الشعلة الثانية

 

"هذه الشعلة لها ثلاثة أنوار"

النورالأول

إن القرآن الكريم قد جمع السلاسةَ الرائقة والسلامةَ الفائقة والتساندَ المتين والتناسبَ الرصين والتعاونَ القوي بين الجمل وهيئاتها، والتجاوبَ الرفيع بين الآيات ومقاصدها، بشهادة علم البيان وعلم المعاني وشهادة ألوف من أئمة هذه العلوم كالزمخشري والسكاكي وعبد القاهر الجرجاني، مع أن هناك ما يقارب تسعةَ أسباب مهمة تخل بذلك التجاوب والتعاون والتساند والسلاسة والسلامة. فلم تؤثر تلك الأسبابُ في الإفساد والإخلال، بل مدّت وعضّدت سلاستَه وسلامته وتسانده. إلاّ ما أجرتْه بشيء من حكمها في إخراج رؤوسها من وراء ستار النظام والسلاسة، وذلك لتدلّ على معان جليلة من سلاسة نظم القرآن، بمثل ما تُخرج البراعمُ بعض البروزات والنُدب في جذع الشجرة المنسقة. فهذه البروزات ليست لإخلال تناسق الشجرة وتناسبها وإنما لإعطاء ثمرات يتم بها جمالُ الشجرة وكمالُ زينتها.

إذ إنّ ذلك القرآن المبين نـزل في ثلاث وعشرين سنة نجما نجما لمواقع الحاجات نـزولا متفرقا متقطعا، مع أنه يُظهر من التلاؤم الكامل كأنه نـزل دفعة واحدة.

وأيضا إنّ ذلك القرآن المبين نـزل في ثلاث وعشرين سنة لأسباب نـزول مختلفة متباينة، مع أنه يُظهر من التساند التام كأنه نـزل لسبب واحد... وأيضا إنّ ذلك القرآن جاء جوابا لأسئلة مكررة متفاوتة، مع أنه يُظهر من الامتزاج التام والاتحاد الكامل كأنه جواب عن سؤال واحد... وأيضا إنّ ذلك القرآن جاء بيانا لأحكام حوادث متعددة متغايرة، مع أنه يبين من الانتظام الكامل كأنه بيان لحادثة واحدة... وأيضا إنّ ذلك القرآن نـزل متضمنا لتنـزلات كلامية إلهية في أساليب تُناسب أفهامَ مخاطبين لا يُحصرون، وحالات من التلقي متخالفة متنوعة، مع أنه يبين من السلاسة اللطيفة والتماثل الجميل، كأن الحالةَ واحدة والفهمَ واحد، حتى تجري السلاسة كالماء السلسبيل... وأيضا إنّ ذلك القرآن جاء مكلِّما متوجها إلى أصناف متعددة متباعدة من المخاطبين، مع أنه يُظهر من سهولة البيان وجزالة النظام ووضوح الإفهام كأن المخاطبين صنف واحد بحيث يظن كلُّ صنف أنه المخاطب وحدَه بالأصالة... وأيضا إنّ ذلك القرآن نـزل هاديا وموصلا إلى غايات إرشادية متدرجة متفاوتة، مع أنه يبين من الاستقامة الكاملة والموازنة الدقيقة والانتظام الجميل كأن المقصد واحد.

فهذه الأسباب مع أنها أسباب للتشويش واختلال المعنى والمبنى، إلاّ أنها استُخدمت في إظهار إعجاز بيان القرآن وسلاسته وتناسبه.

نعم، من كان ذا قلبٍ غيرَ سقيم، وعقل مستقيم، ووجدان غيرِ مريض، وذوق سليم، يرى في بيان القرآن سلاسةً جميلة وتناسقا لطيفا ونغمة لذيذة وفصاحة فريدة. فمن كانت له عين سليمة في بصيرته، فلا ريب أنه يرى في القرآن عينا ترى كل الكائنات ظاهرا وباطنا بوضوح تام كأنها صحيفة واحدة، يقلّبها كيف يشاء، فيعرّف معانيَها على ما يشاء من أسلوب.

فلو أردنا توضيح حقيقة هذا النورالأول بأمثلة، لاحتجنا إلى بضعة مجلدات. لذا نكتفي بالإيضاحات التي تخص هذه الحقيقةفي كل من "الرسائل العربية"(1) و"إشارات الإعجاز" والكلمات الخمس والعشرين السابقة. بل القرآنُ الكريم بكامله مثال لهذه الحقيقة. أبيّنه كله دفعة واحدة.

 

النورالثاني

يبحث هذا النورعن مزية الإعجاز في الأسلوب البديع للقرآن في الخلاصات (الفذلكات) والأسماء الحسنى التي تنتهي بها الآياتُ الكريمة:

تنبيه

سترد آيات كثيرة في هذا النورالثاني، وهي ليست خاصة به وحدَه بل تكون أمثلةً أيضا لما ذُكر من المسائل والأشعة. ولو أردنا أن نوفي هذه الأمثلة حقها من الإيضاح لطال بنا البحث، بيد أني أراني مضطرا في الوقت الحاضر إلى الاختصار والإجمال، لذا فقد أشرنا إشارة في غاية الاختصار والإجمال إلى الآيات التي أوردناها مثالا لبيان هذا السر العظيم سرِّ الإعجاز مؤجِّلين تفصيلاتِها إلى وقت آخر.

فالقرآن الكريم يذكر في أكثر الأحيان قسما من الخلاصات والفذلكات في خاتمة الآيات. فتلك الخلاصات إما أنها تتضمن الأسماء الحسنى أو معناها، وإما أنها تحيل قضاياها إلى العقل وتحثه على التفكر والتدبر فيها.. أو تتضمن قاعدةً كلية من مقاصد القرآن فتؤيد بها الآية وتؤكدها.

ففي تلك الفذلكات بعضُ إشارات من حكمة القرآن العالية، وبعض رشاشات من ماء الحياة للهداية الإلهية، وبعض شرارات من بوارق إعجاز القرآن.

ونحن الآن نذكر إجمالا "عشر إشارات" فقط من تلك الإشارات الكثيرة جدا، كما نشير إلى مثال واحد فقط من كثير من أمثلتها، وإلى معنى إجمالي لحقيقة واحدة فقط من بين الحقائق الكثيرة لكل مثال.

هذا وإن أكثر هذه الإشارات العشر تجتمع في أكثر الآيات معا مكونة نقشا إعجازيا حقيقيا. وإن أكثر الآيات التي نأتي بها مثالا هي أمثلة لأكثر الإشارات. فنبين من كل آية إشارة واحدة مشيرين إشارة خفيفة إلى معاني تلك الآيات التي ذكرناها في "كلمات" سابقة.

مزية الجزالة الأولى

إن القرآن الكريم -ببياناته المعجزة- يبسط أفعال الصانع الجليل ويفرش آثاره أمام النظر، ثم يستخرج من تلك الأفعال والآثار الأسماءَ الإلهية، أو يثبت مقصدا من مقاصد القرآن الأساسية كالحشر والتوحيد.

