الصدق اساس الاسلام

 
بسم الله الرحمن الرحيم   
 
 { إن الله لا يهـدي من هو مسـرف كذاب  } [غافر:28]
 
{إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُون}[النحل:105]
 
 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( عليكم بالصدق ، فإن الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنة ،
 
ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً ، وإياكم والكذب ،
 
فإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ،
 
ولا يزال الرجل يكذب حتى يكتب عند الله كذاباً ))(*)
 
 
 
قطرة نورية من كليات رسائل النورسي
 
الصدق اساس الاسلام
 
لقد علمتني زبدة تتبّعاتي وتحقيقاتي في الحياة بتمخض الحياة الاجتماعية أن:"الصدق" هو أس اساس الاسلام، وواسطة العِقد في سجاياه الرفيعة ومزاج مشاعره العلوية. فعلينا اذاً أن نحيي الصدق الذي هو حجر الزاوية في حياتنا الاجتماعية في نفوسنا ونداوي به امراضنا المعنوية.
 
 
 
اجل!ان الصدق هو عقدة الحياة في حياة الاسلام الاجتماعية.
 
أما الرياء فهو نوع من الكذب الفعلي، وأما المداهنة والتصنع فهو كذب دنئ مرذول. أما النفاق فهو كذب ضار جداً.
 
والكذب نفسه انما هو افتراء على قدرة الصانع الجليل.
 
ان الكفر بجميع انواعه كذب. والايمان انما هو صدق وحقيقة.
 
وعلى هذا فالبون شاسع بين الصدق والكذب بُعدَ ما بين المشرق والمغرب. وينبغي ان لا يختلط الصدق والكذب اختلاط النور والنار، ولكن السياسة الغادرة والدعاية الظالمة قد خلطتا احدهما بالآخر. فاختلطت كمالات البشرية ومثلها بسفسافها ونقائصها(2).
 
ان الصدق والكذب بعيدان احدهما عن الآخر بُعد الكفر عن الايمان. فان عروج محمد صلى الله عليه وسلم في خير القرون الى اعلى عليين بوساطة الصدق وما فتحه من كنوز حقائق الايمان واسرار الكون.. جعل الصدق أروَجَ بضاعة واثمن متاع في سوق الحياة الاجتماعية. بينما تردّى مسيلمة الكذاب وامثاله الى اسفل سافلين بالكذب؛ اذ لما حدث ذلك الانقلاب العظيم في المجتمع تبين ان الكذبَ هو مفتاح الكفر والخرافات، وأفسدُ بضاعة واقذرها. فالبضاعة التي تثير التقزز والاشمئزاز لدى جميع الناس الى هذا الحد لا يمكن ان تمتد اليها يدُ أولئك الذين كانوا في الصف الاول من ذلك الانقلاب العظيم، اولئك الصحابة الكرام الذين فُطروا على تناول اجود المتاع واثمنه وافخره، وحاشاهم ان يلوثوا ايديهم المباركة بالكذب ويمدوها عمداً الى الكذب ويتشبّهوا بمسيلمة الكذاب. بل كانوا بميولهم الفطرية السليمة وبكل ما اوتوا من قوة في طليعة المبتاعين للصدق الذي هو أروج مال واقوم متاع بل هو مفتاح جميع الحقائق ومرقاة عروج محمد صلى الله عليه وسلم الى اعلى عليين. ولأن الصحابة الكرام قد لازموا الصدق ولم يحيدوا عنه ما امكنهم ذلك فقد تقرر لدى علماء الحديث والفقه "ان الصحابة عدول، رواياتهم لا تحتاج الى تزكية، كل ما رووه من الاحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم صحيح". فهذه الحقيقة المذكورة حجة قاطعة على إتفاق هؤلاء العلماء.
 
وهكذا فان الانقلاب العظيم الذي حدث في خير القرون ادّى الى أن يكون البون شاسعاً بين الصدق والكذب كما هو بين الكفر والايمان. الاّ أنه بمرور الزمن قد تقاربت المسافة بين الصدق والكذب، بل اعطت الدعايات السياسية احياناً رواجاً اكثر للكذب. فبرز الكذب والفساد في الميدان واصبح لهما المجال الى حدٍ ما.
 
وبناءً على هذه الحقيقة فان احداً من الناس لايمكن ان يبلغ مرتبة الصحابة الكرام.
 
نكتفي هنا بهذا القدر ونحيل القارئ الكريم الى رسالة الصحابة التي هي ذيل الكلمة السابعة والعشرين رسالة "الاجتهاد".(3)
 
ايها الاخوة في هذا الجامع الاموي ويا اخوتي الاربعمائة مليوناً من المؤمنين بعد اربعين عاماً في جامع الاسلام الكبير.
 
لا نجاة الاّ بالصدق، فالصدق هو العروة الوثقى، أما الكذب للمصلحة فقد نَسخَه الزمان، ولقد أفتى به بعض العلماء "مؤقت" للضرورة والمصلحة، الاّ أن في هذا الزمان لا يعمل بتلك الفتوى. إذ اُسئ استعماله الى حد لم يعد فيه نفعٌ واحد الاّ بين مئةٍ من المفاسد. ولهذا لا تُبنى الاحكام على المصلحة.
 
