اللمعة الرابعة والعشرون رسالة الحجاب

 

رسالة الحجاب

كانت هذه هي المسألة الثانية والثالثة من (المذكرة الخامسة

عشرة) الا ان اهميتها جعلتها (اللمعة الرابعة والعشرين).

بِسمِ اللهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيم

﴿يا أيُها النَبيُّ قُل لأزواجِكَ وبَنَاتكَ ونسَاء المؤمنينَ يُدنينَ عَليهِنَ من جَلابيبهن﴾(الاحزاب:59)

هذه الآية الكريمة تأمر بالحجاب، بينما تذهب المدنية الزائفة الى خلاف هذا الحكم الرباني، فلا ترى الحجاب أمر فطرياً للنساء، بل تعده اسراً وقيداً لهن(1).

وسنبين جواباً اربعاً من الحكم فقط من بين حكم غزيرة دالة على كون هذا الحكم القرآني تقتضيه فطرة النساء وخلافه غير فطري.

الحكمة الاولى:

ان الحجاب امر فطرى للنساء، تقتضيه فطرتهن، لان النساء جُبلن على الرقة والضعف، فيجدن في انفسهن حاجة الى رجل يقوم بحمايتهن وحماية اولادهن الذين يؤثرنهم على انفسهن، فهن مسوقات فطريا نحو تحبيب انفسهن للاخرين وعدم جلب نفرتهم وتجنب جفائهم واستثقالهم.

ثم، ان ما يقرب من سبعة اعشار النساء: اما متقدمات في العمر، او دميمات لا يرغبن في اظهار شيبهن او دمامتهن، او أنهن يحملن غيرة شديدة في ذواتهن يخشن ان تفضل عليهن ذوات الحسن والجمال، او أنهن يتوجسن خيفة من التجاوز عليهن وتعرضهن للتهم.. فهؤلاء النساء يرغبن فطرة في الحجاب حذراً من التعرض والتجاوز عليهن وتجنباً من ان يكن موضع تهمة في نظر أزواجهن، بل نجد ان المسنات احرص على الحجاب من غيرهن.

وربما لا يتجاوز الاثنتين او الثلاث من كل عشر من النساء هن: شابات وحسناوات لايتضايقن من ابداء مفاتنهن اذ من المعلوم ان الانسان يتضايق من نظرات من لايحبه. وحتى لو فرضنا ان حسناء جميلة ترغب في ان يراها اثنان او ثلاثة من غير المحارم فهي حتما تستثقل وتنزعج من نظرات سبعة او ثمانية منهم، بل تنفر منها.

فالمرأة لكونها رقيقة الطبع سريعة التأثر تنفر حتماً – ما لم تفسد اخلاقها وتتبذّل – من نظرات خبيثة تصوب اليها والتي لها تأثير مادي كالسم – كما هو مجرب – حتى اننا نسمع: أن كثيرا من نساء اوروبا وهي موطن التكشف والتبرج، يشكين الى الشرطة من ملاحقة النظرات اليهن قائلات: ان هؤلاء السفلة يزجوننا في سجن نظراتهم!

نخلص مما تقدم:

ان رفع المدنية السفيهة الحجاب وافساحها المجال للتبرج يناقض الفطرة الانسانية. وان امر القرآن الكريم بالحجاب – فضلاً عن كونهفطرياً – يصون النساء من المهانة والسقوط، ومن الذلة والاسر المعنوي ومن الرذيلة والسفالة، وهن معدن الرأفة والشفقة والرفيقات العزيزات لازواجهن في الأبد.