فمن أمثلة المعنى الأول: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأرْضِ جَمِيعا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾(البقرة:29).ومن أمثلة المعنى الثاني: قوله تعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الْأرْضَ مِهَادًا %وَالْجِبَالَ أوْتَادًا %وَخَلَقْنَاكُمْ أزْوَاجًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾(النبأ).ففي الآية الأولى: يعرض القرآن الآثار الإلهية العظيمة التي تدل بغاياتها ونظمها على علم اللّٰه وقدرته، يذكرها مقدّمةً لنتيجة مهمة وقصدٍ جليل ثم يستخرج اسم اللّٰه "العليم". وفي الآية الثانية: يذكر أفعال اللّٰه الكبرى وآثاره العظمى، ويستنتج منها الحشر الذي هو يوم الفصل، كما وُضّح في النقطة الثالثة من الشعاع الأول من الشعلة الأولى.

النكتة البلاغية الثانية

إنّ القرآن الكريم ينشر منسوجات الصنعة الإلهية ويعرضها على أنظار البشر ثم يلفّها ويطويها في الخلاصة ضمن الأسماء الإلهية، أو يحيلها إلى العقل.

فمن أمثلة الأول: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ أمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّٰهُ فَقُلْ أفَلاَ تَتَّقُونَ %فَذَلِكُمُ اللّٰهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾(يونس:31-32)

فيقول أولا: "مَن الذي هَيَّأ السماء والأرض وجعلهما مخازن ومستودعاتٍ لرزقكم، فأنـزل من هناك المطر ويُخرج من هنا الحبوب ؟ ومَن غيرُ اللّٰه يستطيع أن يجعل السماء والأرض العظيمتين في حكم خازنين مطيعين لحكمه؟ فالشكر والحمد إذن له وحده".

ويقول في الفقرة الثانية: "أمّن هو مالك أسماعكم وأبصاركم التي هي أثمن ما في أعضائكم؟ من أي مصنع أو محل ابتعتموها؟ فالذي منحكم هذه الحواس اللطيفة من عين وسمع إنما هو ربُّكم! وهو الذي خلقكم وربّاكم، ومنحها لكم، فالرب إذن إنما هو وحده المستحق للعبادة ولا يستحقها غيره".

ويقول في الفقرة الثالثة: "أمّن يحيى مئات الآلاف من الطوائف الميتة كما يحيى الأرض؟ فمن غيرُ الحق سبحانه وخالقُ الكون يَقْدِر أن يفعل هذا الأمر؟ فلا ريب أنه هو الذي يفعل وهو الذي يحيى الأرض الميتة. فما دام هو الحق فلن تضيع عنده الحقوق، وســيبعثكم إلى محكمة كبرى وســــيحييكم كما يحيى الأرض".

ويقول في الفقرة الرابعة: "مَن غيرُ اللّٰه يستطيع أن يدبّر شؤون هذا الكون العظيم ويدير أمره إدارةً منسقة منظمة بسهولة إدارة قصر أو مدينة؟ فما دام ليس هناك غير اللّٰه، فلا نقص إذن في القدرة القادرة على إدارة هذا الكون العظيم، بكل أجرامهِ، بيسر وسهولة، ولا حاجة لها إلى شريك ولا إلى معين، فهي مطلقة لا يحدها حدود. ولا يدع مَن يدبّر أمور الكون العظيم إدارة مخلوقات صغيرة إلى غيره. فأنتم إذن مضطرون لأن تقولوا: اللّٰه".

فترى أن الفقرة الأولى والرابعة تقول: "اللّٰه"، وتقول الثانية: "رب". وتقول الثالثة: "الحق". فافهم مدى الإعجاز في موقع جملة ﴿فَذَلِكُمُ اللّٰهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾.

وهكذا يذكر القرآن عظيم تصرفات اللّٰه سبحانه وعظيم منسوجاته ثم يذكر اليد المدبّرة لتلك الآثار الجليلة والمنسوجات العظيمة: ﴿فَذَلِكُمُ اللّٰهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾، أي إنه يُري منبعَ تلك التصرفات العظيمة ومصدرَها بذكر الأسماء الإلهية: اللّٰه، الرب، الحق.

ومن أمثلة الثاني: ﴿إِنّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النّاسَ وَمَا أنزَلَ اللّٰهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأحْيَا بِهِ الْأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾(البقرة:164)

يذكر القرآن في هذه الآيات ما في خلق السماوات والأرض من تجلي سلطنة الألوهية الذي يُظهر تجلي كمالَ قدرته سبحانه وعظمةَ ربوبيته، ويَشهد على وحدانيته.. ويذكر تجلي الربوبية في اختلاف الليل والنهار، وتجلي الرحمة بتسخير السفينة وجريانها في البحر التي هي من الوسائل العظمى للحياة الاجتماعية، وتجلي عظمة القدرة في إنزال الماء الباعث على الحياة من السماء إلى الأرض الميتة وإحيائها مع طوائفها التي تزيد على مئات الآلاف، وجعلها في صورة معرض للعجائب والغرائب.. كما يذكر تجلِّي الرحمة والقدرة في خلق ما لا يُحد من الحيوانات المختلفة من تراب بسيط.. كما يذكر تجلِّي الرحمة والحكمة من توظيف الرياح بوظائف جليلة كتلقيح النباتات وتنفسها، وجعلها صالحةً في ترديد أنفاس الأحياء بتحريكها وإدارتها.. كما يذكر تجلِّي الربوبية في تسخير السُحب وجمعها وتفريقها وهي معلقة بين السماء والأرض كأنها جنود منصاعون للأوامر يتفرقون للراحة ثم يجمّعون لتلقي الأوامر في عرض عظيم.

وهكذا بعد سرد منسوجات الصنعة الإلهية يسوق العقلَ إلى اكتناه حقائقها تفصيلا فيقول: ﴿لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ آخذا بزمام العقل إلى التدبّر موقظا إياه إلى التفكّر.

مزيّة الجزالة الثالثة

إنّ القرآن الكريم قد يذكر أفعال اللّٰه سبحانه بالتفصيل، ثم بعد ذلك يوجزها ويجمِلها بخلاصة. فهو بتفصيلها يورث القناعة والاطمئنان، وبإيجازها وإجمالها يسهّل حفظها وتقييدها.

فمثلا: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أتَمَّهَا عَلَى أبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْـحٰقَ إِنّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾(يوسف:6).

يشير بهذه الآية إلى النعم التي أنعمها اللّٰه على سيدنا يوسف وعلى آبائه من قبل، فيقول: إن اللّٰه تعالى هو الذي اصطفاكم من بنى آدم لمقام النبوة وجعل سلسلة جميع الأنبياء مرتبطة بسلسلتكم وسوّدها على سائر سلاسل بني البشر، كما جعل أسرتكم موضع تعليم وهداية، تلقّن العلوم الإلهية والحكمة الربانية، فجمَع فيكم سلطنة الدنيا السعيدة وسعادة الآخرة الخالدة، وجعلك بالعلم والحكمة عزيزا لمصر ونبيا عظيما ومرشدا حكيما.. فبعد أن يذكر تلك النعم ويعدّدها وكيف أن اللّٰه قد جعله هو وآباءه ممتازَين بالعلم والحكمة، يقول: ﴿إِنّ رَبَّكَ عَلِيم حَكِيم﴾ أي اقتضت ربوبيته وحكمته أن يجعلك وآباءك تحظَون بنور اسم "العليم الحكيم". وهكذا أجمل تلك النعم المفصّلة بهذه الخلاصة.

ومثلا: قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء﴾(آل عمران:26)إلى قوله تعالى: ﴿وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾(آل عمران:27).

تعرض هذه الآية أفعال اللّٰه سبحانه في المجتمع الإنساني وتفيد بأن العزة والذلة والفقر والغنى مربوطة مباشرة بمشيئة اللّٰه وإرادته تعالى. أي "إن التصرف في أكثر طبقات الكثرة تشتتا إنما هو بمشيئة اللّٰه وتقديره فلا دخل للمصادفة قط".

