تفسير الاية (30)

By:

Nov 14, 2013

وَاذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلئِكَةِ اِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا

اَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ

بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ اِنِّي اَعْلَمُ ما لاتَعْلَمُونَ (30)

 

مقدمة

اعلم! ان التصديق بوجود الملائكة أحد أركان الايمان. ولنا هنا مقامات..

المقام الأول:

ان من نظر الى الأرض وقد امتُلئت بذوي الأرواح مع حقارتها، وتأمل في انتظام العالم واتقانه، تحدس بوجود سكان في هذه البروج العالية. فَمَثَلُ مَنْ لم يصدّق بوجود الملائكة كَمَثَل رجل ذهب الى بلدة عظيمة وصادف دارا صغيرة عتيقة ملوّثة بالمزخرفات مشحونة بالناس. ورأى عرصاتها مملوءة من ذوي الأرواح ولحياتهم شرائط مخصوصة كالنباتات والسِّماك. ثم رأى اُلوفا من القصور العالية الجديدة قد تخلّلت بينها ميادين النزهة فيعتقد خلوها عن السكان لعدم جريان شرائط حياة هذه الدار في تلك القصور. ومثل المعتقد بوجودهم كَمَثَل مَنْ اذا رأى هذا البيت الصغير وقد امتلأ من ذوي الأرواح ورأى انتظام البلدة، جزم بأن لتلك القصور المزيَّنة أيضاً سكانا يناسبونها وتوافقهم ولهم شرائط حياة مخصوصة فعدم مشاهدتهم - لبعدهم وترفعهم - لا يدل على عدمهم. فامتلاء الأرض من ذوي الحياة ينتج بالطريق الاْولى وبالقياس الاْولَويّ المؤسس على القياس الخفيّ المبني على الانتظام المطرد - امتلاء هذه الفضاء الوسيعة ببروجها ونجومها وسماواتها من ذوي الأرواح الذي يدعوهم الشرع بالملائكة المنطوية على أجناس مختلفة فتأمل!..

المقام الثاني:

اعلم - كما مر - ان الحياة هي الكشافة للموجودات بل هي النتيجة لها، فاذاً كيف تخلو هذه الفضاء الوسيعة من ساكنيها وتلك السموات من عامريها. ولقد أجمع العقلاء إجماعا معنويا - وان اختلفوا في طرق التعبير - على وجود معنى الملائكة وحقيقتهم، حتى ان المشّائيين عبّروا عنهم بالماهيات المجرَّدة الروحانية للأنواع، والاِشْراقِيّين عبّروا عنها بالعقول وأرباب الأنواع، وأهل الأديان بملَك الجبال وملَك البحار وملك الامطار مثلا. حتى ان الماديين الذين عقولهم في عيونهم لم يتيسر لهم انكار معنى الملائكة بل نظروا اليهم في القوات السارية في نواميس الفطرة.

فان قلت: أفلا يكفي لارتباط الكائنات وحيويتها هذه النواميس وتلك القوانين الجارية في الخلقة؟

قيل لك: ما تلك النواميس الجارية والقوانين السارية الا أمور اعتبارية بل وهمية لا يتعين لها وجود ولا يتشخص لها هُويّة الا بممثِّلاتها ومعاكسها ومَنْ هو آخذ برأس خيوطها وان هي إلاّ الملائكة.. وأيضاً قد اتفق الحكماء والعقل والنقل على عدم انحصار الوجود في عالم الشهادة الظاهر الجامد الغير الموافق لتشكل الأرواح. فعالم الغيب المشتمل على عوالم - الموافق للأرواح كالماء للسِماك - مشحون بها(1)، مظهرٌ لحياة عالم الشهادة.. فاذا شهدت لك هذه الأمور الأربعة على وجود معنى الملائكة فأحسن صور وجودهم التي ترضى بها العقول السليمة ماهو إلاّ ماشرحه الشرع من انّهم عباد مكرمون لا يخالفون مايؤمرون، وكذا انهم أجسام لطيفة نورانية ينقسمون إلى أنواع مختلفة.

