المقام الثاني

المقام الثاني

من الكلمة الثانية والعشرين

 

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿اَللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيل %لَهُ مَقَالِيدُ السَّــــمٰوَاتِ وَالْأرْضِ﴾ (الزمر:62-63) ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾(يس:83) ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾(الحجر:21) ﴿مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذ بِنَاصِيَتِهَا إِنّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾(هود:56)

المقدمة

لقد بيّنا إجمالا في رسالة "قطرة من بحر التوحيد" قطبَ أركان الإيمان وهو "الإيمان باللّٰه". وأثبتنا أن كل موجود من الموجودات يدل علـى وجوب وجود اللّٰه سبحانه ويشهد على وحدانيته بخمسة وخمسين لسانا. وذكرنا كذلك في رسالة "نقطة من نور معرفة اللّٰه جلَّ جلالُه" أربعة براهين كليّة على وجوب وجوده سبحانه ووحدانيته، كلُّ برهان منها بقوة ألف برهان. كما ذكرنا مئات من البراهين القاطعة التي تبيّن وجوبَ وجوده سبحانه ووحدانيته فيما يقرُب من اثنتي عشرة رسالة باللغة العربية، لذا نكتفي بما سبق ولا ندخل في تفاصيل دقيقة، إلاّ أننا نسعى في هذه "الكلمة الثانية والعشرين" لإظهار "اثنتي عشرة" لمعة من شمس "الإيمان باللّٰه" تلك التي ذكرتُها إجمالا في رسائل النور.

اللمعة الأولى

التوحيد توحيدان، لنوضح ذلك بمثال:

إذا وردتْ إلى سوقٍ أو إلى مدينة بضائع مختلفة وأموال متنوعة لشخص عظيم، فهذه الأموال تُعرف مُلكيتها بشكلين اثنين:

الأول: شكل إجمالي عامي (أي لدى العامة من الناس) وهو: "أن مثل هذه الأموال الطائلة ليس بمقدورِ أحدٍ غيره أن يمتلكها". ولكن ضمن نظرة الشخص العامي هذه يمكن أن يحدث اغتصاب، فيدّعي الكثيرون امتلاك قِطَعها.

الثاني: أن تُقرأ الكتابةُ الموجودة على كل رزمة من رزم البضاعة، وتُعرف الطغراءُ الموجودة على كل طَول، ويُعلم الختمُ الموجود على كل مَعْلمَ. أي كلُّ شيء في هذه الحالة يدل ضمنا على ذلك المالك.

فكما أن البضاعة يُعرف مالكُها بشكلين، كذلك التوحيد فإنه على نوعين:

الأول:التوحيد الظاهري العامي: وهو "أنّ اللّٰه واحد لا شريك له ولا مثيل، وهذا الكون كلّه مُلكه".

الثاني:التوحيد الحقيقي: وهو الإيمان بيقينٍ أقربَ ما يكون إلى الشهود، بوحدانيته سبحانه، وبصدور كلِّ شيء من يد قدرته، وبأنه لا شريكَ له في ألوهيته، ولا معينَ له في ربوبيته، ولا نِدَّ له في مُلكه، إيمانا يَهبُ لصاحبه الاطمئنان الدائم وسكينة القلب، لرؤيته آيةَ قدرته وختمَ ربوبيته ونقشَ قلمه، على كل شيء. فينفتح شباك نافذ من كل شيء إلى نوره سبحانه.

وسنذكر في هذه "الكلمة" شعاعاتٍ تبيّن ذلك التوحيد الحقيقي الخالص السامي.

تنبيه ضمن اللمعة الأولى:

أيها الغافل الغارق في عبادة الأسباب! اعلم أنّ الأسباب ليست إلاّ ستائرَ أمام تصرف القدرة الإلهية، لأن العزة والعظمة تقتضيان الحجاب، أما الفاعلُ الحقيقي فهو القدرة الصمدانية، لأن التوحيد والجلال يتطلبان هذا، ويقتضيان الاستقلال.

واعلم أن مأموري السلطان الأزلي وموظفيه ليسوا هم المنفّذين الحقيقيين لأمور سلطنة الربوبية، بل هم دالّون على تلك العظمة والسلطان، والداعون إليها، ومشاهدوها المعجَبون، فما وُجدوا إلاّ لإظهار عزّة القدرة الربانية وهيبتِها وعظمتها، وذلك لئلا تظهر مباشرةُ يدِ القدرة في أمور جزئية خسيسة لا يُدرِك نظرُ أكثر الغافلين حُسنَها ولا يَعرف حكمتها، فيشتكي بغير حق ويعترض بغير علم. وهم ليسوا كموظفي السلطان البشري الذي لم يعيّنهم ولم يُشركهم في سلطنته إلاّ نتيجة عَجزه وحاجته.

فالأسباب إذن إنما وُضعَت لتبقى عزةُ القدرة مصونةً من جهة نظر العقل الظاهري؛ إذ إنّ لكل شيء جهتين -كوجهي المرآة- إحداهما جهةُ "المُلك" الشبيهة بالوجه المطلي الملوّن للمرآة الذي يكون موضعَ الألوان والحالات المختلفة، والأخرى جهةُ "الملكوت" الشبيهة بالوجه الصقيل للمرآة. ففي الوجه الظاهر -أي جهة المُلك- هناك حالات منافية ظاهرا لعزة القدرة الصمدانية وكمالِها، فوُضعَت الأسبابُ كي تكون مرجِعا لتلك الحالات ووسائلَ لها. أما جهةُ الملكوت والحقيقةِ فكلُّ شيء فيها شفاف وجميل وملائم لمباشرةِ يدِ القدرة لها بذاتها، وليس منافيا لعزّتها، لذا فالأسبابُ ظاهرية بحتة، وليس لها التأثير الحقيقي في الملكوتية أو في حقيقة الأمر.

وهناك حكمة أخرى للأسباب الظاهرية وهي: عدم توجيه الشكاوى الجائرة والاعتراضات الباطلة إلى العادل المطلق جلّ وعلا. أي وُضعت الأسباب لتكونَ هدفا لتلك الاعتراضات وتلك الشكاوي، لأن التقصيرَ صادر منها ناشئ من افتقار قابليتها.

ولقد روي لبيان هذا السر مثال لطيف ومحاورة معنوية هي: أن عزرائيل عليه السلام قال لرب العزة: "إن عبادك سوف يشتكون مني ويسخطون عليّ عند أدائي لوظيفة قبض الأرواح". فقال اللّٰه سبحانه وتعالى له بلسان الحكمة: "سأضع بينَك وبين عبادي ستائرَ المصائب والأمراض لتتوجه شكاواهم إلى تلك الأسباب".

وهكذا، تأمل! كما أن الأمراضَ ستائرُ يَرجع إليها ما يُتوهّم من مساوئ في الأجَل، وكما أن الجمال الموجود في قبض الأرواح -وهو الحقيقة- يعود إلى وظيفة عزرائيل عليه السلام، فإن عزرائيل عليه السلام هو الآخر ستار، فهو ستار لأداء تلك الوظيفة وحجاب للقدرة الإلهية، إذ أصبح مرجِعا لحالات تبدو ظاهرا أنها غيرُ ذات رحمة ولا تليق بكمال القدرة الربانية.

نعم، إن العزّة والعظمة تستدعيان وضعَ الأسباب الظاهرية أمام نظر العقل، إلاّ أن التوحيد والجلال يردّان أيدي الأسباب عن التأثير الحقيقي.

اللمعة الثانية

تأمَّل في بستان هذه الكائنات، وانظر إلى جِنان هذه الأرض، وأنعم النظر في الوجهالجميل لهذه السماء المتلألئة بالنجوم، تَرَ أن للصانع الجليل جلّ جلالُه ختما خاصا بمن هو صانعُ كل شيء على كل مصنوع من مصنوعاته، وعلامةً خاصةً بمن هو خالقُ كل شيء على كل مخلوق من مخلوقاته، وآيةً لا تقلَّد خاصة بسلطان الأزل والأبد على كل منشورٍ من كتابات قلم قُدرته على صحائف الليل والنهار وصفحات الصيف والربيع. سنذكر من تلك الأختام والعلامات بضعا منها نموذجا ليس إلاّ.

