الموقف الثالث

بسم الله الرحمن الرحيم 

﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ﴾(الإسراء:44)

هذا الموقف عبارة عن نقطتين وهي مبحثان

المبحث الأول

إن في كل شيء وجوها كثيرة جدا متوجهة -كالنوافذ- إلى اللّٰه سبحانه وتعالى، بمضمون الآية الكريمة: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ﴾ إذ إن حقائقَ الموجودات وحقيقةَ الكائنات تستند إلى الأسماء الإلهية الحسنى، فحقيقةُ كل شيء تستند إلى اسم من الأسماء أو إلى كثيرٍ من الأسماء. وإن الإتقان الموجود في الأشياء يستند إلى اسم من الأسماء، حتى إن علمَ الحكمة الحقيقي يستند إلى اسم اللّٰه "الحكيم" وعلمَ الطب يستند إلى اسم اللّٰه "الشافي" وعلمَ الهندسة يستند إلى اسم اللّٰه "المقدّر".. وهكذا كلُّ علم من العلوم يستند إلى اسم من الأسماء الحسنى وينتهي إليه، كما أن حقيقةَ جميع العلوم وحقيقةَ الكمالات البشرية وطبقات الكمّل من البشر، تستند كلها إلى الأسماء الإلهية الحسنى. حتى قال أولياء محققون إن "الحقائق الحقيقية للأشياء، إنما هي الأسماء الإلهية الحسنى، أما ماهية الأشياء فهي ظلال تلك الحقائق" بل يمكن مشاهدةُ آثار تجلي عشرين اسما من الأسماء على ظاهر كل ذي حياة فحسب.

نحاول تقريب هذه الحقيقة الدقيقة والعظيمة الواسعة في الوقت نفسه إلى الأذهان بمثال، نصفّيه بمصافٍ ونحلّله بمحلِّلات مختلفة، ومهما يطل البحث بنا فإنه يعدّ قصيرا، فينبغي عدم السأم:

إذا أراد فنان بارع في التصوير والنحت، رسمَ صورةِ زهرة فائقة الجمال، وعملَ تمثالِ حسناءَ رائعة الحسن، فإنه يبدأ أولَ ما يبدأ بتعيين بعضِ خطوطِ الشكل العام لكل منهما.. فتعيينُه هذا إنما يتم بتنظيم، ويعملُه بتقديرٍ يستند فيه إلى علم الهندسة، فيعيّن الحدودَ وفقَه.. فهذا التنظيمُ والتقدير يدلان على أنهما فُعِلا بعلمٍ وبحكمة. أي إنّ فعلَي التنظيم والتحديد يتمّان وفق "بركار" العلموالحكمة، لذا تَحكُم معانِي العلموالحكمة وراءَ التنظيم والتحديد، إذن ستبيّن ضوابطُ العلموالحكمةِ نفسَها.. نعم، وها هي تبيّن نفسَها، إذ نشاهد الفنانَ قد بدأ بتصويرِ العين والأذن والأنف للحسناء وأوراقِ الزهرة وخيوطِها اللطيفة الدقيقة داخل تلك الحدود التي حدّدها.

والآن نشاهد أن تلك الأعضاء التي عُيّنت وفق "بركار" العلموالحكمة أخذت صيغةَ الصنعة المتقنة والعناية الدقيقة، لذا تحكمُ معانِي الصُنع والعناية وراء "بركار" العلموالحكمة.. إذن ستبين نفسَها.. نعم، وها قد بدأت قابليةُ الحسن والزينة في الظهور مما يدل على أن الذي يحرّك الصنعةَ والعناية هو إرادةُ التجميل والتحسين وقصدُ التزيين، لذا يحكمان من وراء الصنعة والعناية؛ وها قد بدأ "الفنانُ" بإضفاء حالة التبسّم لتمثال الحسناء، وشرَع بمنح أوضاعٍ حياتية لصورة الزهرة، أي بدأ بفعلَي التزيين والتنوير. لذا فالذي يحرّك معنى التحسين والتنوير هما معنَيا اللطف والكرم.. نعم، إن هذين المعنيين يحكمان، بل يهيمنان إلى درجة كأن تلك الزهرةَ لطف مجسّم وذلك التمثالَ كرم متجّسد. تُرى ما الذي يحرك معانيَ الكرم واللطف، وما وراءهما غيرُ معاني التودد والتعرف. أي تعريف نفسه بمهارته وفنّه وتحبيبها إلى الآخرين.. وهذا التعريفُ والتحبيب آتيان من الميل إلى الرحمة وإرادة النعمة.. وحيث إن الرحمةَ وإرادةَ النعمة من وراء التودد والتعرّف، فستملآن إذن نواحي التمثال بأنواع الزينة والنعم، وستعلّقان على الصورة، صورة الزهرة الجميلة هديةً ثمينة.. وها نحن نشاهد أن "الفنان" قد بدأ بملء يدي التمثال وصدره بنعمٍ قيّمة ويعلّق على صورة الزهرة دررا ثمينة.. بمعنى أن معاني الترحم والتحنن والإشفاق قد حرّكت الرحمةَ وإرادةَ النعمة.. وما الذي يحرك معاني الترحم والتحنن هذه، وما الذي يسوقهما إلى الظهور لدى ذلك المستغنى عن الناس، غيرُ ما في ذاته من جمال معنوي وكمال معنوي يريدان الظهور؟! إذ إن أجملَ ما في ذلك الجمال، وهو المحبة، وألذَّ ما فيه وهو الرحمة، كلّ منهما -أي المحبة والرحمة- يريدان إراءة نفسيهما بمرآة الصنعة، ويريد -أي الجمال- رؤية نفسِه بعيون المشتاقين، لأن الجمال -وكذا الكمال- محبوب لذاته، يحب نفسَه أكثر من أي شيء آخر، حيث إنه حُسن وعشق في الوقت نفسه، فاتحاد الحسن والعشق آتٍ من هذه النقطة.. ولما كان الجمال يحب نفسَه، فلابد أنه يريد رؤية نفسه في المرايا، فالنِعم الموضوعة على التمثال، والثمرات اللطيفة المعلقة على الصورة، تحمل لمعةً براقة من ذلك الجمال المعنوي -كلّ حسب قابليته- فتُظهر تلك اللمعات الساطعة نفسَها إلى صاحب الجمال، وإلى الآخرين معا.

وعلى غرار هذا المثال ينظّم الصانعُ الحكيم -وللّٰه المثل الأعلى- الجنةَ والدنيا والسماوات والأرض والنباتات والحيوانات والجن والإنس والملك والروحانيات. أي بتعبير موجز ينظم سبحانه جميعَ الأشياء كليّها وجزئيها.. ينظمها جميعا بتجليات أسمائه الحسنى ويعطي لكلٍّ منها مقدارا معينا حتى يجعله يستقرئ اسم "المقدر، المنظم، المصور".

