مثال واقعي عن الحشر

By:

Apr 26, 2019

 

السؤال :

ان ما ورد في القرآن الكريم مراراً  (إنْ كَانَتْ اِلاّ صَيْحَةً وَاحِدَةً)  (يس: 29) (وَمَآ اَمْرُ السَّاعَةِ اِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ)( النحل:77) يـبين لنا ان الحشر الاعظم سيظهر فجأة الى الوجود، في آن واحد بلا زمان. ولكن العقول الضيقة تطلب امثلة واقعية مشهودة كي تقبل وتذعن لهذا الحدث الخارق جداً والمسألة التي لا مثيل لها.الجواب:

 

ان في الحشر ثلاث مسائل هي: عودةُ الارواح الى الاجساد، وإحياءُ الاجساد، وانشاء الاجساد وبناؤها.

المسألة الأولى: وهي مجئ الارواح وعودتها الى اجسادها، ومثاله هو: اجتماع الجنود المنتشرين في فترة الاستراحة والمتفرقين في شتى الجهات على الصوت المدوي للبوق العسكري. نعم، ان الصور الذي هو بوق اسرافيل عليه السلام، ليس قاصراً عن البوق العسكري، كما أن طاعة الارواح التي هي في جهة الأبد وعالم الذرات والتي أجابت بـ (قَالُوا: بَلى) (الاعراف:172) عندما سمعت نداء (اَلَسْتُ بِرَبّكُم) المقبل من اعماق الازل ونظامها يفوق بلاشك أضعاف اضعاف ما عند أفراد الجيش المنظم. وقد اثبتت " الكلمة الثلاثون " ببراهين دامغة ان الارواح ليست وحدها جيش سبحاني بل جميع الذرات ايضاً جنوده المتأهبون للنفير العام.

المسألة الثانية: وهي إحياء الاجساد. ومثالُه هو: مثلما يمكن اِنارة مئات الآلاف من المصابيح الكهربائية ليلة مهرجان مدينة عظيمة، من مركز واحد في لحظة واحدة، كأنها بلا زمان. كذلك يمكن انارة مئات الملايين من المصابيح على سطح الارض من مركز واحد. فما دامت الكهرباء وهي مخلوقة من مخلوقات الله سبحانه وتعالى وخادمة إضاءة في دار ضيافته، لها هذه الخصائص والقدرة على القيام بأعمالها حسب ما تتلقاه من تعليمات وتبليغات ونظام من خالقها، فلابد ان الحشر الاعظم سيحدث كلمح البصر ضمن القوانين المنظمة للحكمة الإلهية، تلك القوانين التي يمثلها آلاف الخدم المنوّرِين كالكهرباء.

المسألة الثالثة: وهي انشاء الاجساد فوراً، ومثاله هو: انشاء جميع الاشجار والاوراق التي يزيد عددها ألف مرة على مجموع البشرية، دفعة واحدة في غضون بضعة ايام في الربيع، وبشكل كامل، وبالهيئة نفسها التي كانت عليها في الربيع السابق.. وكذلك ايجاد جميع أزهار الاشجار وثمارها واوراقها بسرعة خاطفة، كما كانت في الربيع الماضي.. وكذلك تنبّه البُذيرات والنوى والبذور وهي لا تحصى ولا تعد والتي هي منشأ ذلك الربيع في آن واحد معاً وانكشافها واحياؤها.. وكذلك نشور الجثث المنتصبة والهياكل العظمية للاشجار، وامتثالها فوراً لأمر "البعث بعد الموت " .. وكذلك احياء افراد انواع الحيوانات الدقيقة وطوائفها التي لاحصر لها بمنتهى الدقة والاتقان.. وكذلك حشر أمم الحشرات ولاسيما الذباب (الماثل امام اعيننا والذي يذكرنا بالوضوء والنظافة لقيامه بتنظيف يديه وعيونه وجناحيه باستمرار ويلاطف وجوهنا) الذي يفوق عدد ما ينشر منه في سنة واحدة عدد بنى آدم جميعهم من لدن آدم عليه السلام.. فحشر هذه الحشرة في كل ربيع مع سائر الحشرات الاخرى واحياؤها في بضعة ايام، لايعطي مثالاً واحداً بل آلاف الامثلة على انشاء الاجساد البشرية فوراً يوم القيامة.

نعم، لما كانت الدنيا هي دار " الحكمة " والدار الآخرة هي دار " القدرة " فان ايجاد الاشياء في الدنيا صار بشئ من التدريج ومع الزمن. بمقتضى الحكمة الربانية وبموجب اغلب الاسماء الحسنى امثال " الحكيم، المرتّب، المدبر، المربي " . اما في الاخرة فان " القدرة " و " الرحمة " تتظاهران اكثر من " الحكمة " فلا حاجة الى المادة والمدة والزمن ولا الى الانتظار. فالاشياء تنشأ هناك نشأة آنية. وما يشير اليه القرآن الكريم بـ (وَمَآ اَمْرُ السَّاعَةِ إلاّ كَلَمْحِ البَصَرِ اَوْ هُوَ اَقْرَبُ) (النحل:77) ، هو ان ما ينشأ هنا من الاشياء في يوم واحد وفي سنة واحدة ينشأ في لمحة واحدة كلمح البصر في الآخرة.

واذا كنت ترغب ان تفهم ان مجئ الحشر أمر قطعي كقطعية مجئ الربيع المقبل وحتميته، فانعم النظر  في "الكلمة العاشرة " و " الكلمة التاسعة والعشرين " الخاصتين بمسألة الحشر. وان لم تصدق به كمجئ هذا الربيع، فلك ان تحاسبني حساباً عسيراً.

المسألة الرابعة: وهي موت الدنيا وقيام الساعة، ومثاله هو: لو اصطدم كوكب سيار او مذنّب بأمر رباني بكرتنا الارضية التي هي دار ضيافتنا، لدمّر مأوانا ومسكننا - أي الارض -  كما يُدمّر في دقيقة واحدة قصر بُني في عشر سنوات.

يكتفى بما ذكر حالياً من هذه المسائل الاربع التي تخص الحشر. ونرجع الى ما نحن بصدده.

أمن الممكن للقرآن المعجز البيان الاّ يكون كلام ذلك الصانع الجليل وهو المترجم البليغ لجميع حقائق الكون السامية، واللسان المعجز لجميع كمال خالق الكون، والجامع لجميع مقاصده؟ حاش وكلا بعدد اسرار آياته الكريمة.

أوَ من الممكن للصانع الحكيم الذي دفع جميع ذوي الحياة وذوي الشعور من مخلوقاته ليتكلم بعضهم مع بعض وينطقوا بالوف الانماط من الكلام والنطق وان يسمع اصواتهم ويعرفها ويستجيب لهم استجابة ظاهرة بافعاله وإنعامه ثم لايتكلم هو نفسه ويعجز عن الكلام ؟ فهل هناك احتمال لهذا ؟ وحيث انه يتكلم بالبداهة وان الانسان في مقدمة المخاطبين المدركين لكلامه، فلاشك ان القرآن الكريم اولاً وجميع الكتب المقدسة كلامه.

أوَ من الممكن ان يسخر الصانع الحكيم هذا الكون العظيم بانواعه واركانه لذوي الحياة حتى جعله مسكناً لهم ومعرضاً لهم ومضيفاً لهم فكثّر من انوع ذوي الحياة التي تعدّ بالالوف تكثيراً غزيراً حتى جعل كل ورقة من اوراق نبات الحَوَر، والنبق، ثكنة لنوع من الحشرات الكائنات الذاكرة الطائرة في الهواء ومهداً ورحماً لنموها كرحم الام ومخزناً لارزاقها.. يسخره تعريفاً بنفسه وتحبيباً لهاودفع مخلوقاته الى حمده والثناء عليه وبث الرضى والسرور في ذوي الحياة منها بأنواع احساناته وجعل رضاهم وامتنانهم محوراً مهماً لربوبيته.. فهل يمكن ان يترك هذا الصانع الحكيم السموات المزينة والنجوم المتلألئة المنثورة بلا مولى ولاروح ولاسكنة خالية خاوية على عروشها ودون فائدة ولاجدوى، اي دون ملائكة وروحانيات؟ حاش لله وكلا بعدد الملائكة والروحانيات.

أوَ من الممكن ان الصانع الحكيم المدبّر الذي يكتب بقلم قدره مقدرات حياة أصغر نبات واصغر شجرة بكمال الانتظام في نواته وثمرته، ويكتب مقدمات الربيع العظيم ونتائجه ككتابة شجرة واحدة بكمال الامتياز والانتظام، وانه يهتم حتى بما لا

أهمية له من الامور.. فهل يمكن لهذا الصانع الجليل الاّ يكتب الافعال المهمة جداً للانسان والاّ يسجل حركاته وسكناته ولايدخلها ضمن دائرة قدره ولايبالي به وهو الذي جعله نتيجة الكون وخليفة الارض وناظراً على انواع مخلوقاته ومشرفاً عليها؟ حاش لله وكلا بعدد اعمال الانسان التي توزن بالميزان.. (*)

 

_____________________

(*) كليات رسائل النور – الشعاعات  ص: 43