الغصن الخامس

 

لهذا الغصن خمس ثمرات:

الثمرة الأولى

يا نفسيَ المحبةَ لنفسها، ويا رفيقي العاشقَ للدنيا! اعلمي أن المحبة سببُ وجود هذه الكائنات، والرابطة لأجزائها، وأنها نورُ الأكوان، وحياتُها.

ولما كان الإنسان أجمعَ ثمرةٍ من ثمرات هذا الكون، فقد أدرجت في قلبه، الذي هو نواة تلك الثمرة، محبة قادرة على الاستحواذ على الكائنات كلها. لذا لا يليق بمثل هذه المحبة غير المتناهية إلاّ صاحبُ كمالٍ غير متناهٍ.

فيا نفسي! ويا صاحبي! لقد أودع اللّٰه سبحانه جهازين في فطرة الإنسان، ليكونا وسيلتين للخوف وللمحبة. وتلك المحبة والخوف إما سيتوجهان إلى الخَلق أو إلى الخالق. علما أن الخوف من الخلق بليّة أليمة، والمحبةَ المتوجهة نحوه أيضا مصيبة منغّصة؛ إذ إنك أيها الإنسان تخافمن لا يرحمُك، أو لا يسمع استرحامك. فالخوف إذن في هذه الحالة بلاء أليم.

أما المحبة؛ فإن ما تحبه، إما أنه لا يعرفك، فيرحل عنك دون توديع، كشبابكَ ومالكَ، أو يحقّرك لمحبتك! ألاَ ترى أن تسعةً وتسعين في المائة من العشاق المجازيين يشكون معشوقيهم؛ ذلك لأن عشقَ محبوبات دنيوية شبيهة بالأصنام لحد العبادة، بباطن القلب الذي هو مرآة الصمد، ثقيل في نظر أولئك المحبوبين، إذ الفطرة تردّ كلَّ ما هو ليس فطري وأهل له. "والحب الشهواني خارج عن بحثنا". بمعنى: أن ما تحبه من أشياء إما أنها لا تعرفُك أو يحقّرك أو لا يرافقك، بل يفارقك وأنفك راغم.

فما دام الأمر هكذا؛ فاصرف هذه المحبة والخوفَ إلى مَن يجعل خوفَك تذللا لذيذا، ومحبتَك سعادة بلا ذلة. نعم، إن الخوف من الخالق الجليل يعني وجدانَ سبيلٍ إلى رأفته ورحمتِه تعالى للالتجاء إليه. فالخوف بهذا الاعتبار هو سوطُ تشويقٍ يدفع الإنسان إلى حضن رحمته تعالى. إذ من المعلوم أن الوالدة تخوّف طفلها لتضمَّه إلى صدرها. فذلك الخوف لذيذ جدا لذلك الطفل. لأنه يجذب ويدفع الطفل إلى صدر الحنان والعطف. علما أن شفقة الوالدات كلّهن ما هي إلاّ لمعة من لمعات الرحمة الإلهية. بمعنى أن في الخوف من اللّٰه لذةً عظيمةً. فلئن كان للخوف من اللّٰه لذة إلى هذا الحد، فكيف بمحبة اللّٰه سبحانه، ألاَ يُفهم كم من اللذائذ غير المتناهية فيها.

ثم إن الذي يخاف اللّٰه ينجو من الخوف من الآخرين، ذلك الخوف المليء بالقساوة والبلايا.

ثم إن المحبة التي يوليها الإنسانُ إلى المخلوقات، إن كانت في سبيل اللّٰه لا تكون مشوبةً بألم الفراق. نعم، إن الإنسان يحب نفسَه أولا، ثم يحب أقاربَه، ثم أمتَه، ثم الأحياء من المخلوقات، ثم الكائنات، ثم الدنيا، فهو ذو علاقة مع كل دائرة من هذه الدوائر، ويمكن أن يتلذذ بلذائذها ويتألم بآلامها. بينما لا يقر قرار لشيء في هذا العالم الصاخب الذي يموج بالهرج والمرج، وتعصف فيه العواصفُ المدمّرة، لذا ترى قلبَ الإنسان المسكين يُجرَح دائما. فالأشياء التي يتشبث بها هي التي تجرحُه بالذهاب عنه، بل قد تقطع يدَه، لذا لا ينجو الإنسان من قلق دائم، وربما يلقي نفسَه في أحضان الغفلة والسُكر.