وهكذا بتعيينه سبحانه وتعالى حدودَ الشكل العام لكل شيء تعيينا دقيقا يُظهر اسمَي "العليم، الحكيم". ثم يرسم بمسطرة العلموالحكمة ذلك الشيء ضمن الحدود المعينة، رسما متقنا إلى حد يُظهر معاني الصنع والعناية، أي اسمَي: "الصانع، الكريم".. ثم يضفي على تلك الصورة جمالا وزينة، بفرشاة العناية وباليد الكريمة للصنعة، فإن كانت الصورة أنسانا أضفى على أعضائه كالعين والأنف والأذن ألوانا من الحسن والجمال.. وإن كانت الصورةُ زهرةً أضفى سبحانه إلى أوراقها وأعضائها وخيوطها الرقيقة ألوانا من الجمال والرواء والحسن.. وإن كانت الصورة أرضا منح معادنَها ونباتاتها وحيواناتها ألوانا من الزينة وضروبا من الجمال والحسن.. وإن كانت الصورة جنة النعيم أسبغ على قصورها ألوانا من الحسن وعلى حورها أنواعا من الزينة.. وهكذا قس على هذا المنوال.

ثم يزّين ذلك الشيءَ وينوره بطرازٍ بديع من الزينة والنور حتى تحكُم عليه معاني اللطف والكرم فتجعل ذلك الموجود المزيَّن وذلك المصنوع المنوَّر لطفا مجسما وكرما متجسدا يذكّر باسمَي "اللطيف، الكريم". والذي يسوق ذلك اللطف والكرم إلى هذا التجلي إنما هو التودد والتعرّف، أي شؤون تحبيب ذاته الجليلة إلى ذوي الحياة وتعريفِ ذاته إلى ذوي الشعـور حتى يُقرأ على ذلك الشيء اسما "الودود والمعروف" اللذان هما وراء اسمَي "اللطيف، الكريم" بل يُسمعان قراءته لذينك الاسمَين من حال المصنوع نفسه. ثم يجمّل سبحانه ذلك الموجود المزيّن، وذلك المخلوق الجميل، بثمرات لذيذة، بنتائج محبوبة، فيحوّل جل وعلا الزينةَ إلى نعمةٍ، واللطفَ إلى رحمةٍ، حتى يدفع كل مشاهد يقرأ اسمَي "المنعم، الرحيم" حيث تشف تجليات ذينك الاسمَين من وراء الحجب الظاهرية. ثم إن الذي يسوق اسمي "الرحيم والكريم" -وهو المستغني المطلق- إلى هذا التجلي إنما هو شؤون "الترحّم والتحنن" مما يجعل المشاهد يقرأ على الشيء اسمَي "الحنان، الرحمن". والذي يسوق معاني الترحم والتحنن إلى التجلي، جمال وكمال ذاتيان، يريدان الظهور، مما يدفع المشاهد إلى قراءة اسم "الجميل"، واسمَي "الودود، الرحيم" المندرجين فيه؛ إذ الجمال محبوب لذاته. والجمال وذو الجمال يحب نفسَه بالذات فهو حُسن وهو محبة. وكذا الكمال محبوب لذاته، أي محبوب بلا داعٍ إلى سبب، فهو مُحبّ وهو محبوب.

فما دام جمال في كمال لا نهاية له، وكذا كمال في جمال لا نهاية له، يُحَبُّ كل منهما غايةَ الحب ومنتهاه، وهما يستحقان المحبة والعشق، فلابد أنهما يريدان الظهور في مرايا، ويريدان شهود لمعاتهما وتجلياتهما -حسب قابلية المرايا- وإشهادها الآخرين.

وهذا يعني أن الجمال الذاتي والكمال الذاتي للصانع ذي الجلال، والحكيم ذي الجمال، والقدير ذي الكمال، يريدان الترحم والتحنن، فيسوقان اسمَي "الرحمن، الحنان" إلى التجلي. والترحم والتحنن يسوقان اسمَي "الرحيم والمنعم" إلى التجلي، وذلك بإظهار الرحمة والنعمة معا. والرحمة والنعمة تقتضيان شؤون التودد والتعرف وتسوقان اسمَي "الودود والمعروف" إلى التجلي فيظهران على المصنوع. والتودد والتعرف يحركان معنى اللطف والكرم ويستقرآن اسمَي "اللطيف والكريم"، في بعض نواحي المصنوع. وشؤون اللطف والكرم تحرك فعلَي التزيين والتنوير فتستقرىء اسمَي "المزيّن المنور" بلسان حُسن المصنوع ونورانيته. وشؤون التزيين والتحسين تقتضي معاني الصنع والعناية وتستقرىء اسمَي "الصانع والمحسن" في السيماء الجميل لذلك المصنوع. وذلك الصنع والعناية تقتضيان العلموالحكمة فيستقرئ المصنوعُ اسمَي "العليم والحكيم" في أعضائه المنتظمة الحكيمة. ولاشك أن ذلك العلموالحكمة تقتضيان أفعال التنظيم والتصوير والتشكيل، فيستقرئ المصنوعُ بشكله وبهيئته، اسمَي "المصوّر المقدّر".

وهكذا خلق الصانع الجليل مصنوعاته كلّها، حتى يستقرئ القسم الغالب منها ولا سيما ذوي الحياة، كثيرا جدا من الأسماء الحسنى، وكأنه سبحانه قد ألبس كل مصنوع عشرين حلّة متباينة متراكبة، أو كأنه لف مصنوعَه ذلك بعشرين غطاء وستَره بعشرين ستارا، وكتب على كل حُلة، وعلى كل ستار أسماءه المختلفة.

ففي زهرة واحدة جميلة، وفي حسناء لطيفة، مثلا في ظاهر خلقهما صحائفُ كثيرة جدا -كما في المثال- يمكنك أن تأخذهما مثالا تقيس عليهما المصنوعات الأخرى العظيمة.

الصحيفة الأولى: هيئةُ الشيء التي تبين شكلَه العام ومقدارَه، والتي تذكّر بأسماء: يا مصوّر يا مقدّر يا منظّم.

الصحيفة الثانية: صوَر الأعضاء المتباينة المنكشفة ضمن تلك الهيئة البسيطة للزهرة والإنسان، التي تُسطر في تلك الصحيفة أسماء كثيرة أمثال: العليم، الحكيم.

الصحيفة الثالثة: إضفاء الحسن والزينة على الأعضاء المتباينة لذينك المخلوقَين بأنماط متنوعة من الحسن والزينة حتى تُكتب في تلك الصحيفة أسماء كثيرة من أمثال: الصانع، البارئ.

الصحيفة الرابعة: الزينةُ والحسن البديع الموهوبان إلى ذينك المصنوعَين، حتى كأن اللطفَ والكرم قد تجسّما فيهما، فتلك الصحيفة تُذكّر وتقرأ أسماءً كثيرة أمثال: يا لطيف. يا كريم.

