المحكمة العسكرية العرفية

باسمه سبحانه

﴿وَإنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾

 

المقدمة

حينما كانت "الحرية" قرينةَ الجنون، جَعَلَ الاستبدادُ الضعيف مستشفى المجاذيب مدرسةً لي.

وحينما كانت العدالة والاستقامة التبستا مع الرجعية، صيّر الاستبداد الشديد في المشروطية السجنَ مدرسةً لي.

فيا أيها المحترَمون الناظرون إليّ لشهادتي هذه! أرجو أن تبعثوا أرواحكم وخيالكم ضيوفاً إلى ذهنِ طالب بدوي عصبي المزاج وإلى جسده، وهو يكابد الاضطراب وقد انخرط حديثاً في المدنية، وذلك لئلا تقعوا في خطأِ تخطئةِ الآخرين.

لقد قلت في المحكمة العسكرية العرفية في أثناء حادثة (31) مارت:

إنني طالب شريعة، لذا أزن كل شيء بميزان الشريعة. فالإسلام وحده هو ملّتي، لذا أُقيّم كلَّ شيء وأنظر إليه بمنظار الإسلام.

وإنني إذ أقف على مشارفِ عالم البرزخ الذي تدعونه: "السجن" منتظِراً في محطة الإعدام، القطارَ الذي يقلّني إلى الآخرة أشجب وأنقد ما يجري في المجتمع البشري من أحوال ظالمة غدارة. فخطابي ليس موجهاً إليكم وحدكم وإنما أُوجهه إلى بني الإنسان كلهم في هذا العصر. فلقد انبعثت الحقائق من قبر القلب عارية مجردة بسر الآية الكريمة: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾(الطارق:9)... فمن كان أجنبياً غير محرَم فلا ينظر إليها. إنني متهيئ بكل شوق للذهاب إلى الآخرة، ومستعد للرحيل إليها مع هؤلاء المعلقين على المشانق. تصوروا مبلغ اشتياقي إليها بهذا المثال:

قروي مغرم بالغرائب سمع بعجائب إسطنبول وغرائبها وجمالها ومباهجها، كم يشتاق إليها؟

فأنا الآن مثل ذلك القروي، مشتاق إلى الآخرة التي هي معرض العجائب والغرائب.

لذا فإن إبعادي ونفيي إلى هناك لا يُعدّ عقاباً لي. ولكن إن كان في قدرتكم وفي استطاعتكم تعذيبي وإيقاعُ العقاب عليّ فعذِّبوني وجداناً، فما دونه ليس عذاباً ولا عقاباً بل فخراً وشرفاً.

لقد كانت هذه الحكومة تخاصم العقل أيام الاستبداد، إلاّ أنها الآن تعادي الحياة بأكملها؛ فإن كانت الحكومة على هذا الشكل والمنطق، فليعش الجنون وليعش الموت، ولتعش جهنم مثوىً للظالمين.

لقد كنت آمل أن يُهَيَّأَ لي موضعٌ لأبيّن فيه أفكاري، وها قد أصبحت هذه المحكمة العرفية خير مكان لأبث منها أفكاري.

في الأيام الأولى من التحقيق سألوني مثلما سألوا غيري:

"وأنت أيضاً قد طالبت بالشريعة"!

قلت: لو كان لي ألف روح، لكنت مستعداً لأن أضحي بها في سبيلِ حقيقة واحدة من حقائق الشريعة، إذ الشريعة سبب السعادة وهي العدالة المحضة وهي الفضيلة. أقول: الشريعة الحقة لا كما يطالب بها المتمردون.

وقالوا كذلك: هل انضممت إلى "الاتحاد المحمدي؟( )

قلت: نعم، بكل فخر واعتزاز! أنا من أصغر أعضائه، ولكن بالوجه الذي أعرّفه. أروني أحداً خارج ذلك الاتحاد من غير الملحدين.

وهكذا فأنا أنشر اليوم ذلك الخطاب لأنقذ المشروطية من التلوث، وأنجيَ أهل الشريعة من اليأس، وأخلّصَ أبناء العصر من وصم الجهل والجنون بهم في نظر التاريخ، وأنتشل الحقيقة من الأوهام والشبهات.

فها أنا أبدأ بخطابي.

أيها القادة! أيها الضباط!

إن خلاصة جناياتي التي اقتضت سجني هي:

[إذا محاسني اللاتي أدلّ بها      كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر؟].( )

وفي البداية أقول:

إن الشريف لا يتنازل لارتكاب جريمة، وإن اتُّهم بها لا يخاف من الجزاء والعقاب؛ فلئن أُعدمتُ ظلماً فإني أغنم ثواب شهيدين معاً، وإن لبثت في السجن فهو بلا ريب أفضل مكان في ظل هذه الحكومة الظالمة التي ليس فيها من الحرية إلاّ لفظها؛ فالموت مظلوماً هو خير من العيش ظالماً.

وأقول كذلك: إن بعضاً ممن جعلوا السياسة أداة للإلحاد، يتهمون الآخرين بالرجعية أو باستغلال الدين لأجل السياسة ليستروا على سيئاتهم وجرائمهم.

إن عيون السلطة وجواسيسها أشد قساوة من سابقيهم، فكيف يوثق بهم ويعتمد عليهم، وكيف نبني العدالة على أقوالهم؟

فضلاً عن أن الإنسان، إذ لا يسلَم من تقصير ونقص، بينما تراه يتحرى العدالة يقع في الظلم بالجبن والخب. ولكنّ جمعَ تقصيراتٍ متفرقة وقعت في مدة مديدة ومِن تصرفِ أشخاص كثيرين -والتي يمكن تفاديها بما يتخللها من محاسن- وتوهّمَ صدورها من شخص واحد في وقت واحد، يجعل ذلك الشخص مستحقاً لعقاب شديد. بينما هذا الأمر بحد ذاته ظلم عظيم.

والآن سنباشر بذكر جناياتي البالغة إحدى عشرة جناية ونصف جناية... وهي:

الجناية الأولى: في السنة الماضية، في بداية إعلان الحرية، أرسلتُ ما يقارب من خمسين أو ستين برقية إلى العشائر القاطنين في شرقي البلاد، وذلك بوساطة ديوان رئاسة الوزارة. كان مضمون تلك البرقيات:

"إن المسألة التي سمعتموها وهي المشروطية والقانون الأساسي ما هي إلاّ العدالة الحقة والشورى الشرعية. تلقَّوها بقبول حسن. اسعَوْا للحفاظ عليها؛ لأن سعادتنا الدنيوية في المشروطية. فلقد قاسينا الأمَرّين من الاستبداد أكثر من الآخرين".

وقد أتت من كل مكان إجابات إيجابية لهذه البرقيات. بمعنى أنني قمت بتنبيه الولايات الشرقية ولم أتركهم غافلين، يستغفلهم استبداد جديد..

وحيث إنني لم أقل مالي وللناس ارتكبتُ إذن جناية، حتى دخلتُ هذه المحكمة!

الجناية الثانية: لقد قمت بإلقاء خطب عدة على العلماء عامة وعلى كثير من طلاب الشريعة، وذلك في كل من جامع أياصوفيا وبايزيد والفاتح والسليمانية، وبيّنتُ العلاقة الحقيقية بين الشرع الحقيقي والمشروطية، وأوضحت أن الاستبداد المتعسف لا صلة له بالشريعة الغراء، وأن الشريعة قد أتت لهداية العالم أجمع كي تزيل التحكم الظالم والاستبداد كما هو مضمون الحديث الشريف "سيد القوم خادمهم"( )، وأنا على استعداد لأبرهن برهاناً قاطعاً على كل كلمة جاءت في أي خطبة كانت من الخطب التي ألقيتها لمن له أي اعتراض كان.

وقد قلت: إن المسلك الحقيقي للشريعة إنما هو حقيقة المشروطية المشروعة.

بمعنى أنني رضيت بالمشروطية بالدلائل الشرعية، وليس كما رضيَ بها بعض دعاة المدنية الغربية، إذ قبلوها تقليداً وفهموها خلافاً للشريعة. فلم أتنازل عن الشريعة ولم أعطها أنا مرة لشيء.

وحيث إنني سعيتُ لإنقاذ الشريعة وصون علمائها من شبهات أوروبا وأوهامها فقد ارتكبت إذن جريمة حتى رأيت هذا النمط من معاملاتكم معي!

الجناية الثالثة: لقد توجست خيفة من أن يُلَوَّثَ صفاءُ القلوب لدى الولايات الشرقية، فيَستغل بعضُ دعاة الأحزاب أبناءَ بلدي الذين يَقْرُبُ تعدادهم عشرين ألف شخص، حيث إنهم يعملون بالحمالة وهم ذوو نفوس طيبة ساذجة غافلة، فتجولتُ جميع الأماكن والمقاهي التي يتواجد فيها الحمالون، وبينتُ لهم المشروطية في السنة الماضية بقدر ما يستوعبونه. فقلت لهم بهذا المعنى:

إن الاستبداد ظلم وتحكم في الآخرين، أما المشروطية فهي العدالة والشريعة. فالسلطان إذا ما أطاع أوامر سيدنا الرسول الكريم وسار في نهجه المبارك فهو الخليفة، ونحن نطيعه، وإلاّ فالذين يعصون الرسول ويظلمون الناس هم قطاع طرق ولو كانوا سلاطين.

إن عدونا هو الجهل والضرورة( ) والاختلاف، وسنجاهد هؤلاء الأعداء الثلاثة بسلاح الصناعة والمعرفة والاتفاق، وسنتعاون ونتصادق يداً بيد مع الأتراك وهم إخواننا الحقيقيون الذين كانوا السبب -من جهة- لإيقاظنا من غفلتنا ودفعنا إلى سبيل الرقي.

نعم، نتعاون معهم ومع جميع من يجاورنا، لأن الخصام والعداء فساد أي فساد. فلا نملك وقتاً للخصام.

ونحن لا نتدخل بشؤون الحكومة، حيث إننا لا ندرك حكمتها.

ولقد كانت لهذه النصيحة جدوىً وأثرٌ في أولئك الحمالين الذين قاطعوا العمل في إنزال البضائع النمساوية -مثلما أقاطع البضائع الأوروبية قاطبة- حيث تصرفوا تصرفاً يتسم بالعقلانية وبعيداً عن التهور.

وحيث إنني كنت السبب في تقويم ارتباطهم بالسلطان وتسويتها وفتح حرب اقتصادية مع النمسا فقد ارتكبتُ إذن جناية حتى وقعتُ في هذه المصيبة!

