الانتظام الاكمل ووحدة المواد

 
 قطرة نورية من كليات رسائل النورسي
 
 
 
اي وحدة الانتظام الاكمل في مجموع الكون واركانه واجزائه بل في كل موجود فيه، ووحدة موظفي ومواد الكـون الواسع التي هـي محور ادارته ومتعلقة بهيئته العامة. وكون الاسماء والافعال المصّرفة لتلك المدينة العظيمة والمحشر العجيب محيطة وشاملة كل شئ، فالاسم هو نفسه والفعل هو نفسه والماهية هي نفسها في كل مكان، رغم تداخل بعضه في البعض الآخر، وكون العناصر والانواع التي هي الاساس في بناء ذلك القصر الفخم وفي إدارته وفي اضفاء البهجة عليه، محيطة بسطح الارض بانتشارها في اكثر بقاعها، مع بقاء العنصر نفسه، والنوع نفسه واحداً، وذا ماهية واحدة في كل مكان رغم تداخل بعضه في البعض الآخر.. كل ذلك يقتضي بداهة، ويدل ضرورة ويُشهد ويُري ان صانع هذا الكون ومدبّره، وان سلطان هذه المملكة ومربيها، وان صاحب هذا القصر وبانيه، واحد أحد فرد، ليس كمثله شئ، لاوزير له ولامعين، لاشريك له ولاند، منزّه عن العجز، متعال عن القصور.
 
 
 
 
 
نعم ان الانتظام التام انما هو دليل بذاته على الوحدة؛ إذ يستدعى منظماً واحداً، فلا يسعه الشرك الذي هو محور المجادلة والمشاكسة.
 
فما دام هناك انتظام حكيم ودقيق في الكون كله - كلياً كان الشئ أم جزئياً - ابتداءً من دوران الارض اليومي والسنوي، الى سيماء الانسان، والى منظومة شعوره، والى دوران الكريات الحمر والبيض وجريانهما في الدم، فلا يمكن لشئ أن يمد يده ويتدخل قصداً وايجاداً سوى القادر المطلق والحكيم المطلق، بل يبقى كل شئ سواه منفعلاً ومتلقياً ومظهراً للقبول ليس الاّ.
 
وما دام القيام بالتنظيم ومنح النظام وبخاصة تعقّب الغايات وتتبعها وتنظيمها بابراز المصالح، لايكون الاّ بالعلم والحكمة، والاّ بالارادة النافذة والاختيار، فلابد ان هذا الانتظام الذي يدور مع الحكمة، وهذه الانواع المتنوعة من الانتظام في المخلوقات غير المحدودة التي تتراءى امام أنظارنا والدائرة حول المصالح، يدل بداهة ويشهد بكل
 
حال ان خالق هذه الموجودات ومدبرها واحد، وهو الفاعل، وهو الذي بيده الاختيار، فكل شئ يخرج الى الوجود إنما يخرج بقدرته هو، ويأخذ وضعاً خاصاً بارادته هو، ويتخذ صورة منتظمة باختياره هو.
 
ومادام السراج الوهاج لهذه الدنيا المضيف واحداً، وان قنديلها المتدلي لعدّ الايام واحد، وان معصراتها ذات الرحمة واحدة، وان مطبخها ذا الموقد واحد، وان شرابها الذي يبعث على الحياة واحد، وان مزرعتها المحمية واحدة.. واحد.. واحد.. واحد الى ألف وواحد، فلابد أن هذه الآحاد الواحدة تشهد بداهة ان صانع هذا المضيف وصاحبه، واحد، وهو كريم لضيوفه في منتهى الكرم والسخاء حتى أنه يسخر كبار موظفيه هؤلاء ويجعلهم خدماً طائعين لضمان راحة ضيوفه الاحياء.
 
وما دامت واحدةً تلك الاسماء الحسنى والشؤون الإلهية والافعال الربانية التي تصرف امور الكون والتي تظهر تجلياتها ونقوشها واثارها في كل انحاء العالم.. فالاسماء الحسنى "الحكيم، المصور، المدبر، المحيي، المربي"وامثالها هي نفسها في كل مكان.. وشؤون "الحكمة والرحمة والعناية"وامثالها هي نفسها في كل مكان.. وأفعال "التصوير والادارة والتربية"وامثالها هي نفسها في كل مكان..وكل منها متداخل بعضه في البعض الآخر، وكل منها في اسمى مرتبة واوسع إحاطة وهيمنة، كما أن كلا منها يكمل نقش الآخر حتى لكأن تلك الاسماء والافعال تتحد مع بعضها اتحاداً، فتصبح القدرة عين الحكمة والرحمة، وتصبح الحكمة عين العناية والحياة.فعندما يظهر - مثلاً - تصرف اسم المحيي في شئ ما، يظهر تصرف اسم الخالق والمصور والرزاق واسماء اخرى كثيرة كذلك في الوقت نفسه، في كل مكان وبالنظام نفسه، فلابد ولامحالة ان ذلك يشهد بداهة على ان مسمّى تلك الاسماء المحيطة، وفاعل تلك الافعال الشاملة والظاهرة في كل مكان بالطراز نفسه، إنما هو فاعل واحد أحد فرد.. آمنــا وصدّقنا !.
 