والنساء – فضلاً عما ذكرناه – يحملن في فطرتهن تخوفاً من الرجال الاجانب وهذا التخوف يقتضي فطرة التحجب وعدم التكشف، حيث تتتنغص لذة غير مشروعة لتسع دقائق بتحمل اذى حمل جنين لتسعة اشهر، ومن بعده القيام بتربية ولد لا حامي له زهاء تسع سنين! ولوقوع مثل هذه الاحتمالات بكثرة تتخوف النساء فطرة خوفاً حقيقياً من غير المحارم. وتتجنبهم جبلة، فتنبهها خلقتها الضعيفة تنبيها جادا، الى التحفظ وتدفعها الى التستر، ليحول دون اثارة شهوة غير المحارم، وليمنع التجاوز عليها، وتدلها فطرتها على ان حجابها هو قلعتها الحصينة وخندقها الامين.

ولقد طرق سمعنا: ان سباغ أخذية قد تعرض لزوجة رجل ذي منصب دنيوي كبير، كانت مكشوفة المفاتن، وراودها نهاراً جهاراً في قلب العاصمة (انقرة) ! أليس هذا الفعل الشنيع صفعة قوية على وجوه اولئك الذين لا يعرفون معنى الحياء من اعداء العفة والحجاب؟

الحكمة الثانية:

إن العلاقة الوثيقة والحب العميق بين الرجل والمرأة ليسا ناشئين عما تتطلبه الحياة الدنيا من الحاجات فحسب، فالمرأة ليست صاحبة زوجها في حياة دنيوية وحدها، بل هي رفيقته ايضاً في حياة ابدية خالدة.

فما دامت هي صاحبته في حياة باقية فينبغي لها ألاّ تلفت نظر غير رفيقها الابدي وصديقها الخالد الى مفاتنها، وألا تزعجه، ولا تحمله على الغضب والغيرة.

وحيث ان زوجها المؤمن، بحكم ايمانه لا يحصر محبته لها في حياة دنيوية فقط ولا يوليها محبة حيوانية قاصرة على وقت جمالها وزمن حسنها، وانما يكنّ لها حباً واحتراماً خالصين دائمين لايقتصران على وقت شبابها وجمالها بل يدومان الى وقت شيخوختها وزوال حسنها، لأنها رفيقتها في حياة ابدية خالدة.. فإزاء هذا لابد للمرأة ايضاً أن تخص زوجها وحده بجمالها ومفاتنها وتقصر محبتها به، كما هو مقتضى الانسانية، وإلاّ ستفقد الكثير ولا تكسب الا القليل.

ثم ان ما هو مطلوب شرعاً: ان يكون الزوج كفوءا للمرأة، وهذا يعني ملاءمة الواحد للآخر ومماثلتهما، واهم ما في الكفاءة هذه هي كفاءة الدين كما هو معلوم.

فما اسعد ذلك الزوج الذي يلاحظ تدين زوجته ويقوم بتقليدها، ويصبح ذا دين، لئلا يفقد صاحبته الوفية في حياة ابدية خالدة!

وكم هي محظوظة تلك المرأة التي تلاحظ تدين زوجها وتخشى ان تفرط برفيق حياتها الامين في حياة خالدة، فتتمسك بالإيمان والتقوى.

والويل ثم الويل لذلك الرجل الذي ينغمس في سفاهة تفقده زوجته الطبية الصالحة.

ويا لتعاسة تلك المرأة التي لا تقلد زوجها التقي الورع، فتخسر رفيقها الكريم الابدي السعيد.

والويل والثبور لذينك الزوجين الشقيين اللذين يقلدان بعضهما البعض الآخر في الفسوق والفحشاء، فيتسابقان في دفع احدهما الآخر في النار.

