أخلاق النورسى كأخلاق قرآنية

 

الأستاذ حسين عاشور(1)

 

إذا كان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم هو النموذج البشرى الأسمى للأخلاق ، وهو القدوة الكبرى للبشرية في هذا الصدد ، فإن من الطبيعي أن يحاول كل مسلم أن يتحلى بما أمكنه من شمائل الأخلاق المحمدية ، ولاشك أن المصلحين والدعاة وأهل العزيمة أكثر حرصاً على التحلي بما أمكن من تلك الأخلاق ، وهكذا فإن الشيخ بديع الزمان سعيد النورسى - ذلك المصلح الكبير – من أكثر الناس حرصا على التحلي بما أمكن من تلك الشمائل ،

 ولاشك أن نجاح النورسى فى دعوته ووصول رسائله وأفكاره إلى عدد هائل من البشر في تركيا وخارجها يرجع فى جزء كبير منه إلى تحلى الرجل بعدد من الصفات الأخلاقية التي أعطته المصداقية والقدرة على الوصول إلى قلوب الناس، وأعطته الصلابة والقدرة على الصبر على ظلم الظالمين وتعسف السلطات معه في بعض الأحيان. ولأن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم - وهو القدوة في الأخلاق للشيخ النورسى - كان خلقه القرآن ، فإن شمائل الشيخ النورسى مستمدة بدورها من القرآن الكريم ، ولعلنا إذا ما تتبعنا مواقف حياة الشيخ النورسى، وكذا أفكاره وآراؤه واجتهاداته التي اشتملت عليها رسائله نجد أن الأخلاق القرآنية تهيمن على جزء كبير من أفكاره وممارساته على حد سواء، ومن الصعب بالطبع تتبع كل تلك الآثار في مؤلفاته ومواقفه وسيرته ، لأن ذلك يعنى أن نتكلم عن كل شئ تقريبا وكل يوم وكل فكرة ، لأن الأخلاق القرآنية تسرى في كل ذلك سريانا خفيا وظاهرا وشاملا ومستمرا ، ولهذا السبب فإن تركيزنا على بعض المواقف والأفكار سيكون مجرد ضرب نماذج أو اختيار بعض الفاكهة من بستان كبير ، ولا يعنى هذا أن تلك المختارات التي سنقف عندها هي أفضل الفاكهة وأعطر الزهور في بستان الشيخ النورسى، بل هي مثل غيرها الكثير مجرد قطفات سريعة ووقفات أمام خضم هائل من المواقف والأفكار الأخلاقية .وفى الحقيقة فإن الشيخ سعيد النورسى نفسه يلفت نظرنا إلى حقيقة تأثره الأخلاقي والفكري بالقرآن الكريم، قائلا"إن الحقائق والمزايا الموجودة في (الكلمات) ليست من بنات أفكاري ولا تعود إلى أبدا إنما للقرآن وحده، وقد ترشحت من زلال القرآن" .وقياسا على ذلك فإن مواقف الشيخ سعيد النورسى وحياته ما دهى إلا رشحات من القرآن الكريم .

