التجديد العقدي عند النورسي

 

د. الحسين ايت سعيد    

استاذ السنة وعلومها 

بكلية الأداب بمراكش

 

إن المعتقد هو المحرك للإنسان، وهو الذي يضبط توجهاته، ويحدد له ما ينبغي أن يفعل وما ينبغي أن يذر، وهو الذي يجلى له حقائق الأشياء فيراها بذلك المنظار، ويرفض مشاهدتها بمنظار آخر. بغض النظر عن كون الرؤية أو المعتقد سليمين أو عليلين.

ذلك أن عملية التفاعل مع الواقع، والتاثير فيه، وتغييره بأفعال الإنسان، تمر من مرحلتين اثنتين :

إحداهما : عملية التصور لما ينبغي أن يفعل، وما ينبغي أن يترك، وما يجوز أن يقدم، وما لا يجوز وما يجوز أن يؤجل، فالعقل يتصور ذلك كله ويرتب جزئياته، وينسقها بعمليات معقدة، حتى تصبح كخريطة بناء يحتذى حذوها، ويقوم على وفقها ورسم بناء عظيم، وفق تلك الخريطة، بلا تزيد ولاتنقص.

 

والثانية : عملية التنفيذ الفعلي والتطبيق لما تصوره الذهن ورسمه، تنفيذ له في عالم المادة والواقع الخارجي، طبقا لذلك المصدر المعهود،

فكل من سعى لفعل شيء أو تركه في الخارج، فإنه يسعى له بعد تصوره وإدراكه، فغير المتصور لايسعى في فعله، وغير المدرك لايتصور وجوده.

ومن هذا المنطلق والسنة الحتمية، يجري جميع العقلاء لتحقيق تصوراتهم وإبرازها، وإخراجها من عالم المُثل إلى عالم الحقائق الملموسات، بغض النظر عن كون تلك التصورات حقا أو باطلا.

وقد لخص الأقدمون هذا كله في عبارة جامعة وجيزة بليغة، وهي قولهم: "الحكم على الشيء فرع عن تصوره ".

وإذا كان للدافع الداخلي وإداركه كل هذا الأثر في العالم الخارجي وكان ذلك غريزة لا يشعر بها أغلب الخلق،

وكانت النتائج المترتبة على ذلك، قد تكون حسنة  وقد تكون سيئة، كان الناس بحاجة إلى تفكير جدي ضروري في تصحيح تلك التصورات الغرزية، حتى تكون ثمارها في الواقع يانعة، واشجارها باسقة وارفة الظلال، يأوي إليها، من اضناه الجوع لتشبعه، ومن لفحته السموم لتظله.

وهذا التفكير الضروري، هو أيضا خاضع لمقاييس البشر التي تختلف في معايير القبح والجمال، والمنفعة والمضرة، والمصلحة والمفسدة، والتفكير السديد من التفكير الأرعن، المنسوج بأهواء وغرائز الناس التي لاتكاد تأتلف على شيء. فأملق الناس إلى سنخ آخر، وركن شديد يأوون إليه، من أهواء مضلة، ومصالح متباينة، ليجنبهم كل ملغ من الأقوال والأفعال، وهنا أدركت عناية الله عز وجل هذا الإنسان المكلف، فأرسل إليه رسله تترى، وأنزل له الكتب، تلخصه، من براثن الهوى والشهوة والمنفعة المتوهمة، وبدأت ببناء كيانه الباطني، وشحنه بقوة موصولة بالله، مستمدة من اسم الله هذه القوة هي العقيدة، التي ستتفجر من مخبوء هذا الإنسان، لتصبح عيونا وأنهارا، تسقي الأفئدة الميتة، وتروي الضمائر الهامدة، لتحيا برحيقها العذب، وزلالها الصافي، وتنمو في أحضان التدرج والسنن المنصوبة المشهودة، ولهذا ركز القرآن المكي على هذا الباطن إصلاحا، وتهذيبا، وتغييرا، وتقويما ورصداً ومتابعة، فاستغرق بناء الكيان الداخلي الذي سيشيد عليه صرح البناء الخارجي، مدة أكثر من مدة البناء الخارجي، للدلالة على أن القوة في الإنسان تأتي من الداخل، وليس من الخارج وان التغيير تال لذلك، يأتي من الضمائر، وليس من  المظاهر فإذا تجدرت هذه القوة في الداخل، ونمت نموا طبعيا، وحضنت حضانة حصيفة، وأخذت من الزاد ما يكفيها، فإنه لن يقف في وجهها قوة خارجية، مهما عظمت وتجبرت، وملكت وتملكت، لأن سنة الله جرت أن العاقبة للتقوى، وأن الأرض يرثها عباده الصالحون.

