الشعاع الثالث

 

إعجاز القرآن الكريم الناشئ من إخباره عن الغيوبوديمومة شبابه، وصلاحه لكل طبقة من الناس

ولهذا الشعاع ثلاث جلوات:

الجلوة الأولى

إخباره عن الغيوب 

 لهذه الجلوة ثلاث قبسات:

القبس الأول:

إخباره الغيبي عن الماضي

إنّ القرآن الحكيم، بلسانِ أمّيّ أمينٍ بالاتفاق يذكر أخبارا من لدن آدم عليه السلام إلى خير القرون، مع ذكره أهمَّ أحوال الأنبياء عليهم السلام وأحداثِهم المهمة، يذكرها ذكرا في منتهى القوة وغاية الجد، وبتصديق من الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل، فيوافق ما اتفقت عليه تلك الكتب السابقة ويصحّح حقيقةَ الواقعة ويفصِّل في تلك المباحث التي اختلفت فيها.

بمعنى أنّ نظر القرآن الكريم ذلك النظرُ المطّلع على الغيب، يرى أحوال الماضيأفضلَ من تلك الكتب، وبما هو فوقها جميعا. بحيث يزكيّها ويصدّقُها في المسائل المتفق عليها، ويصحِحُها، ويفصِل في المباحث التي اختلف فيها. علما أن إخبار القرآن الذي يخص أحوالَ الماضيووقائعه ليس أمرا عقليا حتى يُخبَر عنه بالعقل، بل هو أمر نقلي متوقف على السماع، والنقل خاص بأهل القراءة والكتابة، مع أن الأعداءَ والأصدقاءَ متفقون معا على أن القرآن إنما نـزل على شخص أميّ لا يعرف القراءة والكتابة، معروف بالأمانة موصوف بالأمية. وحينما يخبر عن تلك الأحوال الماضية يُخبر عنها وكأنه يشاهدُها كلها، إذ يتناول روحَ حادثةٍ طويلة وعقدتَها الحياتية، فيخبر عنها، ويجعلها مقدمةً لمقصده. بمعنى أن الخلاصات والفذلكات المذكورة في القرآن الكريم تدل على أن الذي أظهرَها يرى جميع الماضيبجميع أحواله، إذ كما أن شخصا متخصصا في فنٍ أو صنعةٍ إذا أتى بخلاصة من ذلك الفن، أو بنموذج من تلك الصنعة، فإنها تدل على مهارته ومَلَكته. كذلك الخلاصات وروح الوقائع المذكورة في القرآن الكريم تبين أن الذي يقولها إنما يقولُها وقد أحاط بها ويراها ثم يخبرُ عنها بمهارة فوق العادة -إن جاز التعبير-.

القبس الثاني:

إخباره الغيبي عن المستقبل

لهذا القسم أنواع كثيرة:

القسم الأول: خاص بقسم من أهل الكشف والولاية.

 مثلا: إنّ محي الدين بن عربي وجد كثيرا من الأخبار عن الغيب في سورة الروم ﴿الٓمٓ %غُلِبَتِ الرُّومُ﴾(الروم:1-2)وإن الإمام الرباني "أحمد الفاروقي السرهندي" قد شاهد في المقطّعات التي في بدايات السور كثيرا من إشارات المعاملات الغيبية. وبالنسبة إلى علماء الباطن فالقرآنُ الحكيم من أوَّلِه إلى آخره نوع من الإخبار عن الغيب. أما نحن فسنشير إلى قسم منها، إلى الذي يخص العموم ويرجع إلى الجميع. ولهذا القسم أيضا طبقات كثيرة، فسنقصرُ كلامنا على طبقة واحدة.