الصحيفة الخامسة: تعليقُ ثمرات لذيذة على تلك الزهرة، ومنحُ الأولادِ المحبوبين والأخلاقِ الفاضلة لتلك الحسناء، يجعلان تلك الصحيفة، تستقرئ أسماءً كثيرةً أمثال: يا ودود يا رحيم يا منعم.

الصحيفة السادسة: صحيفةُ الإنعام والإحسان التي تقرأ أسماءً أمثال: يا رحمن يا حنان.

الصحيفة السابعة: ظهورُ لمعات حُسنٍ وجمال واضحة في تلك النعم وتلك النتائج حتى تكون أهلا لشكرٍ خالص عُجن بشوق وشفقة حقيقيين، ومستحقا لمحبة خالصة طاهرة، فتُكتب تلك الصحيفة وتُقرأ أسماء: يا جميل ذا الكمال، يا كامل ذا الجمال.

نعم، إن كانت زهرة جميلة واحدة، وإنسية حسناء جميلة، يُظهران إلى هذا الحد من الأسماء الحسنى في صورتهما الظاهرية المادية فقط، فإلى أيّ حد من السمو والكلية تستقرئ جميعُ الأزهار، وجميعُ ذوي الحياة والموجودات العظيمة الكلية، الأسماءَ الحسنى الإلهية. يمكنك أن تقيس ذلك بنفسك.

ويمكنك في ضوء ذلك أن تقيس أيضا مدى ما يقرأه الإنسان وما يستقرؤه من الأسماء الحسنى أمثال: الحي، القيوم، المحيي، في كلٍ من صحائف الحياة واللطائف الإنسانية كالروح والقلب والعقل.

وهكذا.. فالجنةُ زهرة. والحورُ زهرة، وسطحُ الأرض زهرة، والربيع زهرة، والسماء زهرة، ونقوشها البديعة والنجوم والشمس زهرة، وألوان ضيائها السبعة أصباغ نقوش تلك الزهرة.

والعالمُ إنسان جميل عظيم، مثلما أن الإنسان عالم مصغر، فنوعُ الحور، وجماعةُ الروحانيات، وجنس الملك، وطائفة الجن، ونوع الإنسان، كلّ من هؤلاء قد صُوّر ونُظّم وأُوجد في حُكم إنسان جميل. كما أن كلا منهم مرايا متنوعة متباينة لإظهار جماله سبحانه وكماله ورحمته ومحبته.. وكلّ منهم شاهدُ صدقٍ لجمالٍ وكمال ورحمة ومحبة لا منتهى لها.. وكلّ منهم آيات جمال وكمال ورحمة ومحبة.

فهذه الأنواع من الكمالات التي لا نهاية لها، حاصلة ضمن دائرة الواحدية والأحدية، وهذا يعني أن ما يُتوهم من كمالات خارج تلك الدائرة ليست كمالاتٍ قطعا.

فافهم من هذا: استنادَ حقائق الأشياء إلى الأسماء الحسنى، بل الحقائق الحقيقية إنما هي تجليات تلك الأسماء. وأن كل شيء بجهات كثيرة وبألسنةٍ كثيرة يذكُر صانعَه ويسبّحه ويقدّسه. وافهم من هذا معنىً واحدا من معاني الآية الكريمة: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾(الإسراء: 44). وقل: سبحان من اختفى بشدّة ظهوره. وافهم سرا من أسرار خواتيم الآيات وحكمة تكرار أمثال: ﴿وهو العليم القدير﴾. ﴿وهو الغفور الرحيم﴾. ﴿وهو العزيز الحكيم﴾.

فإن لم تستطع أن تقرأ في زهرةٍ واحدة الأسماء الحسنى وتعجَز عن رؤيتها بوضوح، فانظر إلى الجنة وتأمّل في الربيع وشَاهِدسطحَ الأرض، عند ذلك يمكنك أن تقرأ بوضوح الأسماءَ المكتوبة على الجنة وعلى الربيع وعلى سطح الأرض، التي هي أزاهير كبيرة جدا لرحمة اللّٰه الواسعة.

 

المبحث الثاني

من الموقف الثالث من "الكلمة الثانية والثلاثين"

إنّ ممثل أهل الضلالة والداعية لها، إذ لم يجد ما يبني عليه ضلالتَه، وعندما تفوتُه البيّنة وتلزمه الحجة يقول: إني أرى أن سعادة الدنيا،والتمتع بلذة الحياة، والرقي والحضارة، والتقدم الصناعي هي في عدم تذكّر الآخرة وفي عدم الإيمان باللّٰه وفي حب الدنيا وفي التحرر من القيود وفي الاعتداد بالنفس والإعجاب بها.. لذا سقتُ أكثر الناس ولا زلت أسوقهم -بهمة الشيطان- إلى هذا الطريق.

الجواب:ونحن بدورنا نقول -باسم القرآن الكريم-: أيها الإنسان البائس!عُد إلى رُشدك، لا تصغ إلى داعية أهل الضلالة. ولئن ألقيتَ السمع إليه ليكونن خسرانُك من الفداحة ما يقشعر من هول تصوّره الروحُ والعقلُ والقلبُ. فأمامك طريقان:

الأول: هو طريق ذو شقاء يريك إياه داعيةُ الضلالة.

الثاني: هو الطريق ذو السعادة الذي يبيّنه لك القرآن الحكيم.

ولقد رأيتَ كثيرا من الموازنات بين ذينك الطريقين في كثير من "الكلمات" ولاسيما في "الكلمات الصغيرة" والآن انسجاما مع البحث تأمّل في واحدةٍ من ألفٍ من المقارنات والموازنات وتدبَّرها، وهي:

إن طريق الشرك والضلالة والسفاهة والفسوق يهوي بالإنسان إلى منتهى السقوط وإلى أسفل سافلين، ويُلقي على كاهِله الضعيف العاجز في غمرة آلام غير محدودة عبئا ثقيلا لا نهاية لثقله، ذلك لأن الإنسان إن لم يعرف اللّٰه سبحانه وتعالى وإن لم يتوكل عليه، يكون بمثابة حيوانٍ فانٍ؛ يتألم دوما ويحزَن باستمرار، ويتقلب في عَجز وضعف لا نهاية لهما، ويتلوّى في حاجةٍ وفقر لا نهاية لهما، ويتعرض لمصائبَ لا حد لها، ويتجرّع آلامَ الفراق من التي استهواها ونسجَ بينه وبينها خيوط العلاقات، فيقاسي -وما زال يقاسي- حتى يغادرَ ما بقي من أحبائه نهايةَ المطاف ويفارقهم جزِعا وحيدا غريبا إلى ظلمات القبر.