المقام الثالث:

اعلم ان مسألة الملائكة من المسائل التي يتحقق الكل بثبوت جزء واحد، ويُعلم النوع برؤية أحد الأشخاص، اذ من أنكر أنكر الكلَّ. ثم كما انه محال عندك - ايقظك الله - أن يجمع أهل كل الأديان في كلالأَعصار من آدم الى الآن على وجود الملائكة وثبوت المحاورة معهم وثبوت مشاهدتهم والرواية عنهم كمباحثة الناس طائفة عن طائفة، بدون رؤية فرد بل أفراد منهم وبدون ضرورة وجود شخص بل أشخاص منهم، وبدون الاحساس بالضرورة بوجودهم؛ كذلك محال أن يقوم وَهْم كذلك في عقائد البشر ويستمر هكذا ويبقى في الانقلابات بدون حقيقة يتسنبل عليها وبدون مبادئ ضرورية مولِّدة لذلك الاعتقاد العموميّ. فإذاً ليس سند هذا الاجماع الاّ حدس تولَّد من تفاريق امارات حصلت من واقعات مشاهدات نشأت من مبادئ ضرورية. وليس سبب هذا الاعتقاد العمومي الا مبادئ ضرورية تولدت من رؤيتهم ومشاهدتهم في كرّات تفيد قوة التواتر المعنوي. والاّ رفع الأمن من يقينيات معلومات البشر. فاذا تحقق وجود واحد من الروحانية في زمان مّا تحقق وجود هذا النوع. واذا تحقق هذا النوع، كان كما ذكره الشرع وبيّنه القرآن الكريم.

ثم ان نظم مآل هذه الآية بسابقها من أربعة وجوه:

الأول: انه لما كانت هذه الآيات في تعداد النعم العظام، واشارت الأولى إلى أعظمها - من كون البشر نتيجة للخلقة وكون جميع ما في الأرض مسخراً له يتصرف فيها على ما يشاء - اشارت هذه الى ان البشر خليفة الأرض وحاكمها.

والثاني: ان هذه الآية بيان وتفصيل وايضاح وتحقيق وبرهان وتأكيد لما في الآية الأولى من أن أزمة سلاسل ما في الأرض في يد البشر.

والثالث: ان تلك لما بيّنت بناء المسكنين من الأرض والسماء اشارت هذه الى ساكنيهما من البشر والملَك، وانها رمزت الى سلسلة الخلقة، وأومأت هذه الى سلسلة ذوي الأرواح.

والرابع: انها لما صرحت بأن البشر هو المقصود من الخلقة وان له عند خالقه لموقعاً عظيما، اختلج في ذهن السامع انه كيف يكون للبشر هذه القيمة مع كثرة شروره وفساده؟ وهل تستلزم الحكمةوجوده للعبادة والتقديس له تعالى؟ فأشارت هذه الى ان تلك الشرور والمفاسد تُغتفر في جنب السرّ المُودع فيه، وان الله غني عن عبادته اذ له تعالى من الملائكة المسبِّحين والمقدِّسين ما لا يحصر بل لحكمة في علم علاّم الغيوب.

وأما نظم الجمل بعضها مع بعض فهو:

ان الآية تنصبُّ بناء على اقتضاء (اذ) رديفا لها، وعطفه على ﴿وهو بكل شيء عليم﴾ - إلى تقدير(2) إذ خلق ما خلق منتظما متقنا هكذا ﴿واذ قال ربك للملئكة﴾ الخ، وانه تعالى لما خاطب مع الملائكة - ليستفسروا سرّ الحكمة ولتعليم طريق المشاورة قائلا ﴿اني جاعل في الأرض خليفة﴾ - توجه ذهن السامع بسرّ المقاولة الى ما (قالوا)؟ وبسرّ الاستفسار عن حكمته مع التعجب الى ﴿أتجعل فيها﴾؟ وبسر استخلافهم عن الجن المفسدين مع توديع القوة الغضبية والشهوية فيهم أيضا الى ﴿من يفسد فيها﴾ بتجاوز القوة الثانية ﴿ويسفك الدماء﴾ بتجاوز القوة الأولى. ثم بعد تمام السؤال والاستفسار والتعجب ينتظر ذهن السامع لجوابه تعالى. فقال: ﴿قال اني اعلم مالا تعلمون﴾ أي فالأشياء ليست منحصرة في معلوماتكم. فعدم علمكم ليس امارة على العدم، واني حكيم، لي فيهم حكمة يغتفر في جنبها فسادهم وسفكهم.

أما نظم هيئات جملة جملة، فاعلم! ان الواو في ﴿واذ قال ربك للملئكة اني جاعل في الأرض خليفة﴾ وكذا في ﴿واذ قال ربك للملئكة اني خالق بشراً من صلصال﴾(سورة الحجر:28) في آية أخرى بسر المناسبة العطفية اشارة الى (اذ واذ) كما مر. وكذا - بسر ان الوحي يتضمن (ذَكِّرهُمْ بِذَلِكَ) اشارة الى (واذكر لهم اذ) الخ..