فبعد أن أعطت الآية هذا الحكم، تقول: إن أعظم شيء في الحياة الإنسانية هو رزقُه. فتثبت ببضع مقدّمات أن الرزق إنما يُرسل مباشرة من خزينة الرزاق الحقيقي؛ إذ إن رزقَكم منوط بحياة الأرض، وحياة الأرض منوطة بالربيع، والربيع إنما هو بيد من يسخّر الشمس والقمر ويكوّر الليل والنهار. إذن فإن منح تفاحة لإنسان رزقا حقيقيا، إنما هو من فعل مَن يملأ الأرض بأنواع الثمرات، وهو الرزاق الحقيقي. وبعد ذلك يجمُل القرآن ويثبت تلك الأفعال المفصّلة بهذه الخلاصة: ﴿وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.

النكتة البلاغية الرابعة

إنّ القرآن قد يذكر المخلوقات الإلهية مرتبةً بترتيب معين، ثم يبين به أن في المخلوقات نظاما وميزانا، يُريان ثمرة المخلوقات. وكأنه يُضفي نوعا من الشفافية والسطوع على المخلوقات التي تظهر منها الأسماءُ الإلهية المتجلية فيها، فكأن تلك المخلوقات المذكورة ألفاظ، وهذه الأسماء معانيها، أو أنها ثمرات وهذه الأسماء نواها أو لبابُها.

فمثلا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ %ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ %ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾(المؤمنون:12-14).

يذكر القرآنُ خلق الإنسان وأطواره العجيبة الغريبة البديعة المنتظمة الموزونة ذكرا مرتبا يبيّن كالمرآة ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾، حتى كأن كلَّ طور يبين نفسَه ويوحي بنفسه هذه الآية، بل حتى قالها قبل مجيئها أحدُ كتّاب الوحي حينما كان يكتب هـذه الآية، فذهب به الظن إلى أن يقول: أأوحي إليّ أيضا؟(2) والحال أنّ كمال نظام الكلام الأول وشفافيته الرائقة وانسجامه التام يُظهر نفسه قبل مجيء هذه الكلمة.

وكذا قوله تعالى: ﴿إِنّ رَبَّكُمُ اللّٰهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأرْضَ فِي سِتَّةِ أيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأمْرِهِ ألاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللّٰهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾(الأعراف:54).

يبين القرآن في هذه الآية عظمةَ القدرة الإلهية وسلطنةَ الربوبية، بوجه يدلّ على قدير ذي جلال استوى على عرش ربوبيته ويسطّر آيات ربوبيته على صحائف الكون، ويحوّل الليل والنهار كأنهما شريطان يعقب أحدهما الآخر. والشمس والقمر والنجوم متهيئة لتلقي الأوامر كجنود مطيعين. لذا فكل روح ما إن تسمع هذه الآية إلاّ وتقول: "تبارك اللّٰه ربُّ العالمين.. بارك اللّٰه.. ما شاء اللّٰه". أي إن جملة: ﴿تَبَارَكَ اللّٰهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ تجري مجرى الخلاصة لما سبق من الجمل، وهي بحكم نواتِها وثمرتِها وماء حياتها.

مزية الجزالة الخامسة

إنّ القرآن قد يذكر الجزئيات المادية المعرَّضة للتغير والتي تكون مناط مختلف الكيفيات والأحوال، ثم لأجل تحويلها إلى حقائقَ ثابتة يقيّدها ويُجْمِلها بالأسماء الإلهية التي هي نورانية وكلية وثابتة. أو يأتي بخلاصة تسوق العقلَ إلى التفكر والاعتبار.

ومن أمثلة المعنى الأول: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أنبِئُونِي بِأسْمَاء هَؤُلاَءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ %قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنّكَ أنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾(البقرة:31-32).

هذه الآية تذكر أولا حادثة جزئية هي أن سبب تفضيل آدم في الخلافة على الملائكة هو "العلم". ومن بعد ذلك تذكر حادثة مغلوبية الملائكة أمام سيدنا آدم في قضية العلم. ثم تعقّب ذلك بإجمال هاتين الحادثتين بذكر اسمين كليين من الأسماء الحسنى: ﴿أنت العليم الحكيم﴾. بمعنى أن الملائكة يقولون: أنت العليم يا رب فعلّمتَ آدم فغَلَبنا وأنت الحكيم فتمنحنا كلَّ ما هو ملائم لاستعدادنا، وتفضّله علينا باستعداداته.

ومن أمثلة المعنى الثاني: ﴿وَإِنّ لَكُمْ فِي الأنعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ %وَمِن ثَمَرَاتِ النّخِيلِ وَالْأعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ %وَأوْحَى رَبُّكَ إِلَى النّحْلِ أنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ %ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَاب مُّخْتَلِف ألْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنّاسِ إِنّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾(النحل: 66-69).

تعرض هذه الآيات الكريمة أن اللّٰه تعالى جعل الشاة، والمعزى، والبقر، والإبل وأمثالها من المخلوقات ينابيعَ خالصةً زكية لذيذة تدفق الحليب، وجعل سبحانه العنب والتمر وأمثالهما أطباقا من النعمة وجِفانا لطيفة لذيذة.. كما جعل من أمثال النحل -التي هي معجزة من معجزات القدرة- العسل الذي فيه شفاء للناس، إلى جانب لذته وحلاوته.. وفي خاتمة المطاف تحث الآيات على التفكر والاعتبار وقياس غيرها عليها بـ﴿إِنّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.

النكتة البلاغية السادسة

إنّ القرآن الكريم قد يَنشر أحكام الربوبية على الكثرة الواسعة المنتشرة، ثم يضع عليها مظاهرَ الوحدة، ويجمعُها في نقطة توحّدها كجهة وحدة بينها، أو يمكّنها في قاعدة كلية.

فمثلا: قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمٰوَاتِ وَالأرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾(البقرة:255).

فهذه الآية (أي آيةُ الكرسي) تأتي بعشر جُمل تمثل عشر طبقات من التوحيد في أشكال مختلفة، وتثبتها. وبعد ذلك تقطع قطعا كليا بقوة صارمة عِرق الشرك ومداخلة غير اللّٰه بـ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾. فهذه الآية لأنها قد تجلّى فيها الاسمُ الأعظم فإن معانيها من حيث الحقائق الإلهية هي في الدرجة العظمى والمقام الأسمى. إذ تبين تصرفات الربوبية في الدرجة العظمى. وبعد ذكر تدبير الألوهية الموجّه للسماوات والأرض كافة توجها في أعلى مقام وأعظم درجة، تذكر الحفيظية الشاملة المطلقة بكل معانيها. ثم تلخص منابع تلك التجليات العظمى في رابطة وحدة اتحادٍ، وجهة وحدة بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾.

ومثلا: ﴿اللّٰهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَأنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنهَارَ %وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنّهَارَ %وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَألْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّٰهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنّ الإِنسَانَ لَظَلُوم كَفَّار﴾(إبراهيم:32-34).

