اللمعة العاشرة

رسـالـة

لطمات الرأفة وصفعات الرحمة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

(يومَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْر مُحْضَراً ومَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَو

أَنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَداً بَعيداً ويُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَه والله رَؤوفٌ بالعِبادِ) (آل عمران:30)

هذه اللمعة تفسّر سراً من أسرار هذه الآية الكريمة، وذلك بذكر لطمات تأديب رحيمة وصفعات عتاب رؤوفة تلقاها اخوتي الاحبة العاملون في خدمة القرآن الكريم، وذلك من جراء أخطاء ونسيان وغفلة وقعوا فيها بمقتضى جبلتهم البشرية.

وستبين سلسلة من كرامات يجريها الله سبحانه في خدمة قرآنه العظيم.. مع بيان نوع من كرامة الشيخ الكيلاني الذي يمدّ هذه الخدمة المقدسة بدعائه وهمته ويراقبها بإذن إلهي.

نبين هذه الكرامات لعل العاملين في سبيل القرآن يزدادون ثباتاً واقداماً وجدية واخلاصاً.

نعم، ان كرامة العمل للقرآن الكريم، هذه الخدمة المقدسة، ثلاثة أنواع:

النوع الاول: تهيئة وسائل العمل والخدمة، وسَوق العاملين فيها الى الخدمة.

النوع الثاني: رد الموانع من حولها، ودفع الاضرار عنها، وتأديب من يعيق سيرها، بانزال عقوبات بهم.. هناك حوادث كثيرة جداً حول هذين القسمين، ويطول الحديث عنهما [1] لذا نؤجل الكلام فيهما الى وقت آخر خشية السأم. ونشرع في البحث عن النوع الثالث الذي هو أخفها تناولا وابسطها فهماً.

النوع الثالث: هو أن العاملين المخلصين في هذه الخدمة القرآنية لما يعتريهم الفتور والاهمال في العمل يأتيهم التحذير والتنبيه فيتلقون لطمة ذات رأفة وعطف، وينتبهون من غفلتهم، ويسرعون بجد للخدمة مرة أخرى. ان حوادث هذا القسم تربو على المائة، إلا أننا نسوق هنا ما يقرب من عشرين حادثة جرت على اخواننا، عشرٌ ونيف منهم تلقوا لطمة حنان رؤوفة، بينما تلقى حوالي سبعة منهم لطمة زجر عنيفة.

 فالاول منهم هو هذا المسكين.. سعيد، فكلما انشغلت بما يعود على خاصة نفسي بما يفتر عملي للقرآن، أو انهمكت في اموري الخاصة، وقلت: مالي وللآخرين! أتاني التحذير وجاءتني اللطمة؛ لذا بتُّ على يقين من أن هذه العقوبة لم تنزل الاّ نتيجة اهمالي وفتوري في خدمة القرآن؛ لأنني كنت أتلقى اللطمة بخلاف المقصد الذي ساقني الى الغفلة.. ثم بدأنا مع الاخوة المخلصين نتابع الحوادث ونلاحظ التنبيهات الربانية والصفعات التي نزلت باخوتي الآخرين.. فأمعنا النظر فيها، وتقصّينا كلاً منها، فوجدنا أن اللطمة قد أتتهم مثلي حيثما أهملوا العمل للقرآن وتلقوها بضد ما كانوا يقصدونه، لذا حصلتْ لدينا القناعة التامة بأن تلك الحوادث والعقوبات انما هي كرامة من كرامات خدمة القرآن. فمثلاً هذا السعيد الفقير الى الله تعالى.. فعندما كنت منشغلا بالقاء دروس في حقائق القرآن على طلابي في مدينة وان كانت حوادث الشيخ سعيد [2] تقلق بال المسؤولين في الدولة. وعلى الرغم من ارتيابهم

من كل شخص، لم يمسوني بسوء، ولم يجدوا عليَّ حجة مادمت مستمراً في خدمة القرآن. ولكن ما أن قلت في نفسي: ما لي وللآخرين! وفكرت في نفسي فحسب، وانسحبت الى جبل أرك لأنزوي في مغاراته الخربة، وأنجو بنفسي في الآخرة، اذا بهم يأخذوني من تلك المغارة وينفوني من ولاية شرقية الى أخرى غربية، الى بوردور.