وان ﴿اذ﴾المفيد للزمان الماضي لتسيير الأذهان في الأزمنة المتسلسلة الماضوية ورفع وجلب واحضار لها الى ذلك الزمان لتنظره فتجتني ما وقع فيه.. وان ﴿ربك﴾ اشارة الى الحجة علىالملائكة أي ربّاك وكمّلك وجعلك مرشداً للبشر لإزالة فسادهم أي (انت الحسنة الكبرى التي ترجحت وغطت على تلك المفاسد).. وان ﴿للملئكة﴾ اشارة في هذه المقاولة الكائنة على صورة المشاورة الى ان لسكان السموات أعني الملائكة مزيد ارتباط وعلاقة وزيادة مناسبة مع سكان الأرض أعني البشر. فان من اولئك موُكلين وحَفَظة وكَتَبَة على هؤلاء فحقّهم الاهتمام بشأنهم. وان (ان) بناء على كونها لرد التردد المستفاد من (أتجعل) اشارة الى عظمة المسألة وأهميتها. وان ياء المتكلم وحده هنا مع (نا) للمتكلم مع الغير في (قلنا) في الآيات الآتية اشارة الى ان لا واسطة في ايجاده وخلقه كما توجد في خطابه وكلامه. ومما يدل على هذه النكت آية ﴿انا انزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما اريك الله﴾(سورة النساء:105) فقال (انزلنا) بنون العظمة لوجود الواسطة في الوحي وقال (أريك الله) مفرداً لعدم الواسطة في إلهام المعنى. وان ايثار ﴿جاعل﴾ على (خالق) اشارة الى ان مدار الشبهة والاستفسار الجعل(3). والتخصيص لعمارة الأرض لا الخلق والايجاد، لأن الوجود خير محض والخلق فعله الذاتيّ لا يُسأل عنه. وان ايثار (في) في ﴿في الأرض﴾ على (على) مع ان البشر على الأرض لايخلو من الايماء الى ان البشر كالروح المنفوخ في جسد الأرض، فمتى خرج البشر خربت الأرضُ وماتت. وان ﴿خليفة﴾ اشارة الى انه قد وجد قبل تَهئ الأرض لشرائط حياة الإنسان مخلوقٌ مُدْرِك ساعدت شرائطَ حياته الادوارُ الأوّليةُ للأرض وهذا هو الأوفق لقضية الحكمة. والمشهور ان ذلك المخلوق المُدْرِك كان نوعا من الجن فأفسدوا فاستُخلفوا بالإِنسان.

اما هيئات جملة ﴿قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ فاعلم! ان استيناف ﴿قالوا﴾ اشارة الى ان توجيه خطابه تعالى الى

الملائكة يلجئ السامع الى السؤال بـ(كيف يتلقّون جيرانهم بيتَ بيتَ وأيرضون بهم قرناء وما رأيهم فيهم؟) فقال: (قالوا). وان وجه كونه جزاء لـ(اذ) هو: ان حكم الله تعالى بجعل البشر خليفة في الأرض - التي وكّل عليها الملائكة - مع انه لا مشير له تعالى ولا وزير يستلزم اظهار كيفية تلقيهم لهم. وان صورة القول اشارة الى اسلوب المقاولة على صورة المشاورة لتعليم الناس مع تنزهه تعالى عنها. وان استفهام ﴿أتجعل﴾ فلتحقق الجعل باخباره تعالى تمتنع حقيقتُه فيتولد منه التعجب الناشئ عن خفاء السبب فيتولد منه الاستفسار - أي ما حكمة الجعل؟ فاستفهم عن المسبب بدلا عن السبب وليس للإِنكار لعصمتهم(4). وان الجعل رمز الى ان شؤون البشر ونسبه الاعتبارية ووضعياته ليست من لوازم الطبيعة ولا من ضروريات الفطرة بل كل منها بجعل الجاعل. وان ﴿فيها﴾ مع (فيها) مع قصر المسافة فللتنصيص والايماء الى معنى: ما حكمة جعل البشر روحا منفوخا في جسد الأرض لحياتها مع وجود الفساد والاماتة من حيث الأحياء؟. وان التعبير بـ﴿مَنْ﴾ اشارة الى انه لا يعنيهم شخصية البشر وانما يثقل عليهم عصيان مخلوق لله تعالى. وان ايراد ﴿يفسد﴾ بدل (يعصي) اشارة الى ان العصيان ينجر الى فساد نظام العالم. وان صورة المضارع اشارة الى ان المستنكر تجدد العصيان واستمراره. وقد علموا ذلك اما باعلامه تعالى أو بمطالعة اللوح أو بمعرفة فطرتهم من عدم تحديد القوى المودعة فيهم. فبتجاوز الشهوية يحصل الفساد وبتعدي الغضبية ينشأ السفك والظلم. و﴿فيها﴾ أي مع أنها كانت مسجداً اُسس على التقوى. وان موقع (الواو) الجمع بين الرذيلتين بمناسبة انجرار الفساد الى سفك الدم. وان ايثار ﴿يسفك﴾ على (يقتل)لأن السفك هو القتل بظلم. ومن القتل ما هو جهاد في سبيل الله وكذا قتل الفرد لسلامة الجماعة كقتل الذئب لسلامة الغنم. واما ﴿الدماء﴾ فتأكيد لما في السفك من الدم لتشديد شناعة القتل.

