الذيل الثالث

الذيل الثالث

للمكتوب السابع والعشرين

 

"فقرة لسعيد"

بسم الله الرّحمن الرّحيم

 

"رسالة الى طبيب اشتاق كثيراً الى رسائل النور من جراء

صحوة روحية انبعثت فيه لكثرة مطالعته لها.

ورغم ان علاقة هذه الرسالة واهية بهذا الذيل، ولكن..

لتكن لي فقرة بين فقرات اخوتى".

مرحباً بك ايها الصديق الحميم، ويا عزيزي الطبيب السعيد الذي اهتدى الى تشخيص مرضه.

ان الصحوة الروحية التى تبينها رسالتكم الخالصة، لجديرة بأن تُهنّأ وتبارك.

يا أخي! اعلم ان الحياة اثمن شئ في عالم الموجودات. وان ما يخدم الحياة هو ارقى واجب من بين الواجبات كلها، وان السعى لصرف الحياة الفانية الى حياة باقية هو أغلى وظيفة في الحياة.

واعلم ان خلاصة قيمة هذه الحياة، وزبدتها واهميتها البالغة هي في كونها نواةً للحياة الخالدة ومنشأ لها، حتى ان تصور خلاف هذا، اي حصر الهمّ والعلم في هذه الحياة الفانية، هو افساد اي افساد للحياة الابدية، وليس ذلك الا جنوناً وبلاهة كمن يستبدل برقاً خاطفاً بشمس سرمدية.

ان الاطباء الغافلين عن الآخرة، والمنغمسين في اوحال المادية هم - في نظر الحقيقة - اًسقم الناس وأشدهم مرضاً ولكن اذا ما تمكن هؤلاء من تناول العلاج الايماني من صيدلية القرآن المقدسة واخذوا جرعات من مضادات السموم فيها، فانهم يضمدونجراحاتهم البشرية، ويداوون مرضهم، فضلاً عن انهم يكونون السبب في مداواة جراح البشرية كلها.

نسأل الله تعالى ان تكون صحوتك الروحية هذه بلسماً شافياً لجرحك انت، ومثالاً حياً، وقدوة طيبة، أمام انظار الاطباء الآخرين ودواء لمرضهم.

ولا يخفى عليك ما لإدخال السلوان في قلب مريض يائس قانط من نور الامل من اهمية، فقد يكون اجدى له من ألف دواء وعلاج. بيد ان الطبيب الغارق في مستنقع المادية والطبيعة الجاسية يزيد اليأس الأليم لهؤلاء المساكين حتى يجعل الحياة كلها امامهم مظلمة محلولكه.. ولكن صحوتك هذه ستجعلك - بإذن الله - مناط سلوان ومدار تسلٍ لاولئك المساكين وامثالهم، وتجعل منك طبيباً حقاً يشع نوراً الى القلوب وينثر البهجة في النفوس.  من المعلوم ان العمر قصير جداً، والوظائف المطلوبة كثيرة جداً، فالواجبات اكثر من الاوقات، فاذا تحريت ما في دماغك من معلومات، مثلما فعلته انا، ستجد بينها ما لا فائدة له ولا اهمية من معلومات تافهة شبيهة بركام الحطب.. لقد قمت انا بهذا الضرب من البحث والتفتيش، فوجدت شيئاً كثيراً مما لا فائدة له ولا اهمية.

نعم انه لا بد من البحث عن علاج وعن وسيلة للوصول الى جعل تلك المعلومات العلمية والمعارف الفلسفية مفيدة نافعة، منورة مضيئة، حية نابضة، تتدفق بالرواء والعطاء.

تضرع انت كذلك يا أخى وادعُ الحكيم الجليل ان يرزقك صحوة روحية تخلّص تفكيرك وتزكّيه لاجله سبحانه، وتضرم النار في اكوام بقايا الحطب تلك، لكي تتنور وتتحول - تلك المعارف العلمية التي لا طائل وراءها - الى معارف الهية نفيسة غالية.

صديقي الذكي!

ان القلب ليرغب كثيراً في ان يندفع الى الميدان اشخاص من امثال "خلوصي" ممن هم من اهل العلم والشوق اللهيف الى الانوار الايمانية والاسرار القرآنية.

ولما كانت "الكلمات" تستطيع ان تخاطب وجدانك، فلا تحسبها رسالة خاصة مني اليك، بل كل "كلمة" من كلماتها ايضاً رسالة موجهة اليك من داعٍ الى القرآن الكريم، والدال عليه. وخذها وصفة طبية صادرة من صيدلية القرآن الحكيم. فانك بهذا ستفتح -بظهر الغيب- مجلساً واسعاً كريماً، وجلسة مباركة حاضرة.

هذا وانت حرّ في ان تكتب الرسائل اليّ متى شئت، ولكن ارجو الاّ تتضايق من عدم ردي عليها بجواب، ذلك لاني قد اعتدت -من سالف الايام- على عدم كتابة الرسائل الا قليلاً جداً، حتى اننى لم اكتب الى شقيقي -منذ ثلاث سنوات- سوى جوابٍ واحدٍ على الرغم من كثرة رسائله اليّ.

سعيد النورسى



 

[الرسائل اغرقتنا في بحر النور]

"فقرة لخسرو"

استاذي المحترم المحب!

لقد نوّرتنا رسالتكم مادياً ومعنوياً ورفعتنا الى ما لا يطال اليه من الفيوضات واغرقتنا في بحر النور، فأحمد الله ربي بما لا يتناهى من الحمد على نيلنا لهذا الشرف العظيم بوساطتكم وبما بشرتمونا بالتوفيق في الايام الآتية لما يترتب عليه من خدمة القرآن العظيم.

انني في دعاء لكم يا استاذي، بان يرزقكم الله بما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

استاذي المحترم!

