المقام الثاني

من بين مئات الامثلة الدالة على الحوادث الغيبية سيبين - في الوقت الحاضر - بعناية الله وتوفيقه ثلاث وعشرون مسألة - بياناً مختصراً جداً - تلك المسائل التي دأب الملحدون على اشاعتها بغية افساد عقائد عوام المسلمين. ألاخاب ظنهم، فان اظهار لمعة اعجاز نبوي كريم في كل مسألة من تلك المسائل واثبات تأويلاتها الحقيقية وابرازها، سيكون باذن الله داعياً قوياً وسبباً مهما لاسناد عقيدة العوام وترسيخ ايمانهم. هذا ما أرجوه من رحمة ربي الرحيم، واتضرع اليه سبحانه ان يستر ذنوبي وأخطائي بمغفرته الواسعة. انه سميع مجيب.

 

 

مسائل الشعاع الخامس

بسم الله الرحمن الرحيم

المسألة الاولى:

ورد:ان " السفياني " وهو من اشخاص آخر الزمان ستنخرق كفه.

ان أحد أوجه التأويل لهذا، والله أعلم:

لايبقى المال في يده، لكثرة اسرافه وتبذيره في السفاهة واللهو والعبث. فالمال يجري من كفه الى الاسراف، وفي المثل: " فلان منخرق الكف " . أي مبذر مسرف. ف " السفياني " بحضه الناس على الاسراف، يثير فيهم حرصاً شديداً ويهيج طمعاً غالباً. فيسخرهم لمآربه من نواحي ضعفهم  تلك. هذا ما ينبه اليه الحديث الشريف ويخبرنا: ان المسرف يكون في أسره، فيتوسل اليه ويتذلل له.

المسألة الثانية:

ورد:ان شخصاً رهيباً - من اشخاص آخر الزمان - يصبح واذا على جبينه مكتوب: هذا كافر [1].

ان تأويل هذا، والله اعلم بالصواب، هو:

ان ذلك " السفياني " سيلبس قبعة الافرنج، ويُكره الناس على لبسها، ولكن لأنه يعمم لبسها بالاكراه والقانون، وتلك القبعة ستهتدي باذن الله - حيث تهوي الى السجود - لذا لايكون كافراً من لبسها مكرهاً عليها غير راغب فيها.

المسألة الثالثة:

ورد:ان لحكام آخر الزمان المستبدين، ولاسيما للدجال جنة وجهنم زائفتين [2]. ان أحد أوجه التأويل لهذا والعلم عند الله هو:

انه اشارة الى ما في الدوائر الحكومية من اوضاع متقابلة متناظرة. كالمدرسة الاعدادية مع السجن، إحداهما صورة مشوهة للحور والغلمان، والاخرى موضع عذاب وسجن.

المسألة الرابعة:

ورد:أنه لايبقى من يقول: الله.. الله في آخر الزمان.

ان تأويلا لهذا - ولايعلم الغيب الا الله - هو:

ان الزوايا التي يذكر فيها: الله.. الله.. الله، والتكايا وأماكن الذكر والمدارس الدينية ستغلق أبوابها، وسيُوضع اسم آخر بدلا من اسم الله في الشعائر الاسلامية كالاذان والاقامة.

والا فليس معنى هذه الرواية ان الناس كلهم سيتردون في الكفر المطلق؛ لان انكار الله أبعد عن العقل من انكار الكون، فالعقل لا يقبل وقوع معظم الناس في هذا الانكار، فضلاً عن كلهم. علما ان الكفار لاينكرون وجود الله وانما تزل عقولهم في مباحث صفاته الجليلة سبحانه.

وتأويله الآخر هو: أن ارواح المؤمنين تقبض قبيل قيام الساعة كيلا يروا هول أحداثها فتندلع القيامة على رؤوس الكفار وحدهم.

المسألة الخامسة:

ورد:ان الدجال وامثاله - سيدّعون الألوهية في آخر الزمان ويكرهون الناس على السجود لهم [3]. أحد أوجه التأويل لهذا، والله اعلم هو:

كما أن قائداً جاهلاً ينكر وجود الملك، يتصور في نفسه والآخرين نوعاً من الملكية، كل حسب حاكميته، كذلك الذين يقودون مذهب الطبيعيين والماديين يتخيلون في انفسهم نوعاً من الربوبية، كل حسب درجته. فيسوق - الدجال - رعيته لخدمة قوته ويخضعهم خضوع عبودية له ولتماثيله، اي يجعلهم يحنون رؤوسهم لها.

المسـألة السادسة:

ورد:ان فتنة آخر الزمان عظيمة الى حد لايملك أحد نفسه [4] حتى استعاذت الامة منها منذ ثلاثة عشر قرناً، كما أمر بها الرسول صلى الله عليه وسلم فجعلتها الامة قرينة لاستعاذتها من عذاب القبر [5].

ان تأويلاً لهذا والله اعلم بالصواب هو:

ان تلك الفتن تستميل النفوس وتغريها وتجذبها اليها، وتجعلها مفتونة بها، فيرتكب الناس الآثام باختيارهم، بل ربما يتلذذون بها، كاختلاط النساء بالرجال عرايا في حمامات روسيا، اذ النساء يرتمين الى هذه الفتنة برغبة منهن، فيضللن ويغوين لما يحملن من ميل فطري لاظهار جمالهن. اما الرجال الذين يعشقون الجمال فطرة،

فيصرعون امام طيش النفس فيقعون في تلك النار المتأججة، ويحترقون، وهم نشاوى من الفرح والسرور.

وهكذا تجلب فتنة ذلك الزمان - بملاهيها ومسارحها ومراقصها واماكن البدع وارتكاب الكبائر فيها - عباد النفس الامارة، فيحومون حول تلك الاماكن كالفراش حول النار، وينجذبون اليها حيارى مشدوهين.

وإلاّ لو كان بالاكراه والارغام والجبر المطلق، فلا اختيار اذن، ومن ثم فلا اثم.

المسـألة السابعة:

ورد:ان " السفياني " سيكون عالماً عظيماً، ويضل الناس بالعلم، ويتبعه علماء كثيرون. ان تأويلا لهذا والعلم عند الله هو:

انه بدهائه وفنونه وعلمه السياسي يحصل على ذلك الموقع، اذ ليس له من الوسائل التي توصله الى السلطة كما هو الحال لدى حكام آخرين من وجود العصبة او القدرة او الانتساب الى قبيلة وعشيرة، او الشجاعة او الثروة وغيرها. فيسخر بعقله عقول كثير من العلماء، ويجعلهم يدورون في فلكه ويصدرون له الفتاوى، ويجعل كثيراً من المعلمين موالين له. ويسعى حثيثاً لتعميم التعليم المجرد من دروس الدين وجعله نهجاً رائداً.

المســألة الثامنة:

تبين الروايات: ان فتنة الدجال الرهيبة ســتقع في صفوف المسلمين حتى استعاذت منها الامة كلها. ان تأويلا لهذا، ولايعلم الغيب الا الله هو:

ان دجال المسلمين غير دجال الكفار [6]، حتى ان قسماً من العلماء المحققين قد قالوا مثلما قال الامام علي رضي الله عنه بان دجال المسلمين هو " السفياني " وسيظهر بين المسلمين ويفتنهم بالخداع والتمويه. بينما دجال الكفار الكبير غير " السفياني ".

والا فالذي لايرضخ لجبروت الدجال الكبير المطلق يصبح شهيداً، ومن يتبعه مرغماً وكارهاً لايكون كافراًً، وربما لايكون آثماً ايضاً.

المسألة التاسعة:

لقد صورت في الروايات وقائع " السفياني " وحوادث فتن آخر الزمان انها تقع حول الشام او في الجزيرة العربية. ان تأويلا لهذا والله اعلم هو:

ان مركز الخلافة في السابق كان في العراق والشام والمدينة، لذا فسر الرواة - باجتهادهم الشخصي - وصوروا تلك الاحداث التي تقع حول مركز الدولة الاسلامية - وكأن الخلافة ستظل هكذا - فقالوا: في الشام.. حلب. ففصلوا باجتهادهم الشخصي ما ورد مجملا في الاحاديث.

المسألة العاشرة:

لقد ذكرت الروايات: القدرة الهائلة الخارقة لأشخاص آخر الزمان.

ان تأويلاً لهذا - والعلم عند الله - هو:

انه كناية عن عظمة الشخصية المعنوية التي يمثلونها. مثلما صور في حينه القائد الياباني الذي دحر روسيا، بأن أحد قدميه في البحر المحيط والاخرى في قلعة بورت آرثر. أي ان عظمة الشخص المعنوي الرهيبة، تصور في ممثل تلك الشخصية وفي تماثيل ذلك الممثل الضخمة. اما قدراتهم الفائقة وقوتهم الخارقة، فلكون اكثر اجراءاتهم من قبيل التخريب واثارة الشهوات وتحريك الرغبات، مما تظهر اقتداراً فوق المعتاد، اذ التخريب سهل. فعود ثقاب واحد يمكنه ان يحرق قرية كاملة، واثارة الشهوات وتحريك الرغبات تسري سريعاً لميل النفوس اليها.

المسألة الحادية عشرة:

ورد:ان في آخر الزمان يكون لأربعين امرأة قيّم واحد [7].

ان لهذا تأويلين والله اعلم بالصواب:

الاول:ان الزواج الشرعي يقل في ذلك الزمان او يرفع، كما حدث في روسيا؛ فالرجل السائب الذي تجنب من الارتباط بامرأة واحدة، يكون قيماً على اربعين امرأة شقية.

الثاني:انه كناية عن هلاك أغلب الرجال في الحروب التي تقع في تلك الفتنة. وعن كون اكثر الولادات من الاناث بناء على حكمة إلهية. وربما يلهب تحرر النساء تحرراً كلياً شهواتهن فيتغلبن بغلبة الشبق فطرة على أزواجهن. مما يسبب نزوع الطفل الى صورتها فتصبح الاناث كثيرات جداً بأمر إلهي.

المسألة الثانية عشرة:

ورد في الروايات: ان اليوم الاول للدجال سنة، والثاني شهر، والثالث اسبوع، والرابع كسائر الايام [8]. لهذا تأويلان، ولا يعلم الغيب الا الله.

الاول:

انه اشارة وكناية عن ظهور الدجال الكبير في دائرة القطب الشمالى وجهة الشمال من العالم؛ لأن السنة في منطقة القطب الشمالي عبارة عن يوم وليلة.

فلو سافر أحدهم من هناك متجهاً نحونا بالقطار يوماً كاملا يرى الشمس لاتغرب شهراً كاملا في الصيف. واذا اقترب بالسيارة يوماً آخر يرى الشمس اسبوعاً كاملا، ولقد كنت في مكان قريب من هذا عندما كنت أسيراً هناك. بمعنى ان هذا اخبار معجز بأن الدجال الكبير سيتعدى من الشمال الى هذه الجهة.

اما تأويله الثاني فهو:

ان هناك أياماً ثلاثة بمعنى الادوار الثلاثة الاستبدادية للدجال الكبير ودجال المسلمين:

" يومه:اي في دورة حكومته، يقوم باجراءات عظيمة ما لاينجز في ثلاثمائة سنة.

يومه الثاني، اي دورته الثانية: انه يجري في سنة واحدة من الاجراءات ما لايجري في ثلاثين سنة.

يومه الثالث ودورته: ينفذ من التغييرات في سنة واحدة ما لا ينفذ في عشر سنوات.

يومه الرابع ودورته: يكون اعتيادياً لايقوم بشئ سوى سعيه للحفاظ على الوضع " . وهكذا أخبر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أمته ببلاغته الفائقة عما سيقع من احداث المستقبل.

المسألة الثالثة عشرة:

في رواية صحيحة: ان عيسى عليه السلام يقتل الدجال الاكبر [9].

ولهذا ايضاً وجهان والعلم عند الله:

الوجه الاول: ان الدجال الذي يحافظ على نفسه باموره الخارقة التي يستدرج بها الناس ويسخرهم باستخدام السحر والتنويم المغناطيسي والارواح وامثالها، لايقدر على قتله وتغيير مسلكه الا مَن هو خارق، وذو معجزات ومرضيّ لدى الجميع ومن هو اكثر علاقة وارتباطاً، ويعتقد بنبوته اغلب الناس، ذلك النبي عيسى عليه السلام.

الوجه الثاني هو: ان الذي سيقتل الشخصية المعنوية لشخص الدجال -  المقتول بسيف شخص عيسى عليه السلام - ويبيد كيان الالحاد الهائل والمادية الرهيبة التي كونها، ويُفني ما يدعو اليه من الكفر بانكار الالوهية، هم الروحانيون النصارى، فهؤلاء الروحانيون يهلكونه - ويقتلونه معنى - بقوة نابعة من مزجهم حقيقة النصرانية مع حقائق الاسلام. حتى ان ما ورد بأن عيسى عليه السلام سينزل ويقتدى بالمهدي في الصلاة [10]، يشير الى هذا الاتفاق، والى ريادة الحقيقة القرآنية وهيمنتها.

المسألة الرابعة عشرة:

ورد:ان اليهود هم القوة العظيمة للدجال ويتبعونه طوعاً [11].

فيمكننا ان نقول والله اعلم:

ان جزءاً من تأويل هذه الرواية قد تحقق في روسيا، اذ اليهود الذين قاسوا مظالم بيد الحكومات كلها تجمعوا بكثرة في ألمانيا، لاجل ان ينتقموا من الدول والشعوب، فكانت ل " تروتسكي " اليهودي اليد الطولى في تأسيس منظمة الشيوعية، حتى أوصلوه الى القيادة العامة، ومن بعد ذلك جعلوه في رئاسة الحكومة في روسيا خلفاً ل "لينين " الذى ربّوه، فدمروا روسيا دماراً رهيباً وأبادوا محاصيلها لألف سنة. وأظهروا - أي اليهود - بهذا انهم منظمة من منظمات الدجال الكبير ومنفذو اعماله وقد زعزعوا كيان سائر الحكومات ايضاً واثاروا فيها الاضطرابات والقلاقل.

المسألة الخامسة عشرة:

ان القرآن الكريم الذي يورد حوادث يأجوج ومأجوج مجملا يذكرها الحديث الشريف بشئ من التفصيل، ولكن تلك التفصيلات ليست بمثل اجمال القرآن الكريم محكمة بل ربما تعد من المتشابهات الى حد ما فتحتاج الى تأويل بل الى تعبير لاختلاط اجتهادات الرواة فيها. ان تأويلا لهذا ولايعلم الغيب الا الله هو:

انه كناية واشارة الى ان قبائل المانجور والمغول - الذين يطلق عليهم القرآن بلغته السماوية يأجوج ومأجوج - سيدمرون العالم كله في الازمان المقبلة مثلما أغاروا - عدة مرات - على آسيا واوروبا مع قبائل من الصين وما حولها، واحلوا فيهما الهرج والمرج. حتى ان الارهابيين المشهورين في المنظمات الشيوعية الآن ينتمون اليهم.

نعم، ان الفكر الاشتراكي تولد في الثورة الفرنسية وترعرع بدعوتها الى التحرر، ولما كان هذا الفكر الاشتراكي يدعو الى تدمير قسم من المقدسات فقد انقلب أخيراً الى البلشفية وقد نشرت البلشفية ايضاً بذور الافساد لتحطيم كثير من المقدسات


والمثل الاخلاقية والانسانية وستثمر تلك البذور حتماً حناظل الفوضوية والارهاب التي لاتعرف حدوداً لشئ، ولاتقيم وزناً له، اذ القلب الانساني اذا انتزع منه الرأفة والرحمة والاحترام فان العقل والذكاء يسيطران - عندئذ - على زمام الانسان ويجعلان اولئك الناس كالوحوش الضارية والكلاب المسعورة فلا يجدي معهم الضبط السياسي.

ان أخصب مرتع للفكر الفوضوي الارهابي هو الاماكن المزدحمة بالمظلومين، والقبائل البعيدة عن الحضارة، وعن الحكومة والدولة، والتي اعتادت النهب والاغارة، فهذه الشروط تنطبق على قبائل المانجور والمغول وقسم من قبائل القرغيز الذين كانوا السبب في بناء سد الصين بطول أربعين يوماً والذي يعد أحد عجائب الدنيا السبع.

وهكذا فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي يفسر ما اجمله القرآن الكريم قد أخبر عنهم اخباراً معجزاً، محققاً.

المسألة السادسة عشرة:

في سياق قتل عيسى عليه السلام الدجال تبين الروايات ان للدجال جسماً خارقاً في الضخامة والعلو حتى يعلو على المنارة، وان عيسى عليه السلام بالنسبة له صغير جداً [12]. ان أحد أوجه تأويل هذا، ولايعلم الغيب الا الله ينبغي ان يكون هكذا:

انه كناية واشارة الى ان الذين يعرفون (عيسى) عليه السلام ويتبعونه بنور الايمان - وهم جماعة الروحانيين المجاهدين - هم قلة قليلة بالنسبة لجنود الدجال العلمية والمادية اي الثقافية والعسكرية.

المسألة السابعة عشرة:

ورد:ان الدنيا تسمع ظهور الدجال يوم ظهوره، ويسيح في الارض اربعين يوماً وله حمار، دابة خارقة.

هذه الروايات بشرط صحتها لها عدة تأويلات والله اعلم هي:

ان هذه الروايات تخبر أخباراً معجزاً عن: ان وسائط النقل والمخابرة ستتقدم في زمن ظهور الدجال بحيث ان حادثة واحدة تسمع في اليوم الواحد في انحاء العالم كله، فيصيح الدجال بالراديو ويسمعه الشرق والغرب، وتقرأ الحادثة في جميع صحفه وجرائده. وان الانسان يستطيع ان يسيح في العالم كله في غضون اربعين يوماً فيرى قاراته السبع وحكوماته السبعين. فهذه الروايات تخبر اخباراً معجزاً عن التلغراف والتلفون والراديو والطيارة قبل ظهورها بعشرة قرون.

ثم ان الدجال لايُسمع - في العالم - بكونه دجالا، وانما بصفة ملك وحاكم مستبد مطلق، وان سياحته في الارض ليست للاستيلاء على الاماكن كلها وانما لايقاظ الفتنة والاضلال والاغواء. اما دابته وحماره، فاما انه القطار الذي احدى اذنيه ورأسه مصدر النار كجهنم. واذنه الاخرى مكان مفروش ومزين كجنة كاذبة، فيرسل اعداءه الى الرأس ذي النار ويجعل اصدقاءه في الرأس المعد للضيافة.. او أن حماره ودابته سيارة عجيبة.. او طائرة.. او..(يجب السكوت).

المسألة الثامنة عشرة:

ورد انه: اذا استقامت امتي فلها يوم، اي يدوم ملكها وحكمها ألف سنة دواماً تاماً نافذاً [13]، بدلالة الآية الكريمة (في يوم كان مقداره ألف سنة)  (السجدة:5) . وان عدلت عن الاستقامة فلها نصف يوم، اي تحافظ على حكمها وسيطرتها بما يقارب خمسمائة سنة.

ان هذه الرواية - والله اعلم - ليست اخباراً عن القيامة، وانما هي رواية عن عزة الاسلام وسلطنة الخلافة، وقد تحققت فعلا حقيقة ثابتة ومعجزة غيبية، اذ عاشت الدولة العباسية ما يقرب خمسمائة سنة حينما فقد الحكام السياسيون في أواخر العباسيين طريق الاستقامة. الا ان الامة الاسلامية بمجموعها حافظت على الاستقامة لذلك فقد امدتهم الخلافة العثمانية، فادامت السلطة الى ألف وثلاثمائة سنة تقريباً.

ثم لما عجز السياسيون العثمانيون عن الحفاظ على الاستقامة، عاشت هي الاخرى خمسمائة سنة بالخلافة.. فصدقت الخلافة العثمانية بوفاتها الاخبار المعجز لهذا الحديث الشريف. وحيث اننا بحثنا هذا الحديث في رسائل اخرى اختصرناه هنا.

المسألة التاسعة عشرة:

ان هناك اخباراً متباينة عن المهدي [14] الذي هو من آل البيت، وظهوره من علامات الساعة. حتى حكم قسم من اهل العلم واهل الولاية على سبق ظهوره.

ان تأويلاً لهذه الروايات المتباينة والله اعلم بالصواب هو:

ان للمهدي الكبير مهمات كثيرة ووظائف عدة، فكما ان له اجراءات في عوالم ودوائر كثيرة كعالم السياسة وعالم الدين وعالم السلطة وعالم الجهاد، كذلك يحتاج اهل كل عصر عندما يُخيّم عليهم اليأس الى من هو كالمهدي ليشد من قواهم المعنوية، او يحتاجون الى ترقب مجئ المهدي وظهوره لإمدادهم في ذلك الوقت. لذا ظهر من آل البيت من هو كالمهدي في كل دور بل في كل عصر برحمة من الله سبحانه، فحافظ على شريعة جده الامجد، واحياء سنته المطهرة، فمثلا: ظهر المهدي العباسي في عالم السياسة والدولة، وظهر الشيخ الكيلاني [15] والشاه النقشبند [16] والاقطاب الاربعة والأئمة الاثنا عشر وامثالهم من الافذاذ في عالم الدين والايمان فنفذوا قسماً من مهمات المهدي ووظائفه. فلظهور هؤلاء وقيامهم بقسم من اعمال

المهدي - التي تتوجه الى احياء الشريعة وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم - وكونهم مدار نظر الرسول محمد صلى الله عليه وسلم اختلفت الروايات الواردة بحق المهدي، فحدا بقسم من اهل الحقيقة الى ان يقولوا: انه ظهر في الماضي.

وعلى كل حال فقد وضحت رسائل النور هذه المسألة، فنحيل اليها الا اننا نقول:

انه ليس في الدنيا قاطبة عصبة متساندة نبيلة شريفة ترقى الى شرف آل البيت ومنزلتهم، وليس فيها قبيلة متوافقة ترقى الى اتفاق قبيلة آل البيت، وليس فيها مجتمع او جماعة منورة أنور من مجتمع آل البيت وجماعتهم.

نعم! ان آل البيت الذين غُذوا بروح الحقيقة القرآنية وارتضعوا من منبعها، وتنوروا بنور الايمان وشرف الاسلام فعرجوا الى الكمالات، وانجبوا مئات الابطال الافذاذ وقدموا ألوف القواد المعنويين لقيادة الامة.. لابد انهم يظهرون للدنيا العدالة التامة لقائدهم الاعظم المهدي الاكبر، وحقانيته باحياء الشريعة المحمدية والحقيقة الفرقانية والسنة الاحمدية واعلانها وتطبيقها واجرائها..

وهذا الامر في غاية المعقولية فضلا عن انه في غاية اللزوم والضرورة، بل هو مقتضى دساتير الحياة الاجتماعية الانسانية.

المسألة العشرون:

طلوع الشمس من مغربها وظهور دابة الارض.

اما طلوع الشمس من مغربها فهو علامة بديهية لقيام الساعة ولبداهته اصبح معناه ظاهراً لاداعي لتفسيره، ولاحاجة الى التأويل، اذ هو حادثة سماوية يغلق بها باب التوبة المرتبط باختيار العقل.. الا ان هناك أمراً هو:

ان السبب الظاهري لذلك الطلوع والله اعلم هو:

انه حالما يرفع القرآن من الارض - الذي هو بمثابة عقلها - تفقد الارض صوابها فتصطدم - باذن الهي - بكوكب سيار آخر، فتعود القهقرى عن حركتها، وتصبح دورتها - بارادة الله سبحانه - من الشرق الى الغرب بدلا من الغرب الى الشرق، وعندها تبدأ الشمس بالطلوع من مغربها.

نعم! اذا انقطعت قوة جاذبة القرآن الكريم الذي هو حبل الله المتين والذي يشد الارض بالشمس، والفرش بالعرش، انحلت عرى الكرة الارضية، فتظل تدور دوراناً تائهاً سائباً، فتطلع الشمس من مغربها بعدم انتظام حركتها وبمعكوسيتها.

هذا وللحديث تأويل آخر هو:

ان القيامة تقوم نتيجة التصادم - بالكواكب السيارة - بأمر إلهي مقدر.

اما " دابة الارض " فان هناك اشارة اليها في غاية الاجمال في القرآن الكريم مع كلام مختصر بلسان حالها.

اما تفصيلها فلا أعرفه الآن معرفة جازمة ـــ وباقتناع قاطع ـــ بمثل المسائل الاخرى. الا انني  أتمكن ان اقول، ولا يعلم الغيب الا الله:

انه كما سلط الله سبحانه آفة الجراد والقمل على قوم فرعون، وسلط (طيراً ابابيل) على قوم أبرهة الذين أتوا لهدم الكعبة، كذلك الذين ينساقون طوعاً وعلى علم بفتن " السفياني والدجاجلة " فيتمادون في العصيان والطغيان والفساد، ويتردون في الالحاد والكفر والكفران والتوحش والغدر بدافع الارهاب والفوضى التي يشيعها يأجوج ومأجوج يخرج عليهم حيوان من الارض - لحكمة ربانية لاعادة صوابهم - فيسلط عليهم ويدمرهم تدميراً.

ان تلك الدابة - والله اعلم - هي نوع وليست فرداً، لانه لو كانت فرداً وحيواناً واحداً ضخماً جداً، لما بلغ كل شخص في كل مكان، فهو اذن طائفة حيوانية مخيفة، وربما هي حيوان كالارضة التي تقضم الخشب وتأكله كما تشير اليها الآية الكريمة (الا دابة الارض تأكل منسأته) (السب:14) . فهذا الحيوان ايضاً يقضم عظام الانسان وينخرها كنخر تلك الدابة الخشب ويستقر في جميع اجزاء جسم الانسان  من أسنانه الى اظفاره.

وقد انطقت الآية الكريمة تلك الدابة بخصوص الايمان مشيرة: بان المؤمنين ينجون منها ببركة الايمان ويمنه، وبتحرزهم من السفاهة، وتجنبهم الاسراف وسوء الاخلاق.

(ربنا لاتُؤاخذنا إن نسينا او أخطأنا)

(سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم)

 

[1]   قال الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح: ".. وان الدجال ممسوح العين اليسرى، عليها ظفرة غليظة، مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن، كاتب وغير كاتب.." رواه احمد والبخاري في الفتن، باب ذكر الدجال، وفي الانبياء، باب ما ذكر في بني اسرائيل، وكذا رواية اخرى مشابهة في التوحيد، باب قول الله (ولتصنع على عيني). ورواه مسلم برقم 2934، 2935، وكذا برقم 2933، وابو داود 4315 وكذا في 4316، 4317، 4318 عن حذيفة وابي مسعود معاً. ورواه الترمذي.

[2]   عن ابي هريرة رضي الله عنه. ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أحدثكم عن الدجال، ما حَدَّثَ به نبي قومه؟ انه أعور، وانه يجئ بمثال الجنة والنار. فالتي يقول انها الجنة، هي النار. واني انذركم به كما انذر به نوح قومه" رواه البخاري في الانبياء، ومسلم برقم 2936.

[3]   عن هشام بن عامر الانصاري رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  "ان رأس الدجال من ورائه حَبَك حَبَك، وانه سيقول: أنا ربكم، فمن قال: انت ربي، افتتن، ومن قال: كذبت. ربي الله وعليه توكلت واليه انيب، فلا يضره، او قال:فلا فتنة عليه " اخرجه الحاكم في المستدرك 4/508 وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وانظر كذلك: النهاية او الملاحم 2/123، جمع الفوائد 2/737، مسند الفردوس 2/236، مسند احمد 3/211 مختصر تذكرة القرطبي ص147 كنز العمال 14/310 نقلا عن الحاكم و 14/312. وفي الحديث الذي خرجه ابن ابي شيبة:  "فانه متى يخرج يزعم انه الله فمن آمن به واتبعه وصدقه فليس ينفعه صالح من عمل سلف، ومن كفر به وكذبه فليس يعاتب بشئ من عمل سلف. وانه سيظهر على الارض كلها، الا الحرم وبيت المقدس، وانه يحصر المؤمنين في بيت المقدس ".

[4]   انظر الى الفتح الكبير 1/315، 2/185، 3/9، مختصر تذكرة القرطبي 148 - 152 مسند الفردوس 1/266 اسعاف الراغبين - هامش نور الابصار ص145 نقلا عن الحاكم، الحاوي للفتاوى 2/217، النهاية او الملاحم 1/32 - 48.

[5]   عن ابي هريرة رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو:  "اللهم اني اعوذ بك من عذاب القبر ومن فتنة المسيح الدجال ". صحيح مسلم 2/2200 البخاري 1/211، 2/126، 8/97، 98، 100.

[6]   انظر الى العرف الوردي في اخبار المهدي للسيوطي، الحاوي للفتاوي 2/234، الفتوحات الاسلامية لأحمد زيني دحلان 294 الاشاعة في اشراط الساعة للبرزنجي 95 - 99 مختصر تذكرة القرطبي 133 - 134 الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي 36.

[7]   عن انس بن مالك رضي الله عنه قال - عند قرب وفاته -  " لأحدثكم حديثاً عن رسول الله صلى الله عليهوسلم لايحدثكم به احد عنه بعدي! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:  "لاتقوم الساعة - او قال - ان من اشراط الساعة: ان يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويشرب الخمر، ويفشو الزنا، ويذهب الرجال ويبقى النساء، حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد ". وفي رواية:  "يظهر الزنا، ويذهب الرجال ويكثر النساء ". رواه البخاري في العلم، باب رفع العلم وظهور الجهل، وفي النكاح باب يقل الرجال ويكثر النساء، وفي الاشربة في فاتحة، وفي المحاربين باب الزكاة. ورواه مسلم برقم 2671 والترمذي.

[8]   الاحاديث في هذا الباب كثيرة، نذكر منها: «قلنا يارسول الله ما لبثه في الارض ؟ قال: اربعون يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر ايامه كأيامكم» صحيح مسلم بشرح النووي 18/66. واخرجه بسياق قريب ابو داود (4321، 4322) والترمذي كلهم من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه.

[9]   عن مجمع بن جارية الانصاري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يقتل ابن مريم الدجال بباب لد»: رواه الترمذي 2345 (تحفة الاحوذي) وقال هذا حديث صحيح. وزاد المباركفوري نسبته لأحمد في المسند والطبراني في الكبير. وكذا الحاكم 4/529 - 530 وقال صحيح الاسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي: على شرط البخاري ومسلم.

[10]   اقتداء عيسى عليه السلام بالمهدي، فيه احاديث صحيحة كثيرة، نسوق منها: عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لاتزال طائفة من امتي يقاتلون على الحق ظاهرين الى يوم القيامة، فينزل عيسى، فيقول أميرهم: تعال صل بنا، فيقول:لا ان بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الامة» رواه مسلم 156، ورواية ثانية حول الاقتداء في البخاري 4/345 ومسلم 155.

 

[11]   عن انس بن مالك رضي الله عنه، ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يتبع الدجال من يهود اصبهان سبعون الفا عليهم الطيالسة» : رواه مسلم 2944 (وفي بعض النسخ اصفهان بالفاء وكلاهما صواب).

[12]   ورد في كتاب  "الاشاعة لاشراط الساعة ص188 عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: أن طول الدجال اربعون ذراعاً بالذراع الاول، تحته حمار أقمر ـ اي شديد البياض ـ طول كل أذن من أذنيه ثلاثون ذراعاً، ما بين حافر حماره الى الحافر الآخر، مسيرة يوم وليلة، تطوى له الارض منهلا منهلا، يتناول السحاب بيمينه، ويسبق الشمس الى مغيبها، يخوض البحر الى كعبه.. " اهـ الحديث  بطوله. وانظر النهاية او الملاحم 2/80، 82 كنز العمال 14/330، مختصر تذكرة القرطبي 144، 148. جمع الجوامع 10662 الدر المنثور 5/355 فيض القدير رقم 4249 مجمع الزوائد 8/344 الحاوي للفتاوى 2/588.

 

[13]   وفي ابي داود 4/123 (4350) عن سعد بن ابي وقاص رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: اني لأرجو ان لاتعجز امتي عند ربها ان يوخرهم نصف يوم، قيل لسعد: وكم نصف ذلك اليوم قال: خمسمائة سنة. وانظر الى النهاية او الملاحم لابن كثير 1/13 واليواقيت والجواهر للشعراني 2/42، 127.

 

[14]   واحاديث المهدي عند الترمذي، وابي داود، وابن ماجة، والحاكم، والطبراني، وابي يعلى الموصلي، واسندوها الى جماعة من الصحابة.. قال الشوكاني في التوضيح: والاحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثا فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلاشك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما هو دونها على جميع الاصطلاحات المحررة في الاصول، واما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي فهي كثيرة ايضاً لها حكم الرفع، اذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك. اهـ (الاذاعة لمحمد صديق حسن خان 113 - 114).

[15]   الكيلاني(عبد القادر): هو ابن ابي صالح ابو محمد الجيلي. ولد بجيلان سنة 470 هـ، ودخل بغداد فسمع الحديث وتفقه  على ابي سعيد المخرمي الحنبلي، وهو احد الاقطاب المعروفين لدى اهل السنة والجماعة، ومجدد عظيم استقام على يديه كثير من المسلمين  واسلم كثير من اليهود والنصارى. من مصنفاته: كتاب الغنية وفتوح الغيب والفتح الرباني، توفي ببغداد سنة 561 هـ . المترجم.

[16]   النقشبند(الشاه):هو محمد بهاء الدين مؤسس الطريقة النقشبندية ولد في قرية قصر العارفان، قرب بخارى، ودرس في سمرقند، تزوج في الثامنة عشرة من عمره، انتسب الى شيوخ كثيرين وعاد اخيراً الى بخارى ولم يغادرها حتى وفاته، وانشأ فيها طريقته ونشرها، وتوفي في 3 ربيع الأول 791هـ  1389م عن (73) سنة من العمر. من مصنفاته: رسالة الواردات والاوراد البهائية، حياتنامة، تنبيه الغافلين.- المترجم.