علامات التوحيد لا تعد ولا تحصى

By:

Apr 24, 2019

 

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي  

نعم، ان في وجه كل شئ كلياً كان أم جزئياً، ابتداءً من الذرات الى السيارات، علامة توحيد واضحة جلية كوضوح جلوة الشمس في المرآة ودلالتها على الشمس

نفسها. فمرآة تلك العلامة الموضوعة على كل شئ ايضاً تشير اشارة ساطعة مثلها الى منور الازل والابد، وتشهد على وحدانيته. وحيث أن اكثر تلك العلامات غير المحدودة قد وضحت توضيحاً مفصلاً في " سراج النور " نكتفي هنا بالاشارة الى ثلاث منها فقط. فعلى وجه الكون نشاهد علامة واسعة للتوحيد، مركبة من التعاون والتساند والتشابه والتداخل التي تبيّنه الانواع فيما بينها، كل تجاه الآخر.

 

 وعلى وجه الارض تشاهد علامة توحيد واضحة موضوعة على جيش سبحاني مركب من اربعمائة الف طائفة من طوائف الحيوانات والنباتات، وذلك بمنح ارزاقها المختلفة واسلحتها المتباينة وألبستها المتنوعة وتعليماتها المتمايزة ورخصها المتغايرة، تمنح كل منها دون نسيان أحد وبلا خطأ وفي غاية الانتظام وفي الوقت المناسب.

 وعلى وجه الانسان تشاهد علامة وحدانية يبيّنها وجود العلامات الفارقة في وجه كل انسان بحيث تميّزه عن جميع الوجوه الاخرى في الارض كافة.

بل تشاهد على وجه كل مصنوع جزئياً كان أم كلياً علامة توحيد. وتشاهد على رأس كل مخلوق كبيراً كان أم صغيراً، قليلاً كان أم كثيراً، ختم الاحدية ولاسيما العلامات الموضوعة على الكائنات الحية فهي علامات ساطعة لامعة. بل ان كل كائن حي هو بنفسه علامة توحيد، وختم وحدانية، وطابع أحدية، وطغراء صمدية.

نعم، ان كل زهرة وكل ثمرة وكل ورقة وكل نبات وكل حيوان، ختم للأحدية، وختم للصمدية بحيث يحوّل كل شجرة الى صورة رسالة ربانية، وكل طائفة من المخلوقات الى صورة كتاب رحماني، وكل حديقة الى صورة مرسوم سلطاني سبحاني، بل قد وضعت في تلك الرسالة، رسالة الشجرة، اختامٌ بعدد ازاهيرها، وتواقيع بعدد ثمراتها، وطغراءات بعدد اوراقها. ووضعت ايضاً في ذلك الكتاب كتاب النوع والطائفة خواتم بعدد افرادها، اظهاراً لكاتبه وتعريفاً به ووضعت في ذلك المرسوم السلطاني، مرسوم الحديقة علامات وحدانية بعدد ما فيها من نباتات واشجار وحيوانات، تعريفاً بصاحبها السلطان الآمر. حتى ان في كل شجرة، في مبدئها ومنتهاها، في ظاهرها وباطنها اربعاً من علامات التوحيد التي تشير اليها الاسماء الحسنى (الاول والآخر والظاهر والباطن).

فما يشار اليه باسم " الاول " هو:

ان البذرة التي هي المبدأ الاساس لكل شجرة مثمرة(1) هي عليبة صغيرة تحمل برنامج تلك الشجرة وفهرستها وخطة عملها.. وهي مصنع صغير تضم اجهزتها ولوازمها وتشكيلاتها. وهي ماكنة تحوي على تنظيماتها ووارداتها الدقيقة ومستهلكاتها اللطيفة في مبدأ حياتها.

وما يشار اليه باسم " الآخر " هو:

ان ثمرة كل شجرة ونتيجتها، تمثل لائحة تعريف للشجرة بحيث تحمل اشكال تلك الشجرة واحوالها واوصافها. وهي اعلان يفصح عن وظائف الشجرة ومنافعها وخواصها.. وهي خلاصة تبين وترشد الى امثال تلك الشجرة وانسالها والاجيال الآتية منها، وذلك بالبذور التي تحملها في قلبها.