لقد تذكرتكم كثيراً، الاّ ان الخونة المارقين يحولون بيننا وبين الوصول اليكم في كل جانب. وهذا يؤلمني جداً. ان احوالنا الحاضرة تعصر قلوبنا بالأسى. ولكن لا حول لنا ولا قوة إلاّ بالله.

أيما انسان وصلت اليه رسائل النور المفاضة بالانوار يرتبط بها ارتباطاً وثيقاً. لذا فهي جّوالة بين المشتاقين الذين هم اهل لها.

والحمد لله.. هذا من فضل ربي

خسرو



 

[الرسائل بددت الغفلة]

ايها الاستاذ المحترم!

ان رسالتكم المؤلفة بفيض من القرآن الكريم، وكأنها مرآة لأنواره، تكفي دلالة على مدى علوّكم استاذاً جليلاً، فلقد بددت ايها الاستاذ العزيز هذه الرسائل الظلمات المخيمة على الاسلام وهتكت استار الغفلة عن الله المسدلة على الناس، وابرزت بفضله سبحانه حقائق ساطعة براقة من تحت تلك الاستار الملطخة الملوثة.

فعزمكم الذي لا يلين وصلابتكم التي لا تنثني، وسعيكم المتواصل، لم تبق باذن الله دون ثمرات. فلقد فجرتم يا استادي المحترم ينبوعاً دفاقاً بماء الحياة في قلب الاناضول(1).

فمنبع تلك الرسائل وكنزها الدائم انما هو بحر القرآن الحكيم. ستديم لكم تلك المؤلفات القيمة حياتكم وتخلد اسمكم عندما ترحلون من هذه الدار، دار الامتحان الى عوالم السعادة. فطوبى لاولئك السعداء البررة، طلابك الذين تحبهم والذين يقدّرون ما فجرتموه من نبع فياض حق قدره، ويذبّون عنه بالإعلام عنه وتلقين احكامه بالوف ارواحهم ان استوجب الامر.

فقرّ عيناً يا استاذي العزيز! ان هؤلاء البررة لن يقوموا باعمال لا تنشرح لها في الآخرة.

ان طلابك شاكرون لفضلكم ممتنون بكل مهجهم وارواحهم لما اودعتموه لديهم من مفاتيح كثيرة للأسرار القرآنية.

نعم ان الانوار والفيوضات التي تنشرونها وتنثرونها اليوم تجعل الناس الحقيقيين في سرور غامر اذ تعلّمهم خطوات العمل لوظائفهم الاساس على الارض.

ان سعيكم مشكور وخدماتكم مقبولة باذن الله وتضحيتكم جسيمة.

استاذي العزيز! لتنشر اعمالكم الجليلة، ولتبلغ آفاق السموات، ولتنطق بها الألسن(2).

ان الاعمال الدنيوية التي لم تلق حظاً من الدين والتي بدأت بالانتشار في الاوساط عامة، والتي تزيد عتامة الغفلة للغافلين، وتزيد سكرهم، بل هي السكر بعينه، لا يمكن دفعها الاّ بمؤلّفاتكم القيمة، وارشاداتكم القويمة.

فلقد ثبتت بدلائل معقولة ومنطقية، انه لن ترقى الدول الملحدة الى مستوى الانسانية بل لا يمكنها ان تدركها وهي ما زالت كذلك، حتى تؤول الى الخراب او الانهيار.

ان مؤلفاتكم القيمة عالية رفيعة وجامعة، تنعكس فيها صفات روحك السامية.

استاذي الحبيب! اطمأنوا اطمئناناً تاماً ان سعيكم مشكور ولم يذهب هباءً منثوراً وسوف تتلقف الايدي العديدة رسائلكم الى الابد، وستوقف ملحدي اليوم عند حدّهم بل ربما تمنحهم نور الايمان، أليس هذا ما ترجونه؟ أليس عملكم وغايتكم تنحصر في بلوغ ايقاظ الناس وارشادهم الى الايمان؟

ان الادباء المتربين على فتات موائد الفلاسفة، اولئك المحرومون من الادب، سيجدون حتماً الادب الحقيقي في رسائلكم. نعم وسيتحقق هذا فعلاً. وانتم بدوركم تكونون قد وفيتم خدمة الايمان الجليلة حق الايفاء. ان هذه الامة وهذا الوطن مدينة لكم الى الابد، وتعجز ان توفي حقكم. ان ثواب خدماتكم السامية لا تقابلها هذه الامة، بل سيمنحها الله سبحانه ما يليق بها. ليرض الله في الدنيا والآخرة عنكم، وعن أمثالنا من الخدام المذنبين.

زكي

صديق المرحوم لطفي

الطالب القديم لرسائل النور



 

[الرسائل تجرد قارئيها من المشاعر الهابطة]

"فقرة للسيد عاصم"

باسمه سبحانه

﴿وان من شيء الاّ يسبح بحمده﴾

حمداً وشكراً، بما لا يتناهي من الحمد والشكر، ارفعه كل دقيقة من دقائق عمري للقدير المطلق وسلطان الابد والازل، الحي القيوم الذي لا يموت، الذي انعم من بحر كرمه الواسع استاذي المحترم الى هذا الفقير. ومهما بالغت من الحمد والشكر لله تعالى فلا اوفي حق الدّين عليّ. فله الحمد والمنة.. وهذا من فضل ربي.

انني هذا الفقير الغارق في الذنوب، قد عصفت بي المعاصي بمقتضى جبلتي البشرية وتقاذفتني موجاتها، قليلا او كثيراً طوال حياتي العسكرية التي دامت اربعاً وثلاثين سنة دون انقطاع، فظلت حياتي الدينية والاخروية فقيرة جداً.. هكذا امضيت حياتي وانا ملفع بستار الغفلة. فالآن ادرك ما فات مني، واندم عليه اشد الندم. بل ابكي على ما كنت اضحك منه. ولم يحصل هذا الاّ باكتحال عيني

بلقائكم ورسائلكم. فألف حمد وحمد لله تعالى على هذا الاحسان العميم.