كان المسؤولون في هذه المدينة يراقبون المنفيين مراقبة شديدة، وكان على المنفيين اثبات وجودهم بحضورهم مساء كل يوم لدى الشرطة الا أنني وطلابي المخلصين أُستثنينا من هذا الامر ما دمت قائماً بخدمة القرآن، فلم أذهب لاثبات الحضور ولم أعرف أحداً من المسؤولين هناك. حتى أن الوالى شكا من عملنا هذا لدى فوزي باشا[3] عند قدومه الى المدينة، فأوصاه: احترموه! لاتتعرضوا له!. ان الذي أنطقه بهذا الكلام هو كرامة العمل القرآني ليس الا، اذ حينما استولت عليَّ الرغبة في انقاذ نفسي واصلاح آخرتي، وفترت عن العمل للقرآن - مؤقتاً - جاءتني العقوبة بخلاف ماكنت أقصده وأتوقعه، أي نُفيتُ من بوردور الى منفى آخر.. الى اسبارطة.

توليت هناك العمل للقرآن العظيم كذلك.. ولكن بعد مرور عشرين يوماً على الخدمة القرآنية كثرت عليَّ التنبيهات من بعض المتخوفين، حيث قالوا: ربما لا يحبذ مسؤولو هذه البلدة عملك هذا! فهلاَّ أخذت الامر بالتأني والتريث؟!.. سيطر عليَّ الاهتمام بخاصة نفسي وبمصيري فحسب، فأوصيت الاصدقاء بترك مقابلتي وانسحبت من ميدان العمل.. وجاء النفي مرة أخرى.. فنفيت الى منفى ثالث.. الى بارلا.

وكنت فيها كلما اصابني الفتور في العمل للقرآن واستولى عليَّ التفكير بخاصة نفسي واصلاح آخرتي، كان أحد ثعابين أهل الدنيا يتسلط عليَّ، وأحد المنافقين يتعرض لي. وأنا على استعداد الآن أن أسرد على مسامعكم ثمانين حادثة من هذا النوع خلال ثماني سنوات قضيتُها في بارلا ولكن خشية الملل أقتصر على ما ذكرت.

فيا اخوتي! لقد ذكرت لكم ما أصابتني من لطمات الرأفة وصفعات الشفقة والحنان، فاذا سمحتم بأن أسرد ما تلقيتموه أنتم من لطمات رؤوفة أيضاً فسأذكرها، وأرجو ألا تستاءوا، وان كان فيكم من لايرغب في ذكرها فلن أصرح باسمه.

المثال الثاني: هو أخي عبد المجيد وهو من طلابي العاملين المخلصين المضحين.. كان يملك داراً أنيقة جميلة في وان وحالته المعاشية على مايرام، فضلاً عن أنه كان يزاول مهنة التدريس.. فعندما استوجبت خدمة القرآن ذهابي الى مكان بعيد عن المدينة، على الحدود، أردت استصحابه، الا أنه لم يوافق وكأنه رأى أنه من الافضل عدم ذهابي أنا كذلك، حيث قد يشوب العمل للقرآن شئ من السياسة وقد يعرّضه للنفي، وفضّل المكوث حيث هو ولم يشترك معنا. ولكن جاءته اللطمة الرحمانية بما هو ضد مقصوده، وعلى غير توقع منه، اذ أُخرج من المدينة وأُبعد عن منزله الجميل وأُرغم على الذهاب الى أرغاني [4].

الثالث:وهو خلوصي وهو من البارزين في خدمة القرآن، فعندما سافر من قضاء أكريدرالى بلدته، تيسرت له اسباب التمتع بمباهج الدنيا وسعادتها، مما دفعه الى شئ من الفتور عن خدمة القرآن الخالصة لله. حيث التقى والديه اللذين كان قد فارقهما منذ مدة مديدة، وحل في مدينته وهو بكامل بزّته العسكرية ورتبته العالية، فبدت الدنيا له حلوة خضرة.

نعم! ان العاملين في خدمة القرآن إما أن يُعرضوا عن الدنيا أو الدنيا تعرض عنهم، كي ينهضوا بالعمل بجد ونشاط واخلاص.. وهكذا فعلى الرغم من أن قلب خلوصي ثابت لايتزعزع، وهو رابط الجأش، فقد ساقه هذا الوضع الجميل الذي ابتسم له، الى الفتور.. فجاءته لطمة ذات رأفة، اذ تعرض له عدد من المنافقين طوال سنتين متواليتين، فسلبوه لذة الدنيا وأفقدوه طعمها، حتى جعلوه يمتعض منها ويعزف عنها، والدنيا تمتعض منه وتعزف عنه، وعندها التف حول راية العمل القرآني واستمسك بها بجد ونشاط.


الرابع:هو الحافظ أحمد المهاجر وسيقص عليكم ما وقع له بنفسه.

