الحقيقة الثالثة

باب الحكمة والعدالة

وهو تجلي اسم "الحكيم والعادل"

أمن الممكن [1] لخالق ذي جلال أظهر سلطان ربوبيته بتدبير قانون الوجود ابتداء من الذرات وانتهاء بالمجرات، بغاية الحكمة والنظام وبمنتهى العدالة والميزان.. ان لا يعامل بالاحسان من احتموا بتلك الربوبية وانقادوا لتلك الحكمة والعدالة، وان لا يجازي اولئك الذين عصوا بكفرهم وطغيانهم تلك الحكمة والعدالة؟.

بينما الانسان لا يلقى ما يستحقه من الثواب أو العقاب في هذه الحياة الفانية على وجه يليق بتلك الحكمة وتلك العدالة الا نادراً، بل يؤخر، اذ يرحل اغلب أهل الضلالة دون ان يلقوا عقابهم، ويذهب اكثر اهل الهداية دون أن ينالوا ثوابهم.. فلابد ان تناط القضية بمحكمة عادلة، وبلقاءٍ آيل الى سعادة عظمى.

نعم، انه لواضح ان الذي يتصرف في هذا الكون انما يتصرف فيه بحكمة مطلقة. أفتطلب برهاناً على هذا؟.. فانظر الى رعايته سبحانه للمصالح والفوائد في كل شئ!.. ألا ترى ان اعضاء الانسان جميعاً سواء العظام منها أو العروق وحتى خلاياه الجسمية وكل جزء منه ومكان، قد روعيت فيه فوائد وحكم شتى، بل ان في اعضاء جسمه من الفوائد والاسرار بقدر ما تنتجه الشجرة الواحدة من الثمار، مما يدل على ان يد حكمة مطلقة تدير الامور. فضلاً عن التناسق البديع في صنعة كل شئ والانتظام الكامل فيها اللذان يدلان على  ان الامور تؤدى بحكمة مطلقة.

نعم، ان تضمين الخطة الدقيقة لزهرة جميلة في بُذيرتها الصغيرة، وكتابة صحيفة اعمال شجـرة ضخمة وتاريخ حياتها وفهرس اجهـزتها، في نويّتـها بقلم القَدَر

المعنوي.. يرينا بوضوح ان قلم حكمةٍ مطلقة هو الذي يتصرف في الأمر.. وكذا، وجود روعة الصنعة الجميلة وغاية حُسنها في خلقة كل شئ، يُظهر ان صانعاً حكيماً مطلقاً هو صاحب هذا الابداع وهذه النقوش..

نعم، ان ادراج فهرس الكائنات جميعاً، ومفاتيح خزائن الرحمة كافة ومرايا الاسماء الحسنى كلها،  في هذا الجسم الصغير للانسان، لمما يدل على الحكمة البليغة في الصنعة البديعة.. فهل من الممكن لمثل هذه الحكمة المهيمنة على مثل هذه الاجراءات والشؤون الربانية ان لا تحسن معاملة أولئك الذين استظلوا بظلها وانقادوا لها بالايمان، وان لا تثيبهم اثابة أبدية خالدة؟.

وهل تريد برهاناً على انجاز الاعمال بالعدل والميزان؟

ان منح كل شئ وجوداً بموازين حساسة، وبمقاييس خاصة، وإلباسَه صورة معينة، ووضعَه في موضع ملائم.. يبيّن بوضوح ان الامور تسير وفق عدالة وميزان مطلقين.

وكذا، اعطاء كل ذي حق حقه وفق استعداده ومواهبه، أي اعطاء كل ما يلزم، وما هو ضروري لوجوده، وتوفير جميع ما يحتاج الى بقائه في افضل وضع، يدلّ  على أن يد عدالة مطلقة هي التي تُسيّر الامور.

وكذا، الاستجابة المستمرة والدائمة لما يُسأل بلسان الاستعداد او الحاجة الفطرية، أو بلسان الاضطرار، تُظهر ان عدالةً مطلقة، وحكمة مطلقة هما اللتان تُجريان عجلة الوجود.

فالآن، هل من الممكن أن تهمل هذه العدالة وهذه الحكمة تلك الحاجة العظمى، حاجة  البقاء لأسمى مخلوق وهو الانسان؟ في حين انهما تستجيبان لأدنى حاجة لأضعف مخلوق؟ فهل من الممكن ان تردّا أهم ما يرجوه الانسان واعظم ما يتمناه، وألاّ تصونا حشمة الربوبية وتتخلفا عن الاجابة لحقوق العباد؟.

غير ان الانسان الذي يقضي حياة قصيرة في هذه الدنيا الفانية لا ينال ولن ينال حقيقة مثل هذه العدالة. وانما تؤخّر الى محكمة كبرى. حيث تقتضي العدالة الحقة أن يلاقي هذا الانسان الصغير ثوابَه وعقابه لا على اساس صغره، بل على اساس ضخامة جنايته، وعلى اساس أهمية ماهيته، وعلى اساس عظمة مهمته.. وحيث ان هذه الدنيا العابرة بعيدة كل البعد عن أن تكون محلاً لمثل هذه العدالة والحكمة بما يخص هذا الانسان -المخلوق لحياة ابدية فلابد من جنة أبدية، ومن جهنم دائمة للعادل الجليل ذي الجمال وللحكيم الجميل ذي الجلال.

 


[1]   ان عبارة "أمن الممكن؟ " تتكرر كثيراً، فهي تفيد غاية مهمة وهي: ان الكفر والضلال يتولدان غالباً من الاستبعاد، أي يرى الانسان ما لا يعتقده بعيداً عن ميزان العقل، فيعدّه محالاً، ويبدأ بالانكار والكفر.. ولكن هذه الكلمة (الحشر) أوضحت بادلة قاطعة: ان الاستبعاد الحقيقي والمحال الحقيقي والبعد عن موازين العقل والصعوبة الحقة والمشكلات العويصة التي هي بدرجة الامتناع، انما هي في الكفر ومنهج اهل الضلال. وان الامكان الحقيقي، والمعقولية التامة والسهولة الجارية مجرى الوجوب، انما هي في طريق الايمان، وجادة الاسلام.

والخلاصة: ان الفلاسفة انما زلّوا الى الانكار نتيجة الاستبعاد. وهذه (الكلمة العاشرة) تبين بتلك العبارة: "أمن الممكن؟" أين يكمن الاستبعاد، وتوجّه ضربة على أفواههم. ــ المؤلف .