تبين هذه الآيات كيف أن اللّٰه تعالى قد خلق هذا الكون للإنسان في حُكم قصر، وأرسل ماء الحياة من السماء إلى الأرض، فجعل السماء والأرض مسخّرتين كأنّهما خادمان عاملان على إيصال الرزق إلى الناس كافة، كما سخّر له السفينة ليمنح الفرصة لكل أحد، ليستفيد من ثمار الأرض كافة، ليضمن له العيش فيتبادل الأفراد فيما بينهم ثمارَ سعيهم وأعمالهم. أي جعل لكلٍّ من البحر والشجر والريح أوضاعا خاصة بحيث تكون الريحُ كالسوط والسفينةُ كالفرس والبحرُ كالصحراء الواسعة تحتها. كما أنه سبحانه جعل الإنسان يرتبط مع كل ما في أنحاء المعمورة بالسفينة وبوسائطِ نقلٍ فطرية في الأنهار والروافد وسيّر له الشمس والقمر وجعلهما ملاحين مأمورين لإدارة دولاب الكائنات الكبير وإحضار الفصول المختلفة وإعداد ما فيها من نِعم إلهية. كما سخّر الليل والنهار جاعلا الليلَ لباسا وغطاءً ليخلد الإنسانُ إلى الراحة والنهارَ معاشا ليتّجر فيه.

وبعد تعداد هذه النعم الإلهية تأتي الآية بخلاصة ﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَألْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّٰهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ لبيان مدى سعة دائرة إنعام اللّٰه تعالى على الإنسان وكيفأنها مملوءة بأنواع النعم، أي إن كل ما سأله الإنسانُ بحاجته الفطرية وبلسان استعداده قد منَحه اللّٰه تعالى إياه. فتلك النعم لا تدخل في الحصر ولا تنفد ولا تنقضي بالتعداد.

نعم، إن كانت السماوات والأرض مائدةً من موائد نعَمه العظيمة وكانت الشمسُ والقمر والليل والنهار بعضا من تلك النِعم التي احتوتها تلك المائدة، فلا شك أن النعم المتوجهة إلى الإنسان لا تعدّ ولا تحصى.

سر البلاغة السابعة

قد تبين الآيةُ غايات المسَبَّب وثمراته لتعزل السببَ الظاهري وتسلب منه قدرةَ الخلق والإيجاد. وليُعلَم أن السببَ ما هو إلاّ ستار ظاهري؛ ذلك لأن إرادة الغايات الحكيمة والثمرات الجليلة يلزم أن يكون من شأن مَن هو عليم مطلق العلم وحكيم مطلق الحكمة، بينما سببُها جامد من غير شعور. فالآية تفيد بذكر الثمرات والغايات أن الأسباب وإن بدتْ في الظاهر والوجود متصلةً مع المسببَّات إلاّ أن بينهما في الحقيقةوواقع الأمر بونا شاسعا جدا.

نعم، إن المسافة بين السبب وإيجاد المسبَّب مسافة شاسعة بحيث لا طاقة لأعظم الأسباب أن تنال إيجاد أدنى مسبَّب، ففي هذا البُعد بين السبب والمسبَّب تشرق الأسماءُ الإلهية كالنجوم الساطعة. فمطالعُ تلك الأسماء هي في تلك المسافة المعنوية، إذ كما يُشاهد اتصال أذيال السماء بالجبال المحيطة بالأفق وتبدو مقرونةً بها، بينما هناك مسافة عظيمة جدا بين دائرة الأفق والسماء، كذلك فإن ما بين الأسباب والمسبَّبات مسافة معنوية عظيمة جدا لا تُرى إلاّ بمنظار الإيمان ونور القرآن.

فمثلا: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ %أنّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا %ثُمَّ شَقَقْنَا الْأرْضَ شَقًّا %فَأنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا %وَعِنَبًا وَقَضْبًا %وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا %وَحَدَائِقَ غُلْبًا %وَفَاكِهَةً وَأبًّا %مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأنعَامِكُمْ﴾(عبس:24-32).

هذه الآيات الكريمة تذكر معجزات القدرة الإلهية ذكرا مرتبا حكيما تربط الأسبابَ بالمسبَّبات، ثم في خاتمة المطاف تبيّن الغاية بلفظ: ﴿مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأنعَامِكُمْ﴾ فتثبت في تلك الغاية أن متصرفا مستترا وراء جميع تلك الأسباب والمسببات المتسلسلة يرى تلك الغايات ويراعيها. وتؤكد أن تلك الأسباب ما هي إلاّ حجاب دونه.

نعم، إن عبارة: ﴿مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأنعَامِكُمْ﴾ تسلب جميعَ الأسباب من القدرة على الإيجاد والخلق. إذ تقول معنىً: أنّ الماء الذي ينـزل من السماء لتهيئة الأرزاق لكم ولأنعامكم لا ينـزل بنفسه، لأنه ليس له قابلية الرحمة والحنان عليكم وعلى إنعامكم كي يرأف بحالكم؛ فإذن يُرسَل إرسالا. وإن التراب الذي لا شعُور له، لأنه بعيد كل البعد من أن يرأف بحالكم فيهيئ لكم الرزق، فلا ينشقّ إذن بنفسه، بل هناك مَن يشقّه ويفتح أبوابه، ويناولكم النِعَم منه. وكذا الأشجار والنباتات، فهي بعيدة كل البعد عن تهيئة الثمرات والحبوب رأفةً بكم وتفكرا برزقكم، فما هي إلاّ حبال وشرائط ممتدة من وراء ستار الغيب يمدها حكيم رحيم علّق تلك النعم بها وأرسلها إلى ذوي الحياة.

وهكذا فمن هذه البيانات تظهر مطالع أسماء حسنى كثيرة كالرحيم والرزاق والمنعم والكريم.

ومثلا: ﴿ألَمْ تَرَ أنّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأبْصَارِ %يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنّهَارَ إِنّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأوْلِي الْأبْصَارِ %وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاءٍ فَمِنهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾(النور:43-45).

فهذه الآية الكريمة حينما تبين التصرفات العجيبة في إنـزال المطر وتشكّل السحاب الذي يمثل ستار خزينة الرحمة الإلهية وأهم معجزة من معجزات الربوبية، تبيّنها كأن أجزاء السحاب كانت منتشرة ومختفية في جو السماء -كالجنود المنتشرين للراحة- فتجتمع بأمر اللّٰه وتتألف تلك الأجزاء الصغيرة مشكّلةً السحاب كما تجتمع الجنود بصوت بوق عسكري، فيرسل الماء الباعث على الحياة إلى ذوي الحياة كافة، من تلك القطع من السحاب التي هي في جسامة الجبال السيارة في القيامة وعلى صورتها. وهي في بياض الثلج والبَرَد وفي رطوبتها.. فيُشاهَد في ذلك الإرسال إرادةٌ وقصد لأنه يأتي حسب الحاجة، أي يُرسَل المطرُ إرسالا، ولا يمكن أن تجتمع تلك الأجزاء الضخمة من السحاب وكأنها جبال بنفسها في الوقت الذي نرى الجو براقا صحوا لا شيء يعكّره، بل يرسلها مَن يعرف ذوي الحياة ويعلم بحالهم.

ففي هذه المسافة المعنوية تظهر مطالعُ الأسماء الحسنى كالقدير والعليم والمتصرف والمدبّر والمربي والمغيث والمحيي.

مزية الجزالة الثامنة

إنّ القرآن الكريم قد يذكر من أفعال اللّٰه الدنيوية العجيبة والبديعة كي يُعدّ الأذهان للتصديق ويُحضر القلوب للإيمان بأفعاله المعجزة في الآخرة. أو إنه يصوّر الأفعالَ الإلهية العجيبة التي ستحدث في المستقبل والآخرة بشكل يجعلنا نقتنع ونطمئن إليه بما نشاهده من نظائرها العديدة.

فمثلا: ﴿أوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أنّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيم مُّبِين..﴾ إلى آخر سورة "يس".. هنا في قضية الحشر، يثبت القرآن الكريم ويسوق البراهين عليها، بسبع أو ثماني صور مختلفة متنوعة:

إنه يقدّم النشأة الأولى أولا، ويعرضها للأنظار قائلا: إنكم ترون نشأتكم من النطفة إلى العلقة ومن العلقة إلى المضغة ومن المضغة إلى خلق الإنسان، فكيف تنكرون إذن النشأة الأخرى التي هي مثل هذا بل أهونُ منه؟ ثم يشير بـ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأخْضَرِ نَارًا﴾ إلى تلك الآلاء وذلك الإحسان والإنعام الذي أنعمه الحق سبحانه على الإنسان، فالذي ينعم عليكم مثل هذه النعم، لن يترككم سدىً ولا عبثا، لتدخلوا القبر وتناموا دون قيام. ثم إنه يقول رمزا: إنكم ترون إحياء واخضرار الأشجار الميتة، فكيف تستبعدون اكتساب العظام الشبيهة بالحطب للحياة ولا تقيسون عليها؟ ثم هل يمكن أن يعجز مَن خلق السماوات والأرض عن إحياء الإنسان وإماتته وهو ثمرة السماوات والأرض؟ وهل يمكن من يدير أمرَ الشجرة ويرعاها أن يهمل ثمرتها ويتركها للآخرين؟! فهل تظنون أن يُترك للعبث "شجرة الخلقة" التي عُجنت جميع أجزائها بالحكمة، ويهمل ثمرتَها ونتيجتها؟ وهكذا فإن الذي سيحييكم في الحشر مَن بيده مقاليد السماوات والأرض، وتخضع له الكائنات خضوع الجنود المطيعين لأمره فيسخرهم بأمر ﴿كن فيكون﴾ تسخيرا كاملا.. ومَن عنده خلق الربيع يسيـر وهيّن كخلق زهرة واحدة، وإيجاد جميع الحيوانات سهل على قدرته كإيجاد ذبابة واحدة.. فلا ولن يُسأل للتعجيز صاحب هذه القدرة: ﴿مَن يُحْيِي الْعِظَامَ﴾؟

ثم إنه بعبارة ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يبين أنه سبحانه بيده مقاليد كل شيء، وعنده مفاتيح كل شيء، يقلّب الليل والنهار، والشتاء والصيف بكل سهولة ويسر كأنها صفحات كتاب، والدنيا والآخرة هما عنده كمنـزلين يغلق هذا ويفتح ذاك. فما دام الأمر هكذا فإن نتيجة جميع الدلائل هي ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي إنه يحييكم من القبر، ويسوقكم إلى الحشر، ويوفّي حسابَكم عند ديوانه المقدس.

وهكذا ترى أن هذه الآيات قد هَيأت الأذهان، وأحضرت القلوب لقبول قضية الحشر، بما أظهرت من نظائرها بأفعالٍ في الدنيا.

هذا، وقد يذكر القرآن أيضا أفعالا أخروية بشكل يحسس ويشير إلى نظائرها الدنيوية، ليمنع الإنكار والاستبعاد. فمثلا: بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ %وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ %وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ %وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ %وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ %وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ %وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ %وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ %بِأيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ %وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ %وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ %وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ %وَإِذَا الْجَنّةُ أزْلِفَتْ %عَلِمَتْ نَفْس مَّا أحْضَرَتْ..﴾ إلى آخر السورة.

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ %وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ %وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ %وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ %عَلِمَتْ نَفْس مَّا قَدَّمَتْ وَأخَّرَتْ..﴾ إلى آخر السورة.

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ %وَأذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ %وَإِذَا الْأرْضُ مُدَّتْ %وَألْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ %وَأذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ..﴾ إلى آخر السورة.

فترى أن هذه السوَر تذكر الانقلابات العظيمة والتصرفات الربانية الهائلة بأسلوب يجعل القلب أسير دهشة هائلة يضيق العقلُ دونَها ويبقى في حيرة. ولكن الإنسان ما إن يرى نظائرَها في الخريف والربيع إلاّ ويقبَلها بكل سهولة ويسر.

 ولما كان تفسير السور الثلاث هذه يطول، لذا سنأخذ كلمة واحدة نموذجا، فمثلا: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ تفيد هذه الآية: "ستُنشر في الحشر جميعُ أعمال الفرد مكتوبةً على صحيفة". وحيث إن هذه المسألة عجيبة بذاتها فلا يرى العقلُ إليها سبيلا، إلاّ أن السورة كما تشير إلى الحشر الربيعي وكما أن للنقاط الأخرى نظائرَها وأمثلتها كذلك نظير نشر الصحف ومثالها واضح جليّ، فلكل ثمر ولكل عشب ولكل شجر، أعمال وله أفعال، وله وظائف. وله عبودية وتسبيحات بالشكل الذي تُظهر به الأسماء الإلهية الحسنى. فجميع هذه الأعمال مندرجة مع تاريخ حياته في بذوره ونواه كلها. وستظهر جميعُها في ربيع آخر ومكان آخر. أي إنه كما يذكر بفصاحة بالغة أعمال أمهاته وأصوله بالصورة والشكل الظاهر، فإنه ينشر كذلك صحائف أعماله بنشر الأغصان وتفتح الأوراق والأثمار.

نعم، إن الذي يفعل هذا أمام أعيننا بكل حكمة وحفظ وتدبير وتربية ولطف هو الذي يقول: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾... وهكذا قس النقاط الأخرى على هذا المنوال. وإن كانت لديك قوة استنباط فاستنبط.

ولأجل مساعدتك ومعاونتك سنذكر ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ أيضا. فإن لفظ ﴿كوّرت﴾ الذي يرد في هذا الكلام هو بمعنى: لُفّت وجُمعت. فهو مثال رائع ساطع فوق أنه يومئ إلى نظيره ومثيله في الدنيا:

أولا: إن اللّٰه سبحانه وتعالى قد رفع ستائر العدم والأثير والسماء، عن جوهرة الشمس التي تضيء الدنيا كالمصباح، فأخرجها من خزينة رحمته وأظهرها إلى الدنيا. وسيلفّ تلك الجوهرة بأغلفتها عندما تنتهي هذه الدنيا وتنسد أبوابُها.

ثانيا: إن الشمس موظفة ومأمورة بنشر غلالات الضوء في الأسحار ولفّها في الأماسي. وهكذا يتناوب الليلُ والنهار هامة الأرض، وهي تجمع متاعها مقللةً من تعاملها، أو يكون القمر -إلى حدٍ ما- نقابا لأخذها وعطائها ذلك، أي كما أن هذه الموظفة تجمع متاعها وتطوي دفاتر أعمالها بهذه الأسباب، فلابد من أن يأتي يوم تُعفى من مهامها، وتُفصَل من وظيفتها، حتى إن لم يكن هناك سبب للإعفاء والعزل. ولعلّ توسّع ما يشاهده الفلكيون على وجهها من البقعتين الصغيرتين الآن اللتين تتوسعان وتتضخمان رويدا رويدا، تسترجع الشمس -بهذا التوسع- وبأمر رباني ما لفّته ونشرَته على رأس الأرض بإذن إلهي من الضوء، فتلفبه نفسها. فيقول ربّ العزة: "إلى هنا انتهت مهمتك مع الأرض، فهيّا إلى جهنم لتحرقي الذين عبدوك وأهانوا موظفة مسخرة مثلك وحقروها متهمين إياها بالخيانة وعدم الوفاء". بهذا تقرأ الشمسُ الأمر الرباني: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ على وجهها المبقع.

نكتة البلاغة التاسعة

إنّ القرآن الكريم قد يذكر بعضا من المقاصد الجزئية، ثم لأجل أن يحوّل تلك الجزئيات إلى قاعدة كلية ويجيلَ الأذهان فيها يثبّت ذلك المقصد الجزئي ويقرره ويؤكده بالأسماء الحسنى التي هي قاعدة كلية.

فمثلا: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنّ اللَّهَ سَمِيع بَصِير﴾(المجادلة:1).يقول القرآن: إن اللّٰه سميع مطلق السمع يسمع كل شيء، حتى إنه ليسمع باسمه "الحق" حادثة جزئية، حادثة لمرأة -المرأة التي حظيت بألطف تجلٍ من تجليات الرحمة الإلهية وهي التي تمثل أعظم كنـز لحقيقة الرأفة والحنان- هذه الدعوى المقدمة من امرأة وهي محقة في دعواها على زوجها وشكواها إلى اللّٰه منه يسمعها برحمة بالغة كأي أمر عظيم باسم "الرحيم" وينظر إليها بكل شفقة ويراها باسم "الحق".

فلأجل جعل هذا المقصد الجزئي كليا تفيد الآية بأن الذي يسمع أدنى حادثة من المخلوقات ويراها، يلزم أن يكون ذلك الذي يسمع كل شيء ويراه، وهو المنـزّه عن الممكنات. والذي يكون ربا للكون لابد أن يرى ما في الكون أجمع من مظالم ويسمع شكوى المظلومين، فالذي لا يرى مصائبهم ولا يسمع استغاثاتهم لا يمكن أن يكون ربا لهم. لذا فإن جملة: ﴿إِنّ اللَّهَ سَمِيع بَصِير﴾ تبين حقيقتين عظيمتين. كما جعلت المقصد الجزئي أمرا كليا.

ومثل ثان: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِن آيَاتِنَا إِنّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾(الإسراء:1).

إنّ القرآن الكريم يختم هذه الآية بـ﴿إِنّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ وذلك بعد ذكره إسراء الرسول الحبيب rمن مبدأ المعراج -أي من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى- ومنتهاه الذي تشير إليه سورة النجم.

فالضمير في ﴿إنّه﴾ إما أن يرجع إلى اللّٰه تعالى، أو إلى الرسول الكريم r. فإذا كان راجعا إلى الرسول r، فإن قوانين البلاغة ومناسبة سياق الكلام تفيدان أنّ هذه السياحة الجزئية، فيها من السير العمومي والعروج الكلي ما قد سَمِع وشاهَدَ كلَّ ما لاقى بَصَره وسمعَه من الآيات الربانية، وبدائع الصنعة الإلهية في أثناء ارتقائه المراتب الكلية للأسماء الإلهية الحسنى البالغة إلى سدرة المنتهى، حتى كان قاب قوسين أو أدنى. مما يدل على أن هذه السياحة الجزئية هي في حُكم مفتاحٍ لسياحةٍ كليةٍ جامعة لعجائب الصنعة الإلهية.(3)

وإذا كان الضمير راجعا إلى اللّٰه سبحانه وتعالى، فالمعنى يكون عندئذٍ هكذا: إنه سبحانه وتعالى دعا عبدَه إلى حضوره والمثول بين يديه، لينيط به مهمةً ويكلّفه بوظيفة؛ فأسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي هو مجمع الأنبياء. وبعد إجراء اللقاء معهم وإظهاره بأنه الوارث المطلق لأصول أديان جميع الأنبياء، سَيَّره في جولةٍ ضمن مُلكه وسياحةٍ ضمن ملكوته، حتى أبلغه سدرة المنتهى فكان قاب قوسين أو أدنى. وهكذا فإن تلك السياحة أو السير، وإن كانت معراجا جزئيا وأن الذي عُرج به عبد، إلاّ أن هذا العبد يحمل أمانةً عظيمة تتعلق بجميع الكائنات، ومعه نور مبين ينير الكائنات ويبدل من ملامحها ويصبغها بصبغته. فضلا عن أن لديه مفتاحا يستطيع أن يفتح به باب السعادة الأبدية والنعيم المقيم.

فلأجل كل هذا يصف اللّٰه سبحانه وتعالى نفسَه بـ ﴿إِنّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ كي يُظهِر أن في تلك الأمانة وفي ذلك النوروفي ذلك المفتاح، من الحِكم السامية ما يشمل عموم الكائنات، ويعم جميع المخلوقات، ويحيط بالكون أجمع.

ومثال آخر: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أولِي أجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاء إِنّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾(فاطر:1).

ففي هذه السورة يقول تعالى: إنّ فاطر السماوات والأرض ذا الجلال قد زيّن السماوات والأرض وبيّن آثار كماله على ما لا يعد من المشاهدين وجعلهم يرفعون إليه ما لا نهاية له من الحمد والثناء. وإنه تعالى زيّن الأرض والسماء بما لا يحد من النعم والآلاء. فتحمد السماواتُ والأرض بلسان نعمها وبلسان المنعَمين عليهم جميعا وتثنى على فاطرها "الرحمن". وبعد ذلك يقول: إنّ اللّٰه سبحانه الذي منح الإنسانَ والحيوانات والطيور من سكان الأرض أجهزة وأجنحة يتمكنون بهامن الطيران والسياحة بين مدن الأرض وممالكها، والذي منح سكانالنجوم وقصور السماوات، وهم الملائكة، كي تسيح وتطير بين ممالكها العلوية وأبراجها السماوية لابد أن يكون قادرا على كل شيء. فالذي أعطى الذبابة الجناح لتطير من ثمرة إلى أخرى، والعصفور ليطير من شجرة إلى أخرى، هو الذي جعل الملائكة أولي أجنحة لتطير من الزُهَرة إلى المشتري ومن المشتري إلى زُحَل.

ثم إن عبارة: ﴿مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ تشير إلى أن الملائكة ليسوا منحصرين بجزئية ولا يقيدهم مكان معين، كما هو الحال في سكان الأرض بل يمكن أن يكونوا في آن واحد في أربع نجوم أو أكثر.

فهذه الحادثة الجزئية، أي تجهيز الملائكة بالأجنحة تشير إلى عظمة القدرة الإلهية المطلقة العامة وتؤكدها بخلاصة ﴿إِنّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾.

نكتة البلاغة العاشرة

قد تذكر الآية ما اقترفه الإنسانُ من سيئات، فتزجره زجرا عنيفا، ثم تختمها ببعض من الأسماء الحسنى التي تشير إلى الرحمة الإلهية لئلا يلقيه الزجر العنيف في اليأس والقنوط.

فمثلا: ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَة كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلا %سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا %تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَن فِيهِنّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾(الإسراء:42-44).

تقول هذه الآية: قل لهم لو كان في مُلك اللّٰه شريك كما تقولون لامتدّت أيديهم إلى عرش ربوبيته ولظهرت علائمُ المداخلة باختلال النظام، ولكن جميع المخلوقات من السماوات السبع الطباق إلى الأحياء المجهرية، جزئيَّها وكليَّها، صغيرَها وكبيرها، تسبّح بلسان ما يظهر عليها من تجليات الأسماء الحسنى ونقوشها، وتقدّس مسمّى تلك الأسماء ذا الجلال والإكرام، وتنـزّهه عن الشريك والنظير.

نعم، إنّ السماء تقدّسه وتشهد على وحدته بكلماتها النيّرة من شموس ونجوم، وبحكمتها وانتظامها.. وإنّ جو الهواء يسبّحه ويقدّسه ويشهد على وحدانيته بصوت السحاب وكلمات الرعد والبرق والقطرات.. والأرض تسبّح خالقها الجليل وتوحدهّ بكلماتها الحية من حيوانات ونباتات وموجودات.. وكذا تسبّحه وتشهد على وحدانيته كلُّ شجرة من أشجارها بكلمات أوراقها وأزاهيرها وثمراتها.. وكلُّ مخلوق صغير ومصنوع جزئي مع صغره وجزئيـته يسبّح بإشارات ما يحمله من نقوش وكيفيات وما يظهره من أسماء حسنى كثيرة وتقدّس مسمى تلك الأسماء ذا الجلال وتشهد على وحدانيته تعالى. وهكذا فالكون برمّته معا وبلسان واحد، يسبّح خالقَه الجليل متفقا ويشهد على وحدانيته، مؤديا بكمال الطاعة ما أنيط به من وظائف العبودية. إلاّ الإنسانَ الذي هو خلاصةُ الكون ونتيجتُه وخليفته المكرم وثمرته اليانعة، يقــوم بخلاف جميع ما في الكون وبضده، فيكفر باللّٰه ويشرك به. فكم هو قبيـح صنيعُه هذا؟ وكم يا ترى يستحق عقابا على ما قدمت يداه؟ ولكن لئلا يقع الإنسانُ في هاوية اليأس والقنوط تبين له الآية حكمةَ عدم هدم القهار الجليل الكونَ على رأسه بما يجترحه من سيئات شنيعة كهذه الجناية العظمى، وتقول: ﴿إِنّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ مبيِّنة حكمةَ الإمهال وفتح باب الأمل بهذه الخاتمة.

فافهم من هذه الإشارات العشر الإعجازية، أن في الخلاصات والفذلكات التي في ختام الآيات لمعات إعجازية كثيرة فضلا عما تترشح منها من رشحات الهداية الغزيرة، حتى بلغ بدهاة البلغاء أنهم لم يتمالكوا أنفسهم من الحيرة والإعجاب أمام هذه الأساليب البديعة فقالوا: ما هذا كلام البشر، وآمنوا بحق اليقين بقوله تعالى: ﴿إِن هُوَ إِلَّا وَحْي يُوحَى﴾(النجم:4).

هذا وإن بعض الآيات -إلى جانب جميع الإشارات المذكورة- تتضمن مزايا أخرى عديدة لم نتطرق إليها في بحثنا، فيُشاهَد من إجماع تلك المزايا نقش إعجازي بديع يراه حتى العميان.

النورالثالث

وهو أن القرآن الكريم لا يمكن أن يُقاس بأي كلام آخر، إذ إن منابعَ علو طبقة الكلام وقوتِه وحسنِه وجمالِه أربعة:

الأول: المتكلم. الثاني: المخاطَب. الثالث: المقصد. الرابع: المقام. وليس المقام وحده كما ضل فيه الأدباء. فلابد من أن تنظر في الكلام إلى: مَن قال؟ ولمن قال؟ ولِمَ قال؟ وفيمَ قال؟ فلا تقف عند الكلام وحدَه وتنظر إليه.

ولما كان الكلامُ يستمد قوتَه وجمالَه من هذه المنابع الأربعة، فبإنعام النظر في منابع القرآن تُدرك درجةَ بلاغته وحسنَها وسموَّها وعلوَّها.

نعم، إن الكلام يستمد القوة من المتكلم، فإذا كان الكلام أمرا ونهيا يتضمن إرادةَ المتكلم وقدرتَه حسب درجته، وعند ذاك يكون الكلام مؤثرا نافذا يسري سريان الكهرباء من دون إعاقة أو مقاومة. وتتضاعف قوةُ الكلام وعلوّه حسب تلك النسبة.

فمثلا: ﴿يَا أرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاءُ أقْلِعِي﴾(هود:44)و﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قَالَتَا أتَيْنَا طَائِعِينَ﴾(فصلت:11).

فانظر إلى قوة وعلوّ هذه الأوامر الحقيقية النافذة التي تتضمن القوة والإرادة. ثم انظرْ إلى كلام إنسان وأمره الجمادات الشبيه بهذيان المحموم: اسكني يا أرض وانشقي يا سماء وقومي أيتُها القيامة!

فهل يمكن مقايسة هذا الكلام مع الأمرين النافذين السابقين؟ ثم أين الأوامر الناشئة من فضول الإنسان والنابعة من رغباته والمتولدة من أمانيّه.. وأين الأوامر الصادرة ممن هو متصف بالآمرية الحقة يأمر وهو مهيمن على عمله؟! نعم، أين أمر أمير عظيم مُطاع نافذ الكلام يأمر جنوده بـ: "تقدَّم". وأين هذا الأمر إذا صدر من جندي بسيط لا يُبالى به؟ فهذان الأمران وإن كانا صورةً واحدة إلاّ أن بينهما معنىً بونا شاسعا،كما بين القائد العام والجندي.

ومثلا: ﴿إِنّمَا أمْرُهُ إِذَا أرَادَ شَيْئًا أن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾(يس:82)و﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ﴾(البقرة:34)انظر إلى قوة وعلوّ الأمرين في هاتين الآيتين. ثم انظر إلى كلام البشر من قبيل الأمر. ألا تكون النسبة بينهما كضوء اليراع أمام نور الشمس الساطعة؟.

نعم، أين تصوير عامل يمارس عمله، وبيان صانع وهو يصنع، وكلام مُحسن في آن إحسانه، كل يصوّر أفاعيله، ويطابق فعلُه قولَه، أي يقول: انظروا فقد فعلت كذا لكذا، أفعل هذا لذاك، وهذا يكون كذا وذاك كذا.. وهكذا يبين فعلَه للعين والأذن معا.

فمثلا: ﴿أفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ %وَالْأرْضَ مَدَدْنَاهَا وَألْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ %تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ %وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا فَأنبَتْنَا بِهِ جَنّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ %وَالنّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْع نّضِيد %رِزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾(ق:6-11).

أين هذا التصوير الذي يتلألأ كالنجم في برج هذه السورة في سماء القرآن؛ كأنه ثمار الجنة -وقد ذكر كثيرا من الدلائل ضمن هذه الأفعال مع انتظام البلاغة وأثبت الحشر الذي هو نتيجتها بتعبير: ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ ليلزم به الذين ينكرون الحشر في مستهل السورة- فأين هذا وأين كلام الناس على وجه الفضول عن أفعال لا تمسهم إلاّ قليلا؟ فلا تكون نسبته إليه إلاّ كنسبة صورة الزهرة إلى الزهرة الحقيقية التي تنبض بالحياة.

إن بيان معنى هذه الآيات من قوله تعالى: ﴿أفَلَمْ يَنظُرُوا﴾ إلى ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ على وجه أفضل يتطلب منا وقتا طويلا فنكتفي بالإشارة إليه ونمضي إلى شأننا:

إنّ القرآن يبسط مقدّمات ليُرغم الكفار على قبول الحشر، لإنكارهم إياه في مستهل السورة. فيقول: أفلا تنظرون إلى السماء فوقكم كيف بنيناها، بناءً مهيبا منتظما.. أوَلا ترون كيف زيّناها بالنجوم وبالشمس والقمر دون نقص أو فطور..؟ أوَلا ترون كيف بسطنا الأرض وفرشناها لكم بالحكمة، وثبتنا فيها الجبال لتقيَها من مّد البحار واستيلائها؟ أوَلا ترون أنا خلقنا فيها أزواجا جميلة متنوعة من كل جنس من الخضراوات والنباتات، وزيّنا بها أرجاء الأرض كافة؟ أوَلا ترون كيف أرسلُ ماءً مباركا من السماء فأنبتُ به البساتين والزرع والثمرات اللذيذة من تمر ونحوه وأجعله رزقا لعبادي؟ أوَلا يرون أنني أحيي الأرض الميتة، بذلك الماء. وآتيألوفا من الحشر الدنيوي. فكما أخرج بقدرتي هذه النباتات من هذه الأرض الميتة، كذلك خروجكم يوم الحشر؛ إذ تموت الأرض في القيامة وتُبعثون أنتم أحياء. فأين ما أظهرته الآيةُ في إثبات الحشر من جزالة البيان -التي ما أشرنا إلاّ إلى واحدة من الألف منها- وأين الكلمات التي يسردها الناس لدعوى من الدعاوى؟.

* * *

لقد انتهجنا من أول هذه الرسالة إلى هنا نهجَ المحايد الموضوعي في تحقيق قضية الإعجاز، وقد أبقينا كثيرا من حقوق القرآن مطوية مخفية مستورة، فكنا نعقد موازنة نُنـزل تلك الشمس منـزلةَ الشموع، وذلك كله لكي نُخضع خصما عاتيا لقبول إعجاز القرآن.

والآن وقد وفَّى التحقيقُ العلمي مهمته، وأُثبت إعجاز القرآن إثباتا ساطعا. فنشير ببعض القول باسم الحقيقةلا باسم التحقيق العلمي، إلى مقام القرآن، ذلك المقام العظيم الذي لا تسعه موازنة ولا ميزان.

نعم، إنّ نسبة سائر الكلام إلى آيات القرآن، كنسبة صور النجوم المتناهية في الصغر التي تتراءى في المرايا، إلى النجوم نفسها.

نعم، أين كلماتُ القرآن التي كل منها تصوّر الحقائق الثابتة وتبيّنها، وأين المعاني التي يرسمها البشر بكلماته على مرايا صغيرة لفكره ومشاعره؟ أين الكلمات الحية حياةَ الملائكة الأطهار.. كلمات القرآن الذي يفيض بأنوار الهداية وهو كلامُ خالق الشمس والقمر.. وأين كلمات البشر اللاذعة الخادعة بدقائقها الساحرة بنفثاتها التي تثير أهواء النفس.

نعم، كم هي النسبة بين الحشرات السامة والملائكة الأطهار والروحانيين المنوّرين؟ إنها هي النسبة نفسها بين كلمات البشر وكلمات القرآن الكريم. وقد أثبتتْ هذه الحقيقةمع "الكلمة الخامسة والعشرين" جميعُ الكلمات الأربع والعشرين السابقة. فدعوانا هذه ليست إدعاء وإنما هي نتيجة لبرهان سبَقها.

نعم، أين ألفاظ القرآن التي كل منها صدفُ درر الهداية ومنبعُ حقائق الإيمان، ومعدن أسس الإسلام، والتي تتنـزل من عرش الرحمن وتتوجه من فوق الكون ومن خارجه إلى الإنسان، فأين هذا الخطاب الأزلي المتضمن للعلم والقدرة والإرادة، من ألفاظ الإنسان الواهية المليئة بالأهواء؟

نعم، إن القرآن يمثل شجرة طوبى طيبة نشرت أغصانها في جميع أرجاء العالم الإسلامي، فأورقت جميعَ معنوياته وشعائره وكمالاته ودساتيره وأحكامه، وأبرزت أولياءَه وأصفياءه كزهور نضرة جميلة تستمد حسنها ونداوتها من ماء حياة تلك الشجرة،وأثمرت جميعَ الكمالات والحقائق الكونية والإلهية حتى غدت كل نواة من نوى ثمارها دستورَ عمل ومنهج حياة.. نعم، أين هذه الحقائق المتسلسلة التي يطالعنا بها القرآن بمثابة شجرة مثمرة وارفة الظلال وأين منها كلام البشر المعهود. أين الثرى من الثريا ؟

إن القرآن الحكيم ينشر جميع حقائقه في سوق الكون ويعرضها على الملأ أجمعين منذ أكثر من ألف وثلاث مائة سنة وإن كل فرد وكل أمة وكل بلد قد أخذ من جواهره ومن حقائقه، وما زال يأخذ.. على الرغم من هذا فلم تخل تلك الإلفة، ولا تلك الوفرة، ولا مرور الزمان، ولا التحولات الهائلة، بحقائقه القيمة ولا بأسلوبه الجميل، ولم تشيّبه ولم تتمكن من أن تفقِدهُ طراوته أو تسقط من قيمته أو تطفئ سنا جماله وحسنه. إن هذه الحالة وحدَها إعجاز أيّ إعجاز.

والآن إذا ما قام أحد ونظم قسما من الحقائق التي أتى بها القرآن حسب أهوائه وتصرفاته الصبيانية، ثم أراد أن يوازن بين كلامه وكلام القرآن، بغية الاعتراض على بعض آياته، وقال: "لقد قلت كلاما شبيها بالقرآن". فلا شك أن كلامه هذا يحمل من السخف والحماقة ما يشبه هذا المثال:

إن بنّاءً شيد قصرا فخما، أحجارُه من جواهرَ مختلفة، ووضع تلك الأحجار في أوضاع وزيّنها بزينة ونقوش موزونة تتعلق بجميع نقوش القصر الرفيعة، ثم دخل ذلك القصر من يقصر فهمُه عن تلك النقوش البديعة، ويجهل قيمة جواهره وزينته. وبدأ يبدّل نقوش الأحجار وأوضاعها، ويجعلها في نظام حسب أهوائه حتى غدا بيتا اعتياديا. ثم جمّله بما يعجب الصبيان من خرز تافه، ثم بدأ يقول: انظروا إن لي من المهارة في فن البناء ما يفوق مهارة باني ذلك القصر الفخم، ولي ثروة أكثر من بنّاء القصر! فانظروا إلى جواهري الثمينة! لا شك أن كلامه هذا هذيان بل هذيان مجنون ليس إلا.

 

_______________________________________

(1) وهي اثنتا عشرة رسالة ضمن كتاب "المثنوي العربي النوري".

(2) انظر: الألوسي، روح المعاني 18/16.

(3) جاء في تفسير روح المعاني للعلامة الآلوسي(15/14)ما يأتي: "وأما على تقدير كون الضمير للنبي r، كما نقله أبو البقاء عن بعضهم وقال: أي السميع لكلامنا البصير لذاتنا، وقال الجلبي: إنه لا يبعد، والمعنى عليه: إن عبدي الذي شرّفته بهذا التشريف هو المستأهل له فإنه السميع لأوامري ونواهي، العامل بهما، البصير الذي ينظر بنظر العبرة في مخلوقاتي فيعتبر، أو البصير بالآيات التي أريناه إياه". وانظر أيضا تفسير إسماعيل القنوي على البيضاوي (4/224).