نعم! لقد أخطأت ُ في اجتهادي في خدمة القرآن، حيث فكرت لانقاذ آخرتي وحدي، فما أن بدا فيّ هذا النوع من الرغبة فترت عن العمل للقرآن. فأتتنى لطمة رؤوفة، رغم ما فيها من قوة وشدة، بل كانت في الحقيقة صفعة شديدة وزجراً عنيفاً، أرجو الله تعالى أن تكون كفارة عما بدر مني من غفلة عن العمل  لقرآنه العظيم. والحادثة كانت كالآتي:

كان الاستاذ لايوافق على محدثات الامور [5] وحيث ان الجامع الذي أؤدي فيه الصلاة جماعة يقع بجوار مسكن الاستاذ، والشهور المباركة - رجب شعبان رمضان - مقبلة علينا، فقد حدثتني نفسي بالآتي:

ان لم أؤد الصلاة على الوجه البدعي، أُمنع من عملي، وان تركتُ الجامع ولم أصلِّ فيه اماماً للجماعة، يضيع مني ثواب عظيم ولاسيما في هذه الشهور الثلاثة فضلا عن أن أهل المحلة سيعتادون على ترك الجماعة.. فرغبت في نفسي أن لو يغادر الاستاذ - وهو أحب اليَّ من روحي - القرية بارلايغادرها مؤقتاً الى قرية اخرى كي أؤدي الصلاة وفق الامور المحدثة. ولكن فاتني شئ هو أن لو غادر الاستاذ هذا المكان فسوف يفتر العمل للقرآن ولو مؤقتاً. فجاءتني العقوبة في هذه الاثناء، وكانت لطمة قوية جداً مع ما فيها من حنان ورأفة.حتى انني لم أفق من شدتها منذ ثلاثة شهور.

فأملي عظيم في سعة رحمته تعالى أن يجعل كل دقيقة من دقائق تلك المصيبة بمثابة عبادة يوم كامل - كما أخبرني به الاستاذ بما ألهمه الله - حيث أن ذلك الخطأ لم يكن قد بدر مني لدوافع شخصية، وانما هو خطأ اجتهادي في التفكير، ولم ينجم الا عن تفكيري بآخرتي وحدها.

الخامس:هو السيد حقي. وحيث أنه ليس حاضراً معنا، فسأنوب عنه كما نُبْتُ عن خلوصي فأقول:

كان السيد حقي يوفي حق مهمته في العمل للقرآن أيما ايفاء. ولكن عندما عُين قائمقام سفيه للقضاء، فكَّر السيد حقي أن يخبئ ما لديه من رسائل خشية أن يصيبه واستاذه أذىً منه، فترك خدمة النور مؤقتاً، واذا بلطمة ذات رحمة وحنان تواجهه، اذ فُتحت عليه دعوى كادت تلجئه الى دفع  ألف ليرة كي يبرأ منها، فبات تحت وطأة التهديد طوال سنة كاملة. حتى أتانا عائداً الى وظيفته طالباً في خدمة القرآن، فأنقذه الله من تلك الورطة ورُفع عنه الحكم، وبرئت ساحته.

ثم عندما فُتــح أمام الـطـلاب ميدان عمل جديد للـقرآن وهو استنسـاخه بخـط جميل وبنمط جديد، أُعطي للسيد حقي حصته من الاستنساخ، فأجاد القيام بما كلف، وكتب جزءاً كاملا من القرآن الكريم أحسن كتابة، ولكن لأنه كان يرى نفسه في حالة مضطرة من حيث ضروريات العيش، فقد لجأ الى القيام بوكالة الدعاوى أمام المحاكم، من دون علمنا، واذا به يتلقى لطمة أخرى فيـها الرأفة والرحمة له، اذ انثنت اصبعه التي كان يكتب بها القرآن الكريم. وحيث اننا لم نكن نعلم تورطه في هذا العمل فقد كنا حائرين أمام ما نزل باصبعه من بأسٍ، وعجزه عن الاستمرار في كتابة القرآن.

ثم علمنا أن الخدمة المقدسة هذه لاتقبل أن تدخل تلك الاصابع الطاهرة في أمور ملوثة [6]، فكأن الاصبع تقول بهذا الانثناء: لايجوز لك أن تغمسني بنور القرآن الكريم ثم تغرقني في ظلمة الدعاوى. فنبهته..

وعلى كل حال، فقد وضعت نفسي موضع خلوصي، وتكلمت بدلاً منه، فالسيد حقي أيضاً مثله تماماً. فان لم يرض َ بوكالتي عنه فليكتب بنفسه اللطمة التي تلقاها.