مثال ذلك: ان سبب قصر الصلاة في السفر هو المشقة، ولكن لا تكون المشقة علة القصر. اذ ليس لها حدّ معين، فقد يُساء استعمالها، لذا لاتكون العلة الاّ السفر. فكذلك المصلحة لا يمكن ان تكون علّة للكذب لأنه ليس للكذب حدّ معين، وهو مستنقع ملائم لسوء الاستعمال، فلا يناط به الحكم. وعلى هذا فالطريق اثنان لاثالث له: "اما الصدق واما السكوت" وليس الصدق او الكذب او السكوت قطعاً.
 
ثم ان انعدام الأمن والاستقرار في الوقت الحاضر بالكذب الرهيب الذي تقترفه البشرية وبتزييفها وافتراءاتها، ما هو إلاّ نتيجة كذبها وسوء استعمالها للمصلحة، فلا مناص للبشرية إلاّ سدّ ذلك الطريق الثالث، وإلاّ فان ما حدث خلال نصف هذا القرن من حروب عالمية وانقلابات رهيبة ودمار فظيع قد يؤدي الى أن تقوم قيامة على البشرية.
 
أجل!عليك ان تصدق في كل ما تتكلمه ولكن ليس صواباً ان تقول كل صدق، فاذا ما ادّى الصدق احياناً الى ضرر فينبغي السكوت. اما الكذب فلايسمح له قطعاً.
 
عليك ان تقول الحق في كل ما تقول ولكن لا يحق لك أن تقول كل حق، لأنه ان لم يكن الحق خالصاً فقد يؤثر تأثيراً سيئاً، فتضع الحق في غير محله.(*)
 
 
 
________________________________________
 
(1) الصحيحين صحيح البخاري / كتاب الأدب/ باب ‏قول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا‏/ حديث رقم : 5629 صحيح مسلم / كتاب البر والصلة والآداب / باب قبح الكذب وحسن الصدق وفضله / حديث رقم : 4719 
 
(2) اخواني! يُفهم من هذا الدرس الذي ألقاه »سعيد القديم« قبل خمس واربعين سنة: ان سعيداً ذاك كان وثيق الصلة بالسياسة وبشؤون الاسلام الاجتماعية. ولكن حذار أن يذهب بكم الظن الى انه قد نهج اتخاذ الدين اداة للسياسة ووسيلة لها. كلا! بل كان يعمل بكل ما لديه من قوة على جعل السياسة اداةً للدين، وكان يقول:»اني افضل حقيقة واحدة من حقائق الدين على ألف قضية سياسية من سياسات الدنيا«.نعم، لقد احسّ آنذاك - قبل ما يقارب الخمسين عاماً - ان بعض الزنادقة المنافقين يحاولون جعل الدين آلة للسياسة، فعمل هو أيضاً - بكل قوة - في مواجهة نواياهم ومحاولاتهم الفكرية تلك على جعل السياسة وسيلة من وسائل تحقيق حقائق الاسلام وخادمة لها.
 
بيد انه رأى بعد ذلك بعشرين سنة ان بعض الساسة المتدينين يبذلون الجهد لجعل الدين أداة للسياسة الاسلامية، تجاه جعل اولئك الزنادقة المنافقين المتسترين، الدين آلهً للسياسة بحجة التغرّب. ألا إن شمس الاسلام لن تكون تابعة لأضواء الارض ولا أداة لها. وان محاولة جعلها آلة لها تعني الحط من كرامة الاسلام ، وهي جناية كبرى بحقه حتى ان»سعيداً القديم« قد رأى من ذلك النمط من التحيز الى السياسة: ان عالماً صالحاً قد اثنى بحرارة على منافق يحمل فكراً يوافق فكره السياسي وانتقد عالماً صالحاً آخر يحمل افكاراً تخالف افكاره السياسية، حتى وَصَمَه بالفسق.فقال له» سعيد القديم«: لو ان شيطاناً أيّد فكرك السياسي لأمطرتَ عليه الرحمات، اما اذا خالف أحدٌ فكرك السياسي للعنته حتى لو كان مَلَكاً !«. لأجل هذا قال »سعيد القديم« منذ خمس وثلاثين سنة »اعوذ بالله من الشيطان والسياسة« وترك السياسة .المؤلف.
 
و لما كان سعيد الجديد قد ترك السياسة كلياً ولا ينظر اليها قطعاً، فقد تُرجمت هذه الخطبة الشامية لسعيد القديم التي تمس السياسة.
 
ثم انه لم يثبت انه استغل الدين كاداة للسياسة طوال حياته التي استغرقت اكثر من ربع قرن، وفي مؤلفاته ورسائله التي تربو على مئة وثلاثين رسالة والتي دققت بأمعان من قبل خبراء مئات المحاكم بل حتى في احلك الظروف التي تلجئه الى السياسة لشدة مضايقات الظلمة المرتدين والمنافقين، بل حتى عندما اُصدر أمر اعدامه سراً، لم يجد أحدٌ منهم اية أمارة كانت عليه حول إستغلاله الدين لأجل السياسة.
 
فنحن طلاب النور نرقب حياته عن كثب ونعرفها بدقائقها لا نملك انفسنا من الحيرة والاعجاب ازاء هذه الحالة، ونعدّها دليلاً على الاخلاص الحقيقي ضمن دائرة رسائل النور. – طلاب النور.
 
(3) كليات رسائل النور -الكلمات -ذيل الكلمة السابعة والعشرين :ص(572)
 
(*) صيقل الإسلام/الخطبة الشامية - ص: (506)