*  *   *

واجه الشيخ سعيد صعوبات جمة في حياته ودعوته، وقد تنوعت تلك الصعوبات تنوعا كبيرا بدءاً من ظروف شديدة الصعوبة ظهر فيها الشيخ سعيد .. كان المنحنى الحضاري الإسلامي في ذلك الوقت في أسوأ مراحل نـزوله، وكانت القوى الدولية تتآمر على الإسلام والمسلمين، وكانت الخلافة العثمانية تسقط، وكان العلمانيون والدنيويون ودعاة تنحية الإسلام والثقافة الإسلامية والشرع الإسلامي لهم الكلمة الأولى والأخيرة في كل المجالات تقريبا بما فيها المجال الثقافي، أي أن الضغط كان هائلا، ومع ذلك ورغم ذلك بل رغم حالات التعسف الواضحة ضد الشيخ من نفى وسجن وشائعات وحصار، رغم كل شئ نجح الشيخ سعيد النورسى في الصمود،وتوصيل دعوته وكلماته، وهذا يعنى أننا أمام مصلح يتمتع بصفات أخلاقية نادرة، يتمتع بالصبر والثقة في الله،يتمتع بالصلابة والتجرد، يتمتع أيضا بالإخلاص وعدم الرياء، يتمتع بالتجرد وعدم الطمع، يتمتع بما يجعله أهلا لأن يواجه قوى عاتية كبيرة متنوعة داخلية وخارجية، وهو الذي لا يملك إلا قلبه وعقله ولسانه ولا شئ أكثر!!.. يقول الأستاذ مصطفى صنغور أحد ملازمي الإمام في تلك الأيام الصعبة: إن المنظمات الإلحادية السرية كانت تستهدف إزالة الشعائر الإسلامية ورفعها الواحدة تلو الأخرى، وطمس روح الإسلام في الأمة التركية التي رفعت راية الإسلام طوال ستة قرون بل منذ عهد العباسيين، ولتحقيق هدفهم هذا بدءوا بتنفيذ خطة تنشئة جيل يقوم بنفسه بعد ثلاثين سنة بإزالة القرآن ونـزعه من القلوب، وفعلا بدأوا بتنفيذ خطتهم هذه ونجحوا في قطع روابط هذه الأمة بالإسلام وسعوا لها بشتى الوسائل، فالقضية إذن ليست قضية جزئية موضعية، بل هي قضية عامة شاملة تتعلق بإيمان الملايين من أبناء الجيل المقبل وتتعلق بالحياة الأبدية لشعب كامل .. شعب الأناضول حيث شهدت تلك الفترة تحولات رهيبة ودماراً فظيعاً، وعداءً شرسا للإسلام والقرآن، ونسى التاريخ المجيد لهذه الأمة البطلة حتى دفعت تلك المنظمات الإلحادية الجيل الناشئ - ولا سيما طلاب المدارس - إلى نسيان ماضي أجدادهم الملئ بالجهاد في سبيل إعلاء كلمة الإسلام، وذلك بكلام براق في الظاهر لكي يقطعوا صلتهم بالإسلام حتى هيأوا جوا ملائما لإقرار نظام إلحادي سافر. فينبغي وضع تلك الأيام الحالكة القاسية الرهيبة نصب العين لدى دراسة دعوة الأستاذ النورسى وخدمته للقرآن والإيمان". وهذا الكلام من الأستاذ مصطفى صنغور يدل دلالة قاطعة على أن صفات الأستاذ النورسى الأخلاقية كانت عالية جدا وإلا لما استطاع مواجهة تلك الظروف الحالكة القاسية الرهيبة!!..