وأما هيئات ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾ فواو الحال اشارة الى استشعارهم الاعتراض عليهم بـ (اما يكفيكم حكمة عبادة البشر وتقديسه له تعالى؟) ﴿ونحن﴾ أي معاشر الملائكة المعصومين من المعاصي.. واسمية الجملة اشارة الى ان التسبيح كالسجية لهم واللازم لفطرتهم وهم له. أما ﴿نسبح بحمدك﴾ فكلمة جامعة أي نعلنك في الكائنات بأنواع العبادات.. ونعتقد تنزهك عما لا يليق بجنابك بتوصيفك بأوصاف الجلال وما هو الا من نعمك المحمود عليها. ونقول (سبحان الله وبحمده). ونحمدك ونصفك بأوصاف الجلال والجمال. و﴿نقدس لك﴾ أي نقدسك، أو نطهر أنفسنا وأفعالنا من الذنوب وقلوبنا من الالتفات الى غيرك. فالواو للجمع بين الفضيلتين أي امتثال الأوامر واجتناب النواهي، فيكون حذاء الواو الأول.

واما هيئات ﴿قال اني اعلم ما لاتعلمون﴾ فاستينافها اشارة الى السؤال بـ (ماذا قال الله تعالى مجيبا لاستفسارهم، وكيف بينّ السبب مزيلا لتعجبهم، وما الحكمة في ترجيح البشر عليهم؟) فقال (قال) مشيراً إلى جواب اجمالي ثم فصل بعض التفصيل بالآية التالية. و(ان) في ﴿اني اعلم﴾ للتحقيق ورد التردد والشبهة وهو انما يكون في حكم نظري ليس بمسلّم مع بداهة ومسلّمية علم الله تعالى بما لا يعلم الخلق وحاشاهم عن التردد في هذا. فحينئذ يكون (ان) مناراً على سلسلة جمل لخصها القرآن الكريم وأجملها وأوجزها بطريق بيانيّ مسلوك. أي: ان في البشر مصالحَ وخيراً كثيرا تغمر في جنبها معاصيه التي هي شر قليل، فالحكمة تنافي ترك ذلك لهذا. وان في البشر لسراً اهّله للخلافة غفلت عنه الملائكة وقد علمه خالقه.. وانفيه حكمة رجحته عليهم لايعلمونها ويعلمها من خلق. وأيضاً قد يتوجه معنى (ان) الى الحكم الضمني المستفاد من واحد من قيود مدخولها أي لا تعلمون بالتحقيق.. وأيضاً ﴿اعلم ما لا تعلمون﴾ من قبيل ذكر اللازم وارادة الملزوم أي يوجد ما لا تعلمون، اذ علمه تعالى لازم لكل شئ فنفى العلم دليل على عدم المعلوم كما قال تعالى ﴿بما لا يعلم﴾ أي لا يمكن ولايوجد، ووجود العلم دليل على وجود المعلوم.. ثم انه قد ذكر في تحقيق هذا الجواب الاجمالي ان الله عليم حكيم. لاتخلو أفعاله تعالى عن حكم ومصالح، فالموجودات ليست محصورة في معلومات الخلق فعدم العلم لا يدل على العدم، وان الله تعالى لما خلق الخير المحض أعني الملائكة، والشر المحض أعني الشياطين، وما لاخير عليه ولا شر أعني البهائم، اقتضت حكمة الفيّاض المطلق وجود القسم الرابع الجامع بين الخير والشر. إن انقادت القوة الشهوية والغضبية للقوة العقلية فاق البشر على الملائكة بسبب المجاهدة، وان انعكست القضية صار انزلَ من البهائم لعدم العذر.

__________________________

(1) اى بالملائكة.

(2) وذلك لعدم وجود علاقة بين الآيتين (ت:228).

(3) اي جعل البشر وتخصيصه لعمارة الارض (ت:230).

(4) ان القصد من استفهام الملائكة ليس اعتراضاً على الجعل، اذ تحقق باخباره تعالى، ولانهم لا يعصون الله ما امرهم، وانما هو استفسار عن حكمة الجعل، وذلك لخفاء السبب عنهم (ت:232).