ايها المريض الدنيا ليست للتمتع

 
 
 
قطرة نورية من كليات رسائل النورسي
 
ايها المريض الذي لا يطيق! ان الانسان لم يأت الى هذه الدنيا للتمتع والتلذذ. والشاهد على ذلك: رحيل كل آت، وتشيب الشباب، وتدحرج الجميع في دوّامة الزوال والفراق. وبينا ترى الانسان اكمل الاحياء واسماها واغناها اجهزة بل هو السيد عليها جميعاً، اذا به بالتفكر في لذات الماضي وبلايا المستقبل، يقضي حياته في كدر ومشقة هاوياً بنفسه الى دركات ادنى من الحيوان.
 
فالانسان اذاً لم يأت الى هذه الدنيا لقضاء عيش ناعم جميل مغمور بنسمات الراحة والصفاء، بل جاء الى هنا ليغنم سعادة حياةٍ ابدية دائمة بما يُسر له من سبل التجارة برأس ماله العظيم الذي هو العمر. فاذا انعدم المرضُ، وقع الانسان في الغفلة نتيجة الصحة والعافية، وبدت الدنيا في عينيه حلوة خضرة لذيذة، فيصيبه عندئذ مرضُ نسيانالآخرة، فيرغب عن ذكر الموت والقبر، ويهدر رأس مال عمره الثمين هباءً منثورا.. في حين ان المرض سرعان ما يوقظه مفتحاً عينيه، قائلاً له: (انت لست خالداً ولست سائباً، بل انت مسخر لوظيفة، دع عنك الغرور، اذكر خالقك.. واعلم بانك ماض الى القبر، وهيىء نفسك وجهزها هكذا).
 
فالمرض اذاً يقوم بدور مرشد ناصح امين موقظ، فلا داعي بعدُ الى الشكوى منه، بل يجب التفيؤ في ظلال الشكر – من هذه الناحية – واذا ما اشتدت وطأته كثيراً فعليك بطلب الصبر منه تعالى.(*)
 
__________________________
 
(1) قال رسول الله y: (اذا ابتلى الله العبد المسلم ببلاء في جسده، قال الله عزّ وجل: اكتب له صالح عمله، فإن شفاه غسله وطهره، وان قبضه غفر له ورحمه) حديث حسن: رواه احمد (صحيح الجامع الصغير وزيادته 256) الارواء 553.
 
(*) كليات رسائل النور – اللمعات ص: 317