لقد بدأتْ بفضل الله مراسلتي معكم بوساطة اخينا الشيخ محمد افندي لدى مجيئي الى "بوردور" قبل اربع سنوات. فألقت تلك الرسائل في يد هذا الفقير مفاتيح تفجّر بالانوار وتفيض بالحكم وتحل المعضلات وتفتح لغز الكائنات.

نعم، ان هذه المفاتيح لا تقدّر بثمن، فهي اغلى من اغلى الجواهر والألماس، بل ان قلمي ولساني ليعجزان عن التعريف بما يكنه قلبي من مشاعر نحوها. فأفضّل ملازمة عجزي.

ان هذه الرسائل التي تضم بين دفتيها خزائن الشريعة الغراء والحقيقة الصادقة والمعرفة الالهية وكنوزها، بل ان كل رسالة منها انور من الاخرى واسطع منها ولاسيما رسالة "اعجاز القرآن" فهي تشع الانوار. فاين وصفي العاجز منها؟ انها بستان رائع تنثر الفرح والبهجة والسرور وتضم ازاهير نادرة لطيفة، حتى يحار المرء من ايها يقطف ويشم، ليزيل حيرته ويبل ريقه ويشفي غليله. ولا شئ امامه ولا مفر الاّ ان يجعل من جميعها باقة عظيمة من الانوار.

فهذه الرسائل المباركة تغرق قارئيها، وكاتبيها والمستمعين لها في بستان النور، في بحر النور، وتحملهم على التفكر والتدبر وهم نشاوى بالاعجاب. انها تجعل الانسان مجرداً من الاحاسيس الدنيوية ومعزولاً عن المشاعر الهابطة، موجهة اياه الى خالقه الكريم بعبودية خالصة دائمة. انها ترفع الانسان الى منازل عالية تسمو على الاخلاق الرذيلة كلها.. انها تقتل عنده النفس الامارة بالسوء.

نعم استطيع ان اقول: بان هذه الرسائل النورانية روضة من الجنان، ولكن اسفاً والف اسف على اولئك الشقاة الذين يعجزون عن اخذ حظهم من هذه الروضة الطيبة.

وكلي أمل أن يصل الى اولئك هذا الإلهام الرباني ايضاً، ليقدروا على تبديل الغفلة الى يقظة وصحوة كما جاء في ختام "الكلمة الثالثة والعشرين".

اتضرع الى المولى القدير الواجب الوجود بأن يجعل المؤمنين الموحدين على الصواب والسداد، وادعوه سبحانه دعاءً فعلياً باستنساخ ما لديّ من الرسائل وتداول قراءتها في ايام الجمع التي قد تستغرق القراءة حتى المساء. فنوفي بفضل الله سبحانه وتعالى حق عبوديتنا لله تعالى. وندعو لاستاذنا ان يديم الله عمره ما دامت الارض ويظل مرشداً لرسائل النور ودالاّ عليها قائماً بامر الدعوة الى النور. وهذا الدعاء دَين في اعناقنا جميعاً تجاه الاستاذ.

اننا جميعاً -انا واهلي- نتضرع الى الله سبحانه عقب كل صلاة بمثل هذا الدعاء.

عاصم



[وجدت الباب الذي ابغيه]

"فقرة بابا جان محمد علي "

ايها الاستاذ الموقر يا من هو اغلى من روحي!

اني عاجز عن إيفاء مهمة الطالب حق الايفاء، ولا استطيع تقديم خدمة حقيقية لرسائل النور، اذ كلما فكرت في القوة والقدرة والاسرار والانوار المتظاهرة في رسائل النور، غبت عن نفسي. فانا لا استطيع العروج الى مثل هذه الذرى السامية. ولكن ساحاول ان شاء الله ما وسعني ان استفيد من هذه الرسائل التي تكشف عن اسرار القرآن والتي هي اغلى بالوف المرات من اغلى الجواهر الثمينة وذلك فضل الله على عباده المؤمنين. وسأضئ شطراً من الليل بانوار تلك الرسائل لاننى لا اجد متسعاً من الوقت في النهار لانهماكي بمتطلبات العيش.

انني اشعر في قلبي انشراحاً وفرحاً في منتهي الحلاوة واللذة كلما استنسخ تلك الانوار.. وحقاً انني عاجز عن تقديم مدى الشكر انك اثمن من حياتي كلها. وانني على استعداد للتضيحة بها في كل لحظة إنفاذاً لامر من اوامرك.

نعم ! انه لا تردد قطعاً في بذل تلك الهدية العظيمة، هدية الحياة، في سبيل الرب الجليل الذي انعمها علينا.

ايها الاستاذ المحترم! اننا مستعدون لأداء تلك الامانة في كل وقت الى منعمها الحقيقي جل جلاله، تلك الحياة التي وهبت لنا امانة ونجهل وقت سلبها منا. فانا متهئ في كل حين ومن دون احجام لإنفاذ امره سبحانه وتعالى. وانتم لما كنتم تبلّغون اوامر ذلك الرب العظيم فان كلامكم الطيب هو حق ورحمة في الوقت نفسه.

ثم يا سيدي! ان الاغصان الدانية تقلّم وتقطّع لترتفع الشجرة وتعلو وتصان من الاحياء المضرة. فليس لتلك الاغصان حق الاعتراض على ذلك العمل قطعاً. حيث انها لو ظلت على ما هي عليه ربما يقطعها حيوان مضر، وتتفسخ جذورها وتعدم.

استاذي القدير!

اقولها دون مبالغة. انني اعتقد انه ليس هناك احد غارق في الذنوب والخطيئات مثلي. بل اقنعت نفسي بذلك احياناً. بل لست غارقاً في الذنوب الى ركبي وظهري ولا الى عنقي وحدها بل من اخمص قدمي الى قمة رأسي، بل حتى اعماق اعماق وجودي وكياني ملوثة بحمأة تلك الذنوب والخطايا.

