الاسباب التي تخل بالاخلاص وتمنعه

 
بسم الله الرحمن الرحيم  
 
{ قَدْ اَفْلَحَ مَنْ زَكّاها * وَقَد خَابَ مَنْ دَسّاها }(الشمس:9، 10)  
 
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : [ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ , يَقُولُ : أَنَا خَيْرُ شَرِيكٍ فَمَنْ أَشْرَكَ مَعِيَ شَرِيكًا فَهُوَ لِشَرِيكِي يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَخْلِصُوا أَعْمَالَكُمْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , فَإِنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ إِلا مَا أُخْلِصَ لَهُ , وَلا تَقُولُوا : هَذَا لِلَّهِ وَلِلرَّحِمِ , فَإِنَّهَا لِلرَّحِمِ وَلَيْسَ لِلَّهِ مِنْهَا شَيْءٌ , وَلا تَقُولُوا : هَذَا لِلَّهِ وَلِوُجُوهِكُمْ , فَإِنَّهَا لِوُجُوهِكُمْ وَلَيْسَ لِلَّهِ مِنْهَا شَيْءٌ ] (1) 
 
 
 
قطرة نورية من كليات رسائل النورسي 
 
الاسباب التي تخل بالاخلاص  وتمنعه
 
 
 
سنبين باختصار بعضاً من الاسباب العديدة التي تخل بالاخلاص وتمنعه، وتسوق الى الرياء وتدفع اليه:
 
"المانع الاول للاخلاص"
 
 
 
الحسد الناشئ من المنافع المادية. هذا الحسد يفسد الاخلاص تدريجياً، بل يشوه نتائج العمل، بل يفوّت حتى تلك المنافع المادية ايضاً.
 
نعم، لقد حملت هذه الامة دائماً التوقير والقدر للعاملين بجد للحقيقة والآخرة، ومدت لهم يد العون فعلاً، وذلك بنية مشاركتهم في تلك الاعمال والخدمات الصادقة الخالصة لوجه الله. فقدمت لهم هدايا وصدقات لدفع حاجاتهم المادية ولئلا ينشغلوا بها عن خدماتهم الجليلة، فأظهروا بذلك ما يكنونه من احترام للعاملين في سبيل الله. الا ان هذه المساعدات والمنافع يجب ألا تُطلب قط، بل تُوهب. فلا يُسأل حتى بلسان الحال كمن ينتظرها قلباً. وانما تُعطى من حيث لا يحتسب وإلاّ اختلّ اخـلاص المـرء وانتقـض، وكاد ان يدخـل ضمن النهي الإلهي في قوله تعالى: (وَلاَ تَشْتَروُا بِآياتي ثَمَنَاً قَليلاً)فيحبط قسم من اعماله.
 
فالرغبة في هذه المنافع المادية وترقبها بدافع من اثرة النفس الامارة وحرصها على كسب المنافع لذاتها، تثير عرق الحسد وتحرك نوازعه تجاه اخيه الحقيقي وصاحبه المخلص في الخدمة الايمانية، فيفسد اخلاصه ويفقد قدسية دعوته لله، ويتخذ طوراً منفراً لدى اهل الحقيقة، بل يفقد المنافع المادية ايضاً.. وعلى كل حال فالمسألة طويلة.
 
وسأذكر ما يزيد سرّ الاخلاص ويديم الوفاق الصادق بين اخوتي الصادقين. اذكره ضمن مثالين:
 
المثال الاول "لإدامة الاخلاص":
 
لقد اتخذ ارباب الدنيا "الاشتراك في الاموال"قاعدة يسترشدون بها لاجل الحصول على ثروة طائلة او قوة شديدة، بل اتخذ من لهم التأثير في الحياة الاجتماعية - من اشخاص او جماعات وبعض الساسة - هذه القاعدة رائداً لهم. ولقد كسبوا نتيجة اتباعهم هذه القاعدة قوة هائلة وانتفعوا منها نفعاً عظيماً، رغم ما فيها من اضرار واستعمالات سيئة، ذلك لان ماهية الاشتراك لا تتغير بالمساوئ والاضرار التي فيها، لأن كل شخص - وفق هذه القاعدة - يحسب نفسه بمثابة المالك لجميع الاموال، وذلك من زاوية مشاركته في المال ومن جهة مراقبته واشرافه عليه، برغم انه لا يمكنه ان ينتفع من جميع الاموال.. وعلى كل حال فان هذه القاعدة اذا دخلت في الاعمال الاخروية فستكون محوراً لمنافع جليلة بلا مساوئ ولا ضرر. لان جميع تلك الاموال الاخروية تحمل سر الدخول بتـمامـها في حـوزة كـل فـرد مـن اولئك الافـراد المشتركين فيها، دون نقصان او تجزئة.
 