السادس:هو السيد بكر [7] وسأتولى مهمة الكلام عنه لعدم حضوره معنا مثلما تكلمت بدلاً عن أخي عبد المجيد، فهو مثله أيضاً، أتوكل عنه معتمداً على

اخلاصه ووفائه وصداقته الصميمة وثباته في الخدمة، واستناداً الى ما يرويه السيد سليمان [8] و الحافظ توفيق الشامي [9] وأمثالهم من الأخوة الأحبة:

ان السيد بكر هو الذي تولىّ القيام بطبع الكلمة العاشرة في استانبول، فاردنا طبع رسالة المعجزات القرآنية أيضاً هناك قبل احداث الحروف اللاتينية الحديثة، أرسلت رسالة كتبت له فيها: سنرسل لك ثمن طبع هذه الرسالة مع ثمن الرسالة السابقة. ولكنه عندما لاحظ ان الطبع يكلّف اربعمائة ليرة، وهو يعلم ما انا فيه من فقر، اراد هو ان يدفع المبلغ من خالص ماله وخطر بباله أنني لاأرضى بهذا العمل، فخدعته نفسه فلم يباشر بالطبع، فاصاب الخدمة القرآنية من جراء تفكيره هذا ضرر بالغ.. وبعد مرور شهرين سُرِقَت منه تسعمائة ليرة، فكانت لطمة رؤوفة وشديدة تجاه ما أصاب العمل من فتور. نسأل الله ان يجعل تلك الاموال الضائعة بمثابة صدقة عن نفسه.

السابع:هو الحافظ توفيق الملقب بالشامي، وسيورد بنفسه الحادثة:

نعم! لقد قمت بأعمال ساقتني الى الفتور في خدمة القرآن. فأتتني لطمة من جرائها، وتيقنت بما لايقبل الشك ان هذه اللطمة ليست الا من تلك الجهة، اذ كانت نتيجة خطأ مني في التفكير وجهل مني في التقدير.

اللطمة الاولى: عندما وزع الاستاذ أجزاء القرآن الكريم علينا، كان حظي منها كتابة ثلاثة أجزاء، حيث قد أنعم الله عليَّ قدرة على كتابة الحروف العربية وتجويدها كخط القرآن الكريم. فالشوق الى كتابة كتاب الله العزيز ولَّد فيّ فتوراً عن كتابة مسودات الرسائل وتبييضها، فضلا عن أنه قد أصابني منه شئ من الغرور، حيث كنت أعدّ نفسي فائقاً على أقراني في هذا العمل، بما أجده في نفسي من كفاية في حسن الخط العربي. حتى أنه عندما اراد الاستاذ ارشادي الى أمور تخص الكتابة

العربية، قلت بشئ من الغرور: هذا الامر يعود لي، أعرف هذا فلا أحتاج الى توصية! فتلقيت لطمة عطف ورأفة نتيجة خطأي هذا، وهي انني عجزت عن بلوغ أقراني في الكتابة، فسبقوني في الجودة.. فكنت احار من أمري هذا، لماذا تخلفت عنهم رغم تميزي عليهم؟! ولكن الآن أدركت أن ذلك كان لطمة رحمانية، ضربتني بها كرامة خدمة القرآن، حيث لاتقبل الغرور!

ثانيته:كانت لديَّ حالتان تخلان بصفاء العمل للقرآن، تلقيت على أثرهما لطمة شديدة. والحالتان هما:

كنت أعد نفسي غريباً عن البلد، بل غريباً حقاً، فلأجل تبديد وحشة الغربة جالست أناساً مغرورين بالدنيا، فتعلمت منهم الرياء والتملق، علاوة على تعرضي لفقر الحال - ولاأشكو - حيث لم اراع دستور الاستاذ المهم في الاقتصاد والقناعة، رغم تنبيه الاستاذ لي على هذه الامور وتحذيري، بل توبيخي أحياناً. فلم أستطع  - مع الاسف - انقاذ نفسي من هذه الورطة.. نسأل الله العفو والمغفرة.. فهاتان الحالتان استغلتهما شياطين الجن والانس فاصاب العمل للقرآن الفتور، وتلقيت لطمة قوية، الا انها كانت لطمة حنان ورأفة، فأيقنت بما لايدع مجالا للشك أن هذه اللطمة انما هي من ذلك الوضع وكانت على الوجه الآتي:

على الرغم من أنني كنت موضع خطاب الاستاذ وكاتب مسودات رسائله وتبييضها طوال ثماني سنوات. فلم أنل مع الاسف من نورها ما كان يفيض على غيري في ثمانية شهور. فكنت انا والاستاذ حائرين أمام هذا الوضع! ونتساءل: لماذا؟ أي لماذا لايدخل نور حقائق القرآن شغاف قلبي.. بحثنا عن الاسباب كثيراً، حتى علمنا الآن علماً جازماً، ان تلك الحقائق انما هي نور وضياء، ولايجتمع النور مع ظلمات الرياء والتصنع والتزلف للآخرين.. لذا ابتعدت معاني حقائق هذه الانوار عني وغدت كأنها غريبة عني. أسأله سبحانه وتعالى أن يرزقني الاخلاص الكامل اللائق للعمل، وينقذني من الرياء والتذلل لأهل الدنيا. وارجوكم جميعاً - وفي المقدمة ارجو الاستاذ - ان تجهدوا في الدعاء لي.