فالقرآن الكريم يقول للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم (1):﴿فَاصْبِرْ إِنّ وَعْدَ اللّٰهِ حَقّ﴾(الروم:60). ﴿لَتَدْخُلُنّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللّٰهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾(الفتح:27). ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ..﴾(الفتح:28). ﴿وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ %فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلّٰهِ الْأمْرُ﴾(الروم:3-4).﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ %بِأييِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾(القلم:5-6).﴿أمْ يَقُولُونَ شَاعِر نّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ %قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾(الطور:30-31). ﴿وَاللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾(المائدة:67). ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ..﴾(البقرة:24). ﴿وَلَن يَتَمَنّوْهُ أبَدًا﴾(البقرة:95). ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أنّهُ الْحَقُّ﴾(فصلت:53).﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾(الإسراء:88).﴿يَأْتِي اللّٰهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ﴾(المائدة:54).﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾(النمل:93). ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَن هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾(الملك:29). ﴿وَعَدَ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنّهُم فِي الْأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا﴾(النور:55).

وأمثال هذه الآيات كثيرة جدا تتضمن أخبارا عن الغيب وقد تحققت كما أخبرتْ.

فالإخبار عن الغيب دون تردد وبكمال الجد والاطمئنان وبما يُشعر بقوة الوثوق، على لسان مَن هو معرّض لاعتراضات المعترضين وانتقاداتِهم، وربما يفقد دعواه لخطأٍ طفيف، يدل دلالة قاطعة على أنه يتلقى الدرس من أستاذه الأزلي ثم يقوله للناس.

القبس الثالث:

إخباره الغيب عن الحقائق الإلهية والحقائق الكونية والأمور الأخروية

نعم، إن بيانات القرآن التي تخص الحقائق الإلهية، وبياناتِه الكونية التي فتحتْ طلسمَ الكون وكشفت عن معمّى خلق العالم لهي أعظمُ البيانات الغيبية، لأنه ليس من شأن العقل قط، ولا يمكنه أن يسلك سلوكا مستقيما بين ما لا يُحد من طرق الضلالة، فيجد تلك الحقائق الغيبية. وكما هو معلوم فإن أعظمَ دهاةِ حكماء البشر لم يصلوا إلى أصغر تلك الحقائق وأبسطها بعقولهم. ثم إن عقول البشر ستقول بلا شك أمام تلك الحقائق الإلهية والحقائق الكونية التي أظهرها القرآنُ الكريم: صدقتَ، وستقبل تلك الحقائقَ بعد استماعها إلى بيان القرآن بصفاء القلب وتزكية النفس، وبعد رقيِّ الروح واكتمال العقل، وستباركه. وحيث إن "الكلمة الحادية عشرة" قد أوضحت وأثبتت نبذةً من هذا القسم فلا داعي للتكرار.

أما إخبار القرآن الغيبي عن الآخرة والبرزخ، فإن عقل البشر وإن لم يدرك أحوالَ الآخرة والبرزخ بمفرده ولا يراها وحده، إلاّ أن القرآن يبيّنها ويثبتها إثباتا يبلغ درجةَ الشهود.

فراجع "الكلمة العاشرة" لتلمس مدى صواب الإخبار الغيبي عن الآخرة الذي أخبر به القرآن الكريم. فقد أثبتته تلك الرسالة ووضّحته أيّما إيضاح.

الجلوة الثانية

شبابية القرآن وفتوته

إنّ القرآن الكريم قد حافظ على شبابيته وفتوته حتى كأنه ينـزل في كل عصر نضرا فتيا.

نعم، إن القرآن الكريم لأنه خطاب أزلي يخاطب جميع طبقات البشر في جميع العصور خطابا مباشرا يلزم أن تكون له شبابية دائمة كهذه. فلقد ظهر شابا وهو كذلك كما كان. حتى إنه ينظر إلى كل عصر من العصور المختلفة في الأفكار والمتباينة في الطبائع نظرا كأنه خاص بذلك العصر ووفق مقتضياته ملقنا دروسَه مُلفتا إليها الأنظار.

إنّ آثار البشر وقوانينَه تشيبُ وتهرَم مثلَه، وتتغير وتُبدَّل. إلاّ أن أحكام القرآن وقوانينَه لها من الثبات والرسوخ بحيث تظهر متانتها أكثر كلما مرت العصور.