انظر مما لا يحصى من علاماته إلى هذه العلامة التي وضعها على "الحياة": "إنه يخلق من شيءٍ واحد كلَّ شيء، ويخلق من كلِّ شيءٍ شيئا واحدا". فمن ماء النطفة بل من ماء الشرب، يخلق ما لا يُعد من أجهزة الحيوان وأعضائه، فهذا العمل لاشك أنه خاص بقدير مطلق القدرة.

ثم إن تحويل الأطعمة المتنوعة، سواء الحيوانية أو النباتية، إلى جسم خاص بنظام كامل دقيق، ونسج جلد خاص للكائن وأجهزة معينة من تلك المواد المتعددة لا شك أنه عملُ قدير على كل شيء وعليم مطلق العلم.

نعم، إن خالق الموت والحياة يدير الحياة في هذه الدنيا، إدارةً حكيمة بقانون أمري معجِز، بحيث لا يمكن أن يطبّق ذلك القانون وينفّذه إلاّ مَن يصرّف جميعَ الكون في قبضته.

وهكذا إن لم تنطفئ جذوة عقلك ولم تفقد بصيرةَ قلبك فستفهم أنّ جعلَ الشيء الواحدِ كلَّ شيء بسهولة مطلقة وانتظام كامل، وجعلَ كلَّ شيء شيئا واحدا بميزانٍ دقيق وانتظام رائع وبمهارة وإبداع، ليس إلاّ علامةً واضحة وآيةً بيّنة لخالق كلِّ شيء وصانِعه.

فلو رأيت -مثلا- أن أحدا يملك أعمالا خارقة: ينسج من وزنِ درهمٍ من القطن مائة طَولٍ من الصوف الخالص وأطوالا من الحرير وأنواعا من الأقمشة، ورأيت أنه يُخرجِ -علاوة على ذلك- من ذلك القطن حلويات لذيذة وأطعمة متنوعة كثيرة، ثم رأيتَ أنه يأخذ في قبضته الحديد والحجر والعسل والدهن والماء والتراب، فيصنع منها الذهب الخالص، فستَحكم حتما أنه يملك مهارةً معجِزة تخصّه وقدرةً مهيمنة على التصرف في الموجودات، بحيث إن جميع عناصر الأرض مسخّرة بأمره، وجميعَما يتولد من التراب منفّذ لحكمه. فإن تعجَبْ من هذا فإن تجلي القدرةِ الإلهية وحكمتِها في "الحياة" لهو أعجبُ من هذا المثال بألف مرّة.. فإليك علامة واحدة من علامات عديدة موضوعة على الحياة.

اللمعة الثالثة

انظر إلى "ذوي الحياة" المتجولة في خضم هذه الكائنات السيالة، وبين هذه الموجودات السيارة، تَرَ أن على كل كائن حيّ، أختاما كثيرة، وضَعها الحيُّ القيوم. انظر إلى ختم واحدٍ منها:

إنّ ذلك الكائن الحيّ -وليكن هذا الإنسانَ- كأنه مثال مصغَّر للكون، وثمرة لشجرة الخِلقة، ونواة لهذا العالَم، حيث إنه جامع لمعظم نماذج أنواع العوالم. وكأن ذلك الكائن الحيّ قطرة محلوبة من الكون كلّه، مستخلصة بموازين علمية حساسة، لذا يلزم لخلقِ هذا الكائن الحيّ، وتربيتِه ورعايتِه أن يكون الكونُ قاطبة في قبضة الخالق وتحت تصرفه. فإن لم يكن عقلُك غارقا في الأوهام، فستفهم أنّ جعلَ النحلة التي تمثل كلمةً من كلمات القدرة الربانية بمثابة فهرس مصغّر لكثير من الأشياء.. وكتابةَ أغلب مسائل كتاب الكون في كيان الإنسان الذي يمثّل صحيفةً من قدرته سبحانه.. وإدراجَ منهاج شجرة التين الضخمة في بُذيراتها التي تمثل نقطةً في كتاب القدرة.. وإراءةَ آثار الأسماء الحسنى المحيطة المتجلية على صفحات هذا الكون العظيم في قلب الإنسان الذي يمثل حرفا واحدا من ذلك الكتاب.. ودرجَ ما تضمّه مكتبة ضخمة من مفصّل حياة الإنسان فيذاكرته المتناهية في الصغر.. كلُّ ذلك دون شك، ختم يخصّ مَن هو خالق كل شيء ورب العالمين.

فلئن أظهر ختمٌ واحد، من بين أختامٍ ربانية كثيرة، على "ذوي الحياة" نورَه باهرا حتى استقرأ آياتِه قراءة واضحة، فكيف إذا استطعتَ أن تنظر إلى جميع "ذوي الحياة" وتشاهِد تلك الأختام معا، وأن تراها دفعةً واحدة، أما تقول: "سبحان من اختفى بشدة ظُهوره"؟

اللمعة الرابعة

انظر إلى هذه الموجودات الملوّنة الزاهية المبثوثة على وجه الأرض، وإلى هذه المصنوعات المتنوعة السابحة في بحر السماوات، تأمل فيها جيدا.. تَرَ: أنّ على كل موجود منها طغراء لا تقلّد للمنوّر الأزلي جلّ وعلا. فكما تُشاهَد على "الحياة" آياتُه وشاراتُه، وعلى "ذوي الحياة" أختامُه -وقد رأينا بعضا منها-، تُشاهَد آيات وشارات أيضا على "الإحياء"، أي منح الحياة. سننظر إلى حقيقتها بمثال، إذ المثال يقرِّب المعاني العميقة للأفهام:

إنه يشاهَد على كل من السيارات السابحة في الفضاء، وقطرات الماء، وقطع الزجاج الصغيرة، وبلورات الثلج البراقة.. طغراء لصورة الشمس وختم لانعكاسها، وأثر نوراني خاص بها، فإن لم تقبل أن تلك الشُمَيسات المشرقة على الأشياء غير المحدودة، هي انعكاسات نور الشمس وتجلّيها، فستضطر أن تقبل بوجود شمس بالأصالة في كل قطرة، وفي كل قطعة زجاجٍ معرّضة للضوء، وفي كل ذرة شفافة تقابل الضوء، مما يلزم ترديك في منتهى البلاهة ومنتهى الجنون!

وهكذا، فللّٰه سبحانه وهو نورُ السماوات والأرض تجليات نورانية، من حيث "الإحياءُ" وإفاضةُ الحياة، فهو آية جلية وطغراء واضحة يضعها سبحانه على كل ذي حياة، بحيث لو افتُرض اجتماعُ جميع الأسباب وأصبح كلُّ سبب فاعلا مختارا فلن تستطيع منحَ حياةٍ لموجود. أي إنها تعجَز عَجزا مطلقا عن أن تقلّد الختمَ الرباني في الإحياء. ذلك لأن كل ذي حياة هو بحدّ ذاته معجزة من معجزات القدرة الإلهية، إذ هو على صورة نقطة مركزية "كالبؤرة" لتجليات الأسماء الحسنى، التي كلّ منها بمثابة شعاع من نوره سبحانه. فلو لم يُسنَد ما يشاهَد على الكائن الحيّ من صنعةٍ بديعة في الصورة، وحكمةٍ بالغة في النظام، وتجلٍّ باهر لسر الأحدية، إلى الأحد الصمد جلّ جلالُه، للزم قبولَ قدرةٍ فاطرة مطلـقة غير متـناهية مـستـترة في كل ذي حياة، ووجود علمٍ محيط واسع فيه، مع إرادةٍ مطلقة قـادرةٍ عـلى إدارة الـكون، بل يجب قبول وجود بقية الصفات التي تخص الخالق سبحانه في ذلك الكائن، حتى لو كان الكائن الحي ذبابة أو زهرة! أي إعطاء صفات الألوهية لكل ذرة من ذرات أي كائن! أي قبـولُ افتراضاتٍ محالة من أمثال هذه الافتراضات التي توجب السقوطَ إلى أدنى بلاهات الضلالة وحماقات الخرافة! ذلك لأنه سبحانه وتعالى قد أعطى لذرات كل شيء -لا سيما إذا كانت من أمثال البذرة والنواة- وضعا معينا، كأنّ تلك الذرة تنظر إلى ذلك الكائن الحي كله -رغم أنها جزء منه- وتتخذ موقفا معينا وفق نظامه، بل تتخذ هيئة خاصة بما يفيد دوام ذلك النوع، وانتشاره ونصب رايته في كل مكان، وكأنها تتطلع إلى جميع أنواع ذلك الكائن في الأرض -فتزود البذرة مثلا بما يشبه جُنيحات لأجل الطيران والانتشار- ويتخذ ذلك الكائن الحيّ موقفا يتعلق بجميع موجودات الأرض التي يحتاجها لإدامة حياته وتربيته ورزقه ومعاملاته. فإن لم تكن تلك الذرةُ مأمورةً من لدن قدير مطلق القدرة، وقُطِعت نسبتُها من ذلك القدير المطلق، لزم أن يُعطى لها بصر تبصر به جميع الأشياء، وشعور يحيط بكل شيء!!.