العبد المقصر

الحافظ توفيق الشامي

الثامن:هو سيراني: هذا الأخ صنو خسرو [10] من المشتاقين لرسائل النور، ومن طلابي الأذكياء المجدّين.

استطلعت ذات يوم رأي طلاب اسبارطة حول التوافق الذي يعدّ مفتاحاً مهما لأسرار القرآن ولعلم الحروف. اشترك الجميع في المناقشة بجد، عدا هذا الشخص، ولم يكتف بعدم المشاركة في المناقشة بل أراد أن يصرفني عمّا أنا اعلمه من حقائق علماً يقيناً، اذ كان له اهتمامات بأمور أخرى، ثم بعث اليّ رسالة جارحة جداً، اصابتني في الصميم. فقلت: وا أسفاه! لقد ضيعت هذا الطالب النابه، فعلى الرغم من محاولتي توضيح الأمر له الاّ أن شيئاً آخر قد خالط الموضوع؛ فأتته اللطمة الرؤوفة.. ودخل السجن زهاء سـنة.

التاسع:هو  الحافظ زهدي الكبير.

كان هذا الاخ يشرف على عمل طلاب النور في قصبة أغروس ولكن كأنه لم يكتف بالمنزلة المعنوية الرفيعة والشرف السامي الذي يتمتع به طلاب النور، لاتباعهم السنة الشريفة واجتنابهم البدع، فرغب في العثور على هذه المنزلة لدى أهل الدنيا فتسلم وظيفة القيام بتعليم بدعة سيئة، مرتكباً خطأً جسيماً منافياً لمسلكنا الذي هو اتباع السنة الشريفة. فتلقى لطمة رهيبة جداً. اذ تعرض لحادثة كادت تمحو شرفه وشرف أهله، وقد مست الحادثة الحافظ زهدي الصغير أيضاً مع الاسف بالرغم من انه لايستحق اللطمة. نسأل الله ان تكون تلك الحادثة المؤلمة بمثابة عملية جراحية لتصرف قلبه عن الدنيا وتدفعه للاقبال على العمل القرآني الخالص لوجه الله، لتنفعه يوم القيامة.

العاشــر:هو الحافظ أحمد.

كان هذا الاخ يستنسخ الرسائل وينهل من انوارها طوال ثلاث سنوات، وهو دؤوب شغوف في عمله، ثم تعرض للاختلاط بأهل الدنيا لعله يدفع أذاهم عنه،

ويتمكن من ابلاغ الكلام الطيب لهم وليكسب شيئاً من المنزلة لديهم، فضلاً عن انه كان يرغب في أن يوسّع ما ضاق عليه من أمور الدنيا وهموم العيش ففتر شوقهُ. واستغل اهل الدنيا ضعفه بهذا الجانب فأصابه فتور في عمله القرآني جراء تلك الأوضاع، فأتته لطمتان معاً:

اولاه:ضُمّ الى عائلته خمسة اشخاص آخرين بالرغم من ضيق معيشته، فأصبح حقاً في رهق شديد من العيش.

ثانيته:على الرغم من أنه كان مرهف الحس ولايتحمل شيئاً من الكلام من أحد، فقد اصبح وسيلة لدساسين من حيث لايعلم، حتى فقد موقعه ومنزلته كلياً، وأصبح كثيرٌ من الناس يهجرونه، ففقد صداقتهم بل عادوه.. وعلى كل حال؛ نسأل الله أن يغفر له، ونسأله ان يوفقه للافاقة من غفلته ويعي الامور ويعود الى مهمته في خدمة القرآن.

الحادي عشــر: لم يسجّل ربما لايرضى!.

الثاني عشــــر: هو المعلم غالب [1] لقد خدم هذا الاخ باخلاص وصدق في تبييض الرسائل، فقام بخدمات جليلة كثيرة، ولم يبد منه ضعفٌ أمام أية مشكلة من المشاكل مهما كانت.