ولهذا الملحظ عُني علماء هذه الأمة، وأمناؤها على الوحي بأمر العقيدة، وجعلوها أقدس الأوْلويات، وأمعنوا في تقرير حقائقها، وأجمعوا على تبيان مسالكها، ومعضوا من كل من تنكب سبيلها أو قرر غير مضامينها، ومظوا من ينقر لها عن بديل، فاستنارت الأفئدة لذلك بتوجيههم وتذكيرهم، وقوي الوارع، وقل الرقيب، وانتشرت الامانة بذلك والعفة، وأصبح الخدن يبحث مع خدنه في أمر جامع، لا أمر جامح نازع.

ومن هؤلاء العلماء الذين لهم شرف تقرير حقائق العقيدة العلامة المجدد، الشيخ بديع الزمان النورسي - رحمه الله - الذي جدد ولا شك في مجال تقرير العقيدة من جهات.

احدها : ابتعاده عن جدل  المتكلمين في تقرير حقائق الإيمان، فلم يفتعل معركة بين العقيدة والواقع حتى يحتاج لسيف مسلت، ولا كان غرضه الدخول في معارك لا تكاد تنتهي.

وثانيتها: تقرير حقائق المعتقد بلغة عصره وتقريبها بأمثلة حية من العلوم المادية، التي كان الناس يقدسونها في زمانه، وتعنو لها جباههم، ولذلك يكثر في كلامه، ضرب الأمثلة، بالذرات، والنباتات والحيوانات، والكائنات الحية، والطبيعة.

وهذه كلها مصطلحات علمية، تقرب الصورة ، وتقنع الخصم، وتورث الإيمان باستحقاق الله عز وجل لعبودية العباد، وهذا أعز مطلب.

وثالثها : عدم إبعاد نتائج المعتقد عن تقرير حقائق هذا المعتقد، وهي التربية على الأخلاق والفضائل التي تستمد، من نصوص العقائد، وقد فطن لهذه المسألة المهمة، التي كان كثيرون يغفلونها في الدرس العقدي، فيصبح  بذلك جافا لا رصيد له من الواقع، يخرج منه المتلقي كما دخل إليه، لم يبل ببلاله، ولامش من معناه ما يشفي غليله، فوقعت المسافة والشقة، بين ما يتلقنه الشخص، وبين عمله، فضاع الجهد، ومضغت الحقيقة، فأصبح المسلم بذلك فارغاً يبابا ينطبق عليه قول القائل :

غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجت       مسافة الخلف بين القول والعمل

ولأهمية هذا المعنى - أعني التخلق بمضامين العقيدة - يكثر الشيخ النورسي من التذكير بجلال الله، وجماله، وإحسانه لعباده، وحكمته في خلقه وكماله، ليلفت نظرنا إلى التخلق بهذه الأخلاق، والتحلي بمداليلها، إنه لايكفي ان نتعلم أن الله حكيم، ولانبغي الحكمة ولانتجللها، كما لايكفي ان نعلم ان الله رحيم ولانرحمُ ولانتراحم، وبهذا ربط الشيخ الايمان بآثاره النفسية والواقعية، واعاد وشائج القربى والتلاحم لجزئيات العقيدة، فأصبحت بذلك منتظمة من كلية، تهيمن وتجمع الأشتات. هذه غاية الجدة التي أغفلت منذ أزمنة سحيقة.