حاصل الكلام:كما أنه لو لم تُسنَد صُور الشُميسات المشرقة وانعكاسات الألوان المختلفة في القطرات وقطع الزجاج إلى ضوء الشمس، ينبغي عندئذٍ قبولَ شموس لا تُحصى بدلا من شمس واحدة. مما يقتضي التسليم بخرافة محالة؛ كذلك لو لم يُسند خلقُ كل شيء إلى القدير المطلق، للزم قبولُ آلهة غير متناهية بل بعدد ذرات الكون بدلا من اللّٰه الواحد الأحد سبحانه. أي قبولُ محال بدرجة مائة محال، أي ينبغي السقوط إلى هذيان الجنون.

نخلص من هذا: أن هناك في كل ذرة ثلاثةَ شبابيك نافذة مفتّحة إلى نور وحدانية اللّٰه جلّ جلالُه وإلى وجوب وجوده سبحانه وتعالى:

النافذة الأولى:

إن كل ذرة كالجندي، الذي له علاقة مع كل دائرة من الدوائر العسكرية أي مع رهطه وسرّيته وفَوجه ولوائه وفرقته وجيشه، وله حسب تلك العلاقة وظيفة هناك، وله حسب تلك الوظيفة حركة خاصة ضمن نطاق نظامها. فالذرة الجامدة الصغيرة جدا، التي هي في بؤبؤ عينك لها علاقة معينة ووظيفة خاصة، في عينك ورأسك وجسمك، وفي القوى المولدة والجاذبة والدافعة والمصّورة، وفي الأوردة والشرايين والأعصاب، بل لها علاقة حتى مع نوع الإنسان.

فوجود هذه العلاقات والوظائف للذرة، يدلّ بداهة لذوي البصائر على أن الذرة إنما هي أثر من صنعِ القدير المطلق، وهي مأمورة موظّفة تحت تصرفه سبحانه وتعالى.

النافذة الثانية:

إنّ كلّ ذرة من ذرات الهواء تستطيع أن تزور أيةَ زهرة أو ثمرة كانت، وتتمكن من الدخول والعمل فيها، فلو لم تكن الذرةُ مأمورةً مسخّرة من لدن القدير المطلق البصير بكل شيء، للزم أن تكون تلك الذرةُ التائهة عالمةً بجميع أجهزة الأثمار والأزهار وبكيفيات بنائها، ومدركةً صنعتها الدقيقة المتباينة، ومحيطةً بنسج وتفصيل ما قدّ عليها من صوَر وأشكال، ومتقنةً صناعة نسيجها إتقانا تاما!!

وهكذا تشع هذه الذرة شعاعا من شعاعات نور التوحيد كالشمس وضوحا.. وقس الضوء على الهواء، والماء على التراب حيث إن منشأ الأشياء من هذه المواد الأربعة. وقس ما في العلوم الحاضرة من مولد الماء ومولد الحموضة (الأوكسجين والهيدروجين) والآزوت والكاربون على تلك العناصر المذكورة.

النافذة الثالثة:

يمكن أن تكون كتلة من التراب المركّب من ذرات دقيقة منشأً ومصدرا لنموّ أيِّ نبات من النباتات المزهرة والمثمرة الموجودة في الأرض كافة، فيما لو وُضعت فيها بُذيراتُها الدقيقة، تلك البذيرات المتشابهة -كالنُطف- والمركبة من الكربون وآزوت وأوكسجين وهيدروجين، فهي متماثلة ماهيةً، رغم أنها مختلفة نوعيةً، حيث أودع فيها بقلم القَدَر، برنامجُ أصلها الذي هو معنوي بحت. فإذا ما وضعنا بالتعاقب تلك البذور في سندانة، فستنمو كلُّ بذرة بلا ريب بشكل يُبرز أجهزتَها الخارقة وأشكالَها الخاصة وتراكيبها المعينة. فلو لم تكن كلُّ ذرة من ذرات التراب مأمورةً وموظفة ومتأهبة للعمل تحت إمرة عليم بأوضاع كل شيء وأحواله، وقديرٍ على إعطاء كل شيء وجودا يليق به ويديمه، أي لو لم يكن كلُّ شيء مسخرا أمام قدرته سبحانه، للزم أن تكون في كل ذرة من ذرات التراب، مصانعُ ومكائنُ ومطابع معنوية، بعدد النباتات، كي تُصبح منشأً لتلك النباتات ذات الأجهزة المتباينة والأشكال المختلفة!.. أو يجب إسنادُ علمٍ يحيط بجميع الموجودات إلى كل ذرة، وقدرةٍ تقدر على القيام بعمل جميع الأجهزة والأشكال فيها، كي تكون مصدرا لجميعها!!

أي إنه إذا ما انقطع الانتساب إلى اللّٰه سبحانه وتعالى، ينبغي قبولُ وجود آلهة بعدد ذرات التراب!! وهذه خرافة مستحيلة في ألـف محال ومحـال. بينما الأمر يكون مستساغا عقلا وسهلا ومقبولا عندما تُصبح كل ذرة مأمورة، إذ كما أن جنديا اعتياديا لدى سلطان عظيم يستطيع -باسم السلطان واستنادا إلى قوته- أن يقوم بتهجير مدينة عامرة من أهلها، أو يصلَ بين بحرين واسعين، أو يأسر قائدا عظيما، كذلك تستطيع بعوضة صغيرة أن تطرح نمرودا عظيما على الأرض، وتستطيع نملة بسيطة أن تدمّر صرح فرعون، وتستطيع بذرةُ تين صغيرة جدا أن تحمل شجرة التين الضخمة على ظهرها. كل ذلك بأمر سلطان الأزل والأبد وبفضل ذلك الانتساب.

وكما رأينا هذه النوافذ الثلاث المفتحة على نور التوحيد في كل ذرة. ففيها أيضا شاهدان صادقان آخران على وجود الصانع سبحانه وتعالى وعلى وحدانيته.

أولهما: هو حملُ الذرةِ على كاهلها وظائفَ عظيمة جدا ومتنوعة جدا، مع عَجزها المطلق.

والآخر: هو توافق حركاتها بانتظام تام وتناسقها مع النظام العام، حتى تبدو وكأن فيها شعورا عاما كليا مع أنها جماد. أي إن كل ذرة تشهد بلسان عَجزها على وجود القدير المطلق، وتشهد بإظهارها الانسجامَ التام مع نظام الكون العام على وحدانية الخالق سبحانه وتعالى.

وكما أن في كل ذرة شاهدين على أن اللّٰه واجبُ الوجود وواحد، كذلك في كل "حي" له آيتان على أنه "أحد صمد".

نعم، ففي كل حيّ هناك آيتان:

إحداهما: آيةُ الأحدية.

والأخرى: آيةُ الصمدية.

