المكتوب الخامس

باسمه سبحانه

 (وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ)

 لقد قال رائد السلسلة النقشبندية وشمسها الامام الرباني رضي الله عنه [1] في مؤلفه " مكتوبات " :

" انني ارجّح وضوح مسألة من الحقائق الايمانية وانكشافها على آلاف من الاذواق والمواجيد والكرامات "

وقال ايضاً: " ان منتهى الطرق الصوفية كافة هو وضوح الحقائق الايمانية وانجلاؤه " .

وقال كذلك: " ان الولاية ثلاثة اقسام:الولاية الصغرى: وهي الولاية المشهورة. وقسم ثان: هو الولاية الوسطى. وقسم ثالث:هو الولاية الكبرى. هذه الولاية الكبرى هو فتح الطريق الى الحقيقة مباشرة دون الدخول في برزخ التصوف وذلك بوساطة وراثة النبوة .

وقال ايضاً: " ان السلوك في الطريقة النقشبندية يسير على جناحين، اي الاعتقاد الصحيح بالحقائق الايمانية، والعمل التام بالفرائض الدينية. فاذا ما حدث خلل وقصور في اي من هذين الجناحين يتعذر السير في ذلك الطريق " .

بمعنى ان الطريقة النقشبندية لها ثلاثة مشاهد:

اولها وأسبقها واعظمها: هو خدمة الحقائق الايمانية خدمة مباشرة ، تلك الخدمة التي سلكها الامام الرباني في اخريات ايامه.

الثاني:خدمة الفرائض الدينية والسنة النبوية تحت ستار الطريقة.

الثالث:السعي لإزالة الامراض القلبية عن طريق التصوف والسير بخطى القلب.

فالاول من هذه الطرق هو بحكم الفرض، والثاني بحكم الواجب، والثالث بحكم السنة.

فما دامت الحقيقة هكذا: فاني أخال أن لو كان الشيخ عبد القادر الكيلاني [2] والشاه النقشبند [3] والامام الرباني وأمثالهم من اقطاب الايمان رضوان الله عليهم اجمعين في عصرنا هذا، لبذلوا كل ما في وسعهم لتقوية الحقائق الايمانية والعقائد الاسلامية، ذلك لانهما منشأ السعادة الابدية، وان اي تقصير فيهما يعني الشقاء الابدي.

نعم، لا يمكن دخول الجنة من دون ايمان، بينما يدخلها الكثيرون جداً دون تصوف. فالانسان لا يمكن ان يعيش دون خبز، بينما يمكنه العيش دون فاكهة. فالتصوف فاكهة والحقائق الاسلامية خبز.

وفيما مضى كان الصعود الى بعض من حقائق الايمان يستغرق اربعين يوماً،

بالسير والسلوك، وقد يطول الى اربعين سنة، ولو هيأت الرحمة الإلهية في الوقت الحاضر طريقا للصعود الى تلك الحقائق لا يستغرق اربعين دقيقة! فليس من العقل أن لا يبالى بهذا الطريق؟!

فالذين قرأوا بانعام ثلاثاً وثلاثين رسالة من " الكلمات " يقرون بأن تلك " الكلمات " قد فتحت امامهم طريقاً قرآنياً قصيراً كهذا.

فما دامت الحقيقة هكذا. فاني اعتقد:

ان " الكلمات " التي كُتبت لبيان اسرار القرآن هي انجع دواء لأمراض هذا العصر وأفضل مرهم يمرر على جروحه، وانفع نور يبدد هجمات خيول الظلام الحالك على المجتمع الاسلامي، وأصدق مرشد ودليل لاولئك الحيارى الهائمين في وديان الضلالة.

فيا أخي! انك تعلم جيداً أن الضلالة إن كانت ناجمة من الجهل فازالتها يسير وسهل. ولكن ان كانت ناشئة من العلم فازالتهاعسير ومعضل. وقد كان هذا القسم الأخير نادراً فيما مضى من الزمان، وربما لا تجد من الألف الا واحداً يضل باسم العلم. واذا ما وجد ضالون من هذا النوع ربما يسترشد منهم واحد من الألف. ذلك لأن امثال هؤلاء يعجبون بأنفسهم، فمع انهم يجهلون يعتقدون أنهم يعلمون.

واني اعتقد ان الله سبحانه وتعالى قد منح " الكلمات " المعروفة، التي هي لمعات معنوية من اعجاز القرآن الكريم خاصية الدواء الشافي والترياق المضاد لسموم زندقة هذه الضلالة في هذا العصر.

 

الباقي هو الباقي

 

سعيد النورسي

 

[1]   الامام الرباني:هو احمد بن عبد الاحد السرهندي الفاروقي (971ــ1034هـ) الملقب بحق "مجدد الالف الثاني» برع في علوم عصره، وجمع معها تربية الروح وتهذيب النفس والاخلاص لله وحضور القلب، رفض المناصب التي عرضت عليه، قاوم فتنة "الملك اكبر» التي  كادت ان تمحق الاسلام. وفّقه المولى العزيز الى صرف الدولة المغولية القوية من الالحاد والبرهمية الى احتضان الاسلام بما بث من نظام البيعة والاخوة والارشاد بين الناس، طهر معين التصوف من الاكدار، تنامت دعوته في القارة الهندية حتى ظهر من ثمارها الملك الصالح "اورنك زيب» فانتصر المسلمون في زمانه وهان الكفار. انتشرت طريقته "النقشبندية» في ارجاء العالم الاسلامي بوساطة العلامة خالد الشهرزوري المشهور بمولانا خالد (1192 ــ1243هـ). له مؤلفات عديدة اشهرها "مكتوبات» ترجمها الى العربية محمد مراد في مجلدين..ــ المترجم.

[2]   الكيلاني(عبد القادر): هو ابن ابي صالح ابو محمد الجيلي. ولد بجيلان سنة 470 هـ، ودخل بغداد فسمع الحديث وتفقه  على ابي سعيد المخرمي الحنبلي، وهو احد الاقطاب المعروفين لدى اهل السنة والجماعة، ومجدد عظيم استقام على يديه كثير من المسلمين  واسلم كثير من اليهود والنصارى. من مصنفاته؛ كتاب الغنية وفتوح الغيب والفتح الرباني، توفي ببغداد سنة 561 هـ . المترجم.

[3]   النقشبند(الشاه):هو محمد بهاء الدين مؤسس الطريقة النقشبندية ولد في قرية قصر عارفان، قرب بخارى، ودرس في سمرقند، تزوج في الثامنة عشرة من عمره، انتسب الى شيوخ كثيرين وعاد اخيراً الى بخارى ولم يغادرها حتى وفاته، وانشأ فيها طريقته ونشرها، وتوفي 3 ربيع الأول 791هـ  1389م عن (73) سنة من العمر. من مصنفاته: الاوراد البهائية، حياتنامة، تنبيه الغافلين.ــ المترجم.