هذه الخصائص الثلاث في تصور الشيخ النورسي للعقيدة ، تشمل عنده: الربوية، والألوهية، والنبوات. ولننصت إليه وهو يقرر هذه الحقائق في هذه الجوانب الثلاث من خلال كتابه « أنا »:

1- الجانب الأول : الربوبية :

يقول المؤلف: "إن في حركة كل ذرة وفي سكونها، يتلمع نوران للتوحيد، كأنهما شمسان ساطعتان... إن كل ذرة من الذرات، إن لم تكن مأمورة بأوامر الله تعالى، وإن لم تتحرك بإذنه وفعله، وإن لم تتحول بعلمه وقدرته، فلابد أن يكون لكل ذرة علم لا نهاية له، وقدرة لا حد لها. وبصر يرى كل شيء، ووجه يتوجه إلى كل شيء، وأمر نافذ في كل شيء، لأن كل ذرة... تعمل عملا منتظما في جسم كل كائن حي، علما أن أنظمة الأشياء، وقوانين تركيبها، مخالف بعضها بعضا، ولايمكن عمل شيء ما لم تعلم أنظمته، وحتى لو قامت الذرة بعمل، فلا يخلو من خطأ، والحال أن الأعمال تنجز من دون خطأ، فإذن إما أن تلك الذرات العاملة، تعمل وفق أوامر من يملك علماً محيطاً بكل شيء، وبإذنه وبعلمه، وبإرادته... أو ينبغي ان يكون لها مثلُ ذلك العلم المحيط والقدرة المطلقة » .

هكذا سلك الشيخ -رحمه الله- لإثبات ربوبية الله تعالى لخلقه مسلك الحدوث والافتقار، ومسلك عناية الله تعالى بخلقه، وقد استعمل نوع من السبر والتقسيم في حصر الأوجه، ثم نفي ما لا يمكن منها، لإثبات الممكن، وهو المطلوب، وهو في هذا قد لايخرج عن تقسيمات المتكلمين للموجودات، لكنه أبرز القضية في قالب آخر تفهم به بلا عناء، ولم ينسه في صدد تقرير ما قرره أن يبطل خرافة المصادقة، التي كان الفكر المادي الملحد روج لها بكثرة في زمانه، وأرادوا لها أن تكون حقيقة من الحقائق، ولكنها فكرة ماتت، حيث ولدت، وأثبتت التجارب العلمية المخبرية، سفسطتَها وخيالها.

2- الجانب الثاني : الألوهية

يقول الشيخ - بصدد تقرير هذه الحقيقة - : "بل إن خلق تلك اللطائف والحواس والمشاعر في وجودكم، وإدراجها في فطرتكم، إنما يستند على أساسين اثنين :

الأول : أن تجعلكم تستشعرون الشكر تجاه كل نوع من أنواع النعم التي أسبغها عليكم المنعم سبحانه، أي عليكم بالشعور بها، والقيام بشكره تعالى وعبادته.

الثاني : أن تجعلكم تعرفون أقسام تجليات الأسماء الحسنى، التي تعم الوجود كله معرفتها وتذوقها فردا فردا، أي، عليكم الإيمان بتلك الأسماء ومعرفتها معرفة ذوقية خالصة، وعلى هذين الأساسين تنمو الكمالات الإنسانية وبهما يغذو الإنسان إنسانا حقا » اهـ 

هكذا قرر الشيخ العبودية الاختيارية التي هي حق الله على عباده بدليل الانعام الذي يبعثه على عبودية فيها محبة واخلاص، لاعبودية فيها كراهة وانتكاس. لأن كمال العبودية، في كمال المحبة للمعبود، والانقياد له ظاهراً وباطنا.