الجناية الرابعة: إن أوروبا تظن الشريعة هي التي تمدّ الاستبداد بالقوة وتعينه. حاش وكلا.. إن الجهل والتعصب المتفشيين فينا قد ساعدا أوروبا لتحمِلَ ظناً خاطئاً من أن الشريعة تعين الاستبداد. لذا تألمت كثيراً من أعماق قلبي على ظنهم السيئ هذا بالشريعة، فكما أنني أكذّب ظنَّهم فقد رحّبتُ بالمشروطية باسم الشريعة قبل أي شخص. ولكني خشيت من أن يقوم استبداد آخر لتصديق هذا الظن، لذا صرخت من أعماقي، وبكل ما أوتيت من قوة في خطاب أمام المبعوثين.. في جامع أياصوفيا وقلت:

افهموا المشروطية في ضوء المشروعية وتلقَّوْها على أساسها، ولقِّنوها الآخرين على هذه الصورة، كي لا تلوثها اليدُ القذرة لاستبدادٍ جديد متستر وملحد باتخاذ ذلك الشيء الطيب المبارك تُرساً لأغراضه الشخصية. قيِّدوا الحرية بآداب الشرع لأن عوام الناس والجاهلين يصبحون سفهاء وعصاة وقطاع طرق، فلا يطيعون بعد أن ظلوا أحراراً سائبين بلا قيد و شرط. ولتكن قبلتكم في صلاة العدالة على المذاهب الأربعة كي تصحّ صلاتكم، لأنني قد أعلنت دعوىً: أنه يمكن استخراج حقائق المشروطية صراحة وضمناً وإذناً من بين المذاهب الأربعة.

وحيث إني قد أخذت على عاتقي -وأنا طالب شريعة- ما يفرض على العلماء جملةً من الوظائف والواجبات فقد اقترفت إذن جنايةً.. ولهذا تلقيت مثل هذا العقاب!

الجناية الخامسة: لقد دأبت الصحفُ على زعزعة الأخلاق الإسلامية بقياسين فاسدين وبما يوهن العزة والإقدام، حتى أهلكوا الأفكار العامة السائدة. فتصديتُ لهم بمقالات نشرتُها في الجرائد وقلت لهم:

"يا أرباب الصحف! على الأدباء أن يلتزموا بالآداب، وعليهم أن يتأدبوا بالآداب اللائقة بالإسلام، فينبغي أن تكون أقوالهم صادرة من صدورٍ لا تحيد لجهة، ومن قلوبِ عموم الناس، فيشترك معهم عموم الأمة.

ويجب تنظيم برنامج المطبوعات بما في وجدانكم من شعور ديني ونية خالصة.

بينما أنتم بقياس فاسد، (أي بقياس الريف بإسطنبول، وإسطنبول بأوروبا) أوقعتم الرأي العام والأفكار السائدة في مستنقع آسن؛ فنبهتم عروق الأغراض الشخصية والمنافع الذاتية وأخذِ الثأر، حيث يلقَّنُ الطفلُ الصغير الذي لم يدرج بعدُ في المدرسة، الفلسفةُ الطبيعية المادية. فكما لا تليق بالرجل فساتين الراقصات، فكذلك لا تطبق مشاعر أوروبا في إسطنبول. إذ اختلاف الأقوام وتخالفُ الأماكن والأقطار شبيهةٌ بتباين الأزمنة والعصور. بمعنى أن الثورة الفرنسية لا تكون دستوراً لنا. فالخطأ ينجم من تطبيق النظريات وعدمِ التفكر بمتطلبات الوقت الحاضر.

فأنا القروي الذي لا أجيد الكتابة قد قمت بإسداء النصائح إلى أمثال هؤلاء المحرِرين الحاملين لأغراض شخصية ومغالطات في رؤية الأمور التي يعملون فيها بذكائهم.. فارتكبت إذن جناية!

الجناية السادسة: لقد شعرت مراراً في اجتماعات ضخمة بالمشاعر المتهيجة لدى النــاس، فخشـيت أن يخلّ عـوام النــاس بالنظام وأمن البـلاد بمداخلتهم في الســياسة، فقمت بتهدئة تلك المشاعر الجياشة بكلام يلائم لسـانَ طالبِ علمٍ قروي قـد تعلم اللغة التركية حديثاً.

فمثلاً: في اجتماع الطلاب في جامع بايزيد، وفي المولد النبوي المقام في أياصوفيا، وفي مسرح الفرح، هدّأتُ -إلى حدٍ ما- ثورةَ الناس وغضبهم. فلولا تلك الكلمات والخطب لعصفتْ عاصفة هوجاء تعصف بهم.

فأنا البدوي الذي لم أختلط بعدُ كثيراً بالحضارة، ولعلمي بدسائس المدنيين.. قد تدخلت في أمورهم فارتكبت إذن جناية!

الجناية السابعة: لقد طرق سمعي أن جمعية باسم "الاتحاد المحمدي" قد تأسست، فتوجست خيفة شديدة، من صدور حركات خاطئة من بعضهم تحت هذا الاسم المبارك.

ثم سمعت أشخاصاً مرموقين -من أمثال سهيل باشا والشيخ صادق( )- قد حوّلوا هذا الاسم إلى شيء بسيط ويسير، إذ حصروه في العبادة واتباعِ سنن مطهرة، فقطعوا علاقتهم بتلك الجمعية السياسية، فلا يتدخلون بعدُ بالسياسة، فخشيت مرة أخرى حيث قلت: إن هذا الاسم هو حقّ المسلمين كافة، فلا يَقبل تخصصاً ولا تحديداً. فكما أني منتسب إلى جمعيات دينية عديدة من جهة -حيث قد رأيت أن أهدافها واحدة- كذلك أنتسب إلى ذلك الاسم المبارك.

ولكن الاتحاد المحمدي الذي أعرفه وانضممت إليه هو الدائرة المرتبطة بسلسلة نورانية ممتدة من الشرق إلى الغرب ومن الجنوب إلى الشمال. فالذين ينضوون تحت رايتها يتجاوز عددهم عن ثلاثمائة مليونٍ في هذا العصر، وإن جهة الوحدة والارتباط في هذا الاتحاد هو توحيد الله.

قسَمه وعهده هو الإيمان.

والمنتسبون إليه جميع المؤمنين منذ الخليقة.

وسجل أسماء أعضائه هو اللوح المحفوظ.

وناشر أفكاره جميعُ الكتب الإسلامية والصحف اليومية التي تستهدف إعلاء كلمة الله. ومحالّ اجتماعاته ونواديه هي الجوامع والمساجد والتكايا والمدارس الدينية.

ومركزه: الحرمان الشريفان.

فجمعية مثل هذه.. رئيسها هو فخر العالمين سيدنا الرسول الكريم . ومسلكها ومنهجها؛ مجاهدة كل شخص نفسَه، أي التخلق بأخلاق الرسول الكريم وإحياء السنة النبوية ومحبة الآخرين وإسداء النصح لهم ما لم ينشأ منه ضرر.

والنظام الداخلي لهذا الاتحاد: السنة النبوية.

وقانونه: الأوامر الشرعية ونواهيها.

وسيوفه: البراهين القاطعة، حيث إن الظهور على المدنيين المثقفين إنما هو بالإقناع وليس بالضغط والإجبار. وإن تحرّي الحقيقة لا يكون إلاّ بالمحبة، بينما الخصومة تكون إزاء الوحشية والتعصب.

أما أهدافه ومقاصده فهي إعلاء كلمة الله.

هذا وإن نسبة الأخلاق والعبادة وأمور الآخرة والفضيلة في الشريعة هي تسع وتسعون بالمئة بينما نسبة السياسة لا تتجاوز الواحدة بالمائة. فليفكر فيها أولياء أمورنا.

والآن فإن مقصدنا هو سَوق الجميع بشوق وجداني إلى كعبة الكمالات بطريق الرقي، وذلك بتحريك تلك السلسلة النورانية، إذ إن الرقي المادي سبب عظيم لإعلاء كلمة الله في هذا الزمان.

وهكذا فأنا أحد أفراد هذا الاتحاد ومن الساعين لرفع رايته وإظهارِ اسمه، وإلاّ فلست من الأحزاب والجمعيات التي تسبب الفرقة بين الناس.

الحاصل: لقد بايعت السلطان سليم وقَبِلت فكره في الاتحاد الإسلامي، لأن ذلك الفكر هو الذي أيقظ الولايات الشرقية، فهم قد بايعوه على ذلك.

فالشرقيون الآن هم أولئك لم يتغيروا. فأسلافي في هذه المسألة هم: الشيخ جمال الدين الأفغاني، ومفتي الديار المصرية الشيخ محمد عبده. ومن العلماء الأعلام علي سواعي(*)، والعالم تحسين(*). والشاعر نامق كمال(*) الذي دعا إلى الاتحاد الإسلامي والسلطان سليم الذي قال:

"إن مغبة الاختلاف والتفرقة يقلقانني حتى في قبري

فسلاحنا في دفع صولة الأعداء إنما هو الاتحاد

إن لم تتحد الأمة فإنّي أتحرق أسىً"

السلطان ياوز سليم

ولقد دعوت ظاهراً إلى هذا الاتحاد المحمدي من أجل مقصدين عظيمين:

المقصد الأول: إنقاذ ذلك الاسم من التحديد والتخصيص، ولأعلن شموله المؤمنين عامة كي لا يقع الخلاف والفرقة ولا تَرِد الشبهات والأوهام.

المقصد الثاني: ليكون سداً أمام افتراق الفِرَق والأحزاب الذي كان سبباً في هذه المصيبة الفائتة العظيمة،( ) وذلك بمحاولة التوحيد بينها، فيا أسفي لم يسعفنا الزمن فجاء السيل فأوقعني أيضاً.

ثم كنت أقول: لو نشبت حريق فسأحاول إطفاء جزء منها في الأقل، ولكن احترقت حتى ملابسي العلمية. وذهبتْ -برضى مني- الشهرةُ الكاذبة التي لا أستطيع تعهدها.

فأنا الذي لست إلاّ رجلاً عادياً، قد أخذتُ على عاتقي مسائلَ مهمة تقض مضاجع النواب والأعيان والوزراء، فإذن قد ارتكبت جناية!.

الجناية الثامنة: لقد سمعت أن قسماً من الجنود بدأوا ينتسبون إلى بعض الجمعيات، فتذكرتُ الحادثة الرهيبة للانكشاريين. فقلقت كثيراً واضطربت، فكتبت في إحدى الصحف:

إن أسمَى جمعية وأقدسها في الوقت الحاضر، هي جمعية الجنود المؤمنين. فجميع الذين انخرطوا في سلك الجندية المؤمنة المضحية ابتداءً من الجندي إلى القائد هم داخلون في هذه الجمعية. إذ إن أقدس هدف لأقدس جمعية في العالم هو الاتحاد والأخوة والطاعة والمحبة وإعلاء كلمة الله. فالجنود المؤمنون قاطبة يدعون إلى هذا الهدف. ألا إن الجنود هم المراكز، فعلى الأمة والجمعيات أن ينتسبوا إلى الجنود، إذ الجمعيات الأخرى ما هي إلاّ لجعل الأمة جنوداً في المحبة والأخوّة، أما الاتحاد المحمدي الذي هو شامل لجميع المؤمنين فهو ليس جمعية ولا حزباً، إذ مركزه وصفّه الأول المجاهدون والشهداء والعلماء والمرشدون.