وما يشار اليه باسم " الظاهر " هو:

ان الصورة التي تلبسها كل شجرة والشكل الذي تتشكل به هو حلّة قشيبة مزركشة، ولباس جميل مفصّل على قدّ الشجرة باغصانها واعضائها واجزائها، وقص على حسبها وزين على وفقها، فهو لباس دقيق موزون وذو مغزى عميق، بحيث يحوّل تلك الشجرة الى صورة كتاب، والى صورة رسالة، والى صورة قصيدة عصماء.

وما يشار اليه باسم " الباطن " هو:

ان الاجهزة العاملة في كل شجرة، هي مصنع عظيم بحيث يكيل بميزان حساس ادارةَ جميع اجزاء تلك الشجرة وجميع اعضائها وتشكيلها وتدبير امورها، وفي الوقت نفسه يزوّد جميع اعضائها المتباينة ما يلزمها من مواد وارزاق بتوزيع وتقسيم وسوق ضمن انتظام متقن كامل وفي منتهى السرعة كسرعة البرق، ومنتهى السهولة كسهولة نصب الساعة، ومنتهى الوحدة والاتحاد كانقياد الجيش لأمر القائد، بحيث تتحير منه العقول.

حاصل الكلام:

ان اول كل شجرة عليبة صغيرة وبرنامج.. وآخرها نموذج ولائحة تعريف.. وظاهرها حلّة مزركشة ولباس مزيّن.. وباطنها مصنع ومعمل.. فهذه الجهات الاربع تلاحظ احداها الاخرى، فتنشأ من هذه الاربعة علامة عظيمة جداً، بل اسم اعظم بحيث لايمكن قطعاً ان يقوم بتلك الاعمال غير الواحد الأحد الذي بيده زمام الكون كله.

فكما ان الشجرة تحمل هذه العلامة للتوحيد. فان اول كل كائن حي وآخره، وظاهره، وباطنه يحمل علامة توحيد وختم وحدانية وتوقيع احدية وطغراء وحدانية ايضاً..

وهكذا على غرار هذه الشجرة المذكورة ضمن الامثلة الثلاثة، الربيع ايضاً شجرة تحمل ازاهير كثيرة. والبذور والجذور المودعة امانة بيد فصل الخريف تحمل علامة اسم " الاول " . والثمرات والحبوب والخضار التي تفرغ الى احضان فصل الصيف وتملأ رداءه المبسوط تحمل ختم اسم " الآخر " . والالبسة الفطرية المزينة بمئات الالوف من الزينة والحلل التي يلبسها فصل الربيع كحلل حور العين السندسية، تحمل ختم " الظاهر " . والمصانع الصمدانية العاملة في باطن الارض وفي الربيع والقدور الرحمانية التي تغلي غلياناً والمطابخ الربانية التي تهئ المأكولات، تحمل طغراء اسم " الباطن "

بل ان كل نوع من الانواع، وليكن نوع البشر مثلاً، هو شجرة ايضاً، بذرته وجذوره في اعماق الماضي، وثمراته ونتائجه في المستقبل، فكما ان وجود القوانين المنتظمة الجارية ضمن حياة جنسه وبقاء نوعه يحمل علامة توحيد واضحة، كذلك الدساتير المنتظمة لحياته الشخصية والاجتماعية في وضعه الحالي تحمل ختم وحدانية مستترة تحت الاضطرابات الظاهرية، مثلما تحمل دساتير القضاء والقدر لحياته وهي مقدراته الحياتية المتسترة تحت الاحوال البشرية الظاهرية ختماً مخفياً منتظماً للتوحيد.(*)

 

_______________

(1) ان مايدور على ألسنة الناس منذ سالف الازمان حتى غدا مضرب الامثال من "النشوء من بذرة"يمكن ان يطلق على مؤلف هذه الرسالة باشارة مستقبلية، لأن خادم رسائل النور قد كشف بفيض القرآن الكريم معراجين لمعرفة التوحيد في كل من البذرة والزهرة، وفجر ينبوع الحياة في الموضع الذي هلك فيه الطبيعيون فبلغ من البذرة الى الحقيقة، الى نور المعرفة.

وبناء على هذه الحكمة تتكرر هاتان الكلمتان البذرة والزهرة في رسائل النور كثيراً ــ المؤلف.

(*) كليات رسائل النور – الشعاعات  ص: 38