كان يحضر الدرس في أغلب الاوقات وينصت بكل أهتمام وشوق، ويستنسخ الرسائل لنفسه أيضاً، حتى استكتب لنفسه جميع الكلمات والمكتوبات لقاء أجرة قدرها ثلاثون ليرة. كان يقصد من وراء هذا الاستنساخ نشر الرسائل في مدينته، وارشاد اصدقائه، وبعد ذلك فتر عن العمل ولم يقم بنشر الرسائل كما هو دأبه، وذلك بسبب ما ساوره من الهواجس، فحجب نور هذه الرسائل عن الانظار فأصابته على حين غرة حادثة أليمة جداً، تجرّع من جرائها العذاب غصصاً مدة سنة كاملة، فوجد أمامه عدداً غفيراً من أعداء ظالمين بدلاً من عداوة بضعة موظفين لقيامه بنشر الرسائل، ففقد أصدقاء أعزاء عليه.

الثالث عشر: هو الحافظ خالد [12] وسيذكر لكم الحادثة بنفسه:

عندما كنت أعمل بشوق وحماسة في كتابة مسودات رسائل النور، كانت هناك وظيفة شاغرة، وهي أمامة المسجد في محلتنا. ورغبة مني - رغبة شديدة - لألبس جبتي العلمية القديمة وعمامتها فترتُ مؤقتاً عن العمل وضعفتْ همتي وشوقي في خدمة القرآن فانسحبتُ من ساحة العمل القرآني جهلاً مني، فاذا بي أتلقى لطمة ذات رأفة بخلاف ما كنت أقصده. اذ رغم الوعود الكثيرة التي قطعها المفتي على نفسه بتعييني، ورغم أني كنت قد توليت هذه الوظيفة لما يقرب من تسعة اشهر سابقاً الا انني حُرمت من لبس الجبة والعمامة، فأيقنت أن هذه اللطمة انما هي من ذلك التقصير في العمل للقرآن. اذ كان الاستاذ يخاطبني بالذات في الدرس فضلاً عن قيامي بكتابة المسودة، فانسحابي من العمل، ولاسيما من كتابة المسودة ، اوقعهم في حرج وضيق.. وعلى كل حال فالشكر لله وحده الذي جعلنا نفهم فداحة تقصيرنا ونعلم مدى سمو هذه الخدمة، ونثق باستاذ مرشد كالشيخ الكيلاني ظهيراً لنا كالملائكة الحفظة.

اضعـف العباد

الحافظ خالد

الرابع عشـر: لطمات حنان ثلاث صغيرة، أصابت ثلاثة أشخاص كل منهم يسمى مصطفى.

أولهم:مصطفى جاويش [13] كان هذا الاخ يتولى خدمة الجامع الصغير، وتزويد مدفأته بالنفط، بل حتى علبة الكبريت كان يوفرها للجامع، فخدم طوال ثماني سنوات، ويدفع كل ما تحتاجه هذه الامور من خالص ماله - كما علمنا بعدئذٍ - ولم يكن يتخلف عن الجماعة ابداً، ولاسيما في ليالي الجمع المباركة الاّ اذا اضطر

الى ذلك بعمل ضروري جداً. أخبره أحد الأيام بعض أهل الدنيا مستغلين صفاء قلبه: بلّغ  الحافظ فلاناً - وهو من كتّاب رسائل النور - لينزع عمامته قبل ان يتأذى ويجبر على نزعها، وبلّغ الجماعة ان يتركوا الآذان سراً[14]. ولم يعلم هذا الدنيوي الغافل ان تبليغ هذا الكلام ثقيل جداً على شخص مثل مصطفى جاويش من ذوي الأرواح العالية. ولكن لصفاء سريرته بلَّغ صاحبَه الخبر، فرأيت تلك الليلة في المنام ان يدي مصطفى جاويش ملطختان وهو يسير خلف القائمقام ويدخلان معاً غرفتي..! قلت له في اليوم التالي لذلك اليوم: أخي مصطفى! مَن قابلت اليوم؟ لقد رأيتك في المنام وانت ملطخ اليدين سائراً خلف القائمقام. قال: وا أسفاه، لقد أبلغني المختار كلاماً وانا بلّغته الحافظ الكاتب، ولم أعلم ما وراءه من كيد.

ثم حدث في اليوم نفسه ان جاء بكمية من النفط للمسجد. وعلى غير المعتاد فقد ظل باب المسجد مفتوحاً فدخل عناق (صغير العنز) الى حرم المسجد فلوث قريباً من سجادتي، وجاء احدهم فاراد تنظيف المكان فلم يجد غير اناء النفط،وحسبه ماءً فرشّ ما في الاناء الى أطراف المسجد والعجيب انه لم يشم رائحته. فكأن المسجد يقول بلسان حاله لـمصطفى جاويش: لاحاجة لنا الى نفطك بعد الآن، لقد أرتكبت خطأً جسيماً. واشارة لهذا الكلام المعنوي لم يشعر ذلك الشخص برائحة النفط بل لم يتمكن مصطفى من الاشتراك في صلاة الجماعة في ذلك اليوم وليلة الجمعة المباركة بالرغم من محاولاته. ثم ندم ندماً خالصاً لله، واستغفر الله كثيراً، فرجع اليه صفاء قلبه وخلوص عبادته والحمد لله.