فليس هناك مؤمن ولا جندي فدائي -سواء أكان ضابطاً أو جندياً- خارج عن هذا الاتحاد، لذا فلا داعي للانتساب إلى جمعيات أخرى. ومع هذا فلا أتدخل في أمور بعض الجمعيات الخيرة التي لها الحق في أن تطلق على نفسها الاتحاد المحمدي.

فأنا الذي لست إلاّ طالب شريعة، قد غصبتُ مهمة العلماء العظام فإذن قد ارتكبت جناية!

الجناية التاسعة: لقد شاهدت الحركة الرهيبة التي حدثت في (31) مارت لبضع دقائق. فسمعت مَطالبَ عدة؛ فكما إذا أُديرت ألوان سبعة بسرعة لا يظهر إلاّ اللون الأبيض فكذلك لم يظهر من تلك المطالب إلاّ لفظ الشريعة التي تخفف فساد تلك المطالب المتباينة من الألف إلى الواحد، وتنقذ العوام من الفوضى والاضطراب، والتي تحافظ حفاظاً معجزاً على السياسة من أن تكون لعبة بيد الأفراد. فأدركت أن الأمر ينساق إلى الفساد؛ إذ الطاعة قد اختلت، والنصائح لا تجدي؛ وإلاّ كنت أندفع إلى إطفاء تلك النار مثلما كنت أطفئ غيرها، ولكن العوام هم الأغلبية، وأصدقائي غافلون وبسطاء، وأنا أظهر بمظهر الشهرة الكاذبة.

فبعد ثلاث دقائق انسحبت ذاهباً إلى "بَاقِرْكُويْ"( ) كي أحول دون  تدخل معارفي في الأمر، وأوصيت كل من قابلني بعدم التدخل. فلو كان لي تدخّل-بمقدار أنملة- لكنت أظهر في هذا الأمر ظهوراً عظيماً حيث إن ملابسي تعلن عني، وشهرتي التي لا أريدها ذائعة بين الجميع. وربما كنت أثبِتُ وجودي بمقاومة جيش الحركة إلى أياستافانونس( ) ولو وحدي ثم أموت بشرف ورجولة. وعندئذ كان تدخلي في الأمور من البديهيات، فلا تبقى حاجة إلى التحقيق.

وفي اليوم الثاني استفسرت من الجنود المطيعين -الذين هم يمثلون عقدة الحياة لنا- فقالوا: إن الضباط قد لبسوا ملابس الجنود، فالطاعة ليست مختلة كثيراً.

ثم كررتُ السؤال: كم من الضباط أُصيبوا؟ فخدعوني قائلين: أربعة فقط، وهؤلاء كانوا من المستبدين. وسوف تنفذ آداب الشريعة وحدودها.

ثم تصفحت الجرائد ورأيت: أنهم أيضاً يرون تلك الحركة حركة مشروعة ويصورونها على هذه الصورة، ففرحت من جهة، لأن أقدس غاية لديّ هي تطبيق الأحكام الشرعية تطبيقاً كاملاً، ولكن يئستُ أشد اليأس وتألمت كثيراً باختلال الطاعة العسكرية، فخاطبتُ الجنود بلسان جميع الجرائد وقلت:

أيها الجنود! إن كان ضباطكم يظلمون أنفسهم بإثم واحد فإنكم بعصيانكم تظلمون حقوق ثلاثين مليوناً من العثمانيين وثلاثمائة مليونٍ من المسلمين، لأن شرف العثمانيين وعامةِ المسلمين وسعادتَهم ولواءَ وحدتهم قائمة -بجهة- في طاعتكم.

ثم إنكم تطالبون بالشريعة ولكنكم تخالفونها بعصيانكم هذا.

ولقد باركت حركتهم وشجاعتهم لأن الصحف التي هي لسان كاذب للرأي العام قد أظهرت لنا أن حركتهم مشروعة. فلقد تمكنت -بتقديرهم هذا- أن أُؤَثّرَ فيهم بنصيحتي. فهدّأتُ العصيان إلى حدٍ ما، وإلاّ لما كان الأمر يكون سهلاً.

فأنا الذي قد زرت مستشفى المجاذيب فعلاً، ولم أقل: مالي وللناس، فليفكر في هذا الأمرِ العقلاءُ.. فقد ارتكبت إذن جناية!

الجناية العاشرة: لقد ذهبت بصحبة العلماء يوم الجمعة إلى الجنود الذين هم في الوزارة الحربية. وقد أخضعت ثمانيةَ طوابير إلى الطاعة بخطب مؤثرة جداً. ولقد أظهرتْ نصائحي فوائدَها بعد مدة. أذكر لكم صورة خطابي:

أيها العساكر الموحدون!

إن شرف ثلاثين مليوناً من العثمانيين وثلاثمائة مليونٍ من المسلمين وكرامَتهم وسعادتَهم ورمزَ وحدتهم منوطة -من جهة- بطاعتكم. إن كانوا يظلمون أنفسهم بخطيئة واحدة فإنكم بعصيانكم هذا تظلمون ثلاثمائة مليونٍ من المسلمين. لأنكم بعصيانكم هذا تُلقون الأخوة الإسلامية إلى التهلكة.

اعلموا جيداً! أن مركز الجندي عظيم جداً، إذ هو أشبه ما يكون بالمعمل، فإذا اختل دولاب منه يختل العمل في المعمل كله. ألا إن الجنود الأفراد لا يتدخلون بالسياسة، والانكشاريون خير شاهد على هذا. إنكم تطالبون بالشريعة إلاّ أنكم تخالفونها وتلوثونها.

إنه ثابت بالشريعة والقرآن والحديث والحكمة والتجربة: أن طاعة ولي الأمر المستقيم المتدين القائم بالحق فرض. فأولياء أموركم هم ضباطكم. فكما أن مهندساً ماهراً وطبيباً حاذقاً إذا ما ارتكب الآثام لا تتضرر مهنة الطب والهندسة كذلك ضباطكم الذين هم منورو الفكر ومثقفون ومطلعون على فنون الحرب وذوو غيرة وشهامة وهم امؤمنون. فلا تظلموا العثمانيين جميعاً والمسلمين بعصيانكم لأوامرهم جراء حركة جزئية غير مشروعة تصدر منهم، ذلك لأن العصيان ليس ظلماً واحداً بل هو تجاوز على حقوق ملايين من الأفراد. أنتم تعلمون أن راية التوحيد الإلهي محمولة على يد شجاعتكم، وقوةُ تلك اليد في الطاعة والنظام، حيث إن ألفاً من المطيعين المنظَّمين يعدلون مائة ألف من السائبين. وغني عن البيان فإن ثلاثين مليوناً من العثمانيين لم يقوموا بمثل هذه الانقلابات الدموية طوال مائة سنة، فلقد قمتم بها بطاعتكم من دون إراقة دماء.

وأضيفُ أيضاً، إن إضاعة ضابط ذي حمية وثقافة ودراية يعني إضاعة قوتكم المعنوية، لأن الغالب في الوقت الحاضر هو الشجاعة الإيمانية والعقلية والعلمية. وأحياناً يعدل مثقف واحد منهم مائة من غيرهم. فالأجانب يسعون أن يغلبوكم بهذه الشجاعة، إذ الشجاعة الفطرية وحدها غير كافية.

خلاصة الكلام:

إني أبلغكم مـا أمـر بـه الرســول الأعظم وهـو: أن الطاعة فرض، فلا تعصوا ضباطكم.

فليحيا الجنود، ولتعش المشروطية المشروعة.

فأنا.. لأنني قد تجشمت أعباء هذه المهمات الجسيمة -مع وجود علماء أكفاء- قد ارتكبت إذن جناية!

الجناية الحادية عشرة: كنت ألمس الوضع الرديء لما كان يعيشه أهالي الولايات الشرقية فأدركت أن سعادتنا الدنيوية ستحصل -من جهة- بالعلوم الحديثة الحاضرة، وأن أحد الروافد غير الآسنة لتلك العلوم سيكون العلماء، والمنبع الآخر سيكون حتماً المدارس الدينية، كي يأنس علماء الدين بالعلوم الحديثة.

وحيث إن زمام الأمر في تلك البقاع التي أغلبيتها الساحقة أُميون بيد علماء الدين، فهذا الشعور هو الذي دفعني إلى المجيء إلى إسطنبول، ظناً مني أن نلقى السعادة في "دار السعادة" في ذلك الوقت، مع أن الاستبداد -الذي أصبح الآن أضراباً وتقوّى أكثر- كان يُسند إلى المرحوم السلطان المخلوع، فإنه قدّم لي مرتباً بواسطة وزير الأمن العام وفضلاً منه وكرماً، فرفضت. فقد أخطأت! ولكن خَطَئي ذلك أصبح خيراً إذ أظهر خطأ الذين يبغون مال الدنيا بالعلوم الدينية، فضحيت بعقلي، ولم أدع حريتي ولم أُحنِ رأسي لذلك السلطان الرؤوف، فتركت منافعي الشخصية؛ إذ هؤلاء يمكنهم أن يضموني إلى صفوفهم بالمحبة وليس بالاضطرار والقوة، فأنا منذ سنة ونصف السنة أسعى هنا لتنال بلادي المعارف والعلوم. وأغلب الأصدقاء في إسطنبول على علم بهذا.

فأنا الذي ابن حمال فقير، لم أتجاوز طوري وكوني ابن فقير وحمال رغم تيسر الدنيا لي، ولم أوطد علاقاتي مع الدنيا بل تركت أحب المناطق إلى قلبي وهي ذرى جبال الولايات الشرقية داعياً إلى السعادة لأمتي، فدخلت مستشفى المجاذيب والمعتقلات والسجون وعانيت التعذيب والإهانات في فترة المشروطية.. كل ذلك لأنني قد تطاولت إلى أمثال هذه الأمور حتى أوقعتني في مثل هذه المحاكم الرهيبة. فإذن قد جنيت!

نصف جناية:

انطلاقاً مـن مفهوم الحفاظ على مركز الخلافة -وهـو مركز المسـلمين وموضـع رابطتهم- والحيلولةِ دون ضياعه.. وظناً من كون حضرة السـلطان عبد الحميد الثاني على استعداد لاستيضاح الأمر والندم على أخطائه الاجتماعية السابقة.. وأخذاً بالقاعدة الجليلة ﴿وَالصُّلْحُ خَيرٌ﴾ لتخفيف الأحداث الحالية التي سارت بعنف وبذرت بذور الفتن والاضطرابات، وتحويلها إلى أفضل ما يمكن.. لأجل كل ذلك قلت بلسان الجريدة للسلطان السابق ما يأتي:

اجعل قصر يلدز، ذلك النجم المنخسف، جامعة للعلوم ليرتفع إلى الأعالي كالثريا.

وأسكن فيه أهل الحقيقة وملائكة الرحمة بدلاً من السواح وزبانية جهنم ليصبح بهيجة بهجة الجنة.