لأن كلَّ "حيّ" يُظهر تجليّات الأسماء الحسنى، المشاهَدة في أغلب الكائنات، يُظهرها دفعةً واحدة في مرآته، وكأنه نقطة مركزية -كالبؤرة- تبيّن تجلي اسم اللّٰه الأعظم. "الحي القيوم". أي إنه يحمل آيةَ الأحدية بإظهاره نوعا من ظل أحدية الذات تحت ستار اسم المحيي.

ولما كان الكائن الحيّ بمثابة مثال مصغّر للكائنات، وبمثابة ثمرةٍ لشجرة الخليقة، فإن إحضار حاجاته المترامية في الكائنات إلى دائرة حياته الصغيرة جدا، بسهولة كاملة، وبدفعة واحدة، يُبرز للعيان آيةَ الصمدية ويبيّنها، أي إن هذا الوضع يبيّن أن لهذا الكائن الحيّ ربّا -نِعمَ الرب- بحيث إن توجّها منه إليه يُغنيه عن كل شيء، ونظرةً منه إليه تكفيه عن جميع الأشياء، ولن يحلّ جميعُ الأشياء محلَّ توجهٍ واحدٍ منه سبحانه.

"نعم يكفي لكل شيءٍ شيء عن كل شيءٍ، ولا يكفي عنه كلُّ شيءٍ ولو لشيءٍ واحد".

وكذا يبيّن ذلك الوضع أن ربّه ذاك -جلّ شأنه- كما انه ليس محتاجا إلى شيء أيّا كان، فان خزائنه لا ينقص منها شيء أيضا، ولا يصعب على قدرته شئ.. فإليك مثالا من آيةٍ تُظهر ظل الصمدية. أي، إن كل ذي حياة يرتّل بلسان الحياة: "قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَد. اللَّهُ الصَّمَدُ"..

هذا وإن هناك عدة نوافذ مهمة أخرى عدا ما ذكرناه قد أختُصرت هنا فيما فُصلت في أماكن أخرى. فما دامت كلُّ ذرة من ذرات هذا الكون تفتح ثلاث نوافذ، وكُوّتين، والحياة نفسُها تفتح بابين دفعة واحدة إلى وحدانية اللّٰه سبحانه، فلابدّ أنك تستطيع الآن قياس مدى ما تنشره طبقاتُ الموجودات، من الذرات إلى الشمس، من أنوار معرفة اللّٰه ذي الجلال.. فافهم من هذا سعةَ درجات الرقي المعنوي في معرفة اللّٰه سبحانه ومراتبَ الاطمئنان والسكينة القلبية، وقس عليها.

اللمعة الخامسة

من المعلوم أنه يكفي لإخراج كتابٍ ما، قلم واحد إن كان مخطوطا. وتلزم أقلام عديدة بعدد حروفه إن كان مطبوعا، أي حروف معدنية عديدة. ولو كُتب معظمُ ما في الكتاب في بعض حروفه بخط دقيق جدا -ككتابة سورة يس مصغّرة في لفظ يس- فيلزم عندئذٍ أن تكون جميعُ الحروف المعدنية مصغّرة جدا لطبع ذلك الحرف الواحد.

فكما أن الأمر هكذا في الكتاب المستنسخ أو المطبوع؛ كذلك كتاب الكون هذا، إذا قلتَ إنه كتابةُ قلمِ قدرة الصمد، ومكتوبُ الواحد الأحد، فقد سلكتَ إذن طريقا سهلةً بدرجة الوجوب، ومعقولةً بدرجة الضرورة. ولكن إذا ما أسندتَه إلى الطبيعة وإلى الأسباب، فقد سلكتَ طريقا صعبة بدرجة الامتناع، وذات إشكالات عويصة بدرجة المحال، وذات خرافات لاشك فيها؛ إذ يلزم أن تنشئ الطبيعةُ في كل جزءِ تراب، وفي كل قطرةِ ماء، وفي كل كتلةِ هواء ملايينَ الملايين من مطابع معدنية، وما لا يحد من مصانع معنوية، كي يُظهرَ كلّ جزءٍ من تلك الأجزاء وينشئَ ما لا يعدّ ولا يُحصى من النباتات المزهرة والمثمرة.. أو تضطر إلى قبول وجود علمٍ محيط بكل شيءٍ، وقوةٍ مقتدرة على كل شيء في كل منها، كي يكون مصدرا حقيقيا لهذه المصنوعات؛ لأن كل جزءٍ من أجزاء التراب والماء والهواء يمكن أن يكون منشأً لأغلب النباتات. والحال أنّ تركيب كلَّ نباتٍ منتظمٌ، وموزون، ومتمايز، ومختلف نوعا، فكلّ منه إذن بحاجة إلى معمل معنوي خاص به وحده وإلى مطبعة تخصّه هو فقط. فالطبيعة إذن إذا خرجت عن كونها وحدةَ قياسٍ للموجودات إلى مصدرٍ لوجودها، فما عليها إلاّ إحضار مكائنِ جميع الأشياء في كل شيء!!.

وهكذا فإن أساس فكرة عبادة الطبيعة هذه خرافة -بئست الخرافة- حتى الخرافيون أنفسهم يخجلون منها. فتأمل في أهل الضلالة الذين يَعدّون أنفسَهم عقلاء كيف تمسكوا بفكرة غير معقولة بالمرّة.. ثم اعتبر!!.

الخلاصة: إنّ كل حرف في أيِّ كتاب كان، يُظهر نفسَه بمقدار حرف، ويدل على وجوده بصورة معينة، إلاّ أنه يعرّف كاتبَه بعشر كلمات، ويدل عليه بجوانب عديدة، فيقول مثلا: إن كاتبي خطه جميل، وإن قلمه أحمر، وإنه كذا وكذا..

ومثلُ ذلك كلُّ حرف من كتاب العالم الكبير هذا، يدل على ذاته بقدر جِرمه (مادته) ويُظهِر نفسَه بمقدار صورته، إلاّ أنه يعرّف أسماء "البارئ المصوّر" سبحانه بمقدار قصيدة، ويُظهر تلك الأسماء الحسنى ويشير إليها بعدد أنواعه شاهدا على مسمّاه، لذا لا ينبغي أن يزلّ إلى إنكار الخالق ذي الجلال حتى ذلك السوفسطائي الأحمق الذي يُنكر نفسَه وينكر الكون.

اللمعة السادسة

إنّ الخالق ذا الجلال كما وضع على جبين كل "فرد" من مخلوقاته وعلى جبهة كل "جزء" من مصنوعاته، آيةَ أحديته -وقد رأيتَ قسما منها في اللمعات السابقة-، فإنه سبحانه قد وضع على كل "نوع" كثيرا من آية الأحدية بشكل ساطع لامع، وعلى كل "كلٍّ" عديدا من أختام الواحدية، بل وضع على مجموع العالَم أنواعا من طغراء الوحدة. وإذا تأملنا ختما واحدا، من تلك الأختام والعلامات العديدة الموضوعة على صحيفة سطح الأرض في موسم الربيع تبين لنا ما يأتي:

إنّ البارئ المصوّر سبحانه وتعالى قد حشر ونشر أكثر من ثلاثمائة ألف نوعٍ من النباتات والحيوانات على وجه الأرض في فصل الربيع والصيف بتمييز وتشخيص بالغين، وبانتظام وتفريق كاملين رغم اختلاط الأنواع اختلاطا كاملا. فأظهر لنا آيةً واسعة ساطعة للتوحيد، واضحةً وضوح الربيع. أي إنّإيجادَ ثلاثمائة ألفِ نموذج من نماذج الحشر بانتظام كامل عند إحياء الأرض الميتة في موسم الربيع، وكتابةَ الأفراد المتداخلة لثلاثمائة ألف نوع مختلف على صحيفة الأرض كتابةً دون خطأ ولا سهو ولا نقص، وفي منتهى التوازن والانتظام، وفي منتهى الاكتمال، لاشك أنه آية خاصة بمَن هو قدير على كل شيء بيده ملكوت كل شيء، وبيده مقاليد كل شيء، وهو الحكيم العليم. هذه الآية من الوضوح بحيث يدركها كلُّ من له ذرة من شعور.