الشخصان الآخران المسمى كل منهما بـمصطفى.

أولهم:مصطفى من قرية قوله أونلي وهو من الطلاب المجدّين، والآخر صديقه الوفي هو الحافظ مصطفى.

كنت قد بلّغت طلابي بان لايأتوا حالياً لزيارتي عقب العيد لئلا يفتر العمل للقرآن من جراء مراقبة أهل الدنيا ومضايقاتهم. واستثنيت من ذلك من كان يأتي فرداً فلابأس به،واذا بي أفاجأ بثلاثة اشـخاص معـاً يأتون لزيارتـي ليـلاً، ويزمعون السفر قبل الفجر - اذا سمـحت احـوال الجـو بالـسفر - فلم نتّخذ تدابـير الحـذر، لا أنا ولاسليمان ولامصطفى جاويش، بل نسيناها حيث ألقى كلٌ منا اتخاذها على عاتق الآخر. وعلى كل حال غادرونا قبل الفجر، فجاءتهم اللطمة بعاصفة شديدة لم نكن قد رأينا مثلها في هذا الشتاء. استمرت ساعتين متواليتين فقلقنا عليهم كثيراً، وقلنا لن ينجوا منها، وتألّمت عليهم ألماً ماتألمت على أحد مثلهم. ثم اردت ان ابعث سليمان - لعدم أخذه بالحذر - ليتلقى اخبارهم ويبلّغنا عن سلامة وصولهم. ولكن مصطفى جاويش قال: اذا ذهب سليمان فسيبقى هناك ايضاً، ولايتمكن من العودة، وسأتبعه أنا ايضاً، وسيتبعني عبد الله جاويش وهكذا.. ولهذا وكّلنا الامر الى العلي القدير قائلين جميعاً: توكلنا على الله. وفوضنا الامر اليه.

*  *  *

سؤال:

انك تعد المصائب التي تصيب اخوانك الخواص واصدقاءك تأديباً ربانياً ولطمة عتاب لفتورهم عن خدمة القرآن، بينما الذين يعادون خدمة القرآن ويعادونكم يعيشون في بحبوحة من العيش وفي سلام وأمان. فلمَ يتعرض صديق القرآن للّطمة ولايتعرض عدوه لشئ؟

الجواب:يقول المثل الحكيم: (الظلم لايدوم والكفر يدوم) فأخطاء العاملين في صفوف خدمة القرآن هي من قبيل الظلم تجاه الخدمة، لذا يتعرضون بسرعة للعقاب ويجازون بالتأديب الرباني، فان كانوا واعين يرجعون الى صوابهم.

أما العدو فان صدوده عن القرآن وعداءه لخدمته انما هو لأجل الضلالة، وان تجاوزه على خدمة القرآن - سواء شعر به أم لم يشعر - انما هو من قبيل الكفر والزندقة، وحيث ان الكفر يدوم، فلا يتلقى معظمهم الصفعات بذات السرعة، اذ كما يعاقب من يرتكب أخطاء طفيفة في القضاء او الناحية، بينما يساق مرتكبو الجرائم الكبيرة الى محاكم الجزاء الكبرى، كذلك الاخطاء الصغيرة والهفوات التي يرتكبها أهلُ الايمان وأصدقاء القرآن يتلقون على إثرها جزاءاً من العقاب بسرعة في الدنيا ليكفّر عن سيئاتهم ويتطهروا منها، أما جرائم أهل الضلالة فهي كبيرة وجسيمة الى حد لاتسع هذه الحياة الدنيا القصيرة عقابهم، فيمهّلون الى عالم البقاء والخلود

والى المحكمة الكبرى لتقتص منهم العدالة الإلهية القصاص العادل، لذا لايلقون غالباً عقابهم في هذه الدنيا.

وفي الحديث الشريف: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) [15] اشارة الى هذه الحقيقة التي ذكرناها، أي أن المؤمن ينال نتيجة تقصيراته قسماً من جزائه في الدنيا، فتكون بحقه كأنها مكان جزاء وعقاب، فضلا عن أن الدنيا بالنسبة لما أعده الله له من نعيم الآخرة سجن وعذاب. أما الكفار فلأنهم مخلّدون في النار، ينالون قسماً من ثواب حسناتهم في الدنيا، وتُمهَل سيئاتهم العظيمة الى الآخرة الخالدة، فتكون الدنيا بالنسبة لهم دار نعيم لما يلاقونه من عذاب الآخرة. والا فالمؤمن يجد من النعيم المعنوي في هذه الدنيا ما لايناله أسعد انسان. فهو أسعد بكثير من الكافر من زاوية نظر الحقيقة وكأن ايمان المؤمن بمثابة جنة معنوية في روحه وكفر الكافر يستعر جحيماً في ماهيته.