وأعد إلى الأمة ما أهدته لك من ثروات في القصر بصرفها في إنشاء جامعات دينية لتزيل الجهل الذي هو داء الأمة الوبيل.

ووطّن الثقة بمروءة الأمة ومحبتها، فهي المتكفلة بإدارتكم السلطانية. دع الدنيا قبل أن تدعك، واصرف زكاة العمر في سبيل العمر التالي. إنه ينبغي التفكر في الآخرة وحدها بعد هذا العمر.

والآن لنقارن؛ أيُّهما أفضل: أن يكون قصر يلدز موضع لهو أم جامعة علوم؟ وأن يجول فيه السواح أم يدرّس فيه العلماء ؟ يُغصب أم يُهدى؟ فليقضِ أصحاب الإنصاف في هذا.

فأنا الفقير المعدم قمت بإســداء النصيحة إلى ســلطان عظيم، قد جنيت إذن نصف جناية!

أما النصف الآخر من الجناية فلم يحُنْ وقت الإفصاح عنه.( )

وا أسفى لقد وضع المعجبون بالتطرف في هذه الحادثة سداً أمام رغبات الأمة المشتاقة إلى المشروطية المشروعة التي فيها سعادتنا ومنبعُ حياتنا الاجتماعية العطشى إلى المعارف والعلوم الحديثة المنسجمة مع الإسلام، وذلك بإلقائهم الأغراض الشخصية والفتن في المشروطية. زد على ذلك أعمال المثقفين المتسمةَ بالإلحاد وعدمِ الاكتراث بالدين.

فعلى الذين أقاموا هذا السد المنيع أن يرفعوه ويزيلوه، وهذا ما نرجوه منهم باسم الوطن.

أيها القواد والضباط!

إن الشهود على هذه الجنايات الإحدى عشرة ونصف الجناية هم ألوف، بل يمكن أن يكون نصفُ أهالي إسطنبول شهوداً على بعض الجنايات.

ولكن أطلب الإجابة عن الأسئلة الأحد عشرة ونصف. فضلاً عن رضايَ بالعقاب النازل بي على تلك الجنايات. ومع هذا فلي حسنة واحدة عوضاً عن هذه السيئات، وسأقولها.

وهي: أنني عارضت شعبة الاتحاد والترقي المستبدة هنا، تلك التي أذهبت شوق الجميع وأطارت نشوتهم وأيقظت عروق النفاق والتحيّز وسببت التفرقة بين الناس وأوجدت الفِرَق والأحزاب القومية، وتسمّت بالمشروطية، بينما مثّلت الاستبداد في الحقيقة، بل حتى لطخت اسم الاتحاد والترقي.

إن لكلٍّ فكرَه، وأنا حرّ في إبداء الفكر. فالصلح العام والعفو العام ورفعُ الامتيازات ضروري، لئلا يتولد النفاق من استخفاف أصحاب الامتياز الآخرين.

وأقول بلا فخر: نحن المسلمين الحقيقيين ننخدع ولكن لا نخدع، ونترفع عن الخداع لأجل حياة دنيوية. لأننا نعلم "إنما الحيلة في ترك الحيل". ولكن لأنني قد عاهدت المشروطية الحقيقية المشروعة سأصفع الاستبداد إن قابلتُه في أي لباس كان، حتى لو كان لابساً ملابس المشروطية أو تقلّد اسمها. وفي اعتقادي أن أعداء المشروطية هم أولئك الذين يشوّهون صورتها بإظهارها مخالِفة للشريعة وأنها ظالمة، فيُكثرون بهذا أعداءَ الشورى أيضاً. علماً أن القاعدة هي: "لا تتبدل الحقائق بتبدل الأسماء".

وحيث إن أعظم الخطأ هو ظن المرء أنه لا يخطأ، فإني أعترف بخَطَئِي وهو: أنني أردت نصح الناس قبل أن آخذ بنصيحتهم، وسعيت في إرشاد الآخرين قبل إرشاد نفسي، فهوّنت بهذا شأن الأمر بالمعروف حتى أصبح لا يجدي.

ثم إنه ثابت بالتجربة أن العقاب يأتي نتيجة ذنب، إلاّ أنه أحياناً ينزل العقاب ولمّا يُرتكب ذلك الذنب إلاّ أنه أظهر نفسه في صورة ذنب آخر. فذلك الشخص رغم أنه بريء من هذا الذنب إلاّ أنه يستحق العقاب لذنب آخر خفي. فالله سبحانه ينزل به المصيبة فيلقيه في السجن لذنب خفي، فيعدل. بينما الحاكم يظلم لعدم ارتكاب الشخص ذلك الذنب، ولخفاء الذنب الخفي عنه.

فيا أولي الأمر!

كانت لي كرامة وعزة، وكنت أرغب أن أخدم بها الأمة الإســــلامية، إلاّ أنكم أهنتموها.

وكنت أملك شهرة كاذبة -دون رغبتي- وأُجري نصحي بها إلى العوام، فأفنيتموها مشكورين.

والآن ظلت لدي حياة ضعيفة مللت منها، فليهلكني الله إن صُنتها خوفاً من الإعدام، ولا أكون شريفاً إن لم أقدم على الموت ببشاشة.

إن الحكم عليّ صورةً يورث الحكم عليكم وجداناً، وهذا لا يضرني بل هو رفعة وشرف لي، ولكنكم تُلحقون الضرر بالأمة، لأنكم تزيلون تأثير نصائحي، فضلاً عن إضراركم بأنفسكم، حيث أكون حجة قاطعة بيد عدوّكم.

فلقد وضعتموني على المحك، تُرى لو وُضعت ما تسمونه بالفرق الخالصة (الأحزاب) على مثل هذا المحك كم سيسلم منهم؟

إن كانت المشروطية تعني مخالفة الشريعة واستبداد جماعة معينة، [فليشهد الثقلان أني مرتجع] ( ).

ذلك لأن الاتحاد القائم على الكذب كذب أيضاً، والمشروطية القائمة على أسس فاسدة ومفسدة مشروطية فاسدة، إذ المشروطية الحقة التي لها الدوام والبقاء هي المشروطية القائمة على الحق وعلى الصدق وعلى المحبة وعلى أساس عدم الامتيازات.

إنني أنبّه إلى هذا وكلي أسف وقلق:

مثلاً: عالم جليل تحجزه صفة العلم عن الفساد، ولكن يُقرن ذكر الفساد الناشئ من تهوره كلما ذكر علمه، ومن ثم تُمسّ صفة العلم بسوء. ألا يومئ هذا إلى العداء للعلم؟ كذلك حينما زَرعت الفرقاء بذور التفرقة والفتن -خلافاً للشريعة- وأطلقت مليوناً من الطلقات عبثاً، وظلت السياسة والنظام العام بيد أفراد اعتياديين وعمّت الفوضى في الأوساط .. وما هدأ ذلك الطوفانَ العارمَ إلاّ معجزةُ الشريعة حتى مرّ بسلام من دون إراقة دم. بمعنى أن الاسم السامي للشريعة المطهرة والاتحاد المحمدي أنزل تأثير ذلك الفساد الرهيب من الألف إلى الواحد.

فبينما الأمر هكذا فإن ذكر ذلك الاسم الطاهر (الشريعة)، مقروناً بأصحاب الفتن وجَعْله تُرساً لهم هو مسّ لنقطة خطرة جداً، بل هو تعرض لعقدة الحياة، بحيث يرجف من هوله كل صاحب وجدان سليم وتذهب نفسه حسرات عليه.

إن الذي يستطيع أن يتصور أنه بالإمكان جعل الثريا مكنسة وإطفاؤه بالنفخ، لا يعلن إلاّ عن بلاهته!

فلو أن مَلَكاً في جو السماء، في زحل مثلاً، أمسك بيده ميزاناً يزن جبل آرارات وجبل سبحان، وأضيف إلى جبل آرارات وزنٌ بقدر درهم، فالمشاهدون القاصرو النظر عندما يرون نزول كفة آرارات إلى الأرض وصعودَ كفة سبحان إلى السماء، يُسندون الأمر والثقل إلى ذلك الوزن البسيط بقدر درهم!

وهكذا فالكرامة العسكرية والحمية الإسلامية والشريعة المحمدية شبيهة بتلك الجبال الشامخة، أما الأسباب الخارجية فهي بوزن درهم فحسب. فاتّخاذ هذه الأسباب التافهة أساساً في الأمور دليل على الجهل بشأن الإنسانية والإسلام، بل تهوين بهما.

سوف أقول الحقيقةَ فقط، ولن أجانب الحق أبداً، ذلك لأن مقام الحق سامٍ ولن أُضحي به لأجل أحد، لذا لن تَصرفني عن ذكر الحق لومة لائم.

إن ما يسمى بحادثة 31 مارت، ذلك الطوفان الرهيب والصاعقة المحرقة، قد هيأت -تحت أسباب اعتيادية- استعداداً طبيعياً بحيث ورد -من عند الله- على لسان القائمين بها اسم الشريعةِ المظهرةِ معجزتَها دوماً رغم أن نتائج تلك الحادثة كانت الهرج والمرج.

ولأن اسم الشريعة جعل ذلك الطوفان يمر بسلام فإنه يُدين -أمام الله- تلك الصحفَ التي أَطلقت لسانها بالسوء بعد منتصف نيسان.

فإذا ما أُخذ بنظر الاعتبار الأسبابُ السبعة والأحوال السبع التي أدت إلى تلك الحادثة تظهر الحقيقة بجلاء وهي الآتية:

1- لقد كان تسعون بالمائة من هذه الحركة موجهة ضد الاتحاد والترقي وضد استبدادهم ودكتاتوريتهم.

2- كما كانت ترمي إلى تبديل الوزراء الذين كانوا محل نقاش وجدال بين الفرقاء والأحزاب.

3- إنقاذ السلطان المظلوم من الخلع الذي قد تقرر وصُمّم عليه.

4- منع التعليمات وإنهاء التلقينات التي لا تليق بالآداب العسكرية والدينية.

5- الكشف عن قاتل السيد "حسن فهمي"(*) بعد أن تم تضخيم موضوع اغتياله.

6- تسوية موضوع الضباط "الآلايلي"( ) الذين أُخرجوا من الخدمة العسكرية وإنصافُهم.

7- الوقوف تجاه تعميم مفهوم الحرية على التصرفات السفيهة، أي تحديد معنى الحرية بالآداب الشرعية، ثم القيام بتطبيق الحدود الشرعية التي لا يَفهم العوام منها سوى القصاص وقطع اليد.

بيد أن الأرضية الآسنة كانت مهيأة، والخططَ والمنزلقات كانت جاهزة حتى ذهبت الطاعة العسكرية السامية جداً ضحية بها.