ولقد بيّن القرآن الكريم هذه الآية الساطعة في قوله تعالى: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾(الروم:50)

نعم، إن قدرة الفاطر الحكيم التي أظهرت ثلاثمائة ألف نوع من نماذج الحشر في إحياء الأرض خلال بضعة أيام، لابدّ أن يكون حشرُ الإنسان لديها سهلا ويسيرا. إذ هل يصحّ أن يُقال -مثلا- لمن له خوارق بحيث يزيل جبلا عظيما بإشارة منه، هل يستطيع أن يزيل هذه الصخرة العظيمة التـي سَدّت طريقنا من هذا الوادي؟. ومثلَه كذلك، لا يجرؤ ذو عقل أن يقول بصيغة الاستبعاد للقدير الحكيم والكريم الرحيم الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام، والذي يملؤها ويفرغهما حينا بعد حين: كيف يستطيع أن يزيل طبقةَ التراب هذه التي علينا والتي سدّت طريقنا المفروشة إلى مستضافه الخالد؟.

فهذا مثالُ آيةٍ واحدة للتوحيد، تَظهر على سطح الأرض في فصل الربيع والصيف!فتأمل إذن كيف يظهر ختمُ الواحدية بجلاء على تصريف الأمور في الربيع الهائل على سطح الأرض وهو في منتهى الحكمة والبصر؛ ذلك لأن هذه الإجراءات المشاهَدة، هي في انتظام مطلق، وخلقة تامة، وصنعة كاملة بديعة، مع أنها تجري في سعة مطلقة، ومع هذه السعة فهي تتم في سرعة مطلقة، ومع هذه السرعة فهي تردُ في سخاء مطلق. ألاَ يوضّح هذا أنه ختم جليّ بحيث لا يمكن أن يمتلكه إلاّ مَن يملك علما غير متناهٍ وقدرةً غير محدودة.

نعم، إننا نشاهد على سطح الأرض كافة، أن هناك خلقا وتصرفا وفعاليةً تجري في سعة مطلقة، ومع السعة تُنجَز في سرعة مطلقة، ومع السرعة والسعة يُشاهد سخاء مطلق في تكثير الأفراد، ومع السخاء والسعة والسرعة تتضح سهولة مطلقة في الأمر مع انتظامٍ مطلق وإبداع في الصنعة وامتياز تام، رغم الاختلاط الشديد والامتزاج الكامل. ويُشاهد كذلك آثار ثمينة جدا، ومصنوعات نفيسة جدا رغم الوفرة غير المحدودة، مع انسجام كامل في نطاق واسع جدا، ودقة الصنعة وبدائعها وروعتها وهي في منتهى السهولة واليسر. فإيجاد كلّ هذا في آن واحد، وفي كل مكان، وبالطراز نفسه، وفي كل فرد، مع إظهار الصنعة الخارقة والفعالية المعجِزة، لاشك مطلقا أنه برهان ساطع وختم يخصّ مَن لا يحدّه مكان، مثلما أنه في كل مكان، حاضر وناظر رقيب حسيب، ومَن لا يخفى عليه شيء مثلما أنه لا يعجزه شيء. فخلقُ الذرات والنجوم سواءٌ أمام قدرته.

لقد أحصيتُ ذات يوم عناقيد ساق نحيفة لعنب متسلق -بغلظ إصبعين- تلك العناقيد التي هي معجزات الرحيم ذي الجمال في بستان كَرَمه. فكانت مائة وخمسة وخمسين عنقودا. وأحصيتُ حبّات عنقود واحد منها فكانت مائة وعشرين حبة. فتأملتُ وقلت: لو كانت هذه الساق الهزيلة خزانةَ ماء معسّل، وكانت تعطي ماءً باستمرار لما كانت تكفي أمام لَفح الحرارة ما تُرضعُه لمئاتِ الحبات المملوءة من شرابِ سُكّر الرحمة. والحال أنها قد لا تنال إلاّ رطوبةً ضئيلة جدا. فيلزم أن يكون القائمُ بهذا العمل قادرا على كل شيء. فـ"سبحان من تَحيَّرُ في صُنعه العقولُ".

اللمعة السابعة

كما أنك تتمكن من رؤية أختام الأحد الصمد سبحانه، المختومةِ بها صحيفةُ الأرض، وذلك بنظرة إمعان قليلة، فارفع رأسَك وافتح عينيك، وألقِ نظرةً على كتاب الكون الكبير تَرَ أنه يقرأ على الكون كلِّه، ختمَ الوحدة بوضوح تام، بقدر عظمتِه وسعتِه؛ ذلك لأن هذه الموجودات كأجزاء معمل منتظم، وأركان قصر معظم، وأنحاء مدينة عامرة، كلُّ جزءٍ ظهير للآخر، كلُّ جزء يمدّ يدَ العون للآخر، ويجِدّ في إسعاف حاجاته. والأجزاءُ جميعا تسعى يدا بيد بانتظام تام في خدمة ذوي الحياة، متكاتفةً متساندة متوجهة إلى غاية معينة في طاعة مدبّر حكيمٍ واحدٍ.

نعم، إن دستور "التعاون" الجاري الظاهر، ابتداءً من جري الشمس والقمر، وتعاقب الليل والنهار وترادف الشتاء والصيف.. إلى إمدادِ النباتات للحيوانات الجائعة، وإلى سعي الحيوانات لمساعدة الإنسان الضعيف المكرّم، بل إلى وصول المواد الغذائية على جناح السرعة لإغاثة الأطفال النحاف، وإمداد الفواكه اللطيفة. بل إلى خِدمة ذرات الطعام لحاجة حجيرات الجسم.. كلُّ هذه الحركات الجارية وفق دستور "التعاون" تُري لمَن لم يفقد بصيرتَه كلّيا أنها تجري بقوةِ مربٍّ واحدٍ كريم مطلق الكرم، وبأمر مدبّر واحد حكيم مطلق الحكمة.

فهذا التساند، وهذا التعاون، وهذا التجاوب، وهذا التعانق، وهذا التسخير، وهذا الانتظام، الجاري في هذا الكون، يشهدُ شهادة قاطعة، أن مدبّرا واحدا هو الذي يديرُه، ومربّيا أحدا يسوق الجميع في الكون. زد عليه، فإن الحكمةَ العامة الظاهرة بداهة في خلق الأشياء البديعة، وما تتضمنه من عناية تامة، وما في هذه العناية من رحمة واسعة، وما على هذه الرحمة من أرزاق منثورة تفي بحاجة كل ذي حياة وتعيّشه وفق حاجاته.. كل ذلك ختم عظيم للتوحيد له من الظهور والوضوح ما يفهمه كلُّ مَن لم تنطفئ جذوةُ عقله، ويراه كلُّ من لم يَعْمَ بصَرُه؟.

نعم، إن حُلّة "الحكمة" التي يتراءى منها القصدُ والشعورُ والإرادةُ قد أُسبغت على الكون كله وجُلّلت كلّ جوانبه.. وخُلعَتْ على حُلة الحكمة هذه حلّةُ "العناية" التي تشفّ عن اللّطف والتزيين والتحسين والإحسان.. وعلى هذه الحلة القشيبة للعناية ألقيت حلّةُ "الرحمة" التي يتألق منها بريقُ التودد والتعرف والإنعام والإكرام وهي تغمر الكون كلَّه وتضمه.. وصُفَّت على هذه الحلّة المنوّرة للرحمة العامة "الأرزاق العامة"، ومُدّت موائدُها التي تعرِض الترحّمَ والإحسانَ والإكرامَ والرأفة الكاملة وحسن التربية ولطف الربوبية.

نعم، إن هذه الموجودات؛ ابتداءً من الذرات إلى الشموس، سواء أكانت أفرادا أم أنواعا وسواء أكانت صغيرة أم كبيرة، قد أُلبست ثوبا رائعا جدا، نُسجَ هذا الثوب من قماش "الحكمة" المزيّن بنقوش الثمرات والنتائج والغايات والفوائد والمصالح.. وكسيت بحلّةِ "العناية" المطرزة بأزاهير اللطف والإحسان قُدّت وفُصّلت حسب قامة كل شيء ومَقاس كل موجود.. وعلى حلّة العناية هذه قُلّدت شاراتُ "الرحمة" الساطعة ببريق التودد والتكرم والتحنن، والمتلألئة بلمعات الإنعام والإفضال.. وعلى تلك الشارات المرصّعة المنورة نُصبَت مائدةُ "الرزق" العام على امتداد سطح الأرض، بما يكفي جميع طوائف ذوي الحياة وبما يفي سدّ جميع حاجاتهم.

وهكذا، فهذا العملُ يشير إشارة واضحة وضوحَ الشمس، إلى حكيمٍ مطلقِ الحكمة، وكريم مطلقِ الكرم، ورحيم مطلق الرحمة، ورزاق مطلق الرزق.

- أحقا أن كل شيء بحاجة إلى الرزق؟

نعم، كما أننا نرى أن كل فرد بحاجة إلى رزق يديم حياتَه، كذلك جميعُ موجودات العالم -ولا سيما الأحياء- الكلّي منها والجزئي، أو الكلّ والجزء، لها في كيانها، وفي بقائها، وفي حياتها وإدامتها، مطاليبُ كثيرة، وضروريات عديدة، مادةً ومعنىً. ومع أنها مفتقرة ومحتاجة إلى أشياء كثيرة مما لا يمكن أن تصل يدُها إلى أدناها، بل لا تكفي قوّةُ ذلك الشيء وقدرتُه للحصول على أصغر مطالبه، نشاهد أن جميع تلك المطالب والأرزاق المادية والمعنوية تُسلَّم إلى يديه من حيث لا يحتسب، وبانتظام كامل وفي الوقت المناسب تسليما موافقا لحياته متّسما بالحكمة الكاملة.

ألَا يدل هذا الافتقار، وهذه الحاجة في المخلوقات، وهذا النمط من الإمداد والإعانة الغيبية، على ربٍّ حكيمٍ ذي جلال ومدبّر رحيم ذي جمال؟.

اللمعة الثامنة

مثلما أن زراعة بذورٍ في حقلٍ ما، تدل على أن ذلك الحقل هو تحت تصرف مالك البذرة، وأن تلك البذرة هي كذلك تحت تصرفه. فإن كلّيةَ العناصر في مزرعة الأرض، وفي كل جزء منها، مع أنها واحدة وبسيطة، وانتشارَ المخلوقات من نباتات وحيوانات في معظم الأماكن -وهي تمثل ثمرات الرحمة الإلهية ومعجزات قدرته وكلمات حكمته- مع أنها متماثلة ومتشابهة ومتوطنة في كل طرف.. إن هذه الكلّية والانتشار يدلان دلالة جَليّة على أنهما تحت تصرّف ربّ واحد أحد. حتى كأن كلّ زهرة، وكلّ ثمرة، وكل حيوان، آيةُ ذلكم الربّ الكريم وختمُه وطغراؤه، فأينما يحل أيُّ منها يقول بلسان حاله: "مَن كنتُ آيتَه، فهذه الأرض مصنوعتُه، ومَن كنتُ ختمَه فهذا المكان مكتوبُه، ومَن كنتُ علامتَه فهذا الموطن منسوجُهُ.."

فالربوبية إذن على أدنى مخلوق، إنما هي من شأن مَن يُمسك في قبضة تصرّفه جميعَ العناصر.. ورعايةُ أدنى حيوان إنما هي من شأن مَن لا يُعجزه تربيةُ جميع الحيوانات والنباتات والمخلوقات ضمن قبضة ربوبيته!. هذه الحقيقةُ واضحة لمَن لم يَعمَ بصرُه!

نعم، إنّ كل فرد يقول بلسان مماثلته ومشابهته مع سائر الأفراد: "مَن كان مالكا لجميع نوعي يمكنه أن يكون مالكي، وإلاّ فلا". وإنّ كل نوع يقول بلسان انتشاره مع سائر الأنواع، وكذا الأرض تقول بلسان ارتباطها بسائر السيارات بشمس واحدة وتساندها مع السماوات: "مَن كان مالكا للكون كلّه يمكنه أن يكون مالكي، وإلاّ فلا".

فلو قيل لتفاحةٍ ذات شعور: "أنتِ مصنوعتي أنا" فسترد عليه تلك التفاحة بلسان الحال قائلة: "صه.. لو استطعتَ أن تكون قادرا على تركيب ما على سطح الأرض من تفاح، بل لو أصبحت متصرفا فيما على الأرض من نباتات مثمرة من جنسنا، بل متصرفا في هدايا الرحمن التي يجود بها من خزينة الرحمة. فادَّعِ آنذاك الربوبية عليَّ!" فتلطمُ تلك التفاحة بهذا الجواب فمَ ذلك الأحمق لطمة قوية..!.

اللمعة التاسعة

لقد أشرنا إلى آياتٍ وأختام موضوعة على "الجزء والجزئي"، وعلى "الكلّ والكلّي"، وعلى "العالَم الكلّي"، وعلى "الحياة" وعلى "ذوي الحياة" وعلى "الإحياء"، ونشير هنا إلى آية واحدةٍ مما لا يُحصى من الآيات في "الأنواع":

إن تكاليف أثمار عديدة لشجرة مثمرة تتسهّل، ومصاريفها تتذلل، حتى تتساوى مع تكاليف ومصاريف ثمرةٍ واحدة تربّت بأيدي الكثرة. ذلك لأنّ الشجرةالواحدة المثمرة تُدار من مركز واحد، وبتربية واحدة، وبقانون واحد. أي إن الكثرة وتعدد المراكز يستدعيان أن تكون لكل ثمرة مصاريف وتكاليف وأجهزة -كميةً- بقدر ما تحتاجُه شجرة كاملة. والفرق في النوعية ليس إلاّ. مثَلُه في هذا مثلُ عمَل عَتادٍ لجندي، وتوفير تجهيزاته العسكرية، إذ يحتاج معاملَ بقدر المعامل التي يحتاجها الجيش بأكمله. فالعمل إذن إذا انتقل من يد الوحدة إلى يد الكثرة فإن التكاليف تزداد من حيث الكمية بعدد الأفراد. وهكذا فإن ما يشاهَد من أثر اليُسر والسهولة الظاهرة في النوع إنما هو ناشئ من السهولة الفائقة في الوحدة والتوحيد.

الخلاصة: كما أن التشابه والتوافق في الأعضاء الأساس لأنواع جنسٍ واحد وأفراد نوعٍ واحد، يُثبتان أن تلك الأنواع والأفراد إنما هي مخلوقاتُ خالقٍ واحد، كذلك السهولةُ المطلقة المشهودة، وانعدامُ التكاليف، تستلزمان بدرجة الوجوب أن يكون الجميعُ آثارَ صانع واحد؛ لأن وحدةَ القلم ووحدةَ السكة والختم تقتضيان هذا، وإلاّ لساقت الصعوبةُ التي هي في درجة الامتناع ذلك الجنس إلى الانعدام، وذلك النوع إلى العدم.

نحصل من هذا: أنه إذا أسند الخلقُ إلى الحق سبحانه وتعالى فإن جميع الأشياء حُكْمها في سهولة الخلق كخلق شيءٍ واحد، وإن أسند إلى الأسباب فإن كلَّ شيء يكون حُكمُه في الخلق صعبا كصعوبة خلق جميع الأشياء. ولمّا كان الأمر هكذا، فالوفرةُ الفائقة المشاهَدة في العالم، والخِصبُ الظاهر أمام العين يظهران كالشمس آيةَ الوحدة. فإن لم تكن هذه الفواكهُ الوفيرةُ التي نتناولها مُلكا لواحدٍ أحد، لَما أمكننا أن نأكل رمانةً واحدة ولو أعطينا ما في الدنيا كلها ثمنا لصُنعها.

اللمعة العاشرة

كما أن الحياة التي تُظهر تَجلّي الجمال الرباني هي برهان الأحدية، بل هي نوع من تجلي الوحدة، فالموتُ الذي يُظهر تجلي الجلال الإلهي هو الآخر برهان الواحدية.

فمثلا: إن الفقاعات والزبَد والحباب المواجهة للشمس، والتي تنساب متألقةً على سطح نهرٍ عظيم، والموادَ الشفافة المتلمعة على سطح الأرض، شواهدُ على وجود تلك الشمس؛ وذلك بإراءتها صورةَ الشمس وعكسَها لضوئها. فدوامُ تجلي الشمس ببهاء مع غروب تلك القطرات وزوال لمعان المواد، واستمرارُ ذلك التجلي دون نقص على القطرات والمواد الشفافة المقبلة مجددا، لهي شهادة قاطعة على أن تلك الشُميسات المثالية، وتلك الأضواء المنعكسة، وتلك الأنوار المشاهدة التي تنطفئ وتضيء وتتغير وتتبدل متجدّدةً، إنما هي تجلياتُ شمسٍ باقية، دائمةٍ، عالية، واحدةٍ لا زوال لها. فتلك القطرات اللماعة إذن بظهورها وبمجيئها تدلّ على وجود الشمس وعلى دوامها ووحدتها.

وعلى غرار هذا المثال "وللّٰه المثل الأعلى" نجد أن: هذه الموجودات السيالة إذ تشهدُ بوجودها وحياتها على وجوب وجود الخالق سبحانه وتعالى، وعلى أحديته، فإنها تشهد بزوالِها وموتِها أيضا على وجود الخالق سبحانه وعلى أزليته وسرمديته وواحديته.

نعم، إن تجدد المصنوعات الجميلة وتبدّل المخلوقات اللطيفة، ضمن الغروب والشروق، وباختلاف الليل والنهار، وبتحول الشتاء والصيف، وتبدل العصور والدهور، كما أنها تشهد على وجود ذي جمال سرمدي رفيع الدرجات دائم التجلي، وعلى بقائه سبحانه ووحدته، فإن موتَ تلك المصنوعات وزوالها -بأسبابها الظاهرة- يبيّن تفاهةَ تلك الأسباب وعَجزها، وكونها ستارا وحجابا ليس إلاّ.. فيُثبت لنا هذا الوضع إثباتا قاطعا أن هذه الخِلقة والصَنعة، وهذه النقوش والتجليات إنما هي مصنوعات ومخلوقات متجددة للخالق جلّ جلالُه الذي جميعُ أسمائه حُسنى مقدّسة، بل هي نقوشُه المتحولة، ومراياه المتحركة وآياتُه المتعاقبة، وأختامُه المتبدلة بحكمة.

الخلاصة:إنّ كتاب الكون الكبير هذا إذ تعلّمُنا آياتُه التكوينية الدالة على وجوده سبحانه وعلى وحدانيته، يشهد كذلك على جميع صفات الكمال والجمال والجلال للذات الجليلة. ويُثبت أيضا كمال ذاته الجليلة المبرّأة من كل نقص، والمنـزّهة عن كل قصور. ذلك لأن ظهورَ الكمال في أثرٍ ما، يدل على كمال الفعل الذي هو مصدرُه، كما هو بديهي.. وكمالُ الفعل هذا يدلّ على كمال الاسم، وكمالُ الاسم يدل على كمال الصفات، وكمالُ الصفات يدل على كمال الشأن الذاتي، وكمال الشأن الذاتي يدل على كمال الذات -ذات الشؤون- حَدسا وضرورة وبداهة.

فمثلا: إنّ النقوش المتقنة والتزيينات البديعة لقصر كامل رائع، تدل على ما وراءها من كمال الأفعال التامة لبنّاء ماهر خبير.. وإن كمال تلك الأفعال وإتقانَها ينطق بتكامل الأسماء لرُتَب وعناوين ذلك البنّاء الفاعل، وتكاملَ الأسماء والعناوين يُفصح عن تكامل صفاتٍ لا تُحصى لذلك الصانع من جهة صنعته، وتكاملَ تلك الصفات وإبداع الصنعة يشهدان على تكامل قابليات ذلك الصانع واستعداداته الذاتية المسماة بالشؤون، وتكاملَ تلك الشؤون والقابليات الذاتية تدل على تكامل ماهية ذات الصانع.

وهكذا الأمر في الصنعة المبدعة المبرّأة من النقص والفطور في الآثار المشهودة في العالم، وفي هذه الموجودات المنتظمة في الكون، التي لفتت إليها الأنظارَ الآيةُ الكريمة: ﴿هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ﴾(الملك:3)، فهي تدل بالمشاهدة على كمالِ الأفعال لمؤثّرٍ ذي قدرة مطلقة، وكمالُ الأفعال ذاك يدل بالبداهة على كمال أسماء الفاعل ذي الجلال، وذلك الكمالُ يدل ويشهد بالضرورة على كمالِ صفاتِ مسمّى ذي جمال لتلك الأسماء، وكمالُ الصفات ذاك يدل ويشهد يقينا على كمال موصوف ذي كمال، وكمالُ الشؤون ذاك يدل بحق اليقين على كمال ذاتٍ مقدسة ذات شؤون، دلالةً واضحة بحيث إن ما في الكون من أنواع الكمالات المشاهَدة ليس إلاّ ظلا ضعيفا منطفئا -وللّٰه المثل الأعلى- بالنسبة لآيات كمالِه ورموز جلاله وإشارات جماله سبحانه وتعالى.

اللمعة الحادية عشرة الساطعة كالشموس

لقد عُرّف في "الكلمة التاسعة عشرة" بأنّ أعظم آية في كتاب الكون الكبير، وأعظمَ اسمٍ في ذلك القرآن الكبير، وبذرةَ شجرة الكون، وأنورَ ثمارها، وشمسَ قصر هذا العالم، والبدرَ المنوّر لعالم الإسلام، والدال على سلطان ربوبية اللّٰه، والكشّافَ الحكيم للغز الكائنات، هو سيدُنا محمد الأمين عليه أفضل الصلاة والسلام، الذي ضمّ الأنبياءَ جميعا تحت جناح الرسالة، وحمى العالمَ الإسلامي تحت جناح الإسلام، فحلّق بهما في طبقات الحقيقةمتقدما موكبَ جميع الأنبياء والمرسلين، وجميعَ الأولياء والصديقين، وجميعَ الأصفياء والمحققين مبيّنا الوحدانية واضحة جلية بكل ما أوتي من قوة، فاتحا طريقا سوِية إلى عرش الأحدية، دالا على طريق الإيمان باللّٰه، مثبتا الوحدانية الحقة.. فأنّى لوهمٍ أو شبهةٍ أن يكون لهما الجرأة ليسدّا أو يحجبا ذلك الطريقَ السوي؟

ولما كنّا قد بيّنا إجمالا في "الكلمة التاسعة عشرة" و"المكتوب التاسع عشر" ذلك البرهان القاطع -الذي هو الماء الباعث للحياة- بأربعَ عشرة رشحة، وتسعَ عشرة إشارة، مع بيان أنواع معجزاته r، لذا نكتفي بهذه الإشارة هنا، ونختمها بالصلاة والسلام على ذلك البرهان القاطع للوحدانية، صلاةً وسلاما تشيران إلى تلك الأسس التي تزكّيه وتشهد على صدقه:

اللّهُمَّ صلِّ على مَن دلّ على وجوب وجودك ووحدانيتك، وشَهِد على جلالك وجمالك وكمالك.. الشاهدُ الصادقُ المصدّق والبرهان الناطق المحقّق.. سيدُ الأنبياء والمرسلين، الحاملُ سرَّ إجماعهم وتصديقهم ومعجزاتهم.. وإمامُ الأولياء والصديقين الحاوي سرَّ اتفاقِهم وتحقيقهم وكراماتِهم، ذو المعجزات الباهرة والخوارقِ الظاهرة والدلائل القاطعة المحقَّقة المصدّقة له.. ذو الخصالِ الغالية في ذاته، والأخلاقِ العالية في وظيفته، والسجايا السامية في شريعته المكمَّلة المنـزّهة عن الخلاف.. مهبطُ الوحي الرباني بإجماع المُنـزِل والمُنـزَل والمُنـزَل عليه.. سيّارُ عالم الغيب والملكوت.. مشاهدُ الأرواح ومُصاحِبُ الملائكة.. أنموذجُ كمال الكائنات شخصا ونوعا وجنسا.. أنورُ ثمرات شجرةِ الخلقة.. سراجُ الحق، برهانُ الحقيقة، تمثالُ الرحمة، مثالُ المَحبة، كشافُ طلسم الكائنات، دلاّلُ سلطنة الربوبية، المُرمِزُ بعلوية شخصيته المعنوية إلى أنّه نصبَ عين فاطر العالَم في خلق الكائنات.. ذو الشريعة التي هي بوُسْعة دساتيرها وقوتها تشير إلى أنها نظامُ ناظم الكون ووضْع خالق الكائنات.

نعم، إنّ ناظم الكائنات بهذا النظام الأتم الأكمل هو ناظمُ هذا الدين بهذا النظام الأحسن الأجمل، سيّدُنا نحن معاشرَ بني آدم ومُهدينا إلى الإيمان نحن معاشرَ المؤمنين، محمدُ بن عبد اللّٰه بن عبد المطلب عليه أفـضل الصلوات وأتمّ التسليمات ما دامت الأرضُ والسماوات، فإن ذلك الشاهدَ الصادق المصدَّق يشهد على رؤوس الأشهاد مناديا، ومعلّما لأجيال البشر خلف الأعصار والأقطار، نداءً عُلويا بجميع قوته وبغاية جدّيته وبنهاية وثوقه وبقوة اطمئنانه وبكمال إيمانه: "أشهد أن لا إله إلاّ اللّٰه وحدَه لا شريكَ له".

اللمعة الثانية عشرة الساطعة كالشموس

إن هذه اللمعة الثانية عشرة من هذه الكلمة الثانية والعشرين لهي بحرُ الحقائق ويا له من بحر عظيم بحيث إن الكلمات الاثنتين والعشرين السابقة لا تكون إلاّ مجرد اثنتين وعشرين قطرةً منه. وهي منبع الأنوار ويا له من منبع عظيم بحيث إن تلك الكلمات الاثنتين والعشرين ليست سوى اثنتين وعشرين لمعةً من تلك الشمس.

نعم إن كل كلمة من تلك الكلمات الاثنتين والعشرين السابقة ما هي إلاّ لمعة واحدة لنجمِ آيةٍ واحدة تسطعُ في سماء القرآن الكريم، وما هي إلاّ قطرة واحدة من نهر آية تجري في بحر الفرقان الكريم، وما هي إلاّ لؤلؤة واحدة من صندوق جواهر آيةٍ واحدة من كتاب اللّٰه الذي هو الكنـز الأعظم. لذا ما كانت الرشحةُ الرابعة عشرة من الكلمة التاسعة عشرة إلاّ نبذة من تعريف ذلك الكلام الإلهي العظيم، كلامِ اللّٰه الذي نـزل من الاسم الأعظم.. من العرش الأعظم.. من التجلّي الأعظم للربوبية العظمى، في سعةٍ مطلقة، وسموّ مطلق، يربط الأزلَ بالأبد، والفرشَ بالعرش، والذي يقول بكل قوته ويردّد بكل قطعية آياتِه: "لا إله إلاّ هو" مُشهدا عليه الكونَ قاطبة.

حقا إن العالم كلَّه ينطق معا "لا إله إلاّ هو".

فإذا نظرتَ إلى ذلك القرآن الكريم ببصيرة قلبٍ سليم، ترى أن جهاتِه الست ساطعة نيّرة، وشفافة رائقة، بحيث لا يمكن لظُلمةٍ ولا لضلالة ولا لشبهة ولا لحيلةٍ أيّا كانت أن ترى لها شقا وفُرجةً للدخول في رحابه المقدس قط، حيث إن عليه: شارةَ الإعجاز، وتحتَه: البرهانُ والدليل، وخلفَه (نقطة استناده): الوحيُ الرباني المحض، وأمامَه: سعادةُ الدارين، ويمينَه: تصديقُ العقل باستنطاقه، وشمالَه: تثبيتُ تسليم الوجدان باستشهاده. وداخلَه: هداية رحمانية خالصة بالبداهة، وفوقَه: أنوارٌ إيمانية خالصة بالمشاهدة. وثمارُه: الأصفياءُ والمحققون والأولياء والصديقون المتحلّون بكمالات الإنسانية بعين اليقين.

فإذا ألصقتَ أذنَك إلى صدر لسان الغيب مُصغيا فإنك ستسمع من أعمق الأعماق صدىً سماويا في غاية الإيناس والإمتاع، وفي منتهى الجدّية والسموّ المجهَّز بالبرهان، يردّد: "لا اِله إلاّ هو" ويكرّرها بقطعية جازمة ويَفيضُ عليك من العلم اليقين بدرجة عين اليقين بما يقوله من حق اليقين.

زبدة الكلام:إن الرسول الكريم r، والفرقانَ الحكيم الذي كلّ منهما نور باهر، أظهرا حقيقةً واحدة؛ هي حقيقة التوحيد.

فأحدهما: لسانُ عالم الشهادة. أشار إلى تلك الحقيقةبأصابعِ الإسلام والرسالة وبيّنها بجلاء، بكل ما أوتي من قوة من خلال ألفٍ من معجزاته وبتصديق جميع الأنبياء والأصفياء.

والآخر:هو بمثابة لسان عالم الغيب. أظهر الحقيقةَ نفسها وأشار إليها بأصابع الحق والهداية، وعرضَها بكل جدّ وأصالة، من خلال أربعين وجها من وجوه الإعجاز، وتصديقٍ من قبل جميع الآيات التكوينية للكون.. ألا تكون تلك الحقيقةأبهرَ من الشمس وأسطع منها، وأوضح من النهار وأظهر منه؟!

أيها الإنسانُ الحقير المتمرّد السادر في الضلالة(1) كيف تتمكن أن تضارع هذه الشموس بما في رأسك من بصيص خافتٍ هزيل؟ وكيف يمكنك الاستغناءَ عن تلك الشموس، وتسعى إلى إطفائها بنفخ الأفواه؟ تبّا لعقلك الجاحد، كيف تجحد ما قاله لسانُ الغيب ولسانُ الشهادة من كلامٍ باسم رب العالمين ومالكِ الكون، وتنكر ما دعا إليه من دعوة.

أيها الشقيُّ الأعجزُ من الذباب والأحقرُ منه، مَن أنت حتى تُورِّط نفسَك في تكذيب مالك الكون ذي الجلال والإكرام؟

الخاتمة

أيها الصديقُ يا ذا العقل المنوّر والقلب المتيقظ! إن كنت قد فهمت هذه "الكلمة الثانية والعشرين" من بدايتها، فخذ بيدك الاثنتي عشرة لمعة دفعةً واحدة، واظفر بها سراجا للحقيقة، بقوة آلافٍ من المصابيح، واعتصم بالآيات القرآنية الممتدة من العرش الأعظم، وامتطِ براقَ التوفيق واعرج في سماوات الحقائق واصعَد إلى عرش معرفة اللّٰه سبحانه وقل: أشهد أن لا إله إلاّ أنت وحدك لا شريك لك وأعلن في المسجد الكبير للعالم على رؤوس موجودات الكون الوحدانية قائلا: لا إله إلاّ اللّٰه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حيّ لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير.

﴿سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنّكَ أنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾

﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نّسِينَا أوْ أخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنّكَ أنتَ الْوَهَّابُ﴾ ﴿رَبَّنَا إِنّكَ جَامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنّ اللّٰهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾

اَللّٰهُمَّ صَلِّ عَلَى مَن أرْسَلْتَهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أجْمَعِينَ وَارْحَمْنَا وَارْحَم أمَّتَهُ بِرَحْمَتِكَ يَا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ آمِينَ.

﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أنِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

 

 

 

____________________________________________

(1) هذا الخطاب موجّه للذي حاول رفع القرآن وإزالته. (المؤلف)