ولنفهم هذا بمثال:
 
اشترك خمسة اشخاص في اشعال مصباح زيتي. فوقع على احدهم احضار النفط، وعلى الآخر الفتيلة، وعلى الثالث زجاجة المصباح، وعلى الرابع المصباح نفسه وعلى الاخير علبة الكبريت..فعندما اشعلوا المصباح اصبح كل منهم مالكاً لمصباح كامل. فلو كان لكل من اولئك المشتركين مرآة كبيرة معلقة بحائط، اذن لاصبح منعكساً في مرآته مصباح كامل - مع ما في الغرفة - من دون تجزؤ او نقص..
 
وهكذا الامر في الاشتراك في الامور الاخروية بسر الاخلاص، والتساند بسر الاخوة، وضم المساعي بسر الاتحاد، اذ سيدخل مجموع اعمال المشتركين، وجميع النور النابع منها، سيدخل بتمامه في دفتر اعمال كل منهم.. وهذا امر مشهود وواقع بين اهل الحقيقة، وهو من مقتضيات سعة رحمة الله سبحانه وكرمه المطلق.
 
فيا اخوتي..! آمل اَلاّ تسوقكم المنافع المادية الى الحسد فيما بينكم ان شاء الله تعالى. الا انكم قد تنخدعون كما انخدع قسم من اهل الطرق الصوفية، من باب المنافع الاخروية. ولكن تذكروا.. اين الثواب الشخصي والجزئي من ذلك الثواب العظيم الناشئ في افق الاشتراك في الاعمال المذكورة في المثال، واين النور الجزئي من ذلك النور الباهر.
 
المثال الثاني "لإدامة الاخلاص":
 
يحصل الصناعيون واهل الحرف على الانتاج الوفير وعلى ثروة هائلة نتيجة اتباعهم قاعدة "المشاركة في الصنعة والمهارة". واليك المثال:
 
قام عشرة من صناعي ابر الخياطة بعملهم، كل على انفراد، فكانت النتيجة ثلاث ابر فقط لكل منهم في اليوم الواحد.. ثم اتفق هؤلاء الاشخاص حسب قاعدة "توحيد المساعي وتوزيع الاعمال"فأتى احدهم بالحديد والاخر بالنار، وقام الثالث بثقب الابرة والاخر ادخالها النار والاخر بدأ يحدها.. وهكذا.فلم يذهب وقت احد سدى، حيث انصرف كل منهم الى عمل معين وانجزه بسرعة، لانه عمل جزئي بسيط اولاً ولاكتسابه الخبرة والمهارة فيه ثانياً. وحينما وزعوا حصيلة جهودهم رأوا ان نصيب كل منهم في يوم واحد ثلاثمائة ابرة بدلاً من ثلاث ابر.. فذهبت هذه الحادثة انشودة يترنم بها اهل الصناعة والحرف، الذين يدعون الى توحيد المساعي وتوزيع الاعمال.
 
فيا اخوتي! ما دامت تحصل مثل هذه الفوائد العظيمة نتيجة الاتحاد والاتفاق في امور دنيوية وفي مواد كثيفة، فكم يكون يا ترى ثواب اعمال اخروية ونورانية! وكم يكون الثواب المنعكس من اعمال الجماعة كلها بالفضل الإلهي في مرآة كل فرد منها!
 
تلك الاعمال التي لا تحتاج الى تجزئة ولا انقسام. فلكم ان تقدروا ذلك الربح العظيم..فإن مثل هذا الربـح العظيم لا يُفوّت بالحـسد وعدم الاخلاص..!
 
"المانع الثاني للاخلاص":
 
هو اعطاء ما يداعب انانية النفس الامارة بالسوء وما تستشرفه من منزلة ومكانة، تتوجه اليها الانظار، وحب اقبال الناس وطلب توجههم بدافع من حب الشهرة وذياع الصيت الناشئ من التطلع الى الجاه وحبه... فكما ان هذا داء روحي وبيل، فهو باب الى "الشرك الخفي"الذي هو الرياء والاعجاب بالنفس الماحق للاخلاص.
 
