الانسان ثمرة شجرة الخلقة

 
 
قطرة نورية من كليات رسائل النورسي
 
 
 
 
 
اعلم! ان الانسان ثمرةُ شجرة الخِلقة. والثمرةُ تكون اكمل الاجزاء وأبعدها من الجرثوم، واجمعها لخصائص الكل.. وهي التي من شأنها ان تبقى وتُسْتَبقى.
 
ومن الانسان مَن هو نواةٌ انبتَ القديرُ جل شأنه منها تلك الشجرة.. ثم صيّر الفاطرُ جل جلالُه ذلك الانسانَ ثمرةَ تلك الشجرة..
 
ثم جعل الرحمنُ تلك الثمرة النورانية نواةً لشجرة الاسلامية.. وسراجاً لعالمها..
 
وشمساً لمنظومتها..وانه لابد في الثمرة من نواةٍ تشتمل بالقوة على لوازمات شجرةٍ هى مثل اصلها. واصغريةُ النواةِ لاتنافي اعظمية الشجرة، كنواة شجرة التينة..
 
وان في الانسان حبةً، لو كان الانسانُ ثمرةً، لكانت تلك الحبة نواتهُ، ألا وهي القلب..
 
فقد رأيت فيه بواسطة الاحتياج علاقاتٍ الى انواع العالَم، بل الى اجزائها.. وارتباطاتٍ الى جميع انوار الاسمآء الحسنى باحتياج شديد وفقر عظيم لتجلي فردٍ فردٍ منها..
 
حتى كأن له حاجات عدَد اجزاء العالَم، وله اعداء ملء الدنيا.. فما يطمئن الا بمَن يقتدر ان يُغنيه عن كل شئ، ويحفظه من كل شئ..
 
ورأيت فيه ايضاً قابلية تمثل مجموع العالم كالخريطة والفهرستة والانموذج والتمثال.. وان المركز فيه لايقبل الاّ الواحد الأحد.. ولايرضى الاّ بالابد والسرمد..
 
فهذه النواة وهي حبة القلب - ماؤه الاسلام وضياؤه الايمان - فان اطمأنتْ تحت تراب العبودية والاخلاص،
 
وسُقيت بالاسلام، وانتبهتْ بالايمان، انبتت شجرةً نورانيةً مثاليةً من عالم الامر هي روحٌُ لعالمه الجسماني.
 
وان لم تُسق بقت نواةً يابسةً منكمشة لائقة للاحراق بالنار الى ان تنقلب الى النور.
 
وكم في النواة من اعصابٍ رقيقة واشياء دقيقة لايُبالى بها، وتُرى اقلُّ من ان يُهتَمّ بها، الا ان لكلٍ منها - اذا انكشفت النواة - وظيفةً مهمةً بحشمة وعظمة..
 
كذلك لحبةِ القلب خدّام كامنة نائمة اذا انتبهتْ وانبسطتْ بحياة القلب يجولون في بساتين الكائنات كطيور سيارة، وتنبسط(1)بدرجة يقول المرء: الحمد لله على كل مصنوعاته، لأنها كلها لي نِعَمٌ..
 
حتى ان الفرض او الخيال الذي هو من اضعف خدام القلب واهونهم، له وظيفة عجيبة، يَدخل به صاحبهُ المتوكل - وهو في السجن مقيد - في حديقةٍ نزيهة، ويضع رأس صاحبه المتنبّه وهو يصلي في الشرق او الغرب تحت "الحجر الاسود"ثم يودع في الحجر الاسود شهادتي صاحبه..
 
 
ومن المشهود ان "البيدر"يدور على رؤوس "الاثمار".. والثمرة هي التي تنتَقى وتُستبقى.. فبيدر الحشر ينتظر بني آدم..(*)
 
 
 
___________________
 
(1) اي: حبة القلب.
 
(*) كليات رسائل النور - المثنوي العربي النوري - ص: 219