وفي الوقت الذي بدأ كياني كله بالتعفن والفساد، باشرتم باذن الله بالعلاج والضماد - كالخضر ولقمان الحكيم عليهما السلام - ووضعتم ذلك المرهم الشافي المستخلص من صيدلية الشفاء القرآني على الجروح والعفونات. فانتم وسيلة لمنح الحياة، تلك التي تستحق ان تسمى حياة.

فليس من العقل في شئ الاّ يضحّى في سبيل من انعم تلك الحياة، ومن اصبح وسيلة لذلك الإنعام الجليل.

نعم ان على المريض ان يدرك حاجته الى اجراء العملية الجراحية، فهو مدين بالشكر والثناء لمن يراقب معالجته ويداويه ليل نهار، بل مدين بما لا يحد من الشكر والحمد والثناء لذلك الحكيم العليم الذي ليس كمثله شئ، والذي سلم ذلك الدواء من صيدلية القرآن الكريم.

ولكن يا استاذي انني متألم جداً لعدم ايفائي هذا الدّين الذي في عنقي. ليرضَ الله عنك ابداً يا استاذي.

الحافظ علي(3)



 

[اركان الايمان في الرسائل]

ان هذه الآثار النورانية اذ ترغّب من ناحية اذا بها ترهّب من جهة اخرى. فهى تتضمن كليهما الترغيب والترهيب معاً، ولا ريب في جدوى تأثير احدى هاتين الوسيلتين في الانسان. وفي ضوء هذه الحقيقة توقظ اهل القرآن وتلاميذه واضعة نصب أعينهم ستة اسس لئلا ينخدعوا.

1- انها تضع بدلاً من حب الجاه، ابتغاء مرضاة الله النابعة من الإيمان به سبحانه.

2- انها تضع بدلاً من الخوف والوقوع في شكوك الأوهام، الايمان بالقدر.

3- انها تضع بدلاً من الحرص والطمع، الايمان بان الله هو الرزاق ذو القوة المتين.

4- انها تضع بدلاً من الاحاسيس والمشاعر العنصرية الإيمان بالرسل الكرام وفي مقدمتهم الرسول الاكرمyالمبعوث الى الجن والانس كافة والذي يحقق لنا ﴿انما المؤمنون اخوة﴾ (الحجرات:10) ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا﴾ (آل عمران:103).

5- انها تضع بدلاً من الانانية وحب الذات، الاعتراف بعجزنا ونقصنا مع الادراك التام اننا مكلفون بأداء الخدمة والعمل للقرآن الكريمبنشر الرسائل المترشحة منه والحفاظ عليها، من دون ترقب النتيجة. بمعنى: التجرد من نوازع البشرية الى حد ما والتشبه بالملائكة الذين هم واسطة لإنزال الكتب والصحف السماوية. فنحقق الايمان بالملائكة بهذه الصورة.

6- انها تضع بدلاً من الكسل والخلود الى الدعة والراحة، الاسراع الى العمل للقرآن الذى كل ساعة منه تعدل يوماً من العبادة. وتجعلنا ان نقدر الوقت حق قدره ونستمسك بالعمل للقرآن من قبل ان يفلت منا هذا العمل المقدس، مع فتح الابصار لإدراك الامور والأحداث. بمعنى معرفة قيمة الحياة قبل ان يحل بنا الموت فجأة.

وهكذا فيا استاذي القدير انتم ترشدون الى الايمان بالآخرة دلالة و رمزاً واشارة وصراحة. ليرضَ الله عنكم وينقذ الامة المحمدية من الضلالة ويوفقكم في مسعاكم وجهادكم الخالص في الدعوة الى القرآن.

آمين.. آمين.. بحرمة سيد المرسلين وبحرمة القرآن المبين.

لقد ارسلت القسم السابع من المكتوب التاسع والعشرين الى اخيكم السيد عبدالمجيد فقال في جوابه:

انه لا يجوز النظر لأحد - مما سوى خلوصي وعبد المجيد - الى تلك البنت الجميلة من بنات افكار اخى الكبير. فالمحارم ايضاً في هذا الامر هم اجانب. ارى من الافضل ان تكتب لاخى الكبير ان خروج مثل هذه الحسناء الى الخارج لا يحقق نفعاً بل ربما يولّد اضراراً جسيمة. ان سرعة الانفعال والغضب الذي كان لدى سعيد القديم مازال سارياً في سعيد الجديد، علماً ان سعيداً الجديد ما ينبغى ان يضيّع وقته مع بنى الانسان. وهذا ما يقتضيه مسلكه ومشربه. وعلى كل حال فالحافظ هو الله سبحانه.

وانا بدورى قد اجبته بالآتي:

نعم ان هذا الرأى صحيح بالنسبة لنا، ولكن لا اراه صحيحاً بالنسبة للاستاذ الفاضل الذي ادار ظهره الى الدنيا ووفّى بوظيفته حق الإيفاء، فالذى استخدمه في هذا الامر الجليل سيعصمه بلا شك.

فلقد اقتنعت قناعة تامة بأن الاستاذ يدير ظهره الينا ايضاً إنْ قطعنا علاقتنا مع رسائل النور.

نعم، ان قلق اخينا العزيز، وارد وفى محله، واضطرابه خالص ومحقّ فيه اذا ما أُخذ ظاهر الامور بنظر الاعتبار، ولكن حرمان من له علاقة برسائل النور -وهم قلة معدودون- من هذه الحقائق وحجب هذه الاثار السامية عنهم، لا أراه صواباً بل هو مغاير لذلك الاساس. فالله خير حافظاً وهو ارحم الراحمين فهو ناصرنا ومعيننا. وليس لنا الاّ دفع الشكوك والمكايد والالتزام بالنية الصافية والشعور الخالص والشوق الجاد في السعي لشد أزر العمل الذي رفع لواءه استاذنا الفاضل.