يا اخوتي! لما كان مسلكنا في خدمة القرآن الكريم مبنياً على الحقيقة وعلى الاخوة، وان سر الاخوة هو في افناء الفرد شخصيته في شخصية اخوانه (2) وايثارهم على نفسه، فما ينبغى ان يؤثر فينا مثل هذا الحسد الناجم من حب الجاه، حيث هو مناف كلياً لمسلكنا، اذ مادامت كرامة جميع الاخوان وشرفهم تعود الى كل اخ في الجماعة، فلا يمكن ان تُضحى بتلك المنزلة الرفيعة والكرامة الفائقة والشرف المعنوي السامي للجماعة، لاجل شهرة جزئية وعزة شخصية ناجمة من الانانية والحسد.. فأنا على ثقة وامل ان ذلك بعيد كل البعد عن طلاب النور.
 
نعم، ان قلوب طلاب النور وعقولهم وارواحهم لا تنحدر الى مثل هذه الامور السافلة، الا انه ما من احد الا يحمل نفساً امارة بالسوء، فقد تسري امورٌ ونوازع نفسانية في العروق وتتعلق بالاعصاب وتجري احكاماً برغم العقل والقلب والروح. فاعتماداً على ما تتركه رسائل النور فيكم من آثار، فلا اتهم قلوبكم وعقولكم وارواحكم. الا ان النفس والهوى والحس والوهم قد يُخدع؛ لذا يأتيكم التحذير والتنبيه احياناً بشدة وعنف.فتلك الشدة موجهة الى النفس والهوى والحس والوهم، فكونوا على حذر دائماً.
 
نعم لو كان مسلكنا طريقة خاصة ومشيخة، لكان هناك اذاً مقام واحد، او عدد محدود منه، ولكان هناك مرشحون كثيرون لذلك المقام. وعندها كان يمكن ان تحدث الغبطة والانانية في النفوس. ولكن مسلكنا هو الاخوة، لا غير. فلا يدعي
 
الاخ على اخيه الابوة، ولا يتزيا بزي المرشد له. فالمقام هنا في الاخوة فسيح واسع، لا مجال فيه للمـزاحمة بالغبطـة، وان كـان لابد فالاخ معـاون لاخيه مكمّل لعـمله، وظهير له.
 
ومما يدل على ان في المسالك التي فيها مقام الابوة والارشاد والاستاذية نتائج خطرة مهلكة تنجم من المنافسة والحسد حرصاً على الثواب وتطلعاً الى علو الهمة، اقول ان الدليل على ذلك هو تلك الاختلافات والمشاحنات الدائرة في ثنايا المزايا الجليلة والمنافع العظيمة التي يتمتع بها اهل الطرق الصوفية، والتي ادّت بهم الى نتائج وخيمة جعلت قواهم السامية الهائلة لا تثبت امام اعاصير البدع.
 
"المانع الثالث للاخلاص":
 
هو الخوف والطمع. نحيل الى رسالة "الهجمات الست (3)" حيث شرحت هذا المانع مع موانع اخرى بوضوح تام.
 
 
 
نسأل الله الرحمن الرحيم سبحانه مشفّعين جميع اسمائه الحسنى أن يوفقنا الى الاخلاص التام.
 
آمين.
 
اَللّهُمَّ بِحَقِّ سُوَرَةِ الاِخلاصِ اِجعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الْـمُخْلِصينَ الْـمُخلَصينَ.
 
آمينْ.. آمين.
 
(سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنآ اِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا اِنِّكَ اَنْتَ العَليمُ الحَكيمُ) (*)
 
 
 
(1) أخرجه الدارقطني في سننه (1/ 51/ 3) واللفظ له، الخطيب في المتفق والمفترق (1/341/767)، وابن قانع في معجم الصحابة (729) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (7).
 
(2) نعم، ان السعيد هو مَن يرمي شخصيته، ويذيب انانيته التي هي كقطعة ثلج في الحوض العظيم اللذيذ المترشح من كوثر القرآن الكريم كي يغنم ذلك الحوض. – المؤلف.
 
(3) وهي القسم السادس من المكتوب التاسع والعشرين الذي كتب تنبيهاً لتلاميذ القرآن عن ست من دسائس الشيطان
 
(*) كليات رسائل النور- اللمعة الحادية والعشرون ص (247)