إن أس أساس الأسباب هو المناقشات العنيفة المتحيّزة للفرقاء وغلوُّ الصحف في المجادلات المبالغِ فيها بالكذب عوضاً عن بلاغة الكلام. وكما أن دوران القرص الملون لا يُظهر إلاّ اللون الأبيض فالشريعة الغراء هي التي تجلت من بين هذه المطالب السبعة المذكورة فسدّت طريق الفساد.

الحاصل:

لقد عمت الفوضى والإرهاب في الأوساط بما نشرته الصحف من مقالات محرضة، وشروعِ الفرقاء بتسجيل أسماء الفدائيين، وسيطرةِ الأشخاص الذين قادوا الانقلاب، وسريانِ الحرية المطلقة إلى الجنود بما ينافي الطاعة العسكرية، وتلقينِ بعض المهملين الجنود ما يظنونه مخالفاً للآداب الدينية. وبعد أن انفرط عقد الطاعة زرع المستبدون والمتعصبون الجهلاء -والذين تنقصهم المحاكمة العقلية في الدين- البذورَ في ذلك المستنقع الآسن -بظن الإحسان- وظلت السياسة العامة للدولة بيد الجهلاء وأطلق ما يقارب المليون من الطلقات في الهواء وتدخلت الأيادي الداخلية والخارجية. فبينما الأمر الطبيعي أن تؤدي هذه الحادثة إلى الهرج والمرج وتدخُّل الأجانب في البلاد، إلاّ أن اسم الشريعة -بفضل الله- أرجع الأرواحَ الخبيثة الناتجة من تلك الأسباب المذكورة إلى أوكارها، فظهرت معجزة أخرى بعد ثلاثة عشر قرناً.

ثم إن الصوت المدويّ للجيش والعلماء في ذلك الانقلاب العظيم الفائت والقائل بـ: "أن المشروطية مستندة إلى الشريعة" سرى سريانَ التيار الكهربائي في وجدان المسلمين عامة، فخرق ذلك الانقلابُ القاعدةَ الطبيعية للانقلابات وأظهر التأثير المعجز للشريعة الغراء، وسيظهره دوماً.

إنني أعترض على أساس فكر الصحف التي ظهرت بعد منتصف نيسان وذلك: أنهم أوجدوا منفذاً ومبرراً للتضحية بالعزة والكرامة والطاعة العسكرية -التي هي أسمى من الحياة بل تُضحّى لأجلها الحياة- في سبيل أعمال غير مشروعة، وأفعال خسيسة خادمة للحياة نفسها لدى أهل الوجدان.

ثم إنهم ظنوا أن شمس الشريعة التي تنجذب إليها الحقائق والأحوال وترتبط بها، تابعة للسلطة أو منقادة للخلافة أو أداة لأية سياسة أخرى، فأظهروا -ما اعتقدوه- أن الشمس المنيرة تابعة لنجم منخسف.

أقول بكل ما أملك من قوة: إنه لا رقي لنا إلاّ برقي الإسلام الذي هو مليتنا، ولا رفعة لنا إلاّ بتجلي حقائق الشريعة، وبخلافه نكون مصداقاً للمثل القائل: "أضاع المِشْيَتَيْنِ".

نعم، علينا أن نستشعر بشرف الأمة وعزتها وثواب الآخرة وبشأن المجتمع، وقيمته، والحمية الإسلامية، وحب الوطن وبحب الدين... ففي المضاعفات قوة أية قوة.

أيها القادة والضباط!

أطالبكم بإنزال العقاب على جناياتي، وبالإجابة حالاً عن أسئلتي الآتية، فإن الإسلام هو الإنسانية الكبرى وإن الشريعة الغراء هي المدنية الفُضلى، لذا فالعالم الإسلامي أهلٌ ليكون المدينةَ الفاضلة التي تصورها أفلاطون.

السؤال الأول:

ما جزاء المنخدعين بالصحافة والمنجرفين مع التيار العام المتولد حالياً من العادات والتقاليد التي يرونها مشروعة؟

السؤال الثاني:

ما جزاء من يتعرض لإنسان تشكّل في صورة ثعبان، ولوليّ صالح تقمص صفة شقيّ، وللمشروطية التي لبست لباس الاستبداد، وما هم في الحقيقة سوى ثعابين وشقاة ومستبدين؟

السؤال الثالث:

هل يكون المستبد شخصاً فرداً واحداً؟ أم يمكن أن يكون أشخاص عديدون مستبدين؟ وأرى أن القوة يجب أن تكون في القانون، وإلاّ فسيتوزع الاستبداد ويشتد أكثر بالمنظمات.

السؤال الرابع:

أيّهما أضرّ: إعدام بريء أم العفو عن عشرة جناة؟

السؤال الخامس:

أفلا يزيد من سبل النفاق والتفرقة تشديدُ الخناق على أرباب المسالك والفكر، علماً أنه لا يغلبهم؟

السؤال السادس:

أيمكن بغير رفع المحسوبية والامتيازات حصولُ اتحاد الأمة الذي هو معدن حياتنا الاجتماعية؟

السؤال السابع:

إن الإخلال بالمساواة، وتخصيصها لبعض الأفراد فحسب، وتنفيذَ القانون بحقهم وإن كان يوحي ظاهراً بالعدالة، إلا أنه يولد الظلم والنفاق في جهة أخرى، فضلاً عن أن براءة أغلب المسجونين قد توضحت بالإفراج عن ثمانين بالمئة منهم، وهم بريئون.

إنني لا أوجه الكلام هنا إلى المحكمة العسكرية، بل على المخبرين أن يتدبروا في الأمر.

السؤال الثامن:

إذا عَدّت فرقة معينة نفسها صاحبة امتيازات على الآخرين، وألجأت الناس إلى الظهور بمظهر المخالف للمشروطية، وذلك بكثرة تعرّض تلك الفرقة لهم وجرحها لمشاعرهم، فعلى من يقع الذنب لو تعرض الجميع للاستبداد العنيد المتستر تحت اسم المشروطية، التي تقلدته تلك الفرقة؟

السؤال التاسع:

على من تقع المسؤولية فيما لو ترك بستاني باب البستان مفتوحاً، ودخل فيه من دخل، ثم ظهر حدوث السرقات؟

السؤال العاشر:

لو مُنِحَ الناسُ حريةَ الفكر والكلام، ثم حوسب شخص على كلامه أو فكره، أفلا يكون ذلك خطة مدبّرة لدفع الأمة المنكوبة إلى النار؟

السؤال الحادي عشر:

نرى الجميع يعاهدون المشروطية ويقسمون بها، بينما المعاهد هو نفسه مخالف لمسمّى المشروطية أو ساكت عن مخالفيها. ألا يحتاج ذلك إلى كفّارة اليمين؟ ألا تكون الأمة إذن كاذبة؟ أفلا يعتبر إذن الرأيُ العام النزيه كاذباً ومعتوهاً؟

حاصل الكلام: إن المهيمن على الوضع الحاضر استبداد شديد وتحكم صارم، وذلك من حيث الجهل المتفشي. وكأن الاستبداد والتجسس قد تناسخاً روحاً. والذي يبدو أن الغاية ما كانت استردادَ الحرية من السلطان عبد الحميد، بل تحويل استبداد ضعيف وضئيل إلى استبداد شديد وقوي.

نصف سؤال:

شخص ضعيف رقيق يحاول جاهداً دفع أذى البعوض والزنابير عنه لعدم تحمله لها، أفيمكن أن يقنع أحدُهم أحمقَ بقوله: إن هذا يقصد بعمله هذا تسليط أسد هصور على نفسه وليس دفع البعوض والزنابير؟

النصف الآخر من السؤال: لم يؤذن له.

أيها القواد والضباط! أقول بكل قوتي:

إنني مصرّ إصراراً جادًا على جميع الحقائق التي نشرتها في الصحف في مقالاتي كلها. فإن دعيت من قِبَل الماضي، من قِبَل محكمة العصر النبوي السعيد، باسم الشريعة العادلة فسأبرز الحقائق التي نشرتها بعينها، لا أغيّر منها شيئاً، سوى ما يستوجبه هذا الزمان من زيّ. وإن دعيت من قبل المستقبل، من قبل محكمة العقلاء الناقدين باسم التاريخ لِمَا بعد ثلاثمائة سنة. فسأبرز هذه الحقائق أيضاً، إلاّ ما تحتاج من ترميمِ بعض جوانبها المتشققة.

بمعنى أن الحقيقة لا تتحول إلى أمر آخر، فالحقيقة حق، و"الحق يعلو ولا يعلى عليه"( ) والأمة صاحية، بل لو أُغفلت بالمغالطة والخداع، فلا يدوم ذلك.

أما الخيال الذي ظُن حقيقة فعمره قصير، وستَتَشتت تلك الأفكارُ المضللة أمام فوران الرأي العام وتَبرز الحقيقة ناصعة إلى الميدان، إن شاء الله.

بس كنم جون زير كانرا إين بس است     بانك ده كروم أكر در ده كس است ( )

على الرغم من أن الوضع في سجنكم معذِّب والزمانَ رهيب والمكانَ موحش والسجناء مستوحشون والصحفَ تنشر الأراجيف والأكاذيب، والأفكار مشوشة والقلوب كسيرة حزينة والوجدان متألم ويائس والموظفين متشائمون من الوضع والحراسَ مزعجون.. أقول: على الرغم من كل هذا، فإن الوضع كان لي موضعَ سرور، لأن ضميري لم يكن يعذبني، بل كلما تنوعت المصائبُ ترنمت بنغمات متنوعة أيضاً.

نعم، لقد أكملتُ هنا -في السجن- الدرسَ الذي تلقيتُه السنةَ الماضية في مستشفى المجاذيب حيث تلقيت دروساً مطولة لطول زمن المصيبة، إذ كان الحزن البريء المظلوم الذي هو لذة روحانية للدنيا علّمني الشفقة على الضعفاء وشدةَ النفور من الظلم والغدر.

إنني على أمل عظيم أن الآهات والزفرات الساخنة المتبخرة من قلوب الأبرياء الكسيرة ستشكل سحابةَ رحمةٍ، وقد بدأت فعلاً هذه السحبُ بتشكيل دول إسلامية حديثة في أرجاء العالم الإسلامي.

إن كانت المدنية الحاضرة هي التربة الخصبة لإنماء مثل هذه التصرفات التي تمس الكرامة الإنسانية وتعتدي عليها.. وهذه الافتراءات التي تؤدي إلى النفاق.. وهذه الأفكار التي تغذي الحقد والانتقام.. وهذه المغالطات الشيطانية والتحلل من الآداب الدينية.. إذا كانت هذه هي المدنية، فليشهد الجميع بأنني أفضّل قمم الجبال الشاهقة في الشرق، وأفضّل حياة البداوة في تلك الجبال في بلدي حيث الحرية المطلقة على موطن النفاق الذي تسمّونه أنتم قصرَ المدنية.

إن حرية الفكر وحرية الكلام وحسن النية وسلامة القلب التي لم أشاهدها في هذه المدنية الدنية، مستولية على جبال شرقي الأناضول بكل معانيها.