الحكمة الثالثة:

ان سعادة العائلة في الحياة واستمرارها انما هي بالثقة المتبادلة بين الزوجين، والاحترام اللائق والود الصادق بينهما، الا أن التبرج والتكشف يخل بتلك الثقة ويفسد ذلك الاحترام والمحبة المتبادلة. حيث تلاقي تسعة من عشرة متبرجات امامهن رجالاً يفوقون ازواجهن جمالاً، بينما لاترى غير واحدة منهن مَن هو اقل جمالاً من زوجها ولا تحبب نفسها اليه. والامر كذلك في الرجال فلا يرى الاّ واحدٌ منكل عشرين منهم مَن هي اقل جمالاً من زوجته، بينما الباقون يرون امامهم من يفقن زوجاتهن حسنا وجمالا. فهذه الحالة قد تؤدي الى انبعاث احساس دنىء وشعور سافل قبيح في النفس فضلاً عما تسببه من زوال ذلك الحب الخالص وفقدان ذلك الاحترام، وذلك:

ان الانسان لايمكنه ان يحمل فطرة شعوراً دنيئاً حيوانياً تجاه المحارم – كالاخت – لان سيماء المحارم تشعر بالرأفة والمحبة المشروعة النابعين من صلة القربى. فهذا الشعور النبيل يحدّ من ميول النفس الشهوية، الا أن كشف ما لايجوز كشفه كالساق، قد يثير لدى النفوس الدنيئة حساً سافلاً خبيثاً لزوال الشعور بالحرمة، حيث ان ملامح المحارم تشعر بصلة القرابة، وكونها محرماً وتتميز عن غيرهم، لذا فكشفُ تلك المواضع من الجسد يتساوى فيه المحرم وغيره، لعدم وجود تلك العلامات الفارقة التي تستوجب الامتناع عن النظر المحرّم، ولربما يهيج لدى بعض المحارم السافلين هوى النظرة الحيوانية! فمثل هذه النظرة سقوط مريع للانسانية تقشعر من بشاعتها الجلود.

الحكمة الرابعة:

من المعلوم أن كثرة النسل مرغوبة فيها لدى الجميع، فليس هناك امة ولا دولة لاتدعو الى كثرة النسل، وقد قال الرسول الكريم y: (تناكحوا تكثروا فاني أباهي بكم الامم يوم القيامة)(2). بيد ان رفعالحجاب وافساح المجال امام التبرج والتكشف يحد من الزواج، بل يقلل من التكاثر كثيراً، لان الشاب مهما بلغ فسوقه وتحلله، فانه يرغب في ان تكون صاحبته في الحياة مصونة عفيفة، ولا يريدها ان تكون مبتذلة متكشفة مثله، لذا تجده يفضل العزوبة على الزواج. وربما ينساق الى الفساد. اما المرأة فهي ليست كالرجل حيث لاتتمكن من ان تحدد اختيار زوجها.

والمرأة من حيث كونها مدبرة لشؤون البيت الداخلية، ومأمورة بالحفاظ على اولاد زوجها وامواله وكل ما يخصه، فان اعظم خصالها هي: الوفاء والثقة. الا ان تبرجها وتكشفها يفسد هذا الوفاء ويزعزع ثقة الزوج بها، فتجرع الزوج آلاماً معنوية وعذاباً وجدانياً.

حتى ان الشجاعة والسخاء وهما خصلتان محمودتان لدى الرجال اذ ما وجدتا في النساء عدتا من الاخلاق المذمومة، لاخلالهما بتلك الثقة والوفاء، اذ تفضيان الى الوقاحة والاسراف. وحيث ان وظيفة الزوج غير قاصرة على الائتمان على اموالها، وعلى الارتباط بها بل تشمل حمايتها والرحمة بها والاحترام لها فلا يلزمه ما يلزم الزوجة، أي لا يقيد اختياره بزوجة واحدة، ويمكنه ان ينكج غيرها من النساء.