ومادامت العناصر التي هي مكونات المصنوعات وجواهرها واسسها، تحيط سطح الارض وتتوزع عليه، وكل نوع من انواع المخلوقات - الحاملة لاختام مختلفة تظهر الوحدانية - قد انتشر على ظهر الارض واستولى عليه، رغم كونه نوعاً واحدا،ً فلابد أن تلك العناصر بمشتملاتها، وتلك الانواع بأفرادها، إنما هي مُلك لواحد،
 
ومصنوعات مأمورة لدى ذلك الواحد القادر الذي يستخدم بقدرته المطلقة تلك العناصر الضخمة المستولية كأنها خَدَمة طائعات، ويسخّر تلك الانواع المتفرقة في كل جهة من الارض كأنها جنود نظاميون.. وحيث ان (رسائل النور) قد أثبتت هذه الحقيقة وأوضحتها، نقتصر عليها بهذه الاشارة القصيرة.
 
فلقد أحسّ صاحبنا السائح المسافر بنشوة إيمانية بعد ان اكتسب الفيض الايماني والتذوق التوحيدي من فهمه لهذه الحقائق الخمس فأنشأ يترجم ملخصاً انطباعاته ومشاهداته مخاطباً قلبه:
 
انظر الى الصحيفة الملونة الزاهية لكتاب الكون الوسيع.
 
كيف جرى قلم القدرة وصوّر البديع..
 
لم تبق نقطة مظلمة لأرباب الشعور..
 
لكأن الرب قد حرّر آياته بالنور.
 
واعلم ايضاً بأن:
 
هذه الابعاد غير المحدودة صحائف كتاب العالم
 
وهذه العصور غير المعدودة سطور حادثات الدهر
 
قد سطّر في لوح الحقيقة المحفوظ:
 
كل موجود في العالم، لفظ مجسم حكيم
 
وانصت كذلك:
 
جو لا اله الاّ الله برابر ميذنند هرشى دمادم جويدند يا حق سراسر كويدنند يا حي (1)
 
نعم؛ وفي كل شئ له آية تدل على انه واحدٌ.
 
وهكذا صدّق قلب السائح نفسه، وقالا معاً: نعم، نعم.
 
هذا وقد جاءت في المنزل الثاني من الباب الثاني من المقام الاول إشارة قصيرة الى ماشاهده سائح الكون والضيف فيه من الحقائق التوحيدية الخمس، وهي:
 
[لا إله إلاّ الله الواحـد الاحـد الذي دلّ على وحدته في وجوب وجوده: مشاهدة حقيقة الكبرياء والعظمة فـي الكمال والاحاطة. وكذا مشاهدة حقيقة ظهور الافعال بالاطلاق وعدم النهاية، لا تقيدها الاّ الارادة والحكمة. وكذا مشـاهدة حقيقة ايجاد الموجودات بالكثرة المطلقة فـي السرعة المطلقة، وخلق المخلوقات بالسهولة المطلقة في الاتقان المطلق، وابداع المصنوعات بالمبذولية المطلقة فـي غاية حسن الصنعة وغلو القيمة. وكذا مشاهدة حقيقة وجود الموجودات على وجه الكل والكلية والمعية والجامعية والتداخل والمناسبة. وكـذا مشاهدة حقيقة الانتظامات العامة المنافية للشركة. وكذا مشاهدة وحدة مدارات تدابير الكائنات الدالة علـى وحدة صانعها بالبداهة. وكذا وحدة الاسماء والافعال المتصرفة المحيطة، وكـذا وحدة العناصر والانواع المنتشرة المستولية على وجه الارض]. (*)
 
_______________
 
(1)يعني: كل شئ في الوجود ينطق ويردد معاً: لاإله إلاّ الله، ويلهج دوماً كل آن: يا حق.. فالكل ينطق والجميع يهتف: ياحي.- المترجم.
 
(*) كليات رسائل النور - الشعاع السابع - ص: 208