نعم، إنّ هذا العصر الذي اغترّ بنفسه وأصمَّ أذنيه عن سماع القرآن أكثرَ من أي عصر مضى، وأهلَ الكتاب منهم خاصة، أحوجُ ما يكونون إلى إرشاد القرآن الذي يخاطبهم بـ﴿يا أهل الكتاب.. يا أهل الكتاب﴾ حتى كأن ذلك الخطاب موجّه إلى هذا العصر بالذات إذ إن لفظ ﴿أهل الكتاب﴾ يتضمن معنىً: أهل الثقافة الحديثة أيضا!

فالقرآن يُطلق نداءه يدوّي في أجواء الآفاق ويملأ الأرض والسبعَ الطباق بكل شدة وقوة وبكل نضارة وشباب فيقول: ﴿يَا أهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ..﴾ (آل عمران:64).

فمثلا: إنّ الأفراد والجماعات مع أنهم قد عجزوا عن معارضة القرآن إلاّ أن المدنية الحاضرة التي هي حصيلةُ أفكار بني البشر وربما الجنّ أيضا، قد اتخذت طورا مخالفا له، وأخذت تعارض إعجازَه بأساليبها الساحرة. فلأجل إثبات إعجاز القرآن بدعوى الآية الكريمة: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ..﴾(الإسراء:88)لهذا المعارِض الجديد الرهيب نضع الأسس والدساتير التي أتت بها المدنيةُ الحاضرة أمام أسس القرآن الكريم.

ففي الدرجة الأولى: نضع الموازنات التي عُقدت والموازين التي نُصبت في الكلمات السابقة، ابتداءً من الكلمة الأولى إلى الخامسة والعشرين، وكذا الآيات الكريمة المتصدرة لتلك الكلمات والتي تبين حقيقتَها، تثبتُ إعجازَ القرآن وظهورَه على المدنية الحاضرة بيقين لا يقبل الشك قطعا.

وفي الدرجة الثانية: نورد إجمالا قسما من دساتير المدنية والقرآن التي وضّحته وأثبتته "الكلمة الثانية عشرة".

فالمدنية الحاضرة تؤمن بفلسفتها أن ركيزة الحياة الاجتماعية البشرية هي "القوة" وهي تستهدف "المنفعة" في كل شيء. وتتخذ "الصراع" دستورا للحياة. وتلتزم بـ"العنصرية" و"القومية السلبية" رابطةً للجماعات. وغايتُها هي "لهو عابث" لإشباع رغبات الأهواء وميول النفس، التي من شأنها تزييد جموح النفس وإثارة الهوى. ومن المعلوم إن شأن "القوة" هو "التجاوز". وشأن "المنفعة" هو "التزاحم". إذ هي لا تفي بحاجات الجميع وتلبية رغباتِهم. وشأن "الصراع" هو "التصادم" وشأن "العنصرية" هو "التجاوز" حيث تكبر بابتلاع غيرها.

فهذه الدساتير والأسس التي تستند إليها هذه المدنية الحاضرة هي التي جعلَتها عاجزةً -مع محاسنها- عن أن تمنحَ سوى عشرين بالمائة من البشر سعادةً ظاهرية، بينما ألقَت البقية إلى شقاء وتعاسة وقلق.

أما حكمةُ القرآن فهي تقبل "الحق" نقطةَ استنادٍ في الحياة الاجتماعية بدلا من "القوة".. وتجعل "رضى اللّٰه" و"نيل الفضائل" هو الغاية والهدف، بدلا من "المنفعة".. وتتخذ دستورَ "التعاون" أساسا في الحياة، بدلا من دستور "الصراع".. وتلتزم رابطة "الدين" والصنف والوطن لربط فئات الجماعات، بدلا من "العنصرية" و"القومية السلبية".. وتجعل غاياتها "الحدّ من تجاوز النفس الأمارة ودفع الروح إلى معالي الأمور وتطمين مشاعرها السامية لسَوق الإنسان نحو الكمال والمُثل العليا لجعل الإنسان إنسانا حقا".

إنّ شأنَ "الحق" هو "الاتفاق".. وشأن "الفضيلة" هو "التساند".. وشأن "التعاون" هو "إغاثة كلّ للآخر".. وشأن "الدين" هو "الأخوة والتكاتف".. وشأن "إلجام النفس وكبح جماحها وإطلاق الروح وحثّها نحو الكمال" هو "سعادة الدارين".

