المقصد الثاني

 

يخص تحولات الذرات

يشير إلى ذرة من خزينة هذه الآية الكريمة:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأرْضِ وَلَا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (سبأ:3)

يبين هذا المقصد مثقالَ ذرة من الخزينة العظمى لهذه الآية الكريمة، أي يبينُ الجوهرَ الذي تنطوي عليه صنُيديقة الذرة، ويتناول جزءا ضئيلا جدا من حركة الذرة ووظيفتِها؛ وذلك في نقاط ثلاث مع مقدمة.

المقدمة

إنّ تحولات الذرات وجولانَها عبارة عن اهتزازات الذرات وتنقُّلَها في أثناء كتابةِ قلم القدرة الإلهية للآيات التكوينية في كتاب الكون. فهي ليست كما يتوهّمه الماديون والطبيعيون من أنها ألعوبةُ المصادفة في حركةٍ عشوائية لا معنى لها ولا مغزى؛ ذلك لأن كلَّ ذرة، وكلَّ الذرات تقول في مبدأ حركتها: "بسم اللّٰه" -كما تقوله جميعُ الموجودات- حيث إنها تحمل أثقالا هائلة تفوق كثيرا طاقتَها المتناهية، كحمل بذرة الصنوبر على أكتافها شجرتَها الضخمة. ثم عند انتهاء وظيفتِها تقول: "الحمد للّٰه" حيث إنها أظهرت أثرا بديعا، كأنه يُنشد قصيدةً رائعة في الثناء على الصانع الجليل، لما فيه من جمالِ الإتقان الحكيم، وروعةِ صورةٍ تنمّ عن مغزى عميق تتحير منه العقول.. فإن شئت فانظر بإنعام إلى الرمّان والذُرة.

نعم، إن تحولات الذرات وتنقلاتها، عبارة عن حركاتٍ واهتزازاتٍ ذات مغزى عميق، ناشئةٍ من كتابة كلمات القدرة الإلهية ومحوِ تلك الكلمات في لوح "المحو والإثبات" الذي هو حقيقةُ الزمان السيال وصحيفتُه المثالية، استنساخا من الكتاب المبين الذي هو عنوان للقدرة الإلهية وإرادتِها، ومحورُ التصرف في إيجاد الأشياء وتشكيلِها من عالم الشهادة والزمان الحاضر، وفقا لدساتير الإمام المبين الذي هو جماعُ مقومات الأشياء في أصولِها وفروعها -أي أصلُ كل شيء مضى وكل نسلٍ آتٍ- التي طواها الغيب، مع مميزاتها، وعنوان للعلم الإلهي وأمره.(1)

النقطة الأولى

وهي مبحثان

المبحث الأول

إنّ في حركة كل ذرة وفي سكونِها، يتلمّع نوران للتوحيد، كأنهما شمسان ساطعتان. ولقد أثبتنا بيقين إثباتا مجملا في الإشارة الأولى من "الكلمة العاشرة" وفصلناه في "الكلمة الثانية والعشرين" أن كل ذرة من الذرات إن لم تكن مأمورةً بأوامر اللّٰه تعالى، وإن لم تتحرك بإذنه وفِعله، وإن لم تتحول بعِلمه وقدرته، فلابد أن يكونَ لكلِّ ذرة علم لا نهاية له، وقدرة لا حدّ لها، وبصر يرى كل شيء، ووجه يتوجه إلى كل شيء، وأمر نافذ في كل شيء.

لأن كلَّ ذرة من ذرات العناصر، تعمل -أو يمكن أن تعمل- عملا منتظما في جسم كلّ كائن حي، علما أن أنظمة الأشياءوقوانينَ تراكيبها مخالف بعضها بعضا، ولا يمكن عملُ شيء ما لم تُعلَم أنظمتُه، وحتى لو قامت الذرةُ بعمل فلا يخلو من خطأ. والحال أن الأعمال تُنجَز من دون خطأ. فإذن إما أن تلك الذرات العاملة تعمل وفق أوامر مَن يملِك علما محيطا بكل شيء، وبإذنه، وبعلمه، وبإرادته.. أو ينبغي أن يكون لها مثلُ ذلك العلمالمحيط والقدرة المطلقة!

ثم إنّ كلّ ذرة من ذرات الهواء، تستطيع أن تدخل في جسم كل كائن حي، وفي ثمرةِ كل زهرة، وفي بناء كل ورقة، وتعمل في كلٍّ منها. علما أن بناءَ كلٍّ منها يخالف الآخر ونظامَه يباين الآخر، فلو كان معمل ثمرة التين -مثلا- شبيها بمعمل النسيج، لكان معمل ثمرة الرمان شبيها بمعمل السكر. فتصاميم كل منهما، وبناء كل منهما مخالف للآخر.

فهذه الذرات الهوائية تدخل في كلٍّ منها -أو تستطيع الدخول- وتعمل بمهارة فائقة وبحكمة تامة، وتتخذ فيها أوضاعا معينة، ثم حالما تنتهي وظيفتُها تتركها ماضيةً إلى شأنها.

وهكذا فالذرة المتحركة في الهواء المتحرك؛ إما أنها تعلمُ الصوَر التي ألبستْ على الحيوانات والنباتات، وعلى ثمراتها وأزاهيرها، وتعلم أيضا مقاديرَ كلٍّ منها وأنماط تصاميمها! أو أن تلك الذرة مأمورة بأمرِ مَن يعلم ذلك كلّه وعاملة بإرادته.

وكذا كلُّ ذرة ساكنةٍ في التراب الساكن الهادئ، فهي متهيئة لتكون منبتا لجميع بذور النباتات المزهرة والأشجار المثمرة؛ إذ لو ألقيت في حفنةِ تراب -المتكونة من ذرات متماثلة كأنها ذرة واحدة- ولاقت ما فيها من الذرات؛ فإما أنها تجد مصنعا خاصا بها، مع ما يحتاجُه بناؤها من لوازم ومعدّات، أي أن تكون في تلك الحفنة من التراب معاملُ معنوية دقيقة عديدة، عددَ أنواع النباتات والأشجار والأثمار.! أو أن يكون هناك علم واسع وقدرة محيطة بكل شيء، تبدعُ كلَّ شيء من العدم.. أو أن تلك الأعمال إنما تتم بحول وقوة اللّٰه القدير على كل شيء والعليم بكل شيء.

لو سافر شخص إلى أوروبا، وهو جاهل بوسائل الحضارة جهلا مطبقا، وعلاوة على ذلك فهو أعمى لا يبصر، ولو دخل هناك إلى جميع المعامل والمصانع، وأنجز أعمالا بديعة في كل صنوف الصناعة وفي أنواع الأبنية، بانتظام كامل وحكمة فائقة ومهارة بارعة تحيرت منها العقول.. فلا شك أنّ مَن له ذرة من الشعور يعرف يقينا أن ذلك الرجل لا يعمل ما يعمل من تلقاء نفسه، بل هناك أستاذ عليم يلقّنه ويستخدمه.

وأيضا لو كان هناك عاجز، أعمى، مقعد، قابع في كوخه الصغير، لا يحرك ساكنا. أدخل عليه قليل من حصو، وقطعٍ من عظم، وشيء يسير من قطن، وإذا بالكوخ الصغير تصدر منه أطنان من السكر، وأطوال من النسيج، وآلاف من قطع الجواهر، مع ملابس في أبهى زينة وأفخر نوع، مع أطعمة طيبة في منتهى اللذة.. أفلا يقول مَن له ذرة من العقل: إن ذلك الأعمى المقعد ما هو إلاّ حارس ضعيف لمصنع معجِز، وخادم لدى صاحبه ذي المعجزات؟

كذلك الأمر في حركات ذرات الهواء ووظائفِها في النباتات والأشجار والأزهار والأثمار، التي كلّ منها كتابة إلهية صمدانية، ورائعة من روائع الصنعة الربانية، ومعجزة من معجزات القدرة الإلهية، وخارقة من خوارق الحكمة الإلهية. فلا تتحرك تلك الذرات ولا تنتقل من مكان إلى آخر إلاّ بأمر الصانع الحكيم ذي الجلال وبإرادة الفاطر الكريم ذي الجمال.

وقِس على هذا ذراتِ التراب الذي هو منبت لسنابل البذور والنوى، التي كلّ منها في حُكم ماكنةٍ عجيبة تختلف عن الأخرى، ومطبعةٍ مغايرة للأخرى، وخزينة متباينة عن الأخرى، ولوحةِ إعلان تُعلن أسماء اللّٰه الحسنى متميزةً عن الأخرى، وقصيدةٍ عصماء تثني على كمالاته جلّ وعلا. ولا شك أن هذه البذور البديعة ما أصبحت منشأً لتلك الأشجار والنباتات إلاّ بأمر اللّٰه المالك لأمر: ﴿كن فيكون﴾ وكل شيء مسخّر لأمره، ولا يعمل إلاّ بإذنه وإرادته وقوته.. وهذا يقين وثابت قطعا.. آمنا.

المبحث الثاني

هذا المبحث عبارة عن إشارة بسيطة إلى ما في حركات الذرات من وظائفَ وحِكَم.

إن الماديين الذين انحدرت عقولُهم إلى عيونهم، فلا يرون إلاّ المادة، يرون بحِكمتهم الخالية من الحكمة وبفلسفتهم المبنية على أساس العبث في الوجود،أنّ تحولات الذرات مربوطة بالمصادفة. حتى اتخذوها قاعدة مقررة لدساتيرهم كلها، جاعلين منها مصدر إيجادٍ للمخلوقات الربانية!

فالذي يملك ذرة من الشعور يعلم يقينا مدى بُعدهم عن منطق العقل، في إسنادهم هذه المخلوقات المزدانة بحِكَمٍ غزيرة، إلى شيء مختلط عشوائي لا حكمةَ فيه ولا معنى.

أما المنظور القرآني وحكمتُه، فإنه يرى أنّ تحولات الذرات لها حِكَم كثيرة جدا وغايات لا تحصى ووظائفُ لاتحد، تشير إليها الآية الكريمة: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ﴾(الإسراء:44)وأمثالُها من الآيات الكثيرة.

ونحن هنا نشير إلى بضعٍ منها فقط، على سبيل المثال:

أولاها: إنّ اللّٰه سبحانه وتعالى، لأجل تجديد تجليات الإيجاد في الوجود،يحرّك الذرات ويسخّرها بقدرته، جاعلا من كل روحٍ واحدة "نموذجا"، يُلبسها جسدا جديدا من معجزات قدرته في كل سنة، ويستنسخ من كلِّ كتابٍ فردٍ بحكمته التامة آلافَ الكتب المتنوعة، ويُظهر حقيقةً واحدة في أنماط مختلفة وصوَر شتى، ويفسح المجال ويعدّ المكان لورود أكوانٍ جديدة وعوالمَ جديدة وموجوداتٍ جديدة، طائفةً إثر طائفة.

ثانيتها: إن مالك الملك ذا الجلال، قد خلق هذه الدنيا، ولا سيما وجه الأرض، على هيئة مزرعة واسعة، أي مهّدها لتكون قابلةً لنمو محاصيل الموجوادت ونشوئها، وظهورِها بجدّتها وطراوتها، أي ليَزرع فيها معجزاتِ قدرته غير المتناهية ويحصدَها. ففي مزرعته الشاسعة هذه التي هي بسعة سطح الأرض، يُبرز سبحانه من معجزات قدرته كائناتٍ جديدة، في كل عصر، في كل فصل، في كل شهر، في كل يوم، بل في كل ساعة، فيعطي ساحةَ الأرض محاصيلَ متنوعة جديدة، بتحريك الذرات بحكمةٍ تامة وتوظيفِها بنظام متقن، مُبيّنا سبحانه وتعالى، بحركات الذرات هذه هدايا رحمته الصادرة من خزينته التي لا تنضُب، ونماذجَ معجزات قدرته التي لا تنفد.

ثالثتها: إنه سبحانه وتعالى يُحرّك الذرات بحكمة تامة ويسخّرها في وظائفَ منظمةٍ لأجل إظهار بدائع الموجودات كي تفيد الأسماءُ الحسنى عن معاني تجلياتِها غير المتناهية. فيُخرج سبحانه في مكانٍ محدود ما لا يُحد من بدائع الصور الدالة على تلك التجليات غير المحدودة، ويكتبُ في صحيفة ضيقة آياتٍ تكوينية لا حدّ لها، تعبّر عن معانٍ سامية غير محدودة.

نعم، إن محاصيل السنة الماضية ونتائجَها من الموجودات،ومحاصيلَ هذه السنة ونتائجها، من حيث الماهية، في حُكمٍ واحد، إلاّ أن معانيَها ومدلولاتها متباينة جدا، إذ بتبدل التعينات الاعتبارية تتبدل معانيها وتكثر وتزداد. ومع أن التعينات الاعتبارية والتشخّصات الموقتة تُبدَّلان، وهما فانيتان في الظاهر، إلاّ أن معانيها الجميلة يحافَظُ عليها وتستمر وتبقى وتثبت. فأوراقُ هذه الشجرة وأزاهيرُها وثمراتُها التي كانت في الربيع الماضي -لأنها لا تحمل روحا كالإنسان- هي عينُ أمثالِها في هذا الربيع، إذا نُظر إليها من زاوية الحقيقة،إلاّ أن الفرق هو في التشخصات الاعتبارية. هذه التشخصات أتت إلى هذا الربيع، لتحل محل تشخصات سابقتِها، وذلك للإفادة عن معاني شؤون الأسماء الإلهية التي تتجدد تجلياتُها باستمرار.

رابعتها: إن الحكيم ذا الجلال يحرّك الذراتِ في مزرعة هذه الدنياالضيقة وينسجُها في مصنع الأرض، جاعلا الكائناتِ سيالةًوالموجوداتِ سيارةً، وذلك لأجل إعداد ما يناسب من لوازمَ أو تزييناتٍ أو محاصيلَ لعوالم واسعة لا حدّ لها، كعالم المثال وعالم الملكوت الواسع جدا وسائرِ عوالم الآخرة غير المحدودة. فيهيئ سبحانه في هذه الأرض الصغيرة، محاصيلَ ونتائجَمعنوية كثيرة جدا، لتلك العوالم الكبيرة الواسعة جدا. ويُجري من الدنياسيلا لا نهاية له ينبع من خزينة قدرته المطلقة ويصبّه في عالم الغيب، ويصبُّ قسما منه في عوالم الآخرة.

خامستها: يحرّك سبحانه وتعالى الذرات بقدرته في حكمة تامة ويسخّرُها في وظائف منتظمة إظهارا لكمالات إلهية لا نهاية لها، وجلواتٍ جمالية لا حدّ لها، وتجليات جلالية لا منتهى لها، وتسبيحات ربانية لا عدّ لها، في هذه الأرض الضيقة المحدودة، وفي زمان قليل متناهٍ. فيجعل سبحانه وتعالى الموجودات تسبّح تسبيحاتٍ غير متناهية في زمانٍ متناهٍ وفي مكان محدود، مبينا بذلك تجلياتِه الجماليةَ والكماليةَ والجلاليةَ المطلقة، موجِدا كثيرا من الحقائق الغيبية، وكثيرا من الثمرات الأخروية، وكثيرا من البدائع المثالية -لصور الفانين وهوياتهم الباقية- وكثيرا من نسائجَ لوحيةٍ حكيمة. فالذي يحرك الذرات، ويبرز هذه المقاصد العظيمة، وهذه الحكم الجسيمة، إنما هو الواحد الأحد، وإلاّ فيجب أن تكونَ لكلِّ ذرةٍ عقل بكبر الشمس!.

وهكذا فهناك أمثلة كثيرة جدا على تحولات الذرات التي تُحرَّك بحكمة بالغة، كهذه النماذج الخمسة، بل ربما تربو على خمسة آلاف مثال. إلاّ أن أولئك الفلاسفة الحمقى قد ظنوها خالية من الحكمة! فلقد زعموا -في الحقيقة-أنّ الذرات في حركتَيها التي تتحرك بهما في نشوة وجذب رباني، أحدهما آفاقي والآخر أنفسي، والمستغرقة في ذكر وتسبيح إلهي كالمريد المولوي، إنما تقوم بها من تلقاء نفسها، وترقص ذاهلةً وتدور.

نخلص من هذا: أن علم أولئك الفلاسفة ليس علما، بل جهل. وأن حكمتَهم سخافة وخالية من الحكمة!

(سنذكر في النقطة الثالثة حكمةً أخرى مطولة هي السادسة).

النقطة الثانية

إنّ في كل ذرة شاهدَين صادقين على وجود اللّٰه سبحانه، وعلى وحدانيته.

أجل، إن الذرة بقيامها بوظائفَ جسيمةٍ جدا، وحملِها لأعباء ثقيلة جدا تفوق طاقتها، في منتهى الشعور، رغم عَجزها وجمودِها، تشهد شهادةً قاطعة على وجود اللّٰه سبحانه. وإنها تشهد شهادة صادقة أيضا على وحدانية اللّٰه وأحديةِ مالك الملك والملكوت؛ بتنسيق حركاتِها وانسجامِها مع النظام العام الجاري في الكونومراعاتِها النظام حيثما حلّت، وتوطّنها هناك كأنه موطنها. أي لمَن تعود ملكية الذرة وبيَد مَن زمامها الذرة؟ فمواضعُ جولانِها مُلكُه وتعود إليه، بمعنى أن من كانت الذرةُ له فإن جميع الأماكن التي تسير فيها له أيضا. أي إن الذرة لكونها عاجزةً، وعبئها ثقيلا جدا، ووظائفها كثيرة لاتحد، يدل ذلك على أنها قائمة ومتحركة باسم قدير مطلق القدرة وبأمره.

ثم إنّ توفيقَ حركتِها وجعلها منسجمةً مع الأنظمة العامة الكلية في الكون، وكأنها على علمٍ بها، ودخولَها إلى كل مكان دون مانع يمنعها، يدل على أنها تعمل ما تعمل بقدرةِ واحدٍ عليم مطلق العلموبحكمته الواسعة.

نعم، إن الجندي له علاقة وانتساب مع كلٍّ من فصيله، وسريته، وفَوجه، ولوائه، وفرقته، كما أن له في كلٍّ منها وظيفةً معينةً على قدر تلك العلاقة، وأن تنسيق الحركة والانسجام مع كل هذه العلاقات والارتباطات بمعرفتِها ومعرفةِ وظائفِها في كل دائرة، مع القيام بواجبات عسكرية من تدريب وأخذٍ للتعليمات حسب أنظمتها.. كلُّ ذلك إنما يكون بالانقياد إلى أوامر القائد الأعظم الذي يقود تلك الدوائر كلَّها واتباع قوانينه.

فكما أن الأمر هكذا في الجندي الفرد، كذلك كلُّ ذرة من الذرات الداخلة في المركبات المتداخل بعضُها في بعض، لها أوضاع ملائمة في كلٍّ منها، ومواقعُ متناسبة تنبني عليها مصالحُ متنوعة، ووظائفُ منتظمة شتى، ونتائجُ متباينة ذات حكمة، فلابد أن توطين تلك الذرة بين تلك المركبات، توطينا لا يخلّ بالنتائج والحِكَم الناشئة من تلك النسب والوظائف، مع الحفاظ على جميع النسب والوظائف، خاص بمالك الملك الذي بيده مقاليد كل شيء.

فمثلا: إن الذرة المستقرة في بؤبؤ عين "توفيق"(2) لها علاقة مع أعصاب العين الحركية والحسية، ومع الشرايين والأوردة التي فيها، ومع الوجه، والرأس، ثم مع الجسم، ومع الإنسان ككل. فضلا عن أن لها في كلٍّ منها وظيفة وفائدة.

فوجود تلك النِسبِ، في كلٍّ منها، والعلاقاتُ والفوائد، مع الحكمة الكاملة والإتقان التام يبين أن الذي خلق ذلك الجسد بجميع أعضائه، هو الذي يمكنه أن يمكّن تلك الذرةَ في ذلك المكان، ولا سيما الذرات الآتية للرزق. فتلك الذراتُ التي تسير مع قافلة الرزق وتسافر معها، إنما تسير بانتظام وتسيحُ بحكمةٍ تحيّر العقول. ثم تدخل في أطوار مختلفة، وتجول في طبقات متنوعة بنظام دقيق، فتخطو خطوات ذات شعور، من دون أن تخطئ، حتى تأتي تدريجيا إلى الجسم الحي، وتُصفّى هناك في أربع مصافٍ فيه، إلى أن تصل إلى الأعضاء والحجيرات المحتاجة إلى الرزق، فتمدها به، وتسعفها بقانون الكرَم محمولةً على الكريات الحمراء في الدم.

يُفهم من هذا بداهة أن الذي أمَر هذه الذرات من خلال آلاف المنازل المختلفة والطبقات المتباينة، وساقَها هكذا بحكمة، لابد وبلا أدنى شك هو رزّاق كريم، خلاّق رحيم، تتساوى أمامَ قدرته النجومُ والذرات.

ثم إنّ كل ذرة من الذرات تقوم بعملِ صورةٍ بديعة ونقش رائع في المخلوق بحيث إما أنها في موقع حاكمٍ مسيطرٍ على كل ذرة من الذرات وعلى مجموعها، ومحكومة في الوقت نفسه تحت أمر كلّ ذرة من الذرات وأمر مجموعها، وأنها تعرف معرفةً كاملة، بالصورة البديعة المحيرة للألباب والنقش الرائع المليء بالحكمة، فتوجِدها! وهذا محال بألف محال.. أو أنها نقطة مأمورة بالحركة نابعة من قلم قدرة اللّٰه سبحانه وقانون قَدَره.

فمثلا: إن الأحجار الموجودة في قبة "آيا صوفيا" إن لم تكن مطيعةً لأمر بنّائها، ينبغي أن يكون كلُّ حجر منها ماهرا في صنعة البناء كـ"المعماري سنان" نفسه، ويكون حاكما على الأحجار الأخرى ومحكوما بأمرها في الوقت نفسه، أي يمكنه أن يحكم الأحجارَ الأخرى فيقول لها: "هيا أيتها الأحجار لنتحدْ حتى نَحول دون سقوطنا"! وكذلك الأمر في الذرات الموجودة في المخلوقات، التي هي أكثر إبداعا، وأكثر اتقانا وأكثر روعة وأكثر إثارة للإعجاب، وأكثر حكمة من قبة آيا صوفيا بآلاف المرات. إن لم تكن هذه الذرات منقادة لأمر الخالق العظيم، خالقِ الكون، فينبغي إذن أن يُعطى لكلٍّ منها أوصافُ الكمال التي لا تليق إلاّ باللّٰه سبحانه.

فيا سبحان اللّٰه! ويا للعجب! إن الماديين الزنادقة الكفرة لمّا أنكروا اللّٰه الواجب الوجود،اضطروا حسب مذهبهم للاعتقاد بآلهة باطلة بعدد الذرات. ومن هذه الجهة ترى أن الكافر المنكِر لوجود اللّٰه سبحانه وتعالى مهما كان فيلسوفا وعالما فهو في جهل عظيم، وهو جاهل جهلا مطلقا.

النقطة الثالثة

هذه النقطة إشارة إلى الحكمة السادسة العظيمة التي وُعد بها في ختام النقطة الأولى، وهي: لقد ذُكر في حاشية السؤال الثاني من "الكلمة الثامنة والعشرين": أنّ حكمةً أخرى من آلاف الحِكم التي تتضمنُها تحولاتُ الذرات وحركاتُها في أجسام ذوي الحياة، هي تنويرُ الذرات بالحياة وكسبُها المعنى والمغزى، لتُصبح ذراتٍ لائقةً في بناء العالم الأخروي.

نعم، إن الكائن الحيواني والإنسان وحتى النبات في حُكم مضيفٍ لتلك الذرات ومعسكر تدريب لها، ومدرسة تربوية تتلقى فيها الإرشادات؛ بحيث إن تلك الذرات الجامدة تدخل هناك فتتنوّر، وكأنها تنال التدريب وتتلقى الأوامرَ والتعليمات، فتتلطّف، وتكسب بأداء كلٍّ منها لوظيفةٍ لياقةً وجدارةً، لتُصبح ذراتٍ لعالم البقاء والدار الآخرة الحية حياةً شاملة لجميع أجزائها.

سؤال:بماذا يُعرف وجودُ هذه الحكمة في حركات الذرات؟

الجواب:

أولا: يُعرف وجودُها، بحكمة اللّٰه الحكيم سبحانه، تلك الحكمة الثابتة بالأنظمة الجارية في الموجودات كافة وبالحِكَم التي تنطوي عليها؛ إذ الحكمةُ الإلهية التي أناطت حِكما كليةً كثيرة جدا بأصغر شيء جزئي، لا يمكن أن تترك حركاتِ الذرات سدىً من دون حكمة! تلك الحركات الجارية في سيل الكائنات، والتي تبدي فعاليةً عظمى في الوجود،والتي هي سبب لإبراز البدائع الحكيمة.

ثم إن الحكمة الإلهية وحاكميتَها، التي لا تهمل أصغر مخلوق دون أجر، أو دون كمال، أو دون مقام، لما يقوم به من وظيفة، كيف تُهمل مأموريها ومستخدميها الكثيرين جدا، الذرات.. دون نور، أو دون أجر.

ثانيا: إن الحكيم العليم يحرّك العناصرَ ويستخدمُها لأداء وظائفَ جليلةٍ، فيرقيها إلى درجة المعدنيات، أجرا لها في طريق الكمال.. ويحرّك ذرات المعدنيات ويسخّرها في وظائف ويعلّمها تسبيحاتِها الخاصة بها فيمنحُها المرتبة الحية للنباتات.. ويحرّك ذرات النباتات ويوظّفها، ويجعلها رزقا للآخرين، فيُنعم عليها برَفعِها إلى المرتبة اللطيفة للحيوانات.. ويستخدم ذرات الحيوانات -عن طريق الرزق- فيرفَعُها إلى درجة الحياة الإنسانية.. وبإمرار ذرات جسم الإنسان من خلال مصافيَ عدة مراتٍ ومرات، وتنقيتِها وجعلها لطيفة، يرقيها إلى ألطف مكان وأعزّ موقع في الجسم وهو الدماغ والقلب.

يُفهم مما ذُكر أن حركات الذرات ليست سدىً وليست حركتها خاليةً من الحكمة، بل تُهرع الذراتُ وتُساق إلى نوع من الكمال اللائق بها.

ثالثا: إن قسما من ذرات الكائن الحي -كذرات البذور والنوى- ينال نورا معنويا، ولطافةً ومزيّة، بحيث يكون بمثابة روحٍ وسلطانٍ على سائر الذرات، وعلى الشجرة الضخمة نفسها.

فاعتلاءُ هذه الذرات -من بين مجموع ذرات الشجرة العظيمة- هذه المرتبة، إنما هو حصيلةُ أدائها وظائفَ دقيقةً ومهماتٍ جليلةً في أثناء مراحل نمو الشجرة، مما يدل على أن تلك الذرات حينما تؤدي وظيفتَها الفطرية بأمر الخالق الحكيم، تنال لطافةً معنوية ونورا معنويا ومقاما رفيعا وإرشادا ساميا، حسب أنواع حركاتها ووفقَ ما يتجلى عليها من تجليات الأسماء الحسنى، وسموّ تلك الأسماء.

الخلاصة: إن الخالق الحكيم قد عيّن لكلِّ شيء نقطةَ كمالٍ يناسب ذلك الشيء، وحدّد نورَ وجودٍ يليق به، فيسوق ذلك الشيء إلى نقطة الكمال تلك، باستعداد يمنحُه إياه. فهذا القانون للربوبية مثلما هو جارٍ في جميع النباتات والحيوانات، جارٍ أيضا في الجمادات، حتى يمنح سبحانه الترابَ العادي رقيا يبلغ به درجة الألماس ومرتبة الأحجار الكريمة.

من هذه الحقيقة ينكشف طرف من قانون عظيم هو: "قانون الربوبية".

وإن ذلك الخالق الكريم، في أثناء تسخيره الحيوانات لإنفاذ قانونِ التناسل العظيم، يمنحها لذةً جزئية، أجرةً لأدائها الوظيفة. ويهَب للحيوانات المستخدمة لإنفاذِ أوامرَ ربانية -كالبلبل والنحل- أجرةَ كمالٍ راقية، مقاما يبث الشوق والمتعة..

من هذه الحقيقة ينكشف طرف من قانون عظيم هو: "قانون الكرم".

ثم إن حقيقة كل شيء تتوجّه إلى تجلي اسمٍ من الأسماء الإلهية الحسنى، ومرتبطة بها، وهي كالمرآة العاكسة لأنواره. فذلك الشيء مهما اتخذ من أوضاع جميلة، فالجمالُ يعود إلى شرف ذلك الاسم وسموّه؛ إذ يقتضيه ذلك الاسم. فسواء أعَلِم ذلك الشيءُ أم لم يعلم، فذلك الوضعُ الجميل مطلوب في نظر الحقيقة.

من هذه الحقيقة يظهر طرف من قانون عظيم هو: "قانون التحسين والجمال".

ثم إن ما أعطاه الفاطرُ الحكيم من مقامٍ وكمالٍ، إلى شيء ما، بمقتضى دستور الكرم، لا يستردّه منه عند انقضاء مدة ذلك الشيء وانتهاء عمره، بل يُبقي ثمراتِه، ونتائجَه، وهويتَه المعنوية، ومعناه، وروحَه إن كان ذا روح. فمثلا: يُبقي سبحانه وتعالى معانيَ الكمالات التي ينالُها الإنسان وثمراتِها، حتى إن شكرَ المؤمن الشاكرِ وحمدَه على ما يأكله من فواكه زائلة، يعيدُها سبحانه إليه مرة أخرى على صورة فاكهةٍ مجسّمة طيبة من فواكه الجنة.

من هذه الحقيقةينكشف طرف من قانون عظيم هو: "قانون الرحمة".

ثم إن الخالق الحكيم سبحانه لا يسرف في شيء قط، ولا يعمل عبثا مطلقا، إذ يستعمل حتى الأنقاض المادية للمخلوقات الميتة -التي انتهت مهماتُها- في الخريف، في بناء مخلوقاتٍ جديدة في الربيع. لذا، فمن مقتضى الحكمة الإلهية، أدراجُ هذه الذرات الأرضية الجامدة، وغيرِ الشاعرة، والتي أنجزت وظائفَ جليلةً في الأرض في قسم من أبنية الآخرة التي هي حية وذاتُ شعور بكلِّ ما فيها، بأحجارِها وأشجارِها بدلالة الآية الكريمة: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾(إبراهيم:48)وبإشارة الآية الكريمة: ﴿وَإِنّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾(العنكبوت:64)ولأن تركَ ذراتِ الدنياالمتهدمة في الدنيانفسِها، أو رميَها إلى العدم إسراف وعبث.

من هذه الحقيقة ينكشف طرف من قانون عظيم هو: "قانون الحكمة".

ثم إن كثيرا جدا من آثار هذه الدنياومعنوياتِها وثمراتِها، ومنسوجاتِ أعمال المكلفين -كالجن والإنس- وصحائفِ أفعالهم، وأرواحهم، وأجسادهم، تُرسل إلى سوق الآخرة ومعرضها. فمن مقتضى العدل والحكمة أن تُرسل أيضا الذراتُ الأرضية التي رافقت تلك الثمرات والمعاني وخَدَمَتها مع أنقاض هذه الدنياالتي ستُدمّر، إلى العالم الأخروي وتستعمل في بنائه. وذلك بعد تكاملها تكاملا يخصّها من حيث الوظيفة، أي بعد أن نالت نور الحياة كثيرا وخدمَتها، وأصبحت وسيلة لتسبيحات حياتية.

من هذه الحقيقة ينكشف طرف من قانون عظيم هو: "قانون العدل".

ثم إن الروح مثلما أنها مهيمنة على الجسم، فالأوامر التكوينية للمواد الجامدة التي كتبها القدرُ الإلهي، لها سلطان أيضا على تلك المواد. فتتخذ تلك المواد مواقعَها، وتسير بنظام معين وفق ما تمليه الكتابة المعنوية للقدر الإلهي.

فمثلا: في أنواع البيض، وأقسام النطف، وأصناف النوى، وأجناس البذور، تنال الموادُ أنوارا مختلفة، مقامات متباينة، حسب تباين الأوامر التكوينية التي سطّرها القدرُ الإلهي بأنماط متنوعة وأشكال متغايرة؛ إذ إن تلك المواد -من حيث هي مادة- في ماهية واحدة،(3) إلاّ أنها تصبح وسيلةً لنشوء مالا يحد من الموجودات،فتكون صاحبةَ مقاماتٍ مختلفةٍ وأنوار متنوعة، فلابد إذن لو وجِدت ذرة في خدمات حياتية، ودخلت ضمن التسبيحات الربانية التي تسبّح بها الحياةُ مرات ومرات، وأدّت مهماتِها هناك، فلاشك أن يُكتب في جبهتها المعنوية حِكَمُ تلك المعاني، ويسجّلها قلمُ القدر الإلهي الذي لا يعزُب عنه شيء، وذلك بمقتضى العلمالمحيط الإلهي.

من هذه الحقيقة ينكشف طرف من قانون عظيم هو: "قانون العلمالمحيط".

فبناء على ما سبق: فإن الذرات إذن ليست سائبةً ولا منفلتةً.(4)

النتيجة: إن القوانينَ السبعة السابقة، أي قانونَ الربوبية، وقانونَ الكرم، وقانونَ الجمال، وقانون الرحمة، وقانون الحكمة وقانون العدل، وقانون العلمالمحيط.. وأمثالها من القوانين العظمى، يلوّح كلّ منها من طرفٍ ما ينكشف منه، اسمَ اللّٰه الأعظم، وتجليا أعظم لذلك الاسم الأعظم. ويُفهم من ذلك التجلي: أن تحولات الذرات أيضا في هذه الدنيا-كسائر الموجودات-تجول حسب ما خطّه القدرُ الإلهي من حدود ووفق ما تعطيه القدرةُ الإلهية من أوامر تكوينية، وعلى أساس ميزان علمي حساس، لأجل حِكَمٍ سامية، وكأنها تتهيأ للرحيل إلى عالم آخر أسمى!(5)

ومن هنا عُدّت الأجسامُ الحية كأنها مدرسة، تتعلم فيها الذراتُ السائحة، ومعسكرُ تدريب، ومضيف تربوي لها، ويصح أن نحكم بحدس صادق أنها كذلك.

الحاصل: مثلما ذُكر في "الكلمة الأولى" وأثبت هناك: أن كل شيء يقول "بسم اللّٰه". فالذرة أيضا كجميع الموجودات وكل طائفة منها وكل جماعة من جماعاتها تقول بلسان الحال: "بسم اللّٰه" وتتحرك وفقها.

نعم، إن كل ذرة -بدلالة النقاط الثلاث المذكورة- تقول بلسان حالِها في مبدأ حركتها: "بسم اللّٰه الرحمن الرحيم" أي أتحرك باسم اللّٰه وبقوتِه وبحولِه وبإذنه وفي سبيله، ثم تقول -وكل طائفة منها- بعد إنهاء حركتها بمثل ما يقوله أي مخلوق كان بلسان حاله: الحمد للّٰه رب العالمين. فكلُّ ذرة تبدي نفسَها في حكم ريشةِ قلمٍ صغير للقدرة الإلهية في تصويرِ كلِّ مخلوق بديع الذي هو بمثابة قصيدةِ ثناءٍ وحمدٍ للّٰه تعالى. بل كلّ ذرة تبين نفسَها في صورةِ طرفِ إبرةٍ لأذرع معنوية لا حد لها لحاكٍ رباني معظم، تدور الإبرة على اسطوانات -وهي المصنوعات الربانية- فتُنطقُها بقصائد ثناءٍ وحمدٍ ربانية، وتُنشدها أناشيدَ تسبيحات إلهية..

﴿دَعوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَام وَآخِرُ دَعْوَاهُم أنِ الْحَمْدُ للّٰهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

﴿سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلاَّ مَا عَلَّمْتَنا اِنّكَ اَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾

﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً اِنّكَ اَنتَ الْوَهَّاب﴾

اَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَاةً تَكُونُ لَكَ رِضَاءً وَلِحَقِّهِ أدَاءً

وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَإِخْوَانِهِ وَسَلّم،

وَسَلِّمْنَا وَسَلِّمْ دِينَنَا آمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

 

______________________________________

(1) لقد ذُكر في القرآن: "إمام مبين" و"كتاب مبين" في عدة مواضع. وقال قسم من المفسرين: إنهما بمعنى واحد. وقال آخرون: معناهما مختلف. وفسّروا حقيقتهما بوجوه متضاربة. وخلاصةُ ما قالوه: أنهما عنوانان للعلم الإلهي. ولقد حصل لي الاطمئنان التام والقناعة التامة بفيض القرآن الكريم أن: "الإمام المبين" عنوان لنوعٍ من العلم الإلهي وأمره، بحيث يتوجّه إلى عالم الغيب أكثر مما يتوجه إلى عالم الشهادة. أي إنه يتوجه إلى الماضي والمستقبل أكثر من توجهه إلى الحال والزمن الحاضر. وبعبارة أخرى: إنه سجلّ للقدر الإلهي ينظر إلى أصل كل شيء وإلى نسله، إلى عروقه وإلى بذوره، أكثر مما ينظر إلى وجوده الظاهري. وقد أثبت وجودُ هذا السجل في "الكلمة السادسة والعشرين" وفي "حاشية الكلمة العاشرة". نعم، إن هذا الإمام المبين عنوان لنوع من العلم الإلهي وأمره، وهذا يعني: أن إنتاج مبادئ الأشياء وجذورها وأصولها، للأشياء، في غاية الإبداع والإتقان، يدل على أن ذلك التنظيم والإتقان إنما يتمان وفق سجل دساتير للعلم الإلهي. كما أن نتائج الأشياء وأنسالها وبذورها، سجل صغير للأوامر الإلهية لكونها تتضمن برامج ما سيأتي من الموجودات وفهارسه، فيصح أن يقال: إن البذرة -مثلا- عبارة عن برامج وفهارس مجسّمة مصغرة لجميع ما ينظِّم تركيب الشجرة الضخمة، وللأوامر التكوينية التي تعيّن تلك التصاميم والفهارس وتحدّدها.

الحاصل: أن "الإمام المبين" هو في حكم فهرس وبرنامج شجرة الخلق، الممتدة عروقُها وأغصانها وفروعها حول الماضي والمستقبل وعالم الغيب. فـ"الإمام المبين" بهذا المعنى سجل للقدر الإلهي، وكراسُ دساتيره. والذرات تُساق إلى حركاتها ووظائفها في الأشياء بإملاء من تلك الدساتير وبحكمها. أما "الكتاب المبين" فهو يتوجه إلى عالم الشهادة أكثر من توجهه إلى عالم الغيب، أي ينظر إلى الزمان الحاضر أكثر مما ينظر إلى الماضي والمستقبل. فهو عنوان للقدرة الإلهية وإرادتها، وسجل لهما وكتاب، أكثر مما هو عنوان للعلم الإلهي وأمره. وبتعبير آخر: إنه إذا كان "الإمام المبين" سجلا للقَدَر الإلهي فـ"الكتاب المبين" سجل للقُدرة الإلهية. أي إن الانتظام والإتقان في كل شيء، سواء في وجوده، في هويته، في صفاته، في شؤونه يدلان على أن الوجود يُضفى على الشيء وتُعيَّن له صوَره، ويشخَّص مقداره، ويعطى له شكله الخاص، بدساتير قدرةٍ كاملة وقوانين إرادة نافذة. فتلك القدرة الإلهية والإرادة الإلهية إذن لهما قوانين كلية وعمومية محفوظة في سجل عظيم، بحيث يُفصَّل ويُخاط ثوبُ أنماط الوجود الخاص لكل شيء ويُلبَس عليه ويُعطى له صوره المخصوصة، وفق تلك القوانين. وقد أثبت وجود هذا السجل في رسالة "القدر الإلهي والجزء الاختياري" كما أثبت فيها "الإمام المبين".

فانظر إلى حماقة الفلاسفة وأرباب الضلالة والغفلة! فلقد شعروا بوجود اللوح المحفوظ للقدرة الإلهية الفاطرة، وأحسّوا بمظاهر ذلك الكتاب البصير للحكمة الربانية، وإرادتها النافذة في الأشياء، ولمسوا صُوَره ونماذجه، إلاّْ أنهم أطلقوا عليه اسم "الطبيعة" -حاش للّٰه- فأخمدوا نورَه.

وهكذا، بإملاءٍ من الإمام المبين، أي بحُكم القَدَر الإلهي ودستوره النافذ، تكتب القدرةُ الإلهية -في إيجادها- سلسلةَ الموجودات -التي كل منها آية- وتوجِد وتحرِك الذرات في لوح "المحو والإثبات" الذي هو الصحيفة المثالية للزمان.

أي إن حركات الذرات إنما هي اهتزازات وحركات في أثناء عبور الموجودات، من تلك الكتابة، ومن ذلك الاستنساخ، ومن عالم الغيب، إلى عالم الشهادة، أي من العلم إلى القدرة. أما "لوح المحو والإثبات" فهو سجل متبدل للّوح المحفوظ الأعظم الثابت الدائم، ولوحة "كتابة ومحو" في دائرة الممكنات أي هو سجل للأشياء المعرضة دوما إلى الموت والحياة، إلى الفناء والوجود. بحيث إن حقيقة الزمان هو هذا. نعم، فكما أن لكل شيء حقيقة، فحقيقة ما نسميه بالزمان الذي يجري جريان النهر العظيم في الكون هي في حكم صحيفة ومداد لكتابات القدرة الإلهية في لوح المحو والإثبات. ولا يعلم الغيب إلا اللّٰه.(المؤلف).

(2) أحد طلاب النور.

(3) نعم، إن جميع تلك المواد مركبة من عناصر أربعة هي: مولد الحموضة ومولد الماء (الأوكسجين والهيدروجين) والآزوت والكربون، وأمثالها. لذا تعتبر المواد من حيث التركيب المادي متشابهة إلاّ أن الفرق في كتابة القدر المعنوي. (المؤلف).

(4) جواب الفقرات السبع التي مرت.(المؤلف).

(5) لأنه ماثل أمامنا أن نشر نور الحياة بغزارة في هذا العالم الكثيف السفلي، وإيقاده بفعالية دائمة في منتهى الجود، حتى بث نور الحياة بكثرة هائلة في أخس المواد وأكثرها تعفنا، وصقل تلك المواد الكثيفة والخسيسة بنور الحياة وجعلها لطيفة.. تشير بما يقرب من الصراحة أن اللّٰه سبحانه وتعالى يذيب هذا العالم الكثيف الجامد ويجمّله ويلمّعه بحركات الذرات ونور الحياة ليهيئه إلى العالم الآخر الحي اللطيف السامي الطاهر، وكأنه يزيّنه للرحيل إلى عالم لطيف. فالذين لا يستوعبون بعقولهم الضيقة حشر البشر، لو نظروا بنور القرآن وبمرصاده لرأوا أن "قانون قيومية محيط" واضح رأي العين، يحشر جميع الذرات كحشر الجنود في الجيش ويتصرف فيها، كما هو مشاهد. (المؤلف).