وسيجد نفسَه طوال حياته أمامَ آلام وآمال لا نهاية لهما، مع أنه لا يملك سوى إرادة جزئية، وقدرة محدودة، وحياةٍ قصيرة، وعمرٍ زائل، وفكر آفل.. فتذهب جهودُه في تطمينها سدىً؛ ويسعى هباء وراء رغباته التي لا تُحد. وهكذا تمضي حياتُه دون أن يجني ثمرا. وبينما تجده عاجزا عن حمل أعباء نفسه، تراه يحمّل عاتقَه وهامَته المسكينة أعباءَ الدنيا الضخمة، فيتعذب بعذاب محرق أليم قبل الوصول إلى عذاب الجحيم.

إن أهل الضلالة لا يشعرون بهذا الألم المرير والعذاب الروحي الرهيب، إذ يلقون أنفسَهم في أحضان الغفلة ليُبطلوا شعورَهم ويخدّروا إحساسَهم مؤقتا بسُكرها.. ولكن ما إن يدنو أحدُهم من شفير القبر حتى يرهفَ إحساسُه ويضاعَف شعورُه بهذه الآلام دفعةً واحدة؛ ذلك لأنه إن لم يكن عبدا خالصا للّٰه تعالى فسيظن أنه مالك نفسَه، مع أنه عاجز بإرادته الجزئية وقدرته الضيئلة حتى عن إدارة كيانه وحده أمام أحوال هذه الدنيا العاصفة، إذ يرى عالما من الأعداء يحيط به ابتداءً من أدق الميكروبات وانتهاءً بالزلازل المدمرة، على أتم استعداد للانقضاض عليه والإجهاز على حياته، فترتعد فرائصُه ويرتجف قلبُه رعبا وهلَعا كلما تخيّل القبرَ ونظر إليه.

وبينما يقاسي هذا الإنسانُ ما يقاسي من وضعه إذا بأحوال الدنيا التي يتعلق بها ترهقه دوما، وإذا بأوضاع بني الإنسان الذي يرتبط بهم تنهكه باستمرار، ذلك لظنه أن هذه الأحداث والوقائع ناشئة من لعب الطبيعة وعبث المصادفة، وليست من تصرف واحدٍ أحد حكيمٍ عليمٍ، ولا من تقديرِ قادرٍ رحيمٍ كريمٍ، فيعاني مع آلامه هو آلامَ الناس كذلك، فتُصبح الزلازل والطاعون والطوفان والقحط والغلاء والفناء والزوال وما شابهها مصائبَ قاتمةً وبلايا مزعجة معذِّبة!

فهذا الإنسان الذي اختار بنفسه هذا الوضع المفجع، لا يثير إشفاقا عليه، ولا رثاءً على حاله.. مثَله في هذا كمثل الذي ذُكر في الموازنة بين الشقيقين في "الكلمة الثامنة" من أن رجلا لم يقنع بلذةٍ بريئة ونشوةٍ نـزيهة وتسلية حلوة ونـزهة شريفة مشروعة، بين أحبّة لطفاء في روضة فيحاء وسط ضيافة كريمة، فراح يتعاطى الخمرَ النجسة ليكسب لذة غير مشروعة، فَسَكر حتى بدأ يُخيّل إليه أنه في مكان قذرٍ، وبين ضوارٍ مفترسة، تصيبه الرعشةُ كأنه في شتاء، وبدأ يستصرخ ويستنجد فلم يشفق عليه أحد؛ لأنه تصوّر أصدقاءه الطيبين حيواناتٍ شرسةً، فحقّرهم وأهانهم.. وتوهم الأطعمةَ اللذيذة والأواني النظيفة التي في صالة الضيافة أحجارا ملوثة، فباشر بتحطيمها.. وظن الكتبَ القيمة والرسائل النفيسة في المجلس نقوشا عادية وزخارفَ لا معنى لها، وشرع بتمزيقها ورميها تحت الأقدام.. وهكذا.

فكما لا يكون هذا الشخصُ وأمثالُه، أهلا للرحمة ولا يستحق الرأفة، بل يستوجب التأديب والتأنيب، كذلك الحال مع مَن يتوهم بسُكر الكفر وجنونِ الضلالة الناشئين من سوء اختياره أن الدنيا التي هي مضيف الصانع الحكيم لعبةَ المصادفة العمياء، وألعوبة الطبيعة الصماء.. ويتصور تجديدَ المصنوعات لتجليات الأسماء الحسنى وعبورَها إلى عالم الغيب مع تيار الزمن، بعد أن أنهت مهامَّها واستنفدت أغراضَها، كأنها تصبّ في بحر العدم ووادي الانعدام وتغيب في شواطئ الفناء.. ويتخيل أصواتَ التسبيح والتحميد التي تملأ الأكوان والعوالم أنينا ونواحا يطلقه الزائلون الفانون في فراقهم الأبدي.. ويحسب صحائفَ هذه الموجودات التي هي رسائل صمدانية رائعة خليطا لا معنى له ولا مغزى.. ويخال بابَ القبر الذي يفتح الطريق إلى عالم الرحمة الفسيح نفقا يؤدي إلى ظلمات العدم.. ويتصور الأجَلَ الذي هو دعوة الوصال واللقاء بالأحباب الحقيقيين أوانَ فراق الأحبة جميعِهم!.

نعم، إن الذي يعيش في دوّامة هذه التصورات والأوهام يُلقي نفسَه في أتون عذاب دنيوي أليم، ففضلا عن أنه لا يكون أهلا لرحمة ولا لرأفة، يستحق عذابا شديدا، لتحقيره الموجودات،باتهامها بالعبثية، وتزييفه الأسماءَ الحسنى، بإنكار تجلياتها، وإنكاره الرسائلَ الربانية بردّه شهاداتِها على الوحدانية.

فيا أيها الضالون السفهاء، ويا أيها التعساء الأشقياء! تُرى هل يُجدي أعظمُ علومكم، وأعلى صروح حضارتكم وأرقى مراتب نبوغكم وأنفذُ خطط دهائكم شيئا أمام هذا السقوط المخيف المريع للإنسان؟ وهل يستطيع الصمودَ حيال هذا اليأس المدمّر للروح البشرية التواقة إلى السلوان؟ وهل يقدر ما تطلقون من "طبيعة" لكم، وما تسندون إليه الآثار الإلهية من "أسباب" عندكم، وما تنسبون إليه الإحسانات الربانية من "شريك" لديكم، وما تتباهَون به من "كشوفاتكم" وما تعتزون به من "قومِكم"، وما تعبدون من "معبودكم" الباطل.. هل يستطيع كلُّ أولئك إنقاذَكم من ظلمات الموت الذي هو إعدام أبدي لديكم؟ وهل يستطيع كلُّ أولئك إمرارَكم من حدود القبر بسلامة، ومن تخوم البرزخ بأمان، ومن ميدان الحشر باطمئنان، ويتمكن من أن يعينكم على عبور جسر الصراط بحكمة، ويجعلكم أهلا للسعادة الأبدية والحياة الخالدة؟.