تحياتنا الى اخواننا جميعاً مع الدعاء لهم بالتوفيق والسداد مع رجاء الدعاء لي والصفح عن زلاتى، مع التوسل بألاّ تخرجوا طالبكم الصادق من دعواتكم.

الباقي الحب في الله

خلوصي



 

[سبب اعادة هدية]

"رسالة كتبت حول اعادة هدية أحد إخوتي العزيزين

كـ "خلوصي" ادرجت ضمن فقرات اخوتي حسب رأيهم ".

 

باسمه سبحانه

﴿وان من شيء الاّ يسبح بحمده﴾

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اخويّ في الآخرة العزيزين الوفيين، السيد الحاج نوح وملا حميد!

ان اسباباً كثيرة تمنعني عن قبول الهدايا، اذكر اهمها وهو: الاخلال بالعلاقة الخالصة الحميمة بيني وبين طلاب النور، علاوة على انني لست محتاجاً حاجة ماسة، وذلك بفضل الالتزام بالاقتصاد والقناعة والبركة، بل لا استطيع ان امدّ يدي الى اموال الدنيا، وذلك خارج طوقي وارادتي.

وسأبين سبباً دقيقاً واحداً من بين الاسباب الكثيرة:

اتى صديق حميم تاجر، بمقدار من "الشاي" يبلغ ثمنه ثلاثين قرشاً، فلم اقبله.

فقال: لا تردّني خائباً يا استاذي، لقد جلبته لك من استانبول! فقبلته ولكن دفعت له ثمنه ضعفاً.

فقال : لِمَ تتعامل هكذا يا استاذي، ما الحكمة فيه؟

قلت: لئلا اُنزل قيمة الدرس الذي تتلقاه - وهو بقيمة الالماس - الى قيمة قطع زجاجية تافهة. فانني ادع نفعي الخاص لاجل نفعك انت!

نعم! ان درس الحقيقة الذي تأخذه من استاذ لا يتنازل الى حطام الدنيا ولا تزل قدمه الى الطمع والذل، ولا يطلب عوضاً عن ادائه الحق والحقيقة، ولا يضطر الى التصنع.. هذا الدرس هو بقيمة الألماس.

بينما الدرس الذي يُتلقى من استاذ اضطر الى اخذ الصدقات، والى التصنع للاغنياء والى التضيحة حتى بعزته العلمية، في سبيل جلب انظار الناس، فمال الى الرياء امام الذين يتصدّقون عليه. وبهذا جوّز اخذ ثمرات الاخرة في الدنيا. اقول: ان هذا الدرس يهون الى مستوى قطع زجاجية ولو كان الدرس هو نفسه.



[الشعور الاخوى الخالص]

اخي العزيز الوفي الصادق النشط ويا صاحبي في الخدمة القرآنية السيد رأفت!

ان العمل الذى تؤديه في خدمة القرآن الكريم عمل مبارك كله، وفقكم الله في مسعاكم وزاد شوقكم الى العمل اكثر، دون ان ينال منكم الفتور والملل.

ان وظيفتكم هذه اهم من الاستنساخ اليدوي، ولكن لا تدعه ايضاً. سأبين لكم دستوراً في الاخوة عليكم الاخذ به بجد.

ان الحياة نتيجة الوحدة والاتحاد، فاذا ذهب الاتحاد المندمج الممتزج، فالحياة المعنوية تذهب ايضاً ادراج الرياح.

فالآية الكريمة ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾(الأنفال: 46). تشير الى ان التساند والترابط اذا اختل تفقد الجماعة مذاقها.

انكم تعلمون ان ثلاث الفات اذا كتبت منفردة متفرقة فقيمتها ثلاث، ولكن اذا اجتمعت بالتساند العددي فقيمتها مائة واحد عشر. فان بضع اشخاص من امثالكم من خدّام الحق اذا عمل كل منهم على انفراد من دون اعتبار لتقسيم الاعمال فان قوتهم تكون بقوة ثلاثة او أربعة اشخاص، بينما اذا ما عملوا متساندين باخوة حقيقية، مفتخراً كل منهم بفضائل الآخرين، حتى يبلغوا بسر الفناء في الاخوة ان يكون احدهم هو الآخر بنفسه، اقول: انهم اذا ما عملوا هكذا فان قيمة اولئك الاشخاص الاربعة تكون بمثابة اربعمائة شخص.

انكم يا اخي بمثابة مولدات الكهرباء التي تمدّ الضوء الى بلد عظيم وليس الى اسبارطة وحدها، فدواليب الماكينة مضطرة الى التعاون فيما بينها. فان كلاً من تلك الدواليب - ناهيك عن الغيرة والاستياء - تجد الراحة مما تكسبه من القوة الفائقة التي تمتلكها الدواليب الاخرى حيث انها تخفف عنه عبء الوظيفة.

ان الذين يحملون على اكتافهم اعباء خدمة الايمان والقرآن والتي هي بمثابة خزينة الحق والحقيقة العظيمة الرفيعة يفتخرون كلما انضم اليهم اكتاف قوية متعاونةً معهم، فيشكرون ربهم.

حذار حذار من فتح باب النقد فيما بينكم. ان ما يستحق النقد خارج الصف كثير بل كثير جداً. فكما انني افتخر بمزاياكم، وأجد الراحة والسلوان من مزاياكم التي حرمت منها، واعدّها كأنها عنديوانا المالك لها، فانتم كذلك عليكم النظر الى مزايا اخوانكم على هذا النمط. فليكن كل منكم ناشراً لفضائل الآخرين.