فيا نفسي! إن كنت تعقلين، فاجمعي إذن جميعَ أنواع تلك المحبة وسلّميها إلى صاحبها الحقيقي وانجِي من هذه البلايا.

فهذه الأنواع من المحبة غير المتناهية إنما هي مخصوصة لصاحب كمال وجمال لا نهاية لهما. ومتى ما سلمتيها إلى صاحبها الحقيقي يمكنك أن تحبّي الأشياءَ جميعَها باسمه دون قلق ومن حيث إنها مراياه. بمعنى أنه لا ينبغي أن تصرفي هذه المحبةَ مباشرةً إلى الكائنات، وإلاّ تنقلب المحبةُ إلى نِقمةٍ أليمة بعد أن كانت نعمةً لذيذة.

ظل أمر آخر وهو أهم مما ذكر: إنك يا نفسي تولين وجهَ محبتك إلى نفسِك بالذات، فتجعلين نفسَك، محبوبةَ نفسِها بل معبودةً لها، وتضحين بكل شيء في سبيلها وكأنك تمنحينها نوعا من الربوبية، مع أن سببَ المحبة إما كمال، والكمال محبوب لذاته، أو منفعة أو لذة أو فضيلة أو أي سبب مشابه بهذه الأسباب المؤدية إلى المحبة.

والآن يا نفسي! لقد أثبتنا في عدد من "الكلمات" إثباتا قاطعا أن ماهيتَك الأصلية هي عجينة مركبة من القصور والنقص والفقر والعجز. فإنك حسب الضدّية تؤدين وظيفة المرآة. فبالنقص والقصور والفقر والعجز الموجود في ماهيتك أصلا، تُظهرين كمالَ الفاطر الجليل وجمالَه وقدرته ورحمته، مثلما يبيّن الظلامُ الدامس سطوعَ النور.

فيا أيتها النفس! عليك ألاّ تحبي نفسَك بل الأولى لكِ معاداتُها، أو التألمُ لحالها، والإشفاقُ عليها، بعد أن تُصبحَ نفسا مطمئنة.

فإن كنت تحبين نفسكِ لكونها منشأ اللذة والمنفعة، وأنت مفتونة بأذواق اللذة والمنفعة، فلا تفضّلي لذةً نفسانية بقَدْر ذرة على لذةٍ لا نهاية لها ومنافعَ لا حدّ لها. فلا تكوني كاليراعة التي تُغرق جميعَ الأشياء وجميعَ أحبتها في وحشة الظلام مكتفيةً هي بلُميعة في نفسها. لأن لذتَك النفسانية ومنفعتَك وما تنتفعين من وراء منفعتهم وما تسعدين بسعادتهم وجميعَ منافع الكائنات ونفعَها كلَّها إنما هي من لطفِ محبوبٍ أزلي سبحانه. فعليك إذن أن تحبي ذلك المحبوب الأزلي حتى تلتذي، بسعادتك وبسعادة أولئك، بلذة لا منتهى لها من محبة الكمال المطلق.

وفي الحقيقةإن محبتك الشديدة لنفسك والمغروزة فيك، ما هي إلاّ محبة ذاتية متوجهة إلى ذات اللّٰه الجليلة سبحانه، إلاّ أنكِ أسأتِ استعمال تلك المحبة فوجّهتيها إلى ذاتك. فمزّقي يا نفسي إذن ما فيكِ من "أنا" وأظهري "هو". فإن جميعَ أنواعِ محبتَك المتفرقة على الكائنات إنما هي محبة ممنوحة لك تجاه أسمائه الحسنى وصفاته الجليلة، بيد أنكِ أسأتِ استعمالها، فستنالين جزاءَ ما قدمتْ يداك. لأن جزاء محبةٍ غير مشروعة وفي غير محلها، مصيبة لا رحمة فيها.

