المضايقات تتوالى


النورسي  

بديع الزمان  

 

من ذكريات بارلا  

المضايقات تتوالى  

 

كنت فيها(بارلا) كلما أصابني الفتور في العمل للقرآن واستولى عليَّ التفكير بخاصة نفسي واصلاح آخرتي، كان أحد ثعابين أهل الدنيا(1) يتسلط عليَّ، وأحد المنافقين يتعرض لي. وأنا على استعداد الآن أن أسرد على مسامعكم ثمانين حادثة من هذا النوع خلال ثماني سنوات قضيتُها في (بارلا)(2).

نماذج من تلك المضايقات

ولقد حدثت في الفترة الأخيرة اعتداءات شنيعة كثيرة على حقوق المؤمنين الضعفاء، من قبل الملحدين المتخفين وراء الأستار، واخص بالذكر اعتداءهم عليّ تعدياً صارخاً، باقتحامهم مسجدي الخاص الذي عمّرته بنفسي، وكنا فيه مع ثلة من رفقائي الأعزاء، نؤدي العبادة، ونرفع الأذان والإقامة سراً.

فقيل لنا: لِمَ تقيمون الصلاة باللغة العربية وترفعون الاذان سراً؟

نفد صبري في السكوت عليهم:

وها أنذا لا أخاطب هؤلاء السفلة الدنيئين الذين حُرموا من الضمير، وليسوا أهلاً للخطاب، بل أخاطب أولئك الرؤساء المتفرعنين في القيادة الذين يلعبون بمقدرات الأمة حسب أهواء طغيانهم...(3)

إنه بتحريض من معلم فاقد للضمير وبمشاركته، أصدر المسؤول أمراً للدرك:

(أجلبوا أولئك الضيوف)، ونحن في أذكار الصلاة في المسجد، والغاية من هذا التصرف هو إغضابي ولأقابلهم بالرفض والطرد - بأحاسيس سعيد القديم - ازاء هذا التصرف الاعتباطي غير القانوني.

ولم يدر ذلك الشقي؛ أن سعيداً لا يدافع بعصا مكسورة في يده، وفي لسانه سيف ألماسي من مصنع القرآن الحكيم. بل يستعمل ذلك السيف.

بيد أن أفراد الدرك كانوا رزينين راشدين، فانتظروا إلى اختتام الصلاة والأذكار - حيث لا تتدخل أية حكومة او دولة في الصلاة وفي المسجد ما لم ينته أداء الصلوات والأذكار - فغضب المسؤول عن عملهم هذا وارسل عقبهم الحارس قائلاً: إن الدرك لا يطيعونني!

ولكن الله سبحانه وتعالى لا يُشغلني بمثل هذه الحيّات. واُوصي إخواني:

لا تنشغلوا بهؤلاء ما لم تكن هناك ضرورة قاطعة، بل ترفّعوا عن التكلم معهم، حيث (جواب الأحمق السكوت).. ولكن انتبهوا إلى هذه النقطة:

كما إن إظهار نفسك ضعيفاً تجاه حيوان مفترس يشجعه على الهجوم عليك، كذلك إظهار الضعف بالتزلف إلى مَن يحمل طباع الحيوان المفترس يسوقه إلى الاعتداء.

لذا ينبغي للأصدقاء أن يتصرفوا بحذر لئلا يَستغل الموالون للزندقة عدم مبالاتهم وغفلتهم.(4)

 

أنواع الظلم يحوّلها المولى إلى أنواع من الفضل

إنني أحمد الله تعالى حمداً لا أحصيه، إذ حوّل أنواع الظلم والمكاره التي جابهني بها أهل الدنيا إلى أنواع من الفضل والرحمة. واليكم البيان:

بينما كنت منعزلاً في مغارة أحد الجبال، وقد طلّقت السياسة وتجردت عن الدنيا منشغلاً بأمور آخرتي، أخرجني أهل الدنيا من هناك ونفوني ظلماً وعدواناً. فجعل الخالق الرحيم الحكيم هذا النفي لي رحمة، إذ حوّل ذلك الانزواء في الجبل الذي كان معرّضاً لعوامل تخل بالإخلاص والأمان، إلى خلوة في جبال (بارلا) يحيط بها الأمن والاطمئنان والإخلاص. وقد عزمت عندما كنت أسيراً في روسيا ورجوت الله أن أنزوي في أواخر عمري في مغارة. فجعل أرحم الراحمين (بارلا) في مقام تلك المغارة ويسّر لي فائدتها ولم يحمّل كاهلي الضعيف متاعب المغارة وصعوباتها إلاّ ما أصابتني من مضايقات بسبب أوهام وريوب كان يحملها بضعة أشخاص فيها، فهؤلاء الذين كانوا أصدقائي - وقد ركبتهم الأوهام ظناً منهم انهم يعملون لصالحي ولراحتي - إلاّ انهم بأوهامهم هذه قد جلبوا الضيق على قلبي والضرر على خدمة القرآن. وعلى الرغم من أن أهل الدنيا أعطوا للمنفيين جميعاً وثائق العودة وأخلوا سبيل المجرمين من السجون وعفوا عنهم، فقد منعوا الوثيقة عني ظلماً وجوراً، ولكن ربي الرحيم شاء أن يبقيني في هذه الغربة ليستخدمني في خدمة القرآن أكثر وليجعلني أكتب هذه الأنوار القرآنية التي سميتها (الكلمات) أكثر فاكثر، فإبقاني في هذه الغربة بلا ضجة ولا ضوضاء، وحوّلها إلى رحمة سابغة.

ومع أن أهل الدنيا سمحوا لذوي النفوذ والشيوخ ولرؤساء العشائر (من المنفيين) - الذين يمكنهم المداخلة في دنياهم - بالبقاء في الأقضية والمدن الكبيرة وسمحوا لأقاربهم ولجميع معارفهم بزيارتهم، فانهم فرضوا عليّ حياة العزلة ظلماً وعدواناً وارسلوني إلى قرية صغيرة. ولم يسمحوا لأقاربي ولا لأهل بلدتي - باستثناء واحد أو اثنين - بزيارتي. فقلب خالقي الرحيم هذه العزلة إلى رحمة غامرة بالنسبة لي، إذ جعل هذه العزلة وسيلة لصفاء ذهني وتخليصه من توافه الأمور وتوجيهه للاستفاضة من القرآن الحكيم على صفائه ونقائه.

ثم إن أهل الدنيا استكثروا عليّ في البدء حتى كتابة رسالة أو رسالتين إعتياديتين في مدة سنتين كاملتين. بل انهم حتى اليوم لا يرتاحون عندما يحضر لزيارتي ضيف أو ضيفان مرة كل عشرة أيام أو كل عشرين يوماً أو كل شهر، مع أن غرض الزيارة هو ثواب الآخرة ليس إلاّ. فارتكبوا الظلم في حقي، ولكن ربي الرحيم وخالقي الحكيم بدّل لي ذلك الظلم إلى رحمة، إذ أدخلني في خلوة مرغوبة وعزلة مقبولة في هذه الشهور الثلاثة التي يكسب المرء فيها تسعين سنة من حياة معنوية. فالحمد لله على كل حال.(5) (*)

 

__________________

(1) المقصود اهل السياسة والسلطة الحاكمة.

(2) اللمعات/68

(3) المكتوبات/553

(4) المكتوبات/464

(5) المكتوبات /56-57

(*) كليات رسائل النور – سيرة ذاتية ص 220