ولما كنت ارى ان الشعور الاخوي الخالص الذي ابداه اخونا "الحافظ علي" تجاه احد اخواننا الذي سيكون منافساً له في الاستنساخ اليدوي جدير بأن تطلعوا عليه، اذكره لكم وهو الاتي:

جاءني "الحافظ علي"، وقلت له ان خط الأخ "فلان" اجود من خطه وانه اكثر منه عملاً ونشاطاً. واذا بي اجد ان الحافظ علي يفتخر باخلاص ومن الصميم بتفوق الآخر عليه، بل التذ بذلك وانشرح، وذلك لان الآخر قد استطاع جلب محبة استاذه وثنائه عليه.

راقبت قلبه وامعنت فيه بدقة، وعلمت انه ليس تصنعاً قط. بل شعرت انه شعور خالص. فشكرت الله تعالى على ان في اخواننا من يحمل هذا الشعور السامي، وسينجز هذا الشعور باذن الله كثيراً جداً من الخدمات. والحمد لله فان ذلك الشعور الاخوي قد سرى تدريجياً في صفوف اخواننا في هذه المنطقة.

سعيد النورسي



 

[لا أشبع من مطالعة الرسائل]

استاذى المحترم!

ان هذه "الرموز"(4) آثار بديعة خارقة تثير الاعجاب حيث تمنح عشاق العلم من القراء اذواقاً لا نهاية لها ومشاعر رقيقة رفيعة، ولقد تجددت حياتي بهذه المشاعر العالية -بشرط ان يثبتنا المولى في هذه الحياة الجديدة- حتى اتمنى منه تعالى العمر المديد. فلا غرو أنى لا أشبع من مطالعتها، فمهما قرأتها كأني لم اقرأها واكون كمن يقرأ مؤلفاًً جديداً فأقرأها بذوق معنوي لا يحد وحظ روحي لا ينتهي.

وهكذا الامر سواء في "الكلمات" او "المكتوبات" أو "الرموز" واظن ان الوصف الخارق لهذه الرسائل يتمركز في هذه النقطة الدقيقة! علماً ان الانسان اذا ما قرأ المؤلفات الاخرى مرة واحدة لا تثار عنده رغبة لإعادة القرآءة.

نعم اني مهما بالغت في قراءة هذه الانوار القرآنية لا استطيع دفع الجوع عن قراءتها مرة اخرى ولاسيما "الرموز" فقد سحرتني وغرقتني في الاعجاب، لذا باشرت فوراً باستنساخها.

رأفت



 

[سلواني الوحيد]

استاذى العزيز الرؤوف...

انكم تحاولون تنبيه طالبكم الذى يكنّ لكم الحب في الله، هذا العاجز، وتسعون لارشاده بشتى الوسائل وتعلّموه دروساً معنوية رفيعة جداً. بيد أنى لا استطيع ان استفيض كما يستفيض اخوتي الاعزاء الموقرون الذين يجالسونكم ويتشرفون بصحبتكم وقربكم معنىً ومادة ممن لهم قدم صدق في خدمة القرآن الكريم بتوفيق الباري سبحانه وتعالى.

انني احيل سبب ذلك الى العصيان، والى زيادة الخطيئات، والى تأثير المحيط والاحداث التى تعرقل العمل المنور، واحيلها في اوقات كثيرة الى هجمات نفسي الامارة بالسوء وهجمات شياطين الجن والانس.. ومن هنا اشعر بشقاوتي. نعم، وفضلاً عن هذا فانى اشعر بالنعم التى نلتها والتي لا تعد ولا تحصى، والتي لم اتمكن من ايفاء شكرها مع الاسف الشديد. علماً ان كل يوم وكل ساعة بل كل دقيقة وثانية تنبهني بانقضاء حياتى الفانية والرحيل من هذه الدنيا القصيرة العمر، ورغم هذا لا استطيع ان اكف يدي عنها. وان سلواني الوحيد، هو ارتباطي الوثيق بالقرآن العظيم وايماني الذى لا يتزعزع بالدين المبين والنبي الكريمyوما أتاه من شريعة غراء، وشدة ارتباطي باستاذي المحبوب. فآمل الاّ تدع هذا الغارق في الذنوب محروماً من دعواتك الطيبة.

خلوصي



 

[حول العلاقات بين الاستاذ والطلاب]

اخوتي خسرو، لطفي، رشدي!

سأبين لكم وجهة نظري -بما يفيدكم- حول العلاقات القائمة بين الاستاذ والطلاب وزملاء الدرس، وهي:

انتم يا اخوتي، طلابي -بما هو فوق حدّي- من جهة، وزملائي في الدرس من جهة اخرى، ومساعديّ واصحاب الشورى من جهة اخرى.

اخوتي الاعزاء!

ان استاذكم ليس معصوماً من الخطأ، بل من الخطأ الاعتقاد انه لا يخطىء.

ولكن وجود تفاح فاسد في بستان لايضر بالبستان، ووجود نقد مزوّر في جزينة لايسقط قيمة الحزينة.

ولما كانت السيئة تعدّ واحدة بينما الحسنة بعشر امثالها، فالانصاف يقتضي:

عدم الاعتراض وتعكير صفو القلب تجاه الحسنات، اذا ما شوهدت سيئة واحدة وخطأ واحد.

وحيث ان المسائل التي تخص الحقائق، والمسائل الكلية والتفصيلات هي من قبيل السانحات والالهامية بصورة عامة، قفلا غبار عليها قطعاً وهي يقينية.

اما مراجعتي لكم فيما يخص تلك المسائل واستشارتي لكم حولها، فهي في نمط تلقيكم لها، وليست لكونها حقيقة وحقاً ام لا؟ فلا تردد قطعاً من كونها حقيقة. الا ان الاشارات التي تعود الى المناسبات التوافقية ترد بصورة مطلقة ومجملة وكلية اذ هيسانحات الهامية. ولكن احياناً يختلط ذهني القاصر، فيخطىء قتظل التفاصيل والتفرعات ناقصة. تخطأى في هذه التفرعات لا يورث ضرراً للأصل وما هو بحكم المطلق.

