زاه تفتحت ازاهيره تواً. وجمّل الربيع كزهرة عظيمة واسعة تغطي وجه الارض بمئات الالوف من ازاهيره الجميلة، وكل زهرة منها في اروع زينة وابدع جمال. بل جعله كسندانة زاهية وباقة زهر لطيفة امامنا.

نعم، ان كل نوع من انواع الكائنات، بل حتى كل فرد من افرادها قد نال حسب قابليته حظاً من جمال الاسماء الإلهية الحسنى التي لامنتهى لجمالها. حتى دفع حجة الاسلام الامام الغزالي (1) الى القول: " ليس في الامكان ابدع مما كان " اي، ليس في دائرة الإمكان أبدع وأجمل من هذه المكوّنات.

وهكذا فهذا الحسن المحيط الجاذب، وهذه النظافة العامة الخارقة، وهذا الميزان الحساس المهيمن الشامل، وهذا الانتظام والانسجام المعجز المحيط بكل شئ، حجة قاطعة على الوحدانية وعلامة واضحة على التوحيد، أسطع من ضوء الشمس في رابعة النهار.(*)

_______________

(1) الامام الغزالي:(450 - 505 هـ) ابو حامد محمد بن محمد بن محمد بن احمد الغزالي، فقيه ومتكلم وفيلسوف وصوفي ومصلح ديني واجتماعي، وصاحب رسالة روحية، كان لها اثرها في الحياة الاسلامية. ولد بطوس من اعمال خراسان، ودرس علوم الفقهاء وعلم الكلام على امام الحرمين، وعلوم الفلاسفة وبخاصة الفارابي وابن سينا وعلوم الباطنية، فلم يجد في هذه العلوم مايشبع حاجة عقله الى اليقين ولا ما يرضي رغبة قلبه في السعادة واشتغل بالتدريس في المدرسة النظامية وارتحل الى بلاد كثيرة منها دمشق وبيت المقدس والقاهرة والاسكندرية ومكة والمدينة. ومن مصنفاته (احياء علوم الدين) و (تهافت الفلاسفة) و (المنقذ من الضلال). - المترجم.

(*) كليات رسائل النور – الشعاعات  ص: 35