وهكذا غُلبت المدنيةُ الحاضرة أمامَ القرآن الحكيم مع ما أخذت من محاسنَ من الأديان السابقة، ولاسيما من القرآن الكريم.

وفي الدرجة الثالثة: سنبين -على سبيل المثال- أربعةَ مسائل فحسب من بين آلاف المسائل:

المسألة الأولى: إنّ دساتير القرآن الكريم وقوانينَه لأنها آتية من الأزل، فهي باقية وماضية إلى الأبد. لا تهرَم أبدا ولا يصيبُها الموتُ، كما تهرمُ القوانين المدنية وتموت، بل هي شابّة وقوية دائما في كل زمان.

فمثلا: إن المدنية بكل جمعياتِها الخيرية، وأنظمتها الصارمة ونُظُمها الجبارة، ومؤسساتِها التربوية الأخلاقية لم تستطع أن تعارض مسألتين من القرآن الكريم، بل انهارت أمامَهما وهي في قوله تعالى: ﴿وَآتُواْ الزَّكَاةَ﴾(البقرة:43)و﴿..وَأحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾(البقرة:275).

سنبين هذا الظهورَ القرآني المعجز وهذه الغالبية بمقدمة: إنّ أسّ أساس جميع الاضطرابات والثورات في المجتمع الإنساني إنما هو كلمة واحدة، كما أن منبع جميع الأخلاق الرذيلة كلمة واحدة أيضا. كما أثبت ذلك في "إشارات الإعجاز".

الكلمة الأولى: "إن شبعتُ، فلا عليّ أن يموتَ غيري من الجوع".

الكلمة الثانية: "اكتسبْ أنتَ، لآكل أنا، واتعبْ أنت لأستريح أنا".

نعم، إنه لا يمكن العيشُ بسلام ووئام في مجتمع إلاّ بالمحافظة على التوازن القائم بين الخواص والعوام، أي بين الأغنياء والفقراء. وأساس هذا التوازن هو رحمةُ الخواص وشفقتُهم على العوام، وإطاعةُ العوام واحترامُهم للخواص.

فالآن، إن الكلمة الأولى قد ساقت الخواصَّ إلى الظلم والفساد، ودفعت الكلمةُ الثانية العوامَ إلى الحقد والحسد والصراع. فسُلبت البشرية الراحةَ والأمان لعصور خلت، كما هو في هذا العصر، حيث ظهرت حوادث أوربا الجسام بالصراع القائم بين العاملين وأصحاب رأس المال كما لا يخفى على أحد.

فالمدنية بكل جمعياتها الخيرية ومؤسساتها الأخلاقية وبكل وسائل نظامها وانضباطها الصارم عجزتْ عن أن تصلح بين تينك الطبقتين من البشر، كما عجزت عن أن تضمد جرحَي الحياة البشرية الغائرَين.

أما القرآن الكريم فإنه يقلع الكلمةَ الأولى من جذورها، ويداويها بوجوب الزكاة. ويقلع الكلمةَ الثانية من أساسها ويداويها بحرمة الربا. نعم، إن الآيات القرآنية تقف على باب العالَم قائلة للربا: "الدخول ممنوع". وتأمر البشرية: "أوصدوا أبواب الربا لتنسد أمامَكم أبواب الحروب". وتحذّر تلاميذ القرآن المؤمنين من الدخول فيها.

الأساس الثاني: إنّ المدنية الحاضرة لا تقبل تعددَ الزوجات، وتحسب ذلك الحكمَ القرآني مخالفا للحكمة ومنافيا لمصلحة البشر.