وحيث اني لا اجيد الكتابة، ولا يتيسر وجود الكاتب لدي دائماً، تظل التعابير مجملة وعلى صورة ملاحظات ليس الا، فيستشكل على الفهم.

اعلموا يا اخواتي ويا رفقائي في الدرس!

انني اسرّ ان نبهتموني بكل صراحة لاي خطأ ترونه عندي. بل اقول : ليرض الله عنكم اذا قلتموه لي بشدة. اذ لا ينظر الى امور اخرى بجانب الحق. انني مستعد لقبول اية حقيقة كانت يفرضها الحق، وان كنت اجلها ولا اعرفها فأقبلها وأضعها على العين والرأس ولا اناقشها وان كانت مخالفة لانانية النفس الامارة.

اعلموا! ان هذه الوظيفة الايمانية وفي هذا الوقت جليلة ومهمة. فلا ينبغي لكم ان تضعوا هذا الحمل الثقيل على كاهل شخص ضعيف مثلي، وقد تشتت فكره. بل عليكم معاونته قدر المستطاع.

نعم، ان الحقائق المجملة والمطلقة، تنطلق ونكون نحن وسائل ظاهرية لها، اما تنظيمها وتنسيقها وتصويرها فهي تعود الى اخوتي الاكفاء، واحياناً اتدخل في التفاصيل والتنظيم بدلاً عنهم فتظل ناقصة.

انكم تعلمون ان الغفلة تستحوذ اكثر في موسم الصيف، حيث يفتر كثير من الزملاء عن الدرس ويضطرون الى تعطيل الاشغال، فلا يقدرون على الانشغال بجد بالحقائق..

اخوتي! نحن في اشد الحاجة في هذا الزمان الى القوة المعنوية تجاه الضلالة والغفلة. فأنا مع الاسف باعتباري الشخصي ضعيف ومفلس. فليست لي كرامة خارقة كي اثبت بها هذه الحقائق، وليست لي همة قدسية كي اجلب بها القلوب. وليس لي دهاء علوي كي اسخّر به العقول، بل انا بمثابة خادم متسول امام ديوان القرآن الكريم.

اخوكم

سعيد النورسي



 

[سؤال حول الروح]

باسمه سبحانه

"كتب للسيد خلوصى"

سؤال: ما الداعى لقول الامام الغزالي: ان النشأة الاولى مخالفة تماماً للنشأة الاخرى؟

الجواب: ان قول حجة الاسلام الامام الغزالي من ان النشأة الاولى مخالفة تماماً للنشأة الاخرى، هى مخالفة باعتبار الكيفية والصورة. وليست باعتبار الماهية والجنسية، لانها تكون معارضة لصراحة آيات كريمة كثيرة، مثل: ﴿يحيي الارض بعد موتها وكذلك تخرجون﴾(الروم:19) و﴿وهو الذى يبدؤا الخلق ثم يعيده﴾(الروم: 27).

ثم أنه اشارة الى ان الامور الاخروية من حيث المرتبة رفيعة جداً.. ثم انه اشارة للغزالى الى وقوع الحشر الجسماني مع الحشر الروحاني ايضاً تقليداً ومسايرة لبعض الباطنية.

سؤال: ان سعد التفتازاني(5) بعد تقسيمه الروح الى قسمين احدهما: روح انسانية والاخرى: روح حيوانية، يقول: "ان المعرضة للموت هى الروح الحيوانية وحدها. أما الانسانية فليست مخلوقة، وليست بينها وبين الله نسبة ولا سبب. فقد استقلت بذاتها وليست قائمة بالجسد". ما سبب قوله هذا وما ايضاحه؟.

الجواب: ان قول سعد التفتازانى "الروح الانسانية ليست مخلوقة": يعنى ان ماهية الروح قانون امري ذى حياة ومرآة ذات شعور لإسم الله الحي، وجلوة ذات جوهر من تجليات الحياة السرمدية،وذلك مضمون قوله تعالى ﴿قل الروح من امر ربي﴾(الاسراء: 85). لذا فهي مجعولة. ومن هذه الجهة لا يقال انها مخلوقة. وقد قال السعد في المقاصد وفى شرح المقاصد موافقاً لجميع علماء الإسلام المحققين ومنسجماً مع نصوص الآيات الكريمة والاحاديث الشريفة: "ان قانون الامر ذاك قد ألبس وجوداً خارجياً، فهي مخلوقة وحادثة كسائر المخلوقات" وجميع آثاره شاهدة على عدم قوله بأزلية الروح.

أما قوله: "ليست بينها وبين الله نسبة" فهو اشارة الى ردّ مذهب باطل كالحلول. فروح الحيوانات كذلك باقية، وتفنى اجسامها وحدها في القيامة. بينما الموت ليس فناء بل انقطاع العلاقة.

أما قوله: "ولا سبب" فاشارة الى خلق الروح مباشرة دون توسط الاسباب، كما جاء في مناجاة عزرائيل عليه السلام في قبض الارواح.

أما قوله: "استقلت بذاتها" فان الجسد يستند الى الروح فيبقى قائماً بينما الروح قائمة بذاتها - كما ذكر في اثبات بقاء الروح - فاذا ما دمّر الجسد تكون الروح حرة اكثر وتحلق الى السماء كالملاك، وهو اشارة الى ردّ مذهب باطل.

 

 

[العلاقة التي لا يقيدها زمان ولا مكان]

"خطاب الى السيد خلوصي"

باسم من ﴿تسبح له السموات السبع والارض ومن فيهن وان من شيء الاّ يسبح بحمده﴾ (الأسراء: 44).

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته بعدد عاشرات دقائق عمركم، عمّركم الله بالسلامة والعافية.

اخي العزيز!