وحسب علمي أن الأدباء يكونون متأدبين، إلاّ أنني أجد بعض الصحف الخارجية خالية من الأدب وناشرة للنفاق. فإن كان هذا هو الأدب، والآراء العامة مختلطة إلى هذا الحد، فاشهدوا أني تخليت عن هذا الأدب، ولست داخلاً فيهم أيضاً. وسأطالع الأجرام السماوية واللوحات السماوية النيرة على ذرى جبال موطني، قمة باشت،( ) بدلاً من مطالعة هذه الصحف.

"إن عالم فيضنا نزيه من عيوب الأماني الخادعة.

فقد كُتب علينا الترفع عن زينة الذهب والفضة منذ الأزل.

وجفونا نشوة الآمال وطولها.

عشقنا عشق مجنون لليلى، ولكن أغنانا حتى عن وصالها".

[ولولا تكاليفُ العلا ومقاصد         عوالٍ وأعقاب الأحاديث في غدٍ

لأعطيت نفسي في التخلي مرادها     وذاك مرادي مذ نشأت ومقصدي( )

وأكتم أشياء ولو شئت قلتها          ولو قلتها لم أُبق للصلح موضعا] ( )

 

 

تنبيه

إن الذي يسوقكم إلى التأمل هو طرح الأسئلة على المدنية.

نعم، إنني أفضّل البداوة على هذه المدنية الممزوجة بالاستبداد والسفاهة والذل. إن هذه المدنية تجعل الأشخاص فقراء وسفهاء وسيئي الأخلاق، بينما تسعى المدنية الحقيقية لترقية النوع الإنساني وتدفعه إلى التكامل، وتخرج ماهيته النوعية من القوة إلى الفعل، لذا فإن طلب المدنية والسعي لها انطلاقاً من هذه الزاوية يعدّ سعياً نحو الإنسانية.

ثم إن سبب افتتاني بمحبة معنى المشروطية هو أن المدخل الأول لتقدم آسيا والعالم الإسلامي في المستقبل هو المشروطية المشروعة والحرية التي هي ضمن نطاق الشريعة. وأن مفتاح حظ الإسلام وسعده ورقيه موجود في الشورى التي في المشروطية. حيث قد انسحق -لحد الآن- ثلاثمائة مليون من المسلمين تحت أقدام الاستبداد المعنوي للأجانب.

وحيث إن الحاكمية الإسلامية مهيمنة الآن في العالم ولاسيما في آسيا، فإن كل مسلم يكون مالكاً لجزء حقيقي من الحاكمية. وإن الحرية هي العلاج الوحيد لإنقاذ ثلاثمائة مليون من المسلمين من الأسر. فحتى لو تضرر هنا -بفرض محال- عشرون مليوناً من الناس في أثناء إرساء الحرية، فليكن ذلك فداءً، إذ نأخذ ثلاثمائة بدفع عشرين.

وا أسفى! إن العناصر والقوميات الموجودة عندنا مختلطة اختلاط أجزاء الهواء، ولم تمتزج امتزاج أجزاء الماء. وستمتزج تلك العناصر والقوميات بالإسلام الذي يفعل فعل التيار الكهربائي فيهم. وسيأتي بإذن الله مزاج العدالة المنصفة المتولدة من حرارة نور المعارف الإسلامية.

فلتعش المشروطية المشروعة، ولتدم الحرية النيّرة المسترشدة بتربية حقيقة الشريعة.

غريب زمان الاستبداد

بديع زمان المشروطية

وبدعة هذا الزمان

سعيد النورسي

 

خاتمة

أعتقد أن البحث يظل ناقصاً إن لم أوجه بضع كلمات إلى مُواطنيّ وإخواني.

يا أبناء وطني وإخواني! يا أحفاد الجنود الأشاوس لجيوش آسيا البسلاء للقرون الماضية، كفاكم نوماً لخمسمائة سنة. تيقظوا فلقد أذن الصباح. وإلاّ فستنهبكم الغفلة وأنتم تغطون في نوم عميق في صحراء الجهل القاحلة.

إن الحكمة الإلهية التي هي نظام العالم والمؤسِّسة للقانون الإلهي النوراني الساري في أرجاء العالم كله قد رَفعت إصبع القدر منذ الأزل تأمركم: حافِظوا على الموازنة العامة، بتوحيدِ ومزجِ حميتكم وقوتكم الضائعتين بالتفرقة -ضياعَ قطرات الماء المتناثرة- بالفكر الملي، أي الملة الإسلامية، مكوِّنين بذلك جاذبةً وطنية عظيمة من جاذبات الذرات الجزئية. فتنجذب هذه الكتلة العظيمة وتدور كالكوكب المنير في موكب الجماهير المتحدة الإسلامية الممثلة لشوكة شمس الإسلام العظيم.

ثـم إن الحريــة الشــرعية التي هي حقيقة اجتماعية قـد انتصبت على ذرى المسـتقبل شامخة شموخ جبل سـبحان و آرارات، هذه الحرية المسـتندة إلى الشـريعة تحذركم من الانصياع إلى النفس الأمارة بالسوء ومن التجاوز على الآخرين. وإنها لتهتف بكم وبأمثالكم من الغافلين المتفرقين في أودية الماضي السحيقة: أنْ اهجموا على الجهل والفقر بالعلم والصنعة.

ثم إن الحاجة التي هي أم المدنية وأم الاختراع والرقي قد رفعت يدها لتنزلها عليكم صفعة، فتأمركم: إما أن تعطوا حياة حريتكم في صحراء الجهل هذه إلى الناهبين أو عليكم أن تهرعوا إلى كعبة الكمالات بركوبكم منطاد العلم وقطار الصنعة في ميدان المدنية لاستقبال المستقبل الزاهر مستردين أموال الاتفاق التي اغتصبها الأجنبي.

ثم إن الملية الإسلامية التي نَصبت خيمتها في وديان الماضي وصحارى الحاضر وشـواهق المستقبل واستظل بها أجدادكم من أمثال صلاح الدين الأيوبي(*) وجلال الدين خوارزم شــاه(*) والسـلطان سليم وخير الدين بارباروس(*) ورستم زال(*) وما شابههم من القواد الدهـاة الذيـن تشرف كلٌ بمنزلة الآخر فعاشـوا معاً كعائلة واحدة.. هذه الملية الإســلامية وهي مثــال الحيــاة الرفيعة.. تأمركم أمراً جازماً:

بأنّ على كل واحد منكم أن يكون مرآة عاكسة للإسلام وحامي ذماره، ومثالاً مشخَّصاً للأمة الإسلامية، إذ الهمة تتعالى بعلو المقصد، والأخلاقُ تتسامى وتتكامل بغليان الحمية الإسلامية.

ثم إن المشروطية المشروعة التي هي سبب من أسباب سعادة البشر الدنيوية نجّت الإرادة الجزئية التي هي القوة الدافعة لماكنة الحياة، من تسلط الاستبداد بضمانها سيادة الأمة. هذه المشروطية التي اختمرت بخميرة الشورى الشرعية تدعوكم إلى الاختبار والامتحان، وتريد أن تراكم أنكم قد بلغتم سن الرشد فلا تحتاجون إلى وصاية، فهيئوا أنفسكم للامتحان. وأثبتوا وجودكم بالاتحاد، وبينوا لها أن فكركم ووجدانكم الشخصيَيْنِ هما كقلب الأمة وعقلها المشترك بالحمية الدينية الملية. وبخلافه ستلغي أمركم ولا تمنحكم شهادة الحرية.

نعم، إن الاضطرابات التي حدثت فيما بينكم في صحارى الماضي من جراء ما يحمله كل منكم من حب السيادة والأنانية والفكر الشخصي ستنقلب -بإذن الله- إلى فكر الإيجاد والسعي الدؤوب ومفهوم الحرية. بل أستطيع أن أقول: يا مواطني في الولايات الشرقية: إن مدارسكم الصاخبة أشبه ما تكون بالبرلمان العلمي لكثرة ما فيها من مناقشات بالنسبة للمدارس الهادئة الأخرى.

ثم أنتم شافعيون، فقراءتكم خلف الأمام، وفطرتكم وأصول مدرستكم تدفعكم إلى السعي والمحاولة الشخصية، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾(النجم:39).

ثم إن الجسارة وشرف الأمة الإسلامية وعزتها -وهي أساس كل كمال وحاميه- تأمركم قائلة: مثلما ترقيتم في مضمار الشجاعة المادية بتعلمكم العلوم والمعرفة من كتابات سيوفكم وفتحتم مجرىً من الدماغ إلى القلب مزجاً العقل بالقوة، فافتحوا الآن منفذاً من القلب إلى الفكر، وابعثوا القوة مدداً للعقل، وأرسلوا العواطف ظهيراً للفكر، لئلا تنهب شرف الأمة الإسلامية في ميدان المدنية. اجعلوا سيوفكم من جواهر العلم والصنعة والتساند الذي يأمركم به القرآن الكريم.

سعيد النورسي

 

خطاب إلى الحرية

أيتها الحرية الشرعية!

إنكِ تنادين بصوت هادر، ولكنه رخيم يحمل بشارة سارة، توقظين بها كردياً بدوياً مثلي نائماً تحت طبقات الغفلة، ولولاكِ لظللتُ أنا والأمة جميعاً في سجن الأسر والقيد. إنني أُبشرك بعمر خالد؛ فإذا ما اتّخذتِ الشريعةَ التي هي عين الحياة، منبعاً للحياة، وترعرعتِ في تلك الجنة الوارفة البهيجة، فإنني أزف بشرى سارة أيضاً بأن هذه الأمة المظلومة ستترقى ألف درجة عما كانت عليه في سابق عهدها. وإذا ما اتخذتك الأمة مرشدة لها، ولم تلوّنك بالمآرب الشخصية وحب الثأر والانتقام، فقد أخرَجَنا إذن مَن له العظمة والمنة من قبر الوحشة والاستبداد، ودعانا إلى جنة الاتحاد والمحبة.

فيا رب ما أسعد هذه القيامة والنشور! وما أجمل هذا الحشر العظيم المصوّر لنا حقيقة "البعث بعد الموت" في هذا الزمان، يصورها تصويراً مصغراً، وذلك كالآتي:

لقد دبّت الحياة في المدنية القديمة المدفونة في زوايا آسيا وروم إيلي.( ) والذين يتحرون نفعهم في ضرر العامة، ويتمنون الاستبداد، بدأوا يقولون: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ (النبأ:40).

إن حكومتنا الجديدة، حكومة المشروطية، قد ولدت أشبه ما يكون بالمعجزة، لذا سننال في غضون سنة واحدة بإذن الله سر من يكلم الناس في المهد صبياً.

إن ثلاثين سنة قضيناها صائمين عن الكلام متجملين بالصبر والتوكل على الله، سننال ثوابه بانفتاح أبواب جنة الرقي، أبواب المدنية التي لا عذاب فيها.

إن القانون الشرعي الذي هو براعة الاستهلال لحاكمية الأمة، شبيه بخازن الجنة، يدعونا إلى الدخول فيها.. فهيا يا إخوة الوطن لنذهب معاً، وندخلْها معاً، فإن بابها الأول: اتحاد القلوب. والثاني: محبة الأمة . والثالث: المعارف. والرابع: السعي الإنساني. والخامس: ترك السفاهة. وأحيلُ إلى أذهانكم بقيةَ الأبواب. علماً أن إجابة الدعوة واجب شرعي.

ولأن فاتحة هذا الانقلاب العظيم بدأت أشبه بالمعجزة، فإن ذلك فأل حسن بأن تكون خاتمته أيضاً حسنة. وكالآتي:

إن هذا الانقلاب سيكسر أغلال الفكر البشري الثقيلة، وسيهدم السدود المانعة للرقي، وينجي الحكومة من ورطة الموت، ويظهر جوهر الإنسانية ويحررها مرسِلاً إياها إلى كعبة الكمالات.

نعم، إن هذا الفأل الحسن يبشرنا بأن خاتمة هذا الانقلاب ستكون بانقشاع ذلك السحاب المتراكم القاتم، بالرغبة العامة لدى الناس، وبشعورهم بالضرر المادي لسيئات المدنية الملوّنة بألوان السفاهات والإسرافات والملذات غير المشروعة.. وغيرها من الأمور التي دفعت دولة المدنية إلى الانقراض كانقراض الحكومة المستبدة. وعندها ستشرق شمس الشريعة وقمر المدنية في جو السماء الصافي بأسطع ما يكون، فتُنَوران آسيا وروم إيلي، وستنمو بذور الاستعدادات والقابليات بهطول أمطار الحرية، فتتزين عندئذ الأرض بأوهى حللها الملونة.

نعم، إنه معجزة نبوية وعناية إلهيةٌ للأمة المظلومة، وكرامة النية الخالصة للمجتمع كافة.

إن هذا الاتحاد، اتحادُ القلوب والمحبة الموجهة للأمة كافة،وهي معدن السعادة والحرية، قد أنعم بها المولى الكريم علينا مجاناً، بينما الأمم الأخرى قد ظفروا بها بعد دفع الملايين من جواهر النفوس الغالية.

إن صدى الحرية والعدالة ينفخ نفخ إسرافيل فيبعث الحياة في مشاعرنا المدنية وآمالنا الخامدة ورغباتنا القومية الرفيعة وأخلاقنا الإسلامية الحميدة، حتى يرن صماخ الكرة الأرضية المجذوبة جذبة المولوي، ويهيج الأمة جميعاً ويهزها هزّ المجذوب.

وإياكم يا إخوان الوطن أن تقضوا عليها بالموت مرة أخرى بالسفاهات والإهمال في الدين.

إن القانون الأســاسـي المؤسس على هذه الشــريعة الغراء قـد أصـبـح ملك الموت لقبض أرواح جميع الأفكار الفاسدة والأخلاق الرذيلة والدسـائس الشـيطانية والتزلفات الدنيئة. فيا إخوة الوطن! لا تعيدوا  الحياة لتلك الرذائل بالإسرافات ومخالفة الشريعة والملذات المحرمة.

 

فلقد كنا إذن في القبر، وبليت عظامنا، والآن دخلنا في رحم الأم باتحاد الأمة والمشروطية.

إن مائة ونيفاً من السنين التي تأخرنا فيها عن مضمار الرقي والتقدم سنتجاوزها بإذن الله تعالى، بمعجزة نبوية، مستقلين -عملاً- قطار القانون الأساسي الشرعي وممتطين -فكراً- بُراق الشورى الشرعية.

وسنكون في صف الأمم المتمدنة، بطيّنا هذا الزمان القاصر الشبيه بالصحراء الكبرى الموحشة. بل نتسابق معهم حيث إنهم درجوا على ركوب العربات التي تجرها الثيران، بينما نحن -بتكامل الوسائل التي يتوقف عليها العلم- سنَرْكَب مباشرةً القطارَ والمنطاد، فنسبقهم بفراسخ وفراسخ، وذلك بما تسهل لنا هضمَ تلك الوسائل حقيقةُ الإسلام الجامعة للأخلاق الإسلامية، والاستعدادُ الفطري الكامن فينا، وفيضُ الإيمان الذي نحمله، وشدةُ الجوع التي نشعر بها، فنسبقهم بإذنه تعالى كما كنا سابقين لهم في الماضي.

إنني أذكّركم بما يأتي بفضل ما أناطت بي مهمة الطالب من وظيفة، وبشهادة التخرج مِن سِلك الحرية:

يا أبناء الوطن! لا تفسروا الحرية تفسيراً سيئاً كي لا تفلت من أيديكم، ولا تخنقونا بسقي الاستعباد السابق الفاسد في إناء آخر( ) ذلك لأن الحرية إنما تزدهر بمراعاة الأحكام الشرعية وآدابها والتخلق بالأخلاق الفاضلة.

والبرهان الباهر على هذا الادعاء هو ما كان يرفل به عهد الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين من الحرية والعدالة والمساواة على الرغم من الوحشية السائدة والتحكم المقيت.

وبخلافه فإن تفسير الحرية والعملَ بها على أنها التحرر من القيود والانغمارُ في السفاهات والملذات غير المشروعة والبذخِ والإسراف، وتجاوزُ الحدود في كل شيء اتباعاً لهوى النفس.. مماثلٌ لمن يتحرر من أسر سلطان واحد ويدخل في استبداد حقراء سافلين كثيرين. فضلاً عن أن هذا النمط من الحرية يُظهر أن الأمة غير راشدة ومازالت في عهد الصباوة وليست أهلاً للحرية. فهي سفيهة إذن تستحق الحجر عليها، بالرجوع إلى الاستبداد السابق البائد.

إن عدم الأهلية للحرية الشرعية الحديثة الباهرة الواسعة يؤدي إلى مرض وبيل يتعرض له اتحاد الأمة العظيم فتتعرض الأمة إلى حالات فاسدة متعفنة.

بينما تفسير أهل التقوى والوجدان ليس على هذا النمط، ومذهبهم يخالف هذا التفسير؛ فنحن الأمة العثمانية نتصف بالرجولة، فلا تليق بقامة استعداد أمتنا البطلة فساتينُ النساء المزركشةُ بالسفاهة والهوى والإسراف.

وبناء على ما سبق لا ينبغي أن ننخدع، بل علينا أن نجعل القاعدة الآتية دستور عمل لنا وهي: "خذ ما صفا دع ما كَدِر"، وفي ضوئها سنأخذ من الأجانب -مشكورين- كلَّ ما يُعينُ على الرقي المدني من علوم وصناعات. أما العادات والأخلاق السيئة، فهي ذنوب المدنية ومساوئها التي لا يتبين قبحها كثيراً لكونها محاطة بمحاسن المدنية الكثيرة.

فنحن لـو أخذنا منهم المدنية -بسـوء حـظـنـا وســوء اختيارنـا- بما يـوافـق الهوى والشهوات -كالأطفال- تاركين محاسـنها التي تحتاج إلى بذل الجهد للحصول عليها، نكون موضع سخرية كالمخانيث أو كالمترجّلات، فإذا لبست المرأة ثياب الرجل ولبس الرجل ثياب المرأة يكون كل منهما موضع سخرية واستهزاء. ألا لا ينبغي أن نتجمل بمساحيق التجميل.

حاصل الكلام: سنمنع بسيف الشريعة مساوئ المدنية وذنوبها من الدخول إلى حدود حريتنا ومدنيتنا حفاظاً على فتوة مدنيتنا وشبابها بزُلالِ عين حياة الشريعة.

ينبغي لنا الاقتداء باليابانيين في المدنية، لأنهم حافظوا على تقاليدهم القومية التي هي قوام بقائهم وأخذوا بمحاسن المدنية من أوروبا. وحيث إن عاداتنا القومية ناشئة من الإسلام وتزدهر به فالضرورة تقتضي الاعتصام بالإسلام.

يا أبناء الوطن الغيارى!

إن منتسبي الجمعية الملية قد فتحوا لنا طريق السعادة بتضحية أرواحهم، فعلينا أن نعينهم بترك بعض لذائذنا، حيث إننا نجلس معاً على مائدة تلك النعمة.

إن أصحاب الأفكار الفاسدة، يريدون الاستبداد والمظالم تحت ستار الحرية، فلأجل إلاّ نشاهد مرة أخرى تلك الاستبدادات التي دُفنت في حُفَر الماضي ولا تلك المظالمَ التي جرت في سيل الزمان، أريد أن أقيم سداً حديدياً بين الماضي والحاضر وذلك بإيضاح تاريخ حياة الحرية، وهو كالآتي:

إن هذا الانقلاب لو أعطى الحريةَ -التي أنجبها- أحضان الشـورى الشرعية لتربيها فستُبعث أمجاد الماضي لهذه الأمة قوية حاكمةً؛ بينما لو صادفت تلك الحريةُ الأغراضَ الشخصية، فستنقلب إلى استبداد مطلق، فتموت تلك المولودة في مهدها.

لقد وُلِدت الحرية في الوقت المناسب، فتحتاج تنشئتها إلى ظروف وأحوال فطرية وليست إلى افتعالِ ظروف تحتاج إلى مشاق.

إن الحمية الإسلامية التي عانت سابقاً كثيراً من الضوائق والبؤس، وهي ليست مستحقة لها، قد فارت فوراناً عظيماً بحيث اكتملت الحرية في ذلك الرحم. فحالما يحين وقت الولادة وتظهر إلى الوجود ستعلن هيمنتها، فلا يتمكن أيّ شيء من التصدي لها وزلزلتِها، حيث إنها ستتأسس على أسس رصينة -كعرش بلقيس- على حقائق خمس تلك هي:

الحقيقة الأولى:

أن في الكل من القوة ما ليس لكلٍ، كقوة الحبل المتين الناشئة من خيوط رفعية دقيقة، أو كحكومتنا الحديثة المتبنية لأفكار الرأي العام وحكومتنا السابقة.

أيتها الأمة! نحن الآن ذلك الحبل المتين، فمن أضعفها بالأغراض الشخصية والآراء الفردية فقد جنى جناية لا تغتفر، حيث جنى على حقوق الأمة جميعاً.

الحقيقة الثانية:

أن السلطة المستندة إلى القوة والإكراه كانت هي الحاكمة في سالف الأزمان وهي محكومة بالتدني والانقراض، حيث إنها حصيلة الجهل والوحشية. فأية دولة جرت في عروقها دماءُ السلطة المستبدة فإن سطور صحائفِ تاريخِها تنعق نعيق البوم بالانقراض.

بينما في زمن المدنية فإن العلم والمعرفة هما السلطة الحاكمة على العالم، وحيث إن مولّدها هي المدنية ومن شأنها الزيادة وعمرها أبدي، لذا لو كانت مثل هذه السلطة الحاكمة مدبّرة لشؤون أية دولة كانت فإنها تنجي تلك الحكومة من قيد العمر الطبيعي وأجل الانقراض، فتدوم حياتها بدوام الأرض. وكتابُ أوروبا وصحائفها تعلن هذا بجلاء.

وإذا قيل: لقد كان بالإمكان إدارة الحكومة الضعيفة السابقة من قبل أشخاص اعتياديين، فيا ترى هل تثمر الأناضول وروم إيلي رجالاً دهاة خارقين يحملون على أكتافهم هذه الحكومة التي نعقد عليها الآمال؟

نقول جواباً على هذا السؤال: نعم، إن لم يحدث انقلاب آخر.

والآن أنعم النظر في:

الحقيقة الثالثة:

كان الإنسان في السابق يتحرك في ميدان محدود وضيق جداً، رغم استعداداته غير المتناهية، حتى إنه كان يعيش عيش حيوان مع كونه إنساناً. لذا تدنت أفكاره وضاقت أخلاقه بنسبة محدودية تلك الدائرة.

فإذا ما عاشت الآن هذه الحرية الشرعية العادلة ولم تفسد، فستنكسر أغلال فكر الإنسان، وتتحطم الموانع الموضوعة أمام استعداده للرقي، فتتوسع ميدان حركته سعة الدنيا كلها. حتى إن قروياً مثلي يستطيع أن ينظر إلى إدارة الدولة التي هي في أوج العلا كالثريا، ويربط نوى الأماني والاستعدادات هناك. وحيث إن كل فعل وطور يصدر يلقى صداه هناك، لذا ستتعالى همته كالثريا وتتكامل أخلاقه بالدرجة نفسها، وتتوسع أفكاره بقدر سعة الممالك العثمانية، وسيَسبق بإذن الله الأفذاذَ من أمثال أفلاطون(*) وابن سينا وبسمارك(*) وديكارت(*) والتفتازاني.(*)

نحن على أمل عظيم أن تثمر مزرعةُ الأناضول وروم إيلي شباناً غيارى؛ فلا جرم أن الممالك العثمانية محلُّ ظهور الأنبياء، ومهد الدول الحضارية، ومشرق شمس الإسلام؛ فإذا ما نمت هذه الاستعدادات المغروزة في الإنسانية بغيث الحرية، فإنها تتحول إلى شجرة طوبى من الأفكار النيرة وتمتد أغصانها إلى كل جهة، وسيجعل الشرق مَشْرِقاً للغرب، إن لم تفسد وتنخر بالكسل والأغراض الشخصية.

الحقيقة الرابعة:

إن الشريعة الغراء تمضي إلى الأبد لأنها آتية من الكلام الأزلي. والبرهانُ الباهر عليه هو أن الشريعة تتوسع وتنمو نموَّ الكائن الحي أي بنسبة نمو استعداد الإنسان وتَشَرُّبه من نتائج تلاحق الأفكار وتَغذِّيه عليها، ذلك الاستعداد الذي يمثل ميل الرقي الذي هو غصن من أغصان شجرة استكمال العلم.

فالحرية والعدالة والمساواة التي كانت يترفل بها خيرُ القرون والخلفاء الأربعة، ولاسيما في ذلك الوقت، دليل على أن الشريعة الغراء جامعة لجميع روابط المساواة والعدالة والحرية الحقة؛ فآثار سيدنا عمر وسيدنا علي رضي الله عنهما وصلاح الدين الأيوبي دليل وأي دليل على هذا الادعاء.

ومن هنا فإني أقرر:

أن سبب تأخرنا وتدنينا وسوء أحوالنا إلى الآن ناتج مما يأتي:

1- عدم مراعاة أحكام الشريعة الغراء.

2- تصرفات بعض المداهنين تصرفاً عفوياً.

3- التعصب المقيت في غير محله سواء لدى عالم جاهل، أو جاهل عالم!

4- تقليد مساوئ المدنية الأوروبية تقليداً ببغائياً -بسوء حظنا أو سوء اختيارنا- مما ولّد تَرْكَنا لمحاسن المدنية التي تُستحصل بمشكلات ومصاعب.

فلو قام الموظفون خير قيام بوظائفهم وسعى الآخرون حسب الظروف المحيطة وما يتطلبه الزمان الحاضر، فلن يجد أحد متسعاً من الوقت للسفاهة. ولو انهمك أي منهما بها فلا يكون إلاّ جرثومة خطرة في جسم المجتمع.

الحقيقة الخامسة:

إن فكر أفراد قليلين كان كافياً لإدارة الدولة حيث الروابط الاجتماعية والضرورات المعاشية والمستلزمات الحضارية لم تكن كثيرة ومتشعبة، ولكن في الوقت الحاضر فقد كثرت الروابط الاجتماعية وتعددت الضروريات المعاشية وتزايدت الزخارف الحضارية إلى حد كبير، بما لا يمكن أن تَحمل تلك الدولةَ وتديرَها وتربيها إلاّ مجلسُ نواب في حكم قلب الأمة ينبض بنبضها، والشورى الشرعيةُ التي هي في مقام فكر الأمة وعقلها، وحريةُ الأفكار التي هي بمنزلة سيف الدولة وقوتها. ومثال هذه الحقيقة هو الحكومة المستبدة السابقة وحكومة المشروطية الحاضرة.

وأذكّر أموراً ثلاثة بناء على الوظيفة التي أناطتها إياي الحقيقةُ الثالثة وبشهادة تخرّج الحرية:

الأول:

كما أن الجسم محالٌ أن تتحلل إلى ذرات دفعةً واحدة كذلك تشكُّلُه من ذرات دفعة واحدة وبصورة فجائية محال أيضاً. لذا فإن فصل الموظفين السابقين من جسم الدولة ووضعَ آخرين جدد في مواضعهم متعذر وإن لم يكن محالاً. علماً أن الدولة ستنبذ الموظفين الذين ينطوون على خبث دفين لا يمكن إصلاحه، بينما باب التوبة مفتوح لمن يمكن إصلاحه ما لم تطلع الشمس من مغربها. فهؤلاء يجب الاستفادة من تجاربهم، إذ إشغالُ مواضعهم الوظيفية يحتاج إلى أربعين سنة أخرى. وإلاّ فإن إطالة اللسان بالسوء إلى الجميع وإهانتَهم يجعل هذا الاتحاد، اتحادَ الأمة العظيم، معرّضاً لوباء وبيل من أفكار فاسدة وأخلاق سيئة.

الثاني:

لقد نشأتُ في جبال الشرق فكنت أتخيل مركز الخلافة في هالة جميلة، ولكن ما إن أتيته قبل حوالي ثمانية أشهر حتى شاهدت أن إسطنبول شبيهة برجل متوحش لبس ملابس إنسان مدني، وذلك لما فيها من تنافر القلوب واستيحاش الأفراد بعضهم بعضاً. والآن يقدّم ذلك الشخص المدني نفسه لنا وهو بملابس نصف مدنية ونصف وحشية، وذلك بسبب اتحاد الأمة.

كنت سابقاً أحسب أن فساد الشرق نابع من تعرض عضوٍ منه للمرض، ولكن لما شاهدت إسطنبول المريضة وجسست نبضها، وشرّحتها، أدركت أن المرض هو في القلب، وسرى منه إلى جميع الجهات. فحاولت علاجه، ولكن أُكرمت بصفة الجنون!

وقد شاهدت أيضاً: أن الإسلام الذي يشكل المدنية الحقيقية قد تأخر عن المدنية الحاضرة مادياً، فكأن الإسلام قد استاء من سوء أخلاقنا فمضى راجعاً إلى الماضي ليشكونا إلى خير القرون .

إن من أهم أسباب تأخرنا في مضمار المدنية بعد الاستبداد، هو تباين الأفكار واختلاف المشارب لدى منتسبي ثلاث شُعب كبيرة، يُعدّون مرشدين عموميين للجميع، وهم منتسبو المدارس الحديثة والمدارس الدينية والتكايا والذين يمثلون مصداق قول الشاعر:

عِبَارَاتُنَا شَتَّى وَحُسْنُكَ وَاحِدٌ     وَكُلٌّ إلى ذَاكَ الْجَمَال يُشِيرُ

إن تباين الأفكار هذا قد هزّ أساس الأخلاق الإسلامية وفرّق اتحاد الأمة، وأخّرنا عن ركب الحضارة، لأن أحدهم يكفّر الآخر ويضلله، بينما الآخر يَعدّ الأول جاهلاً لا يوثق به. وهكذا ساد الإفراط والتفريط. وعلاج هذا الداء هو الصلح النابع من توحيد الأفكار، وربطُ العلاقات ووصلُها حتى يوصل إلى نقطة الاعتدال، فيتصافحَ الجميع، ويتفقوا جميعاً لئلا يُخلّوا بنظام الرقي.

الثالث:

إنني استمعت إلى الوعاظ. فلم تؤثر فيّ نصائحهم ووعظهم. فتأملت في السبب، فرأيت أنه فضلاً عن قساوة قلبي هناك ثلاثة أسباب:

1- إنهم يتناسون الفرق بين الحاضر والماضي فيبالغون كثيراً في تصوير دعاويهم محاولين تزويقها دون إيراد الأدلة الكافية التي لا بد منها للتأثير وإقناع الباحث عن الحقيقة، فالزمن الحاضر أكثر حاجة إلى إيراد الأدلة.

2- إنهم عند ترغيبهم بأمرٍ ما وترهيبهم منه يُسقطون قيمة ما هو أهم منه، فيفقدون بذلك المحافظة على الموازنة الدقيقة الموجودة في الشريعة، أي لا يميزون بين المهم والأهم.

3- إن مطابقة الكلام لمقتضى الحال هي أرقى أنواع البلاغة، فلا بد أن يكون الكلام موافقاً لحاجات العصر. إلاّ أنهم لا يتكلمون بما يناسب تشخيص علة هذا العصر، وكأنهم يسحبون الناس إلى الزمان الغابر، فيحدثونهم بلسان ذلك الزمان.

فعلى الوعاظ والمرشدين المحترمين أن يكونوا محقِّقين ليتمكنوا من الإثبات والإقناع، وأن يكونوا أيضاً مدققين لئلا يفسدوا توازن الشريعة، وأن يكونوا بلغاء مقنعين كي يوافق كلامهم حاجات العصر. وعليهم أيضاً أن يَزنوا الأمور بموازين الشريعة.

فلتحيا الشريعة الغراء، ولتحيا العدالة الإلهية، وليحيا اتحاد الأمة.

وسحقاً للاختلاف، وحباً لمحبة الأمة،..

ولتمت الأغراض الشخصية وفكر الانتقام،..

وليعش الجنود الأشاوس الذين هم الشجاعة مجسمة،..

ولتعش الجيوش التي تمثل عظمة الدولة...

ولتدم جمعية الأحرار المتدينين وطلاب النور الذين هم العقل النير والتدبير الحكيم.

سعيد النورسي

* * *