إلى اسپارطة

النورسي 

بديع الزمان 

إلى اسپارطة:

 

حينما استولت عليَّ الرغبة في إنقاذ نفسي واصلاح آخرتي، وفترتُ عن العمل للقرآن -مؤقتاً- جاءتني العقوبة بخلاف ما كنت أقصده وأتوقعه، أي نُفيتُ من (بوردور) إلى منفى آخر.. إلى (اسپارطة).(1)

جئت إلى مدينة مباركة -قبل تسع سنوات- كان الموسم شتاءً فلم أتمكن من رؤية منابع الثروة وجوانب الإنتاج في تلك المدينة، قال لي مُفتيها رحمه الله: ان أهالينا فقراء مساكين. أعاد قوله هذا مراراً. أثّر فيّ هذا القول تأثيراً بالغاً مما أجاش عطفي، فبت استرحم وأتألم لأهالي تلك المدينة فيما يقرب من ست سنوات. وبعد ثماني سنوات عدتُ إليها وهي في أجواء الصيف، وأجلت نظري في بساتينها فتذكرت قول المفتي رحمه الله فقلت متعجباً:

 

- سبحان الله!

 ان محاصيل هذه البساتين وغلاتها تفوق حاجةالمدينة بأسرها كثيراً، وكان حرياً بأهاليها ان يكونوا أثرياء جداً! بقيت في حيرة من هذا الأمر.. ولكن أدركت بحقيقة لم تخدعني عنها المظاهر، فهي حقيقة استرشد بها في إدراك الحقائق، وهي: ان البركة قد رفعت من هذه المدينة بسبب الإسراف وعدم الاقتصاد. مما حدا بالمفتي رحمه الله إلى القول: ان أهالينا فقراء ومساكين، برغم هذا القدر الواسع من منابع الثروة وكنوز الموارد.

نعم، انه ثابت بالتجربة وبالرجوع إلى وقائع لا تحد بأن دفعَ الزكاة، والأخذ بالاقتصاد سببان للبركة والاستزادة. بينما الإسراف ومنع الزكاة يرفعان البركة.(2)

توليت هناك العمل للقرآن العظيم كذلك.. ولكن بعد مرور عشرين يوماً على الخدمة القرآنية كثرت عليَّ التنبيهات من بعض المتخوفين، حيث قالوا: ربما لا يحبذ مسؤولو هذه البلدة عملك هذا! فهلاَّ أخذت الأمر بالتأني والتريث؟!.. سيطر عليَّ الاهتمام بخاصة نفسي وبمصيري فحسب، فأوصيت الأصدقاء بترك مقابلتي وانسحبت من ميدان العمل.. وجاء النفي مرة أخرى.. فنفيت إلى منفى ثالث.. إلى (بارلا).(3)(*)

 

___________________________________

(1) اللمعات/ 68.

(2) اللمعات/ 223.

(3) اللمعات/ 68.

(*) كليات رسائل النور – سيرة ذاتية ص (211)