ان بلادنا لاتقاس ببلدان اوروبا، فهناك وسائل صارمة للحفاظ – الى حد ما – على الشرف والعفاف في وسط متبرج متكشف، منها المبارزة وامثالها، فالذي ينظر بخبث الى زوجة احد الشرفاء عليه ان يعلق كفنه في عنقه مقدماً. هذا فضلاً عن ان طبائع الاوروبيين باردة جامدة كمناخهم. اما هنا في بلاد العالم الإسلامي خاصة فهي من البلدان الحارة قياسا الى اوروبا، ومعلوم مدى تأثير البيئة في اخلاق الانسان. ففي تلك الاصقاع الباردة، ولدى أناس باردين قد لايؤدي التبرج الذي يثير الهوى الحيوانى ويهيج الرغبات الشهوانية الى تجاوز الحدود مثلما يؤدي الى الافراط والاسراف في اناس حساسين يثارون بسرعة في المناطق الحارة.

التبرج وعدم الحجاب الذي يثير هوى النفس، ويطلق الشهوات من عقالها يؤدي حتما الى الافراط وتجاوز الحدود والى ضعف النسل وانهيار القوى. حيث ان الرجل الذي يمكنه ان يقضي وطره الفطري في شهر او في عشرين يوما يظن نفسه مضطرا الى دفعه كل بضعة ايام. وحيث ان هناك عوارض فطرية – كالحيض – تجنبه عن اهله وقد تطول خمسة عشر يوما، تراه ينساق الى الفحش ان كان مغلوبا لنفسه.

ثم ان اهل المدن لا ينبغي لهم انّ يقلدوا اهل القرى والارياف في حياتهم الاجتماعية ويرفعوا الحجاب فيما بينهم، لان اهل القرى يشغلهم شاغل العيش وهم مضطرون الى صرف جهود بدنية قوية لكسب معيشتهم، وكثيرا ما تشترك النساء في اشغال متعبة، لذا لا يهيج ما قد ينكشف من اجزاء اجسامهن الخشنة شهوات حيوانية لدى الآخرين، فضلاً عن انه لا يوجد في القرى سفهاء عاطلون بقدر ما هو موجود في المدن. فلا تبلغ مفاسدها الى عشر ما في المدينة، لهذا لا تقاس المدن على القرى والارياف.

_____________________________

(1) هذه فقرة من اللائحة المرفوعة الى محكمة المييز، القيت امام المحكمة، فأسكتتها، واصبحت حاشية لهذا المقام:

(وانا اقول لمحكمة العدل!

ان ادانة من يفسر اقدس دستور إلهي وهو الحق بعينه، ويحتكم اليه ثلاث مائة وخمسون مليوناً من الملمين في كل عصر في حياتهم الاجتماعية، خلال الف وثلاث مائة وخمسين عاماً. هذا المفسر استند في تفسيره الى ما اتفق عليه وصدق به ثلاث مائة وخمسون ألف مفسر، واقتدى بالعقائد التي دان بها اجدادنا السابقون في الف وثلاث مائة وخمسين سنة.. اقول: ان ادانة هذا المفسر، قرار ظالم، لابد ان ترفضه العدالة، ان كانت هناك عدالة على وجه الارض، ولابد ان ترد ذلك الحكم الصادر بحقه وتنقضه). – المؤلف.

(2) (تناكحوا تناسلوا فإني أباهي بكم الامم يوم القيامة) رواه عبدالرزاق والبيهقي عن سعيد بن ابي هلال مرسلا بلفظ: (تناكحو تكثروا فاني اباهي بكم الامم يوم القيامة) قال في المقاصد: جاء معناه عن جماعة من الصحابة، فأخرج ابو داود والنسائي والبيهقي وغيرهم عن معقل بن يسار مرفوعاً: تزوجوا الولود الودود فاني مكاثر بكم الامم يوم القيامة، ولأحمد وسعيد بن منصور والطبراني في الاوسط والبيهقي وآخريم عن أنس قال كان رسول الله yيأمر بالباءة وينهى عن التبتل نهيا شديداً ويقول: تزوجوا الولود الودود فاني مكاثر بكم الامم يوم القيامة، وصححه ابن حبان والحاكم.. الخ (باختصار عن كشف الخفاء للعجلوني 1021) والسيوطي في الجامع الصغير (3366).