الجانب الثالث : النبوات

يقول الشيخ النورسي في بيان هذه الحقيقة : "إن في تاريخ البشرية، منذ زمن سيدنا آدم عليه السلام إلى الوقت الحاضر تيارين عظيمين وكسلسلتين للأفكار يجريان عبر الأزمنة والعصور... احداهما  سلسلة النبوة والدين، والأخرى سلسلة الفلسفة والحكمة، فمتى كانت هاتان السلسلتان متحدتين.. استجارت الفلسفة بالدين، وانقادت إليه، وأصبحت في طاعته... ومتى انفرجت الشقة بينهما...احتشد النور والخير كله حول سلسلة النبوة والدين، وتجمعت الشرور والضلالات كلها حول سلسلة الفلسفة... والآن لنجد منشأ كل من تلكما السلسلتين... فإن سلسلة الفلسفة التي عصت الدين اتخذت صورة شجرة زقوم خبيثة تنشر ظلمات الشرك وتنشر الضلالة ... وبجانب هذه الشجرة الخبيثة- نشات شجرة طوبى العبودية لله، تلك هي سلسلة النبوة، فأثمرت ثمرات يانعة طيبة في بستان الكرة الأرضية ومدتها إلى البشرية، فتدلت قطوفاً دانية، من غصن القوة العقلية أنبياء ومرسلون، وصديقون وأولياء صالحون... وهكذا فمنشأ هذه الشجرة المباركة، ومنشأ تلك الشجرة الخبيثة، هما جهتا « أنا »... إن النبوة تمضى آخذة وجهاً لأنا والفلسفة تقبل آخذة الوجه الآخر لأنا فالوجه الأول الذي يتطلع إلى حقائق النبوة، هذا الوجه منشأ العبودية الخالصة لله، أي إن « أنا » يعرف أنه عبد لله مطيع لمعبوده...هكذا نظر الأنبياء والمرسلون ومن تبعهم من الأصفياء والاولياء إلى « أنا » بهذا الوجه، وشاهدوه على حقيقته هكذا، فأدركوا الحقيقة الصائبة، وفوضوا الملك كله إلى مالك الملك ذي الجلال.... أما الوجه الثاني فقد اتخذته الفلسفة، وقد نظرت إلى « أنا » بالمعنى الأسمى، أي تقول « إن أنا يدل على نفسه بنفسه... » اهـ .

هكذا قرر الشيخ مسلكين في حال بيانهما او اتخاذهما، مسلك الفلسفة ومسلك النبوة، فالمقارنة هنا، وإن كانت لا تصح في ذاتها، إلا أن الغرض بها، هو الوصول إلى إبطال استقلال الفلسفة عن النبوة، ولهذا الملحظ صحت المقارنة، فالشيخ النورسي، هو فيلسوف كبير، قد خبر الفلسفة وعرف أدواءها، وعلم منعرجاتها الملتوية، ولذلك حينما يتكلم عنها يتكلم ، وهو من أبناء دروبها، فقوله فيها قول صادق، وحكمه عليها حكم عادل، وقد قرر بصفاء إيمانه، وبراعة عبارته، أن الفلسفة- يعني عالم الأفكار، للفلسفة بعينها- لابد أن تخضع للدين والنبوة والوحي، إذا أرادت ان تعبر عن انسجامها التام مع الكون كله، فإذ تفلتت من هذا المرض ومن قيوده، فإنها تصبح وحشاً كاسراً، يأكل ويفترس كل ما أتى عليه، وهذا تأكيد منه  على غلط الفلاسفة حينما زعموا استغناءهم عن الوحي والنبوة.

والشيخ لم ينس بيان ما يترتب على كل من النبوة والفلسفة من نتائج واقعية كافية في الحكم على مدى أحقية أحدهما دون الآخر بالاتباع، ولايخفى تشبيهه البارع لهما بشجرتين، ولفوائدهما بالثمار، وبذلك جمع بين متعة الكلمة ورنينها المشوق، وتقرير الحقائق الكلية المعبرة، التي تمر عبر سلاسة العبارة ومنافذها المتفتحة المفعمة بروح جديدة تسري في كيان الأحياء الحقيقيين، وتقوم بها الحجة لله ولعباده على الجامدين المقلدين أو الأموات الهالكين الذين لاتنفعهم الذكرى، ولايتذكرون.(*)

 

___________________________

(*) ندوة الرباط – جهود النورسي التجديدية – المغرب 1999