*  *  *

اهتم الأستاذ النورسى بكشف وتعرية وفضح وتحليل ما يمكن أن نسميه بالصفات الأخلاقية السلبية، وهو في هذا يكشف عن إيمانه بالصفات الأخلاقية الإيجابية من ناحية ويكشف أيضا عن تمسكه بها، ويدعوا إلى الأخذ بها في نفس الوقت. وفى هذا الصدد فإنه يقتفى أثر الصحابة الذين كان بعضهم يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الشر مخافة أن يقعوا فيه. ومن هذه الصفات الأخلاقية السلبية من دسائس شياطين الإنس والجن مثل حب الشهرة، وذلك لصرف خدام القرآن عن ذلك العمل المقدس وذلك الجهاد المعنوي الرفيع، وإفساد الإخلاص وإحباط العمل ومن ثم الفشل في النهاية .وهو هنا يكشف عن جانب حقيقي في شخصيته دون أن يتحدث عنه، وهو التجرد والإخلاص والترفع عن الجاه والشهرة، ولاشك أن ذلك كان أحد أهم عوامل نجاح دعوته ووصولها إلى قلوب الملايين. وثاني هذه الصفات هي الشعور بالخوف، ويرى الأستاذ النورسى أن الطغاة والظالمين الماكرين يستغلون كثيرا هذا الشعور لدى الإنسان فيلجمون به الجبناء، ويستفيد كثيرا جواسيس أهل الدنيا ودعاة الضلال من هذا الشعور لدى العوام، ولاسيما لدى العلماء، فيلقون في روعهم المخاوف ويثيرون فيهم الأوهام بمثل شخص محتال، يُظهر لأحدهم ما يخافه - وهو على سطح دار- فيثير أوهامه، ويدفعه تدريجيا إلى الوراء حتى يقربه من الحافة، فيرديه على عقبه فيهلك، كذلك يثير أهل الضلالة عرق الخوف حتى يدخل بعضهم في فم الثعبان لئلا تلسعه بعوضة .ولاشك أن تمتع الأستاذ سعيد النورسى بعكس صفة الخوف -وهى الشجاعة والإقدام والثقة في الله كان عاملا هاما من عوامل نجاح دعوته، وهى بالتأكيد صفة أخلاقية قرآنية،ومن المفيد هنا أن نذكر حادثة تؤكد شجاعة الأستاذ النورسى ذلك أنه عندما احتل الإنجليز استانبول ودمروا لمدافع في المضيق، سأل في تلك الأيام رئيس أساقفة الكنيسة الإنجليزية من المشيخة الإسلامية ستة أسئلة، وكان الأستاذ سعيد في ذلك الوقت عضوا في دار الحكمة الإسلامية فقالوا له : أجب على أسئلتهم بستمائة كلمة كما يريدون، فقال لهم: إن جواب هذه الأسئلة ليس ستمائة كلمة ولا ست كلمات ولا كلمة واحدة بل بصقة واحدة، لأنه عندما داست تلك الدولة بأقدامها مضايقنا وأخذت بخناقنا ينبغي البصاق في وجه رئيس أساقفتهم إزاء أسئلته التي سألها بكل غرور .ومن الطبيعي أن موقفا كهذا كان يمكن أن يجر الهلاك والمشقة على الأستاذ النورسى، ولكنه كان يؤمن بأن الشجاعة خلق إسلامي رفيع ينبغي الأخذ به في كل الأحوال،بل أكثر من هذا كان يؤمن أن الشجاعة تنجى من المهالك بعكس الجبن، فهو يقول :إن أكثر من يجرح ويصاب في الحروب هم الذين يهربون، وأن أقل الجنود إصابة هم أولئك الثابتون في مواقعهم، فالآية القرآنية الكريمة تقول :" قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم "وهى تشير بمعناها الإشاري إلى أن الفارين من الموت يقابلونه أكثر من غيرهم .والصفة السلبية الثالثة هي الطمع، ويرى الشيخ النورسى أن الشياطين يقتنصون الكثير بشباك الطمع، يقول الشيخ سعيد :"الرزق مقدر بالقدر الإلهي، والله هو الرزاق ذو القوة المتين، ولذا يجب أن يكون الرزق حلالا، والسعي له مشروعاً بدون إراقة ماء الوجه، وأن الاطمئنان بالقناعة يديم الحياة ويضمن الرزق أكثر من المرتب" . ولاشك أن الشيخ النورسى قد ضرب المثل العالي في هذه الصفة، فقد كان زاهدا، لا يطمع في شئ من حطام الدنيا وتعالى دائما على اللهاث من أجل المال، وكان مثلا يحتذى في رفض تلك الصفة السلبية - الطمع - والتحلى بعكسها وهو القناعة . والصفة الأخلاقية السلبية الرابعة هي التعصب والعنصرية،والشيخ سعيد النورسى هنا يفند أفكار دعاة القومية التركية، ويعتبرها عملا من دسائس الشيطان لأنها تأتى على حساب الانتماء الإسلامي، وبديهي أن الشيخ سعيد النورسى وهو الكردي الأصل كان يعكس الانتماء الإسلامي والإنساني الواسع الفسيح، فوجه دعوته الإصلاحية للكرد والأتراك والعرب وغيرهم على حد سواء، وكان يرفض دعاة العنصرية والتعصب للقومية التركية أو الكردية أو أى قومية عنصرية. والصفة الأخلاقية السلبية الخامسة هي الأنانية والغرور،ولاشك أن الشيطان يدفع الإنسان إلى الفساد والإفساد وتخريب الأرض عن طريق إثارة نـزعة الغرور والأنانية فيه، ولاشك أن الشيخ سعيد النورسى قد تخلى عن الغرور والأنانية وإلا لما وصلت أفكاره إلى هذا العدد الهائل من الناس، حيث إن المغرور والأناني لا يمكن أن يصل إلى قلوب الناس مهما كانت درجة ذكائه إلا في حالات استثنائية وهى مؤقتة سرعان ما تتلاشى … أما استمرار الأجيال وتواصلها في الاقتداء بالشيخ النورسى يدل دلالة قاطعة على نفسية بسيطة غير مغرور وعن أنا غير متغطرسة. يقول الأستاذ النورسى: إن أخطر جهة من الأنانية هي الحسد والغيرة، فإذا لم يكن العمل خالصا لله وحده فإن الحسد يتدخل فيفسد العمل. والصفة الأخلاقية السلبية السادسة هي حب الراحة والدعة، ولاشك أن الشيخ الأستاذ سعيد النورسى قد تمتع بعكس هذا الخلق السلبي، لا يركن إلى الراحة والدعة، بل شديد الحماس والنشاط وبذل الجهد في سبيل خدمة العلوم الإسلامية أو الدفاع عن حقائق الإسلام أو فضح أفكار الظالمين والملحدين، ويرى الأستاذ سعيد النورسى أن هناك طرقا شيطانية عديدة لفتنة الإنسان ودعوته إلى الدعة والراحة وصرفه عن الحماس والنشاط، ويؤكد الأستاذ النورسى على أن الإسلام يحض على الصبر والنشاط والهمة لقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا، اصبروا وصابروا، ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ". وهكذا فإن الشيخ سعيد النورسى كان يتمتع بحق بالصفات الأخلاقية الإيمانية، وهى أخلاق قرآنية في جوهرها، وهكذا فإن أخلاق سعيد النورسى كانت أخلاق قرآنية. (*)

 

___________________

(1) المشرف العام لمجلة المختار الإسلامي، القاهرة

(*) المؤتمر العالمي السادس لبديع الزمان سعيد النورسي