لقد آلمتنى رسالتكم، ولكن فكرت في حقيقة، فزال الألم. والحقيقة هي الآتية:

ان العلاقة التي تربطنا والاخوة القائمة بيننا خالصة وفي سبيل الله - ان شاء الله - لذا لا يقيدها زمان ولا مكان. فالمدينة والبلدة والبلاد باكملها بل الكرة الارضية، بل الدنيا، بل عالم الوجود، بمثابة مجلس بالنسبة لأخوين حقيقيين. فلا فراق في هذه الصداقة والاخوة، بل وصال كلها. ومالنا.. فليفكر اصحاب الصداقات الفانية المجازية الدنيوية! انه لا فراق في مسلكنا. اينما تكون تستطيع اجراء المحاورة مع اخيك هذا، بوساطة ما في يدك من "الكلمات" وانا كذلك متى ماشئت يمكننى مشاهدتك بجنبى رافعين ايدينا الى المولى الكريم. فإن ارسلك القدر الالهى الى مكان آخر فسلّمْ أمرك اليه بكمال الرضى، اذ الخير فيما اختاره الله. ولعل الاماكن الاخرى محتاجة الى صاحب قلب سليم وعقل مستقيم مثلكم يلقن درس الايمان التحقيقي. فلقد خدمت ولله الحمد للايمان خدمة جليلة في "اطريدير".

اخي العزيز!

ان مشاغل الربيع والصيف وقصر الليالي ومرور الشهور الثلاثة، وأخذ اغلب اخوتي الحصة.. واسباب اخرى تولد بلا شك شيئاً من الفتور في دروس الشتاء. ولكن الفتور الناشئ من تلك الاسباب يجب الاّ يصيبكم، لأن تلك الدروس علوم ايمانية، لا يكفي للانسان ان يسمعها لنفسه وحده. فضلاً عن انكم تجدون دوماً أخاً او اخوين حقيقيين. ثم ان الذىن يستمعون الى ذلك الدرس ليسوا من البشر فقط، بل لله سبحانه وتعالى مخلوقات ذوات شعور كثيرة تتلذذ كثيراً من استماع الحقائق الايمانية، فلكم اذن اصدقاء كثيرون ومستمعون كثيرون من هذا النوع.

وكذا فان المجالسة الايمانية المتسمة بالتفكر على هذا النمط، زينة وبهجة لسطح الارض ومدار شرف لها، ولقد قال احدهم اشارة لهذا:

آسـمان رشك بردبـهر زمـين كـه دارد

يك دوكس يك دو نفس بهر خدا بر نشينند

بمعنى ان السموات تغبط الارض لما فيها من شخصين يجلسان انفاساً معدودة - اى لدقيقتين - مجالسة خالصة لوجه الله، في ذكر وتفكر. فيبين كل منهما للآخر الآثار الجميلة لرحمة ربه الجليل وصنعته المزينة الحكيمة فيحب ربه ويحببه، ويفكر في آثاره ويحمل الآخر على التفكير.

ثم ان العلم قسمان:

نوع منه يكفي العلم به ومعرفته والتفكر فيه مرة او مرتين.

والآخر: كالخبز والماء. يحتاجه الانسان ويفكر فيه كل وقت. فلا يمكنه ان يقول: لقد فهمته وكفى. فالعلوم الايمانية من هذا القسم،

و"الكلمات" التي في ايديكم من هذا القسم -على الاكثر- ان شاء الله..

 

_____________________________

(1) انه لو كانت لي حصة واحدة من الالف التي تتصورونها من الثواب والشرف الحاصل في العمل ضمن هذه الخدمة السامية، فشكراً لله تعالى على تلك الحصة الواحدة. اما اهل الفضل فهم اولاء من امثالكم ممن يعاونونني في الخدمة ويسعون للقيام بها باقلامهم الالماسية - المؤلف..

(2) انني لا اشارك اخي هذا في دوافعه الحسية ومشاعره هذه، فحسبنا رضى الله، اذ ان كان معنا فكل شئ معنا اذاً والا فلا تغني الدنيا كلها شيئاً. ان اعجاب الناس واستحسانهم في مثل هذه الاعمال، وفي الاعمال الاخروية ان كانت علة، فانها تبطل العمل، ولكن ان كان مرجّحاً، فانه يفسد اخلاص العمل، وان كان مشوقاً فانه يزيل صفوة العمل ونقائه، ولكن إن تفضّل سبحانه وأحسنه، علامةً على القبول بلا طلب، فهو مقبول وشئ حسن إن استعمل في سبيل بيان تأثير ذلك العمل والعلم في الناس، ويشير الى هذا قوله تعالى ﴿واجعل لي لسان صدق في الآخرين﴾ (الشعراء:84). المؤلف.

(3) وهو من الاوائل الذين تتلمذوا على الاستاذ النورسى، كان دؤوباً في الاستنساخ، لما انعم الله عليه من جودة الخط ومن علو الهمة، استشهد في سجن (دنيزلي) سنة 1944 عن (46) سنة من العمر رحمه الله رحمة واسعة. - المترجم.

(4) الرموز الثمانية: رسالة تبين التوافقات اللطيفة في اسماء الله الحسنى في القرآن الكريم واسرار حروفه وكلماته.المترجم.

(5) هو مسعود بن عمر بن عبد الله، ولد بتفتازان بخراسان في 712 (أو 727هـ) وتوفي في سمرقند 793هـ.. إمام في العربية والمنطق والفقه، سعى لإحياء العلوم الاسلامية بعد كسوفها بغزو المغول فألف كثيراً من امهات الكتب. حتى انه يعد الحد الفاصل بين العلماء المتأخرين والمتقدمين. من كتبه (تهذيب المنطق) و(شرح المقاصد) و (شرح العقائد النسفية) و (المطول).. وكتابه (التلويح في كشف حقائق التنقيح) في الاصول شرح فيه كتاب (التوضيح في حل غوامض التنقيح) للعلامة عبيد الله ابن مسعود المحبوبي (ت747هـ). - المترجم.