 

[1]   فمثلاً: ان الذين ساموا طلاب النور العذاب والاهانة والعنت قد نالوا جزاءهم مثلها بل ازيد منها. ــ المؤلف.

[2]   هو الشيخ سعيد المشهور بـ " بيران " كردي  من شيوخ الطريقة النقشبندية، كان جده من خلفاء مولانا خالد الشهرزوري، قاد ثورة في الاقاليم الشرقية في تركيا ضد السلطة الحاكمة لاتجاهها المعادي للدين. نشبت ثورته في 1/2/1925 وتم القضاء عليها في 15/4/1925 وقُدم الشيخ الى محكمة الثورة فاصدرت عليه وعلى سبعة واربعين  من مقربيه حكم الاعدام وتم تنفيذه عليهم في دياربكر في 29/6/1925. ــ المترجم.

[3]   المقصود المارشال فوزي جاقماق الذي كان رئيس اركان الجيش آنذاك. ــ المترجم.

[4] قضاء يبعد عن مدينة (وان) 500 كم غرباً. ــ المترجم.

[5]   اي اقامة الصلاة ورفع الاذان باللغة التركية وامثالها من البدع التي استحدثت منذ العشرينيات ودامت حتى سنة  1950.ــ المترجم.

[6]   حيث الدعاوى تختلط فيها القضايا الباطلة مع الحق. - المترجم.

[7]   بكر أفندي: من اوائل طلاب النور، ولد سنة 1898م في بارلا وتوفي في سنة 1954م في استانبول تغمده الله برحمته. ـ المترجم

[8]   وهو الذي خدم الاستاذ النورسي في منفاه »بارلا« طوال ثماني سنوات، كان مثالاً للصدق والوفاء والاخلاص. توفي في سنة 1965 رحمه الله رحمة واسعة. ـ المترجم.

[9]   الحافظ توفيق:(1887 ـ 1965م) من اوائل طلاب النور وكتابها، لقب بالحافظ لحفظه القرآن الكريم وبالشامي لطول بقائه بالشام بصحبة والده الذي كان ضابطاً هناك، وهو المشهود له بالصلاح والعلم والتقوى، لازمَ الاستاذ في بارلا وفي سجون اسكي شهر ودنيزلي. تغمده الله برحمته. ـ المترجم.

[10]   خسـرو: كان في مقدمة الذين استنسخوا المئات من الرسائل ونشروها في احلك الظروف، وقضى معظم حياته مع استاذه في سجون اسكي شهر ودنزلي وآفيون وهو الذي كتب مصحفاً بتوجيه من الاستاذ النورسي لاظهار الاعجاز في التوافقات اللطيفة لاسم الجلالة في الصفحة الواحدة. ولد في اسبارطة سنة 1899 وتوفي في استانبول سنة 1977م رحمه الله رحمة واسعة. ـ المترجم.

[11]   المعلم احمد غالب:من أوائل طلاب النور، خطاط وشاعر، له ديوان شعر مخطوط، ولد في (يالواج) سنة 1900، وتوفي في شباط 1940م رحمه الله رحمة واسعة . ـ المترجم.

 

[12]   الحافظ خالد: هو خالد عمر لطفي افندي. من اوائل طلاب النور وكتاب الرسائل. ولد سنة 1891 في بارلا توفي سنة 1946 في استانبول - رحمه الله -. اشتغل في التعليم ثم تركه واصبح اماماً في احد مساجد بارلا، ارسل له الاستاذ رسالة عزى فيها طفله (انور) الذي توفي سنة 1930 اثر اصابته بمرض السعال الديكي عن عمر يناهز الثامنة ودخلت هذه الرسالة ضمن المكتوبات ـ المكتوب السابع عشر. ـ المترجم.

[13]   مصطفى جاويش: اسمه الحقيقي خلوصي مصطفى ولد سنة 1882، خدم الاستاذ النورسي في بارلا وتوفي في شباط سنة 1939 عن  سبعة وخمسين سنة من العمر تغمده الله برحمته. ـ المترجم.

ا[14]   حيث كانوا يرفعون الاذان الشرعي سراً والاذان البدعي، اي بالتركية علناً. ــ المترجم.

[15]   رواه مسلم (برقم 2959) وابن ماجة (4113) والترمذي (2324) واحمد في مسنده (2/485) وكلهم عن ابي هريرة.