إنكم لا محالة ماضون في هذا الطريق، إذ ليس بمقدوركم أن توصدوا باب القبر دون أحد. فأنتم مسافرو هذا الطريق لا مناص. ولابد لمن يمضي في هذا الطريق من أن يستند ويتكل على مَن له علم محيط شامل بكل دروبه وشعابه وحدوده الشاسعة، بل تكون جميع تلك الدوائر العظيمة تحت تصرفه وضمن أمره وحكمه.

فيا أيها الضالون الغافلون! إن ما أُودع في فطرتكم من استعداد المحبة والمعرفة، ومن وسائط الشكر ووسائل العبادة التي يلزم أن تُبذل إلى ذات اللّٰه تبارك وتعالى، وينبغي أن تتوجه إلى صفاته الجليلة وأسمائه الحسنى، قد بذلتموها -بذلا غيرَ مشروع- لأنفسكم وللدنيا، فتعانون مستحقين عقابَها، وذلك بسر القاعدة: "إن نتيجة محبةٍ غير مشروعة مقاساةُ عذاب أليمٍ بلا رحمة". لأنكم وهبتم لأنفسكم المحبة التي تخص اللّٰه سبحانه وتعالى، فتعانون بلايا محبوبتكم التي لا تعد، إذ لم تمنحوها راحتها الحقيقة.. وكذا لا تسلّمون أمرَها بالتوكل إلى المحبوب الحق وهو اللّٰه القدير المطلق، فتقاسون الألم دائما.. وكذا فقد أوليتم الدنيا المحبةَ التي تعود إلى أسماء اللّٰه الحسنى وصفاته الجليلة المقدسة، ووزعتم آثارَ صنعته البديعة وقسمتموها بين الأسباب المادية، فتذوقون وبال عملكم؛ لأن قسما من أحبّائكم الكثيرين يغادرونكم مُدبرين دون توديع، ومنهم مَن لا يعرفونكم أصلا، وحتى إذا عرفوكم لا يحبونكم، وحتى إذا أحبوكم لا ينفعونكم، فتظلون في عذابٍ مقيم من أَعْذِبَةِ فراقٍ لا حد له ومن آلامِ زوال يائس من العودة.

فهذه هي حقيقة ما يدّعيه أهل الضلالة، وماهيةُ ما يدعون إليه من "سعادة الحياة" و"كمال الإنسان" و"محاسن الحضارة" و"لذة التحرر"!!

ألا ما أكثفَ حجابُ السفاهة والسُكر الذي يُخَدِّر الشعور والإحساس!

ألا قل: تباً لعقل أولئك الضالين!.

أما الصراط المستقيم أو الجادة المنوّرة للقرآن الكريم، فإنه يداوي جميعَ تلك الجروح التي يعاني منها أهلُ الضلالة ويضمدها بالحقائق الإيمانية، ويبدد كلَّ تلك الظلمات السابقة في ذلك الطريق، ويسد جميع أبواب الضلالة والهلاك، بالآتي:

إنه يداوي ضعفَ الإنسان، وعجزَه، وفقره، واحتياجَه بالتوكل على القدير الرحيم، مُسلّما أثقال الحياة وأعباء الوجود إلى قدرته سبحانه وإلى رحمته الواسعة دون أن يحمّلها على كاهل الإنسان. بل يجعله مالكا لزمام نفسه وحياته، واجدا له بذلك مقاما مريحا، ويعرّفه بأنه ليس بحيوانٍ ناطق، بل هو إنسان بحق وضيف عزيز مكرّم عند الملك الرحمن.

ويداوي أيضا تلك الجروح الإنسانية الناشئة من فناء الدنيا وزوال الأشياء،ومن حب الفانيات، يداويها بلطف وحنان بإظهاره الدنيا دارَ ضيافة الرحمن ومبينا أن ما فيها من الموجودات هي مرايا الأسماء الحسنى، وموضحا أن مصنوعاتها رسائلَ ربانية تتجدد كل حين بإذن ربها، فينقذ الإنسان من قبضةظلمات الأوهام.

ويداوي أيضا تلك الجروح التي يتركها الموتُ، الذي يتلقاه أهلُ الضلالة فراقا أبديا عن الأحبة جميعا، ببيانه أن الموت مقدمةُ الوصال واللقاء مع الأحباء الذين رحلوا إلى عالم البرزخ والذين هم الآن في عالم البقاء، ويثبت أن ذلك الفراقَ هو عينُ اللقاء.

ويزيل كذلك أعظمَ خوف للإنسان بإثباته أن القبر باب مفتوح إلى عالم الرحمة الواسعة، وإلى دار السعادة الأبدية، وإلى رياض الجنان، وإلى بلاد النور للرحمن الرحيم، مبينا أنّ سياحة البرزخ التي هي أشدُّ ألما وأشقى سياحة عند أهل الضلالة، هي أمتعُ سياحةٍ وآنسُها وأسرُّها إذ ليس القبر فم ثعبان مرعب، بل هو باب إلى روضة من رياض الجنة.

ويقول للمؤمن: إن كانت إرادتُك واختيارُك جزئية، ففوّض أمرك لإرادة مولاك الكلية.. وإن كان اقتدارُك ضعيفا فاعتمد على قدرة القادر المطلق.. وإن كانت حياتُك فانيةً وقصيرة ففكّر بالحياة الباقية الأبدية.. وإن كان عمرُك قصيرا فلا تحزن فإن لك عمرا مديدا.. وإن كان فكرُك خافتا فادخل تحت نور شمس القرآن الكريم، وانظر بنور الإيمان كي تمنَحك كلُّ آية من الآيات القرآنية نورا كالنجوم المتلألئة الساطعة بدلا من ضوء فكرك الباهت.. وإن كانت لك آمال وآلام غير محدودة فإن ثوابا لا نهاية له ورحمةً لا حد لها ينتظرانك.. وإن كانت لك غايات ومقاصد لا تحد، فلا تقلق متفكرا بها فهي لا تُحصر في هذه الدنيا،بل مواضعها ديار أخرى، ومانحها جواد كريم واسعُ العطاء.

ويخاطب الإنسان أيضا ويقول: أيها الإنسان! أنت لستَ مالكا لنفسك.. بل أنت مملوك للقادر المطلق القدرة، والرحيم المطلق الرحمة، فلا تُرهق نفسَك بتحميلها مشقةَ حياتك، فإن الذي وهَب الحياة هو الذي يديرها.

ثم إن الدنيا ليست سائبةً دون مالك، حتى تقلق عليها وتكلفَ نفسك حملَ أعبائها وترهق فكرك في أحوالها. ذلك لأن مالكَها حكيم ومولاها عليم، وأنت لستَ إلاّ ضيفا لديه، فلا تتدخل بفضولٍ في الأمور، ولا تخلطها من غير فهم.

ثم إن الإنسان والحيوان ليسوا موجودات مهملة، بل موظفون مأمورون تحت هيمنة حكيم رحيم وتحت إشرافه. فلا تجرّع روحَك ألما بالتفكر في مشاق أولئك وآلامهم ولا تقدّم رأفتك عليهم بين يدي رحمة خالقهم الرحيم.