نعم، لو كانت الحكمةُ من الزواج قاصرةً على قضاء الشهوة للزم أن يكون الأمرُ معكوسا، بينما هو ثابت حتى بشهادة جميع الحيوانات وبتصديق النباتات المتزاوجة؛ إنّ الحكمة من الزواج والغايةَ منه إنما هي التكاثر وإنجاب النسل. أما اللذةُ الحاصلة من قضاء الشهوة فهي أجرة جزئية تمنحها الرحمةُ الإلهية لتأدية تلك المهمة. فما دام الزواجُ للتكاثر وإنجاب النسل ولبقاء النوع حكمةً وحقيقةً، فلا شك أن المرأة التي لا يمكن أن تلد إلاّ مرةً واحدة في السنة، ولا تكون خصبة إلاّ نصف أيام الشهر وتدخل سن اليأس في الخمسين من عمرها، لا تكفي الرجلَ الذي له القدرةُ على الإخصاب في أغلب الأوقات حتى وهو ابن مائة سنة. لذا تضطر المدنيةُ إلى فتح أماكن العهر والفحش.

الأساس الثالث: إنّ المدنية التي لا تتحاكم إلى المنطق العقلي، تنتقد الآية الكريمة: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثَيَيْنِ﴾(النساء:11)التي تمنح النساء الثُلث من الميراث (أي نصف ما يأخذه الذكر).

ومن البديهي أن أغلب الأحكام في الحياة الاجتماعية إنما تُسنّ حسب الأكثرية من الناس، فغالبيةُ النساء يجدن أزواجا يعيلونَهن ويحمونَهن، بينما الكثير من الرجال مضطرون إلى إعالة زوجاتهم وتحمّل نفقاتهن. فإذا ما أخذت الأنثى الثُلث من أبيها (أي نصف ما أخذه الزوج من أبيه) فإن زوجَها سيسدُّ حاجتَها. بينما إذا أخذ الرجل حظَّين من أبيه، فإنه سيُنفق قسطا منه على زوجته. وبذلك تحصل المساواةُ، ويكون الرجل مساويا لأخته. وهكذا تقتضي العدالةُ القرآنية.(2)

الأساس الرابع: إنّ القرآن الكريم مثلما يمنع بشدة عبادةَ الأصنام، يمنع كذلك اتخاذ الصور التي هي شبيهة بنوع من اتخاذ الأصنام. أما المدنية الحاضرة فإنها تعدّ الصور من مزاياها وفضائلها وتحاول أن تعارض القرآن. والحال أن الصوَر أيا كانت، ظليةً أو غيرها، فهي إما ظلم متحجر، أو رياء متجسد، أو هوى متجسّم، حيث تهيّج الأهواءَ وتدفع الإنسان إلى الظلم والرياء والهوى.

ثم إن القرآن يأمر النساء أن يحتجِبن بحجاب الحياء، رحمةً بهن وصيانةً لحرمتهن وكرامتهن، ولكي لا تُهان تلك المعادن الثـمينة معادن الشـفقة والرأفة، وتلك المصادر اللطيفة للحنان والرحمة، تحت أقدام الذل والمهانة. ولكي لا يكنّ آلةً لهوسات الرذيلة ومتعة تافهة لا قيمة لها.(1) أما المدنية فإنها قد أخرجت النساء من أوكارهن وبيوتهن ومزّقت حجابَهن وأدَّت بالبشرية أن يجنّ جنونُها. علما أن الحياة العائلية إنما تدوم بالمحبة والاحترام المتبادل بين الزوج والزوجة. بينما التكشف والتبرج يزيلان تلك المحبة الخالصة والاحترام الجاد ويسممان الحياة العائلية؛ ولاسيما الولعُ بالصور فإنه يفسد الأخلاقَ ويهدِمها كليا، ويؤدي إلى انحطاط الروح وتردّيها. ويمكن فهم هذا بالآتي:

كما أن النظرَ بدافع الهوى وبشهوة إلى جنازةِ امرأة حسناء تنتظر الرحمةَ وترجوها، يهدِم الأخلاق ويحطّها، كذلك النظرُ بشهوة إلى صوَر نساء ميّتات أو إلى صور نساء حيّات -وهي في حُكم جنائزَ مصغرة لهن- يزعزع مشاعر الإنسان ويعبَث بها، ويهدمها.

وهكذا بمثل هذه المسائل الأربع فإن كل مسألة من آلاف المسائل القرآنية تضمن سعادةَ البشر في الدنيا، كما تحقق سعادته الأبدية في الآخرة. فَلكَ أن تقيس سائر المسائل على المسائل المذكورة.

وأيضا، فكما أن المدنية الحاضرة تخسر وتُغلَب أمامَ دساتير القرآن المتعلقة بحياة الإنسان الاجتماعية، فيُظهر إفلاسَها -من زاوية الحقيقة- إزاء إعجاز القرآن المعنوي، كذلك فإن فلسفة أوربا وحكمة البشر (وهي المدنية) عند الموازنة بينها وبين حكمة القرآن بموازين الكلمات الخمس والعشرين السابقة، ظهرتْ عاجزةً وحكمةُ القرآن معجزة، وإن شئت فراجع "الكلمة الثانية عشرة" و"الثالثة عشرة" لتلمس عجزَ حكمة الفلسفة وإفلاسَها وإعجاز حكمة القرآن وغناها.

وأيضا، فكما أن المدنيةَ الحاضرة غُلبتْ أمام إعجاز حكمة القرآن العلمي والعملي، كذلك آدابُ المدنية وبلاغتُها فهي مغلوبة أمام الأدبالقرآنـي وبلاغته. والنسبة بينهما أشبهُ ما يكون ببكاء يتيم فَقَد أبوَيه بكاءً ملؤه الحزنُ القاتم واليأسُ المرير، إلى إنشاد عاشق عفيف حزينٍ على فراق قصيرِ الأمد غناءً ملؤه الشوقُ والأمل.. أو نسبة صراخِ سكيرٍ يتخبط في وضع سافل، إلى قصائدَ حماسية تحضّ على بذل الغوالي من الأنفس والأموال وبلوغ النصر. لأن الأدبوالبلاغة من حيث تأثير الأسلوب، إما يورثان الحُزن وإما الفرح. والحزنُ نفسه قسمان:

إما أنه حزن منبعث من فَقْد الأحبة، أي من عدم وجود الأحبة والأخلاء، وهو حزن مظلم كئيب تورثه المدنيةُ الملوثة بالضلالة والمشوبة بالغفلة والمعتقدة بالطبيعة. وإما أنه ناشئ من فراق الأحبة، بمعنى أن الأحبةَ موجودون، ولكن فراقَهم يبعث على حزن ينمّ عن لوعة الاشتياق. فهذا الحزن هو الذي يورثه القرآن الهادي المنير.

أما الفرح والسرور فهو أيضا قسمان:

الأول: يدفع النفسَ إلى شهواتها، هذا هو شأن آداب المدنية من أدب مسرحي وسينمائي وروائي.

أما الثاني: فهو فرح لطيف بريء نـزيه، يكبحُ جماح النفس ويُلجمها ويحث الروحَ والقلب والعقل والسر على المعالي وعلى موطنهم الأصلي، على مقرهم الأبدي، على أحبتهم الأخرويين. وهذا الفرح هو الذي يمنحه القرآنُ المعجز البيان الذي يحضّ البشر ويشوّقه للجنّة والسعادة الأبدية وعلى رؤية جمال اللّٰه تعالى.

ولقد توهم بعضُ قاصري الفهم وممن لا يكلفون أنفسهم دقةَ النظر أن المعنى العظيم والحقيقة الكبرى التي تفيدها الآية الكريمة: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾(الإسراء:88)ظنّوها صورة محالة ومبالغة بلاغية! حاشَ للّٰه! بل إنها بلاغة هي عين الحقيقة، وصورة ممكنة وواقعة وليست محالة قط.

فأحَد وجوه تلك الصورة هو أنه لو اجتمع أجمل ما يقوله الإنس والجن الذي لم يترشح من القرآن ولا هو من متاعه، فلا يماثل القرآنَ قط ولن يماثله. لذا لم يظهر مثيله.

والوجه الآخر: أن المدنية وحكمة الفلسفة والآداب الأجنبية التي هي نتائج أفكار الجن والإنس وحتى الشياطين وحصيلة أعمالهم، هي في دركات العجز أمام أحكام القرآن وحكمته وبلاغته. كما قد بيّنا أمثلة منها.

الجلوة الثالثة

خطابه كل طبقة من طبقات الناس

إنّ القرآن الحكيم يخاطب كلَّ طبقة من طبقات البشر في كل عصر من العصور، وكأنه متوجّه توجها خاصا إلى تلك الطبقة بالذات. إذ لمّا كان القرآن يدعو جميع بني آدم بطوائفهم كافة إلى الإيمان الذي هو أسمى العلوم وأدقُّها، وإلى معرفة اللّٰه التي هي أوسعُ العلوم وأنورُها، والى الأحكام الإسلامية التي هي أهمُّ المعارف وأكثرُها تنوعا، فمن الألزم إذن أن يكون الدرس الذي يُلقيه على تلك الطوائف من الناس، درسا يوائم فهْم كلٍّ منها. والحال أن الدرس واحد، وليس مختلفا، فلابد إذن من وجود طبقات من الفهم في الدرس نفسه، فكل طائفةٍ من الناس -حسب درجاتها- تأخذ حظَّها من الدرس من مشهد من مشاهد القرآن.

ولقد وافينا بأمثلة كثيرة لهذه الحقيقة، يمكن مراجعتها، أما هنا فنكتفي بالإشارة إلى بضع أجزاء منها، وإلى حظِّ طبقة أو طبقتين منها من الفهم فحسب.

فمثلا: قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ %وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أحَد﴾(الاخلاص:3-4)

فإن حظَّ فهْم طبقة العوام التي تشكل الأكثرية المطلقة هو "أنّ اللّٰه منـزّه عن الوالد والولد وعن الزوجة والأقران".

وحظ طبقة أخرى متوسطة من الفهم هو "نفيُ ألوهية عيسى عليه السلام والملائكة، وكلِّ ما هو من شأنه التولد" لأن نفي المحال لا فائدة منه في الظاهر؛ لذا فلابد أن يكون المرادُ إذن ما هو لازم الحُكم كما هو مقرر في البلاغة. فالمراد من نفي الولد والوالدية اللذين لهما خصائص الجسمانية هو نفي الألوهية عن كل مَن له ولد ووالد وكفؤ، وبيان عدم لياقتهم للألوهية. فمن هذا السر تبين أن سورة الإخلاص يمكن أن تفيد كل إنسان في كل وقت.

وحظ فهم طبقة أكثر تقدما هو أنّ اللّٰه منـزّه عن كل رابطة تتعلق بالموجودات تُشَم منها رائحةُ التوليد والتولد، وهو مقدّس عن كل شريك ومعين ومجانس. وإنما علاقته بالموجودات هي الخلاقيـة. فهو يخلق الموجودات بأمر ﴿كن فيكون﴾بإرادته الأزلية وباختياره. وهو منـزّه عن كل رابطة تنافي الكمالَ، كالإيجاب والاضطرار والصدور بغير اختيار.

وحظ فهم طبقة أعلى من هذه هو: أنّ اللّٰه أزلي، أبدي، أول وآخر، لا نظيرَ له ولا كفؤَ، ولا شبيهَ، ولا مثيلَ ولا مثالَ في أية جهة كانت، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. وإنما هناك "المَثَل" -وللّٰه المثل الأعلى- الذي يفيد التشبيه في أفعاله وشؤونه فحسب.

فلك أن تقيس على هذه الطبقات أصحابَ الحظوظ المختلفة في الإدراك، من أمثال طبقة العارفين وطبقة العاشقين وطبقة الصديقين وغيرهم..

المثال الثاني: قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّد أبَا أحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن﴾(الأحزاب:40)

فحظُّ فهم الطبقة الأولى من هذه الآية هو: أنّ زيدا(*) خادمَ الرسول rومتبناه ومخاطبَه بـ: "يا بُني"، قد طلّق زوجتَه العزيزة بعدما أحسّ أنه ليس كفوا لها. فتزوجَها الرسول rبأمر اللّٰه تعالى. فالآية (النازلة بهذه المناسبة) تقول: إن النبي rإذا خاطبَكم مخاطبة الأب لابنه، فإنه يخاطبكم من حيث الرسالة، إذ هو ليس أبا لأحدٍ منكم باعتباره الشخصي حتى لا تليقَ به زوجاتُه.

وحظ فهم الطبقة الثانية هو أنّ الأمير العظيم ينظر إلى رعاياه نظرَ الأب الرحيم، فإن كان سلطانا روحانيا في الظاهر والباطن فإن رحمته ستفوق رحمةَ الأب وشفقتَه أضعافا مضاعفة. حتى تنظر إليه أفرادُ الرعية نظرَهم للأب وكأنهم أولادُه الحقيقيون. وحيث إن النظرة إلى الأب لا يمكن أن تنقلب إلى النظر إلى الزوج، والنظرَ إلى البنت لا يتحول بسهولة إلى النظر إلى الزوجة، فلا يوافق في فكر العامة تزوّج الرسول rببنات المؤمنين استنادا إلى هذا السر. لذا فالقرآنُ يخاطبهم قائلا: إن الرسول rينظر إليكم نظرَ الرحمة والشفقة من زاوية الرحمة الإلهية، ويعاملُكم معاملةَ الأب الحنون من حيث النبوة، ولكنه ليس أبا لكم من حيث الشخصية الإنسانية حتى لا يلائمَ تزوجَه من بناتكم ويحرُم عليه.

القسم الثالث يفهم الآية هكذا: ينبغي عليكم ألاّ ترتكبوا السيئات والذنوب اعتمادا على رأفة الرسول الكريم rعليكم وانتسابكم إليه. إذ إن هناك الكثيرين يعتمدون على ساداتهم ومرشديهم فيتكاسلون عن العبادة والعمل، بل يقولون أحيانا: "قد أُدِيتْ صلاتُنا" (كما هو الحال لدى بعض الشيعة).

النكتة الرابعة

إنّ قسما آخر يفهم إشارة غيبية من الآية وهي أنّ أبناء الرسول rلا يبلغون مبلغَ الرجال، وإنما يتوفاهم اللّٰه قبل ذلك، فلا يدوم نسلُه من حيث كونهم رجالا، لحكمة يراها سبحانه وتعالى. إلاّ أن لفظ "رجال" يشير إلى أنه سيدوم نسلُه من النساء دون الرجال. فللّٰه الحمد والمنة فإن النسل الطيب المبارك من فاطمة الزهراء رضي اللّٰه عنها كالحسن والحسين رضي اللّٰه عنهما وهما البدران المنوّران لسلسلتين نورانيتين، يديمان ذلك النسل المبارك (المادي والمعنوي) لشمس النبوة.

اللّٰهم صلِّ عليه وعلى آله.

(تمت الشعلة الأولى بأشعتها الثلاثة).

 

________________________________________________

(1) هذه الآيات تنبئ عن الغيب، وضّحَتها تفاسير كثيرة، ولم تُوضح هنا لأن العزم على طبع الكتاب بحروف قديمة "عربية" دفع المؤلف إلى خطأ الاستعجال، لذا ظلت تلك الكنوز القيمة مقفلة. (المؤلف)

(2) هذه فقرة من اللائحة المرفوعة إلى محكمة التمييز، ألقيت أمام المحكمة، فأسكتَتها وأصبحت حاشية لهذا المقام: وأنا أقول لمحكمة وزارة العدل الموقرة! إن إدانةَ من يفسّر أقدس دستور إلهي وهو الحق بعينه، ويحتكم إليه ثلاث مائة وخمسون مليونا من المسلمين في كل عصر في حياتهم الاجتماعية، خلال ألف وثلاث مائة وخمسين عاما. هذا المفسرُ استند في تفسيره إلى ما اتفق عليه وصدَّق به ثلاثُ مائة وخمسون ألف مفسر، واقتدى بالعقائد التي دان بها أجدادُنا السابقون في ألف وثلاث مائة وخمسين سنة.. أقول: إن إدانةَ هذا المفسر قرار ظالم لابد أن ترفضه العدالة، إن كانت هناك عدالة على وجه الأرض، ولابد أن تردّ ذلك الحكم الصادر بحقه وتنقضه". (المؤلف)

(3) إن اللمعة الرابعة والعشرين تثبت بقطعية تامة أن الحجاب أمر فطري جدا للنساء بينما رفعُ الحجاب ينافي فطرتَهن..(المؤلف)