تفسير الاية (13)

By:

Nov 13, 2013

وَاِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ

السُّفَهاءُ أَلا اِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لايَعْلَمُونَ (13)

 

اعلم! ان وجه نظم هذا النوع بالنوع الأول:

من حيث انهما نصيحة وارشاد؛ عطف الأمر بالمعروف والتحلية والترغيب، على النهي عن المنكر والتخلية والترهيب..

ومن حيث انهما من الجناية؛ عطف تسفيههم للمؤمنين وغرورهم على افسادهم، كما ربط افسادهم بفسادهم اللاتي كل منها غصن من شجرة زقّوم النفاق.

واما وجه النظم بين جمل هذه الآية:

فاعلم! انه لما قيل: ﴿واذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس﴾ وأشير بهيئاتها الى وجوب النصيحة على سبيل الكفاية بايمان خالص اتباعا للجمهور الذين هم الناس الكُمّل ليأمرهم الوجدان دائما بهذا الامر، حكى وقال: ﴿قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء﴾ اشارة الى تمردهم وغرورهم ودعواهم انهم على الحق كما هو شأن كل مبطل يرى باطله حقا ويعلم جهله علما؛ اذ بالنفاق تفسَّد قلبُهم، وبالفساد نشأ غرورٌ وميلُ افساد، وبحكم التفسّد تمردوا، وبحكم الافساد يقول بعضهم لبعض متناجيا بالاضلال، وبحكم الغرور يرون شدة الديانة وكمال الايمان المقتضيين للاستغناء والقناعة سفالة وسفاهة وفقراً. ثم بحكم النفاق ينافقون في كلامهم هذا أيضاً؛ اذ ظاهره: كيف نكون كالسفهاء ولسنا مجانين ونحن أخيار كما تطلبون؟ وباطنه كيف نكون كالمؤمنين الذين أكثرهم فقراء وهم في نظرنا سفهاء تحزبوا من اَوْباش(1) الاقوام؟ وعليك التطبيق بين دقائق الجزئين من الشرطية. ثم القمهم الحجر بقوله: ﴿ألا انهم هم السفهاء﴾؛ اذ من كان متمرداً بهذه الدرجة وجاهلا بجهله فحقهم الاعلان بين الخلق وتشهيرهم بانحصارالسفاهة وانه من الحقائق الثابتة، وان تسفيههم لسفاهة أنفسهم.. ثم قال: ﴿ولكن لايعلمون﴾ اشارة الى انهم جاهلون بجهلهم فيكون جهلا مركباً فلا يجديهم النصيحة، فلابد ان يعرض عنهم صفحاً؛ اذ لا يفهم النصيحة الا من يعلم جهلَه.

وأما وجه النظم في هيئات كل جملة جملة:

ففي جملة ﴿واذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس﴾ لفظ ﴿اذا﴾ بجزميته رمز الى لزوم الارشاد بالامر بالمعروف.. وبناء المفعول في ﴿قيل﴾ ايماء الى ان وجوب النصيحة على سبيل الكفاية كما مر..

ولفظ ﴿آمنوا﴾ بدل (اخلصوا في ايمانكم) اشارة الى ان الايمان بلا إخلاص ليس بايمان..

ولفظ ﴿كما آمن﴾ تلويح بالأسوة الحسنة وحسن المثال ليخلصوا على منواله..

وفي لفظ ﴿الناس﴾ نكتتان: وهما السبب في جعل الوجدان آمراً بالمعروف دائما؛ اذ ﴿كما آمن السفهاء﴾ يترشح بـ(فاتبعوا جمهور الناس اذ مخالفة الجمهور خطأ من شأن القلب ان لا يقدم عليه)، وأيضا يلوح بانهم هم الناس فقط كأن من عداهم ليسوا بانسان الا صورة، إما بترقى هؤلاء في الكمالات وانحصار حقيقة الانسانية عليهم وإما بتدني اولئك عن مرتبة الانسانية.

اما جملة ﴿قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء﴾ التي مآلها: لا نقبل النصيحة كيف نكون كهؤلاء الأذلاّء؛ اذ هم في نظرنا سفهاء ولا نقاس نحن معاشر أهل الجاه عليهم.. ففي لفظ ﴿قالوا﴾ رمز الى تبرئة النفس وترويج المسلك والاستغناء عن النصيحة والغرور والدعوى.. وفي لفظ ﴿أنؤمن﴾ بالاستفهام الانكاريّ اشارة الى شدة تمردهم في جهلهم المركب، كأنهم بصورة الاستفهام يقولون: ايها الناصح راجع وجدانك هل ترى انصافك يقبل ردّنا.؟ ثم ان في متعلق (قالوا) وجوهاً ثلاثة مترتبة؛ أي: قالوا لأنفسهم، ثم لأبناء جنسهم، ثم لمرشدهم، كماهو شأن كل متنصح اذا نصحه الناصح، فاول الأمر يشاور مع نفسه، ثم يحاور مع ابناء جنسه، ثم يراجعك بنتيجة محاكمتهم. فعلى هذا لما قيل لهم ما قيل راجعوا قلوبهم المتفسدة ووجدانهم المتفسخ فاشارت عليهم بالانكار، فقالوا مترجمين عما في ضميرهم، ثم راجعوا بنظر الافساد الى اخوانهم، فاشاروا عليهم أيضاً بالانكار فأخذوا بنجواهم ومحاورتهم، ثم رجعوا بطريق الاعتذار والسفسطة الى الناصح فشاغبوا وقالوا: (بيننا فرق لانقاس عليهم إذ هم فقراء مضطرون مجبورون فشدتهم في الديانة وتصوّفهم بالاضطرار. اما نحن فأهل عزة وجاه) فبحكم الغرور يحيلون الناصح على انصافه. وبحكم الخداع والحيلة يتكلمون بكلام ذي لسانين، أي ايها المرشد! لاتظننا سفهاء ولانكون كالسفهاء في نظركم، بل نفعل كما يفعل المؤمنون الخلص. مع ان مرادهم باطناً: لانكون كهؤلاء المؤمنين الفقراء؛ اذ لا اعتداد بهم في نظرنا. ففي هذا اللفظ رمز خفيّ الى فسادهم وافسادهم وغرورهم ونفاقهم..

﴿كما آمن السفهاء﴾ أي الذين تظنونهم الناس الكاملين هم في نظرنا اذلاء فقراء مجبورون مع كثرتهم، كلٌ منهم سفيهُ قوم. ففي دعواهم الفرق في القياس اشارة الى ان الاسلامية كهف المساكين وملجأ الفقراء وحامية الحق وحافظة الحقيقة ومانعة الغرور وقامعة التكبّر، وما مقياس الكمال والمجد الاّ هي.. وأيضاً في الفرق اشارة الى ان سبب النفاق في الأغلب هو الغرض والغرور والتكبر كما يفسره: ﴿وما نَريٰكَ اتَّبَعَكَ اِلاَّ الَّذيِنَ هُمْ اَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾( سورة هود: 27). وأيضاً في الفرق اشارة خفية الى ان الاسلامية لاتصير وسيلة التحكم والتغلب في أيدي أهل الدنيا والجاه؛ بل انما هي واسطة لإِحقاق الحق في أيادي أهل الفقر والضرورة خلاف سائر الأديان. ويشهد على هذه الحقيقة التأريخُ.

أما جملة ﴿ألا انهم هم السفهاء﴾ فاعلم! ان القرآن الكريم انما أكثر من التشديد والتشنيع على النفاق لأجل ان أكثر بليات العالم الاسلامي من أنواع النفاق.. ثم ان لفظ ﴿ألا﴾ للتنبيه وتشهير سفاهتهم علىرؤوس الأشهاد، ولاستشهاد فكر العموم على سفاهتهم. وأصل معنى ﴿ألا﴾ ألا تعلمون انهم سفهاء؟ أي: فاعلموا.. ثم ان (انّ) مرآة الحقيقة ووسيلة اليها كأنه يقول: راجعوا الحقيقة لتعلموا ان سفسطتهم الظاهرية لا أصل لها. ثم لفظ (هم) للحصر لرد تبرئة أنفسهم، ودفع تسفيههم للمؤمنين الذي اشاروا اليه بـ﴿كما آمن السفهاء﴾ أي ان السفيه مَن ترك الآخرة بالغرور والغرض واللذة الفانية دون من أشترى الباقي بترك الهوسات(2) الفانية. ثم ان الألف واللام في (السفهاء) لتعريف الحكم أي معلوم انهم سفهاء. وللكمال أي كمال السفاهة فيهم.

أما ﴿ولكن لايعلمون﴾ ففيه اشارات ثلاث:

احداها:

ان تمييز الحق عن الباطل وتفريق مسلك المؤمنين عن مسلكهم محتاج الى نظر وعلم، بخلاف افسادهم وفتنتهم، فانه ظاهر يحس به مَن له أدنى شعور. ولهذا ذيّل الآية الأولى بـ﴿ولكن لا يشعرون﴾.

والثانية:

ان ﴿لايعلمون﴾ وأمثالها من فواصل الآيات من ﴿لايعقلون﴾ و ﴿لايتفكرون﴾ و ﴿لايتذكرون﴾ وغيرها تشير الى ان الاسلامية مؤسسة على العقل والحكمة والعلم. فمن شأنها ان يقبلها كل عقل سليم لا كسائر الأديان المبنية على التقليد والتعصب. ففي هذه الاشارة بشارة كما ذكرت في موضع آخر.

والثالثة:

الإعراض عنهم وعدم الاهتمام بهم، اذ النصيحة لا تجديهم، اذ لايعلمون جهلَهم حتى يتحرّوا زوالَه.

____________________________

(1) سفلة الناس واخلاطهم.

(2) الهوس: طرف من الجنون وخفة العقل والمقصود هنا الاغراض النفسية وامانيها.