وإن محبوبا أزليا أعدّ -باسمه الرحمن الرحيم- مسكنا جامعا لجميع رغباتك المادية، وهو الجنّة المزينة بالحور العين، وهيأ بسائر أسمائه الحسنى آلاءه العميمة لإشباع رغبات روحِك وقلبِك وسرّك وعقلك وبقية لطائفك. بل له سبحانه في كل اسم من أسمائه الحسنى خزائنُ معنوية لا تنفد من الإحسان والإكرام. فلاشك أن ذرةً من محبةِ ذلك المحبوب الأزلي تكفي بديلا عن الكائنات كلِّها، ولا يمكن أن تكون الكائناتُ برمّتِها بديلا عن تجلٍ جزئي من تجليات محبته سبحانه.

فاستمعي يا نفسي واتبعي هذا العهدَ الأزلي الذي أنطقه ذلك المحبوبُ الأزلي، حبيبَه الكريم بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّٰهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّٰهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّٰهُ غَفُور رَّحِيم﴾(آل عمران:31).

الثمرة الثانية

يا نفسُ! إن وظائف العبودية وتكاليفَها ليست مقدمةً لثوابٍ لاحق، بل هي نتيجة لنعمة سابقة.

نعم؛ نحن قد أخذنا أجرتَنا من قبل، وأصبحنا بحسب تلك الأجرة المقدَّمة لنا مكلّفين بالخدمة والعبودية؛ ذلك لانّ الخالق ذا الجلال والإكرام الذي ألبسكِ -أيتها النفس- الوجودَ، وهو الخير المحض، قد أعطاك باسمه "الرزاق" معدة تتذوّقين وتتلذذين بجميع ما فرَشَه أمامَك على مائدة النعمة من مأكولات. ثم إنه وهَب لك حياةً حساسة، فهي كالمعدة تطلب رزقا لها، فوضع أمام حواسك من عين وأذن وهي كالأيدي مائدةَ نعمةٍ واسعة سعةَ سطح الأرض. ثم وهب لك إنسانيةً تطلب بدورها أرزاقا معنوية كثيرة، ففتح أمام معدة الإنسانية آفاقَ المُلك والملكوت بمقدار ما يصل إليه العقلُ.

وبما وهب لك من الإسلام والإيمان الذي هو "الإنسانية الكبرى" والذي يطلب نِعَما لا نهاية لها، ويتغذى على ثمار الرحمة التي لا تنفد، فتح لك مائدةَ النعمة والسعادة واللذة الشاملة للأسماء الحسنى، والصفات الربانية المقدسة، ضمن دائرة الممكنات. ثم أعطاك المحبةَ التي هي نورُ من أنوار الإيمان، فأحسن إليكِ بمائدةِ نعمةٍ وسعادة ولذة لا تنتهي أبدا.

بمعنى أنك قد أصبحت، بإحسانه سبحانه وتعالى، بحسب جسمك الصغير المحدود المقيد الذليل العاجز الضعيف، من جزءٍ إلى كلّي، وإلى كلٍّ نوراني، إذ قد رفعك من الجزئية إلى نوعٍ من الكلية، بما أعطاك "الحياة". ثم إلى الكلّية الحقيقية، بما وهب لك "الإنسانية"، ثم إلى الكلية النورانية السامية بما أحسن إليك "الإيمان"، ومنها رفعك إلى النورالمحيط الشامل بما أنعم عليك من "المعرفة والمحبة".

فيا نفس! لقد قبضتِ مقدَّما كلَّ هذه الأجور والأثمان؛ ثم كُلّفتِ بالعبودية، وهي خدمة لذيذة وطاعـة طيبة بل مريحة خفيفة؛ أفَبعد هذا تتكاسلين عن أداء هذه الخدمة العظيمة المـشرّفة؟ وتـقولين بدلال: لِمَ لا يُقبل دعـائي؟ حـتى إذا ما قمتِ بالخدمة بشكل مهلهل تطالبين بأجرةٍ عظيمة أخرى، وكأنك لم تكتفي بالأجرة السابقة؟ نعم؛ إنه ليس من حقكِ الدلال أبدا، وإنما من واجبك التضرع والدعاء، فاللّٰه سبحانه وتعالى يمنحكِ الجنة والسعادة الأبدية بمحض فَضلِه وكرمِه، لذا فالتجئي إلى رحمته، واعتمدي عليها، ورددي هذا النداء العلوي الرباني: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللّٰهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْر مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾(يونس:58).

وإذا قلت: كيف يمكنني أن أقابل تلك النِعَم الكلية التي لا تُحدّ بشكري المحدود الجزئي؟

فالجواب:بالنية الكلية، وبالاعتقاد الجازم الذي لا حدّ له.

فمثلا: إن رجلا يدخل إلى ديوان السلطان بهدية زهيدة متواضعة بقيمة خمسة فلوس، ويشاهد هناك هدايا مرصوصة تقدَّر أثمانُها بالملايين أرسلت إلى السلطان من قبل ذوات مرموقين. فعندها يناجي نفسه: ماذا أعمل؟ إن هديتي زهيدة ولا شيء! إلاّ أنه يستدرك ويقول فجأة: "يا سيدي؛ إنني أقدم لك جميعَ هذه الهدايا باسمي، فإنك أهل لها، ويا سيدي العظيم، لو كان باستطاعتي أن أقدّم لك أمثال أمثال هذه الهدايا الثمينة لما ترددت". وهكذا فالسلطان الذي لا حاجة له إلى أحد، والذي يقبل هدايا رعاياه رمزا يشير إلى مدى إخلاصهم وتعظيمهم له، يقبل تلك الهديةَ المتواضعة جدا من ذلك الرجل المسكين كأنها أعظمُ هدية، وذلك بسبب تلك النية الخالصة منه، والرغبة الصادقة، واليقين الجازم الجميل السامي.

وهكذا، فالعبد العاجز عندما يقول في الصلاة: "التحيات للّٰه"(1) ينوى بها: "إنني أرفع إليك يا إلهي باسمي هدايا العبودية لجميع المخلوقات، التي هي حياتها. فلو كنتُ أستطيع أن أقدم التحيات إليك يا ربي بعددهم لما أحجَمتُ ولا ترددت، فإنك أهل لذاك، بل أكثر. فهذه النية الصادقة والاعتقاد الجازم، هي الشكر الكلي الواسع".

ولنأخذ مثلا من النباتات حيث النوى والبذور فيها بمثابة نيّاتها. فالبطيخ مثلا يقول بما ينوى من آلاف النوى التي في جوفه: يا خالقي إنني على شوق ورغبة أن أعلن نقوشَ أسمائك الحسنى في أرجاء الأرض كلها. وحيث إن اللّٰه سبحانه وتعالى يعلم ما يحـدث وكيف يحدث، فإنه يقبل النية الصادقة كأنها عـبادةُ فعلية، أي كأنها حدثت. ومن هنا تعلم كيف أن نية المؤمن خير من عمله، وتفهم كذلك حكمةَ التسبيح بأعداد غير نهائية في مثل: "سبحانك وبحمدك عدد خلقك ورضاء نفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك"(2) ونسبحك بجميع تسبيحات أنبيائك وأوليائك وملائكتك.

فكما أن الضابط المسؤول عن الجنود يقدّم أعمالَهم وإنجازاتِهم إلى السلطان باسمه، كذلك هذا الإنسان الذيهو ضابط على المخلوقات، وقائد للنباتات والحيوانات، ومؤهل ليكون خليفةً على موجودات الأرض، ويعدّ نفسَه مسـؤولا ووكيلا عمّا يحدث فـي عالمه الخاص.. يقول بلسان الجميع: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فيقدّم إلى المعبود ذي الجلال جميعَ عبادات الخلق واستعاناتهم.. ويجعل الموجودات قاطبة كذلك تتكلم باسمه وذلك عند قوله: "سبحانك بجميع تسبيحات جميع مخلوقاتك، وبألسنة جميع مصنوعاتك".

ثم إنه يصلى على النبي rباسم جميع الأشياء على الأرض: "اللّٰهُمَّ صلِّ على محمدٍ بعدد ذرات الكائنات ومركباتها".. إذ إن كل شيء في الوجود له علاقة مع النورالمحمدي عليه الصلاة والسلام.

وهكذا افهم حكمةَ الأعداد غير النهائية في التسبيحات والصلوات.

الثمرة الثالثة

فيا نفس! إن كنتِ حقا تريدين أن تنالي عملا أخرويا خالدا في عمر قصير؟ وإن كنت حقا تريدين أن ترَي فائدةً في كل دقيقة من دقائق عمرك كالعمر الطويل؟ وإن كنت حقا تريدين أن تحوّلي العادةَ إلى عبادة وتبدّلي غفلتك إلى طمأنينة وسكينة؟ فاتبعي السنّة النبوية الشريفة.. ذلك: لأن تطبيق السنّة والشرع في معاملةٍ ما، يُورث الطمأنينةَ والسكينة، ويُصبح نوعا من العبادة، بما يثمر من ثمرات أخروية كثيرة.

فمثلا: إذا ابتعت شيئا، ففي اللحظة التي تطبق الأمر الشرعي (الإيجاب والقبول) فإن جميع هذا البيع والشراء يأخذ حُكمَ العبادة. حيث تذكرك بالحكم الشرعي. مما يعطي تصوّرا روحيا. وهذا التصور يذكّرك بالشارع الجليل سبحانه، أي يعطي توجّها إلهيا. وهذا هو الذي يُسكب السكينة والطمأنينة في القلب.

أي إن إنجاز الأعمال وفق السنة الشريفة يجعل العملَ الفاني القصير مدارا للحياة الأبدية، ذات ثمار خالدة. لذا فانصتي جيدا إلى قوله تعالى: ﴿فَآمِنُواْ بِاللّٰهِ وَرَسُولِهِ النّبِيِّ الْأمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾(الأعراف:158)واسعَي أن تكوني مظهرا جامعا شاملا لفيض تجلٍ لكل اسم من تجليات الأسماء الحسنى المنتشرة في أحكام السنة الشريفة والشرع.

الثمرة الرابعة

أيتها النفس! لا تقلّدي أهلَ الدنيا، ولا سيما أهلُ السفاهة وأهلُ الكفر خاصة، منخدعةً بزينتِهم الظاهرية الصورية، ولذائذِهم الخادعة غير المشروعة، لأنك بالتقليد لا تكونين مثلهم قطعا، بل تتردَّين كثيرا جدا، بل لن تكوني حتى حيوانا أيضا؛ لأن العقل الذي في رأسك يُصبح آلةً مشؤومة مزعجة تُنـزل بمطارقِها على رأسك، إذ إن كان ثمةَ قصر فخم فيه مصباح كهربائي عظيم تشعبت منه قوةُ الكهرباء إلى مصابيحَ أصغر فأصغر موزّعةٍ في منازلَ صغيرةٍ مرتبطة كلها بالمصباح الرئيس. فلو أطفأ أحدُهم المصباحَ الكهربائي الكبير، فسيعمُّ الظلامُ المنازلَ الأخرى كلَّها وتستولى الوحشةُ فيها، ولكن لأن هناك مصابيحَ في قصور أخرى غير مربوطةٍ بالمصباح الكبير في القصر الفخم، فإن صاحب القصر هذا إن أطفأ المصباحَ الكهربائي الكبير فإن مصابيحَ صغيرة تعمل على الإضاءة في القصور الأخرى، ويمكنه أن يؤدي بها عمله، فلا يستطيع اللصوص نهبَ شيء منه.

فيا نفسي! القصر الأول، هو المسلم، والمصباح الكبير، هو سيدُنا الرسول rفي قلب ذلك المسلم، فإن نسيَه وأخرجَ الإيمان به منقلبه -والعياذ باللّٰه- فلا يؤمن بعدُ بأيّ نبي آخر. بل لا يبقى موضع للكمالات في روحه، بل ينسى ربَّه الجليل ويكون ما أدرج في ماهيته من منازل ولطائف طُعمةً للظلام، ويُحدِثُ في قلبه دمارا رهيبا وتستولي عليه الوحشة. تُرى ما الذي يُغني عن هذا الدمار الرهيب، وما النفعُ الذي يكسبه حتى يستطيع أن يعمرّ ذلك الدمار والوحشة؟!

أما الأجانب فإنهم يشبهون القصر الثاني، بحيث لو أخرجوا نورَ محمد rمن قلوبهم، تظلُّ لديهم أنوار، بالنسبة لهم، أو يظنون أنها تظل! إذ يمكن أن يبقى لديهم شيء من العقيدة باللّٰه والإيمان بموسى وعيسى عليهما السلام، والذي هو محورُ كمالِ أخلاقياتهم.

فيا نفسيَ الأمارة بالسوء! إذا قلت: أنا لا أريد أن أكون أجنبيا بل حيوانا! فلقد كررنا عليك القول يا نفسي: إنك لن تكوني حتى كالحيوان، لأنك تملكين عقلا. فهذا العقل -الجامع لآلام الماضيومخاوف المستقبل- يُنـزل ضرباتٍ موجعة وصفعاتٍ مؤلمة برأسك وعينك، فيذيقك ألوف الآلام في ثنايا لذة واحدة، بينما الحيوان يستمتع بلذة غير مشوبة بالآلام. لذا إن أردت أن تكوني حيوانا فتخلّي عن عقلك أولا وارميه بعيدا، وتعرّضي لصفعة التأديب في الآية الكريمة: ﴿أوْلَئِكَ كَالأنعَامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ﴾(الأعراف:179).

الثمرة الخامسة

يا نفس! لقد كررنا القول: إن الإنسان ثمرةُ شجرة الخلقة، فهو كالثمرة أبعدُ شيء عن البذرة، وأجمعُ لخصائص الكل، وله نظر عام إلى الجميع، ويضم جهةَ وحدةِ الكل. فهو مخلوق يحمل نواة القلب، ووجهُهُ متوجه إلى الكثرة من المخلوقات، والى الفناء، والى الدنيا، ولكن العبادة التي هي حبلُ الوصال، أو نقطةُ اتصال بين المبدأ والمنتهى، تصرفُ وجهَ الإنسان من الفناء إلى البقاء، ومن الخلق إلى الحق، ومن الكثرة إلى الوحدانية، ومن المنتهى إلى المبدأ.

لو أن ثمرةً قيّمة ذات إدراك أوشكت على أن تكوّن البذور، تباهتْ بجمالها ونظرتْ إلى أسفلَ منها من ذوي الأرواح وألقت نفسَها في أيديهم أو غفلَت فسقطت، فلا شك أنها تتفتت وتتلاشى في أيديهم، وتضيع كأية ثمرة اعتيادية. ولكن تلك الثمرة المُدركة إن وَجدت نقطةَ استنادها وتمكّنت من التفكير في أنها ستكون وساطةً لبقاء الشجرةوإظهار حقيقتها ودوامها، بما تخبئ في نفسها من جهة الوحدة للشجرة، فإن البذرة الواحدة لتلك الثمرة الواحدة تنال حقيقةً كلية دائمة ضمن عمر باق دائم..

فالإنسان الذي تاه في كثرة المخلوقات وغرق في الكائنات، وأخذ حبُ الدنيا بلبِّه حتى غرّه تبسم الفانيات وسقط في أحضانها، لاشك أن هذا الإنسان يخسرخسرانا مبينا، إذ يقع في الضلال والفناء والعدم، أي يعدم نفسه معنى. ولكن إذا ما رفع هذا الإنسان رأسَه واستمع بقلب شهيد لدروس الإيمان من لسان القرآن، وتوجّه إلى الوحدانية فإنه يستطيع أن يصعد بمعراج العبادة إلى عرش الكمالات والفضائل فيغدو إنسانا باقيا.

يا نفسي! لما كانت الحقيقةُ هي هذه، وأنت من الملة الإبراهيمية فقولي على غرار سيدنا إبراهيم: ﴿لا أحِبُّ الآفِلِينَ﴾ وتوجّهي إلى المحبوب الباقي وابكي مثلي، قائلة: ................

(الأبياتُ الفارسية لم تُدرج هنا، حيث أدرجت في المقام الثاني من الكلمة السابعة عشرة).

 

________________________________

(1) البخاري، الأذان 148، العمل في الصلاة 4، الاستئذان 3، 28؛ مسلم، الصلاة 55، 60، 62.

(2) انظر: مسلم، الذكر 79؛ الترمذي، الدعوات 103؛ أحمد بن حنبل، المسند 1/258.