ثم إن زمام أولئك الذين اتخذوا طورَ العداء معك ابتداء من الميكروبات إلى الطاعون والطوفان والقحط والزلازل، بل زمام كل شيء بيد ذلك الرحيم الكريم سبحانه، فهو حكيم لا يصدر منه عبث، وهو رحيم واسع الرحمة، فكل ما يعمله فيه أثر من لطف ورأفة.

ويقول أيضا: إنّ هذا العالَم مع أنه فانٍ فإنه يهيئ لوازم العالم الأبدي.. ومع أنه زائل ومؤقت إلاّ أنه يؤتي ثمرات باقية، ويُظهر تجليات رائعة من تجليات الأسماء الحسنى الخالدة.. ومع أن لذائذه قليلة وآلامَه كثيرة، إلاّ أن لطائف الرحمن الرحيم وتَكَرُّمه وتفضّلَه هي بذاتها لذّات حقيقية لا تزول، أما الآلامُ فهي الأخرى تولّد لذّاتٍ معنوية من جهة الثواب الأخروي. فما دامت الدائرةُ المشروعة كافيةً ليأخذ كلٌّ من الروح والقلب والنفس لذّاتِها ونشواتها جميعا، فلا داعي إذن أن تلج في الدائرة غير المشروعة، لأن لذةً واحدة من هذه الدائرة قد يكون لها ألفُ ألمٍ وألم، فضلا عن أنها سببُ الحرمان من لذةِ تكريم الرحمن الكريم، تلك اللذة الخالصة الزكية الدائمة الخالدة.

هكذا تَبيّن مما سبق: بأن طريق الضلالة يردي الإنسان إلى أسفل سافلين، إلى حد تَعجز أيةُ مدنية كانت وأية فلسفة كانت عن إيجاد حل له، بل يَعجز الرقيُّ البشري وما بلغه من مراتب العلمعن إخراجه من تلك الظلمات السحيقة التي في الضلالة.

بينما القرآن الكريم يأخذ بيد الإنسان، بالإيمان والعمل الصالح، ويرفعه من أسفل سافلين إلى أعلى عليين، ويبين له الدلائل القاطعة ويبسط أمامَه البراهين الدامغة على ذلك، فيردم تلك الأغوار العميقة بمراتب رقيٍّ معنوي وبأجهزة تكامل روحي.. وكذا ييسر له، بسهولة مطلقة، رحلتَه الطويلة المضنية العاصفة نحو الأبدية، ويهوّنها عليه؛ وذلك بإبرازه الوسائط والوسائل التي يمكن أن يقطع بها مسافة ألف سنة، بل خمسين ألف سنة في يوم واحد.

وكذا يضفي على الإنسان جلبابَ العبودية ويكسبه طورَ عبدٍ مأمور، وضيفٍ موظفٍ لدى الذات الجليلة، وذلك بتعريفه أن اللّٰه سبحانه هو مالك الأزل والأبد، فيضمن له راحة تامة في سياحته في الدنيا المضياف أو في منازل البرزخ في ديار الآخرة.. فكما أن الموظف المخلص للسلطان يتجول بيُسر تام في دائرة مملكة سلطانه، ويتنقل من تخوم ولاياته بوسائط سريعة كالطائرة والباخرة والقطار، كذلك الإنسان المنتسببالإيمان إلى المالك الأزلي فإنه يمرّ بالعمل الصالح من منازل الدنيا المضياف ومن دوائر عالَمي البرزخ والحشر ومن حدودهما الواسعة الشاسعة بسرعة البَرق والبُراق حتى يجد السعادة الأبدية.. فيُثبت القرآن الكريم هذه الحقائق إثباتا قاطعا ويبرزها عيانا للأصفياء والأولياء.

ثم تستأنف حقيقتُه قائلة: أيها المؤمن لا تبذلْ ما تملكه من قابلية غير محدودة للمحبة إلى نفسك التي هي أمّارة بالسوء وهي قبيحة ناقصة، وشريرة مضرة لك، ولا تتخذْها محبوبتك ومعشوقتك، ولا تجعل هواها معبودك، بل اجعل محبوبك مَن هو أهل لمحبة غير متناهية.. ذلكم القادر على الإحسان إليك إحسانا لا نهاية له، والقادر على إسعادك سعادة لا منتهى لها، بل يسعدك كذلك بما يجزل من إحساناته على جميع مَن ترتبط معهم بعلاقات، فهو الذي له الكمال المطلق والجمال المقدس والمنـزّه عن كل نقص وقصور وزوال وفناء.. فجمالُه لا حدود له وجميعُ أسمائه جميلة وحسنى.

نعم، إنّ في كل اسم من أسمائه أنوار حُسنٍ وجمال لا نهاية لها؛ فالجنة بجميع لطائفها وجمالها ونعيمها إنما هي تجلٍ لإظهار جمال رحمته ورحمة جماله، وجميع الحسن والجمال والمحاسن والكمالات المحبوبة والمحببة في الكونكله ما هي إلاّ إشارة إلى جماله ودلالة على كماله سبحانه.

ويقول أيضا: أيها الإنسان! إن ينابيع المحبة المتفجرة في أعماقك والمتوجهة إلى اللّٰه سبحانه والمتعلقة بأسمائه الحسنى والمولّهة بصفاته الجليلة لا تجعلها مبتذلة بتشبثها بالموجودات الفانية، ولا تهدرها دون فائدة على المخلوقات الزائلة؛ ذلك لأن الآثار والمخلوقات فانيتان، بينما الأسماء الحسنى الباديةُ تجلياتُها وجمالُها على تلك الآثار وعلى تلك المصنوعات باقية دائمة.. ففي كل اسم من الأسماء الحسنى وفي كل صفة من الصفات المقدسة آلافٌ من مراتب الإحسان والجمال وآلاف من طبقات الكمال.

فانظر إلى اسم "الرحمن" فحسب لترى أن الجنة إحدى تجلياته، والسعادةَ الأبدية إحدى لمعاته، وجميعَ الأرزاق والنعم المبثوثة في أرجاء الدنيا كافة إحدى قطراته.

فأنعم النظر وتدبر في الآيات الكريمة التي تشير إلى هذه الموازنة بين ماهية أهل الضلالة وأهل الإيمان من حيث الحياة ومن حيث الوظيفة: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أحْسَنِ تَقْوِيمٍ %ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أسْفَلَ سَافِلِينَ %إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أجْر غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾(التين:4-6)والآية الأخرى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأرْضُ﴾(الدخان:29)هذه الآيات تشير إلى عقبى كل منهما. تأمل فيهما لتجد مدى سموهما وإعجازهما في بيان ما عقدناه من الموازنة والمقارنة.

أما الآيات الأولى. فنحيل بيان حقيقة ما تتضمنه من إعجاز في إيجاز إلى الكلمة "الحادية عشرة" التي تبينها بيانا مفصلا. وأما الآية الثانية، فسنشير -إشارة فحسب- إلى مدى إفادتها عن حقيقة سامية وهي كالآتي:

إنها تخاطب قائلة: إن السماوات والأرض لا تبكيان على موت أهل الضلالة. وتدل بالمفهوم المخالف أن السماوات والأرض تبكيان على رحيل أهل الإيمان عن الدنيا.أي لما كان أهلُ الضلالة ينكرون وظائف السماوات والأرض ويتهمونهما بالعبثية ولا يدركون معانيَ ما يؤديانه من مهام، فيبخسون حقهما، بل لا يعرفون خالقَهما ولا دلالاتهما على صانعهما، فيستهينون بهما، ويتخذون منهما موقفَ العداء والإهانة والاستخفاف، فلابد ألاّ تكتفي السماواتُ والأرض بعدم البكاء عليهم، بل تدعوان عليهم بل ترتاحان لهلاكهم.

وتقول كذلك بالمفهوم المخالف: إن السماوات والأرض تبكيان على موت أهل الإيمان، لأنهم يعرفون وظائفهما، ويقدّرونهما حق قدرهما، ويصدّقون حقائقهما الحقة، ويفهمون بالإيمان ما تفيدان من معانٍ، حيث إنهم كلما تأملوا فيهما قالوا بإعجاب: "ما أجملَ خلقَهما! وما أحسن ما تؤديان من وظائف!". فيمنحونهما ما يستحقان من القيمة والاحترام، حيث يبثون حبهم لهما بحبهم للّٰه، أي لأجل اللّٰه، باعتبارهما مرايا عاكسة لتجليات أسمائه الحسنى. ولهذا تهتز السماواتُ وتحزن الأرض، لموت أهل الإيمان وكأنهما تبكيان على زوالهم.

سؤال مهم

تقولون: إن المحبة ليست اختيارية، لا تقع تحت إرادتنا، فأنا بمقتضى حاجتي الفطرية أحب الأطعمة اللذيذة والفواكه الطيبة، وأحب والديّ وأولادي وزوجتي التي هي رفيقة حياتي، وأحب الأنبياء المكرمين والأولياء الصالحين، وأحب شبابي وحياتي وأحب الربيع وكل شيءجميل، وبعبارة أوجز أنا أحب الدنيا،ولِمَ لا أحب كل هذه؟.. ولكن كيف أستطيع أن أقدّم جميع هذه الأنواع من المحبة للّٰه، وأجعل محبتي لأسمائه الحسنى ولصفاته الجليلة ولذاته المقدسة سبحانه؟ ماذا يعني هذا؟.

الجواب:عليك أن تستمع إلى النكات الأربع الآتية:

النكتة الأولى:

إنّ المحبة وإن لم تكن اختيارية، إلاّ أنها يمكن أن يُحوَّل وجهُها بالإرادة من محبوب إلى آخر؛ كأن يظهرَ قبحُ المحبوب وحقيقتُه مثلا، أو يُعرَف أنه حجاب وستار لمحبوب حقيقي يستحق المحبة، أو مرآة عاكسة لجمال ذلك المحبوب الحقيقي، فعندها يمكن أن يُصرَف وجهُ المحبة من المحبوب المجازي إلى المحبوب الحقيقي.

النكتة الثانية:

نحن لا نقول لك: لا تحمل ودّا ولا حبا لكل ما ذكرتَه آنفا. وإنما نقول اجعل محبتك لما ذكرتَه في سبيل اللّٰه ولوجهه الكريم.

فالتلذذ بالأطعمة الشهية وتذّوق الفواكه الطيبة مع التذكر بأنها إحسان من اللّٰه سبحانه وإنعام من الرحمن الرحيم، يعني المحبة لاسم "الرحمن" واسم "المنعم" من الأسماء الحسنى، علاوة على أنه شكر معنوي. والذي يدلنا على أن هذه المحبة لم تكن للنفس والهوى بل لاسم "الرحمن" هو كسب الرزق الحلال مع القناعة التامة ضمن الدائرة المشروعة، وتناوله بالتفكر في أنه نعمة من اللّٰه مع الشكر له.

ثم إنّ محبتك للوالدين واحترامهما، إنما يعودان إلى محبتك للّٰه سبحانه؛ إذ هو الذي غرس فيهما الرحمة والشفقة حتى قاما برعايتك وتربيتك بكل رحمة وحكمة. وعلامة كونهما محبة لوجه اللّٰه تعالى، هي المبالغة في محبتهما واحترامهما عندما يبلغان الكبر، ولا يبقى لك فيهما من مطمَع. فتُكثر من الشفقة عليهما والرحمة لهما رغم ما يشغلانك بالمشاكل ويثقلان كاهلك بالمشقة. فالآية الكريمة: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنّ عِندَكَ الْكِبَرَ أحَدُهُمَا أوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أفٍّ وَلاَ تَنهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلا كَرِيمًا %وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾(الإسراء:23-24)تدعو الأولاد إلى رعاية حقوق الوالدين في خمس مراتب، وتبين مدى أهمية برّهما وشناعة عقوقهما..

وحيث إنّ الوالد لا يقبل أن يتقدمَه أحد سوى ابنه إذ لا يحمل في فطرته حسدا إليه مما يسدّ على الولد طريق مطالبة حقِّه من الوالد؛ لأن الخصام إما ينشأ من الحسد والمنافسة بين اثنين أو ينشأ من غمط الحق، فالوالدُ سليم معافى منهما فطرة، لذا لا يحق للولد إقامةُ الدعوى على والده، بل حتى لو رأى منه بغيا فليس له أن يعصيه ويعقّه. بمعنى أن من يعقّ والديه ويؤذيهما ما هو إلاّ إنسان ممسوخ حيوانا مفترسا.

أما محبةُ الأولاد فهي كذلك محبة للّٰه تعالى وتعود إليه، وذلك بالقيام برعايتهم بكمال الشفقة والرحمة بكونهم هبةً من الرحيم الكريم. أما العلامة الدالة على كون تلك المحبةِ للّٰه وفي سبيله فهي الصبرُ مع الشكر عند البلاء، ولا سيّما عند الموت والترفّع عن اليأس والقنوط وهدر الدعاء، بل يجب التسليم بالحمد عند القضاء. كأن يقول: إن هذا المخلوق محبوب لدى الخالق الكريم، ومملوك له، وقد أمِنَنِي عليه لفترة من الزمن، فالآن اقتضت حكمتُه سبحانه أن يأخذه مني إلى مكان آمَن وأفضل. فإن تكُ لي حصة واحدة ظاهرية فيه، فله سبحانه ألفُ حصة حقيقية فيه. فلا مناص إذن من التسليم لحكم اللّٰه.

أما محبة الأصدقاء وودّهم، فإن كانوا من أصحاب الإيمان والتقوى فإن محبتهم هي في سبيل اللّٰه وتعود إليه سبحانه بمقتضى "الحب في اللّٰه".

ثم إن محبة الزوجة وهي رفيقةُ حياتك، فعليك بمحبتها على أنها هدية أنيسة لطيفة من هدايا الرحمة الإلهية. وإياك أن تربط محبتَك لها برباط الجمال الظاهري السريع الزوال، بل أوثقها بالجمال الذي لا يزول ويزداد تألقا يوما بعد يوم، وهو جمالُ الأخلاق والسيرة الطيبة المنغرزة في أنوثتها ورقّتها. وإن أحلى ما فيها من جمال وأسماه هو في شفقتها الخالصة النورانية. فجمال الشفقة هذا، وحُسن السيرة يدومان ويزدادان إلى نهاية العمر. وبمحبتهما تُصان حقوقُ هذه المخلوقة اللطيفة الضعيفة، وإلاّ تفقدْ حقوقَها في وقت هي أحوج ما تكونُ إليها، بزوال الجمال الظاهري.

أما محبة الأنبياء عليهم السلام والأولياء الصالحين فهي أيضا لوجه اللّٰه وفي سبيله من حيث إنهم عباد اللّٰه المخلصون المقبولون لديه جل وعلا. فمن هذه الزاوية تصبح تلك المحبة للّٰه.

والحياة أيضا التي وهبها اللّٰه سبحانه وتعالى لك وللإنسان، هي رأس مال عظيم تستطيع أن تكسب به الحياة الأخروية الباقية. وهي كنـز عظيم يحوي أجهزةً وكمالاتٍ خالدة.. من هنا فالمحافظة عليها ومحبتها من هذه الزاوية، وتسخيرها في سبيل المولى عز وجل تعود إلى اللّٰه سبحانه أيضا.

ثم إن محبة الشباب وجماله ولطافته، وتقديره من حيث إنه نعمة ربانية جميلة، ثم العمل على حسن استخدامه، هي محبة مشروعة، بل مشكورة.

ثم محبة الربيع والشوق إليه تكون في سبيل اللّٰه ومتوجهةً إلى أسمائه الحسنى، من حيث كونه أجملَ صحيفةٍ لظهور نقوش الأسماء الحسنى النورانية وأعظمَ معرضٍ لعرض دقائق الصنعة الربانية البديعة.. فالتفكر في الربيع من هذه الزاوية محبة متوجهة إلى الأسماء الحسنى.

وحتى حبُّ الدنيا والشغفُ بها ينقلب إلى محبةٍ لوجه اللّٰه تعالى فيما إذا كان النظر إليها من زاوية كونها مزرعةً الآخرة، ومرآةَ الأسماء الحسنى، ورسائلَ ربانية إلى الوجود،ودار ضيافة موقتة -وعلى شرط عدم تدخل النفس الأمارة في تلك المحبة-.

ومجمل القول: اجعل حبك للدنيا وما فيها من مخلوقات بالمعنى "الحرفي" وليس بالمعنى "الاسمي" أي لمعنى ما فيها وليس لذاتها. ولا تقل لشيء: "ما أجملَ هذا" بل قل: "ما أجملَه خَلقا" أو "ما أجمل خَلقه"! وإياك أن تترك ثغرة يدخل منها حب لغير اللّٰه في باطن قلبك، فإن باطنه مرآة الصمد، وخاص به سبحانه وتعالى. وقل: اللّهم ارزقنا حبَّك وحبَّ ما يقرّبنا إليك.

وهكذا فإن جميع ما ذكرناه من أنواع المحبة، إن وجِّهَت الوجهة الصائبة على الصورة المذكورة آنفا، أي عندما تكون للّٰه وفي سبيله، فإنها تورث لذة حقيقية بلا ألم. وتكون وصالا حقا بلا زوال، بل تزيد محبة اللّٰه سبحانه وتعالى، فضلا عن أنها محبة مشروعة وشكر للّٰه في اللذة نفسها، وفكر في آلائه في المحبة عينها.

مثال للتوضيح: إذا أهدى إليك سلطان عظيم([1]) تفاحةً –مثلا- فإنك ستكنّ لها نوعين من المحبة، وستلتذ بها بشكلين من اللذة:

الأولى:المحبة التي تعود إلى التفاحة، من حيث إنها فاكهة طيبة فيها لذة بقدر ما فيها من خصائص، هذه المحبة لا تعود إلى السلطان. بل مَن يأكلها بشراهة أمامه يبدي محبتَه للتفاحة وليس للسلطان، وقد لا يعجب السلطان ذلك التصرف منه، وينفر من تلك المحبة الشديدة للنفس. علاوة على أن لذة التفاحة جزئية وهي في زوال. إذ بمجرد الانتهاء من أكلها تزول اللذةُ وتورث الأسف.

أما المحبة الثانية: فهي للتكرمة السلطانية والتفاتته اللطيفة التي ظهرت بالتفاحة.. فكأن تلك التفاحة نموذج للتوجه السلطاني، أو هي ثناء مجسّم منه. فالذي يتسلم هديةَ السلطان حبا وكرامةً يبدي محبتَه للسلطان وليس للتفاحة. علما أن في تلك التفاحة التي صارت مظهرا للتكرمة لذةً تفوق وتسمو على ألف تفاحة أخرى. فهذه اللذة هي الشكران بعينه، وهذه المحبة هي محبةٌ ذاتُ احترام وتوقيرٍ يليق بالسلطان.

وهكذا فإذا ما وجّه الإنسانُ محبتَه إلى النِعم والفواكه بالذات وتلذذ عن غفلةٍ بلذاتها المادية وحدَها، فتلك محبة نفسانية تعود إلى هوى النفس، وتلك اللذات زائلة مؤلمة. أما إذا كانت المحبةُ متوجهة إلى جهة التكرمة الربانية ونحوَ ألطاف رحمته سبحانه وثمرات إحسانه، مقدّرا درجات الإحسان واللطف ومتلذذا بها بشهية كاملة، فهي شكر معنوي، وهي لذة لا تورث ألما.

النكتة الثالثة:

إنّ المحبة المتوجهة إلى الأسماء الحسنى لها طبقات: فقد تتوجه بالمحبة إلى الأسماء الحسنى بمحبة الآثار الإلهية المبثوثة في الكون-كما بيناه سابقا- وقد تتوجه بالمحبة إلى الأسماء الحسنى لكونها عناوينَ كمالات إلهية سامية، وقد يكون الإنسان مشتاقاإلى الأسماء الحسنى لحاجته الماسة إليها، وذلك لجامعية ماهيته وعمومها وحاجاته غير المحدودة، أي يحب تلك الأسماء بدافع الحاجة إليها.

ولنوضح ذلك بمثال: تصور وأنت تستشعر عجزَك وحاجتَك الشديدة إلى مَن يساعدك ويعينك لإنقاذ مَن تحنّ عