إعتراضه على مصطفى كمال وعدم مودّته له

النورسي 

بديع الزمان 

 

إعتراضه على مصطفى كمال وعدم مودّته له:(1) 

ان السبب الأساس لهجوم الحاقدين عليّ هو انهم يسحقونني متذرعين بمودّتهم وموالاتهم لمصطفى كمال. وأنا اقول لأولئك الحاقدين:

لقد قلت في حق شخص مات وانتهى أمره وانقطعت علاقته بالحكومة:

انه سيظهر في آخر الزمان شخص يلحق الأضرار بالقرآن الكريم. قلته قبل ثلاثين سنة استنباطاً من حديث شريف. ثم اظهر الزمان أن ذلك الرجل هو مصطفى كمال. وان الحاقدين الذين يوالونه يعذبونني بحجج واهية منذ عشرين سنة، حيث إنني لا اُسند إلى مصطفى كمال -خلافاً للحقيقة- مجد وشرف انتصارات الجيش الذي تحدّى العالم ببطولته وتفانيه في الحق منذ خمسمائة سنة.

نعم، وكما اثبتّ في المحكمة: ان الشرف والحسنات والغنائم المادية والمعنوية تسند إلى الجماعة وتوزع عليهم، بينما تسند الذنوب والإجراءات الخاطئة إلى الرئيس. ففي ضوء هذه القاعدة الحقيقية، فان أمجاد الجيش والشرف الذي أحرزه بانتصاراته -ولا سيما الضباط الأشاوس الذين تولوا إدارته- لا تسند إلى مصطفى كمال. وانما الأخطاء والذنوب والنقائص هي التي تُسند إليه وحده. فالذين يتهمونني بعدم محبتى له انما يقومون بإهانة كرامة الجيش وثلم شرفه، لذا انظر إلى هؤلاء انهم خونة الامة؛ واني على استعداد لإثبات هذه الحقيقة لأولئك العنيدين الموالين له كما أثبتّها أمام المحكمة:

إنني اكنّ حباً لأفراد وضباط الجيش المقدام الذين يعدون بالملايين والذين هم جيش هذه الأمة الطيبة وأسعى لصيانة عزته وكرامته وتوقيره ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. بينما معارضيّ الحاقدون الذين يواجهونني يهوّنون ضمناً من شأن ملايين الأفراد بل يعادونهم في سبيل محبة شخص واحد.

نعم، لقد أدركنا بأمارات عديدة، ان الذي يحرّض الحاقدين عليّ بالهجوم، هو معارضتي لمصطفى كمال، وعدم مودّتي له. أما الأسباب الأخرى فهي حجج واهية ومجرد اختلاق. ولهذا اضطررت إلى ان اقول لأولئك المعارضين:

لقد استدعاني مصطفى كمال إلى آنقرة لاجل تكريمي وجعلي واعظاً عاماً لجميع الولايات الشرقية. فذهبت إلى آنقرة، الاّ ان المواد الثلاث الآتية جعلتني أتخلّى عن محبته ومودته. فعانيت العذاب طوال عشرين سنة في حياة الانزواء ولم أتتدخل في أمورهم الدنيوية.

المادة الأولى:

لقد أظهر بأفعاله انه هو الذي اخبر عنه الحديث الشريف الوارد حول ظهور شخص في آخر الزمان يسعى للإضرار بالأعراف الإسلامية. وفسرت هذا الحديث الشريف قبل ست وثلاثين سنة، ثم ظهر معناه مطابقاً في هذا الشخص. وله إيضاح في المادة الثالثة في دفاعاتي أمام المحكمة.

المادة الثانية:

ان وجود شئٍ ما وتعميره وحياته، قائم بوجود جميع أركان ذلك الشئ او شروطه، بينما عدمه وتخريبه وموته يكون بفساد شرط واحد. هذه قاعدة حقيقية حتى أصبحت مضرب الأمثال في ألسنة الناس: (التخريب اسهل من التعمير).

فبناء على هذه القاعدة الرصينة فان النقائص الفاضحة والدمار الرهيب الظاهر نابعة من أخطاء ذلك القائد. أما الانتصارات الباهرة فهي صادرة من بطولة الجيش. فبينما ينبغي ان تُسند السيئات إليه وتُمنح الحسنات إلى الجيش، الاّ ان الأمر اصبح بخلاف هذا كلياً، إذ تُسند حسنات الجماعة إلى من في رأس الأمر ويسند شر ذلك الشخص إلى الجماعة. وهذا ظلم شنيع.

المادة الثالثة:

ان إسناد حسنات الجماعة وانتصارات الجيش إلى القائد الأمر، وإعطاء ذنوب ذلك الأمر إلى الجماعة بأكملها يعني التهوين من شأن ألوف الحسنات وجعلها حسنة واحدة، وجعل الخطأ الواحد ألوف الأخطاء. إذ كما ان فوجاً من الجيش لو قتلوا عدواً شرساً فان كل فرد من أفراد ذلك الفوج يُمنحون مرتبة المجاهد، ولكن لو أعطيت تلك الرتبة إلى آمرهم فقط فان ألف رتبة من رتب المجاهد تنزل إلى رتبة واحدة فقط. فلو حصلت جريمة قتل نتيجة خطأ ارتكبه قائد ذلك الفوج ثم أُسندت هذه الجريمة إلى الفوج كله، فان تلك الجريمة الواحدة تتضاعف وتكون في حكم ألوف الجرائم، فيصبح ألف جندي مثلاً مسؤولين عنها، ومستحقين العقاب عليها.

كذلك الأمر هنا، فان الأخطاء الجسيمة واضحة أمام الأعين، فان لمتسند إلى ذلك الرجل الميت الذي ارتكبها، وأحيلت إلى جيش عظيم كريم اظهر جهاده في سبيل إحقاق الحق في العالم اجمع وصدّق بسيوفه ودمائه شهادة عزته وكرامته وإعلائه لراية القرآن منذ خمسمائة سنة بل منذ ألف سنة، فان تلك الذنوب تزداد إلى الألوف بعدد أركان ذلك الجيش. فيلطخ الماضي المجيد لذلك الجيش ويشوهه تشويهاً رهيباً مسوّداً تاريخه بلون قاتم مما يجعل جيش هذا العصر مسؤولاً ويذوب خجلاً أمام الجيش البطل للعصور السابقة. وكذلك لو أسندت الانتصارات الباهرة والمفاخر المستحصلة الحاضرة إلى رجل واحد فإنها تبقى جزئية، وتصبح الحسنات والمجاهدات التي هي بعدد الأركان والأفراد في حكم شخص واحد. وينطفئ ذلك الضياء الساطع ويزول ولا يصبح كفارة للذنوب.

فلأجل هذه الأسباب تركت مودّة ذلك الرجل، وكسبت مودة ذلك الجيش الذي خدمت في صفوفه خدمة فعلية مؤثرة، وفي زمان دقيق حرج، وسعيت برسائل النور للمحافظة على شرف ذلك الجيش الذي هو أسمى ألف مرة من أي شخص كان.(2) (*)

 

____________________________________

(1) ذيل العريضة المقدمة الى رئيس الجمهورية اضطررت الى كتابتها (المؤلف)

(2) الملاحق -اميرداغ 2/ 319

(*) كليات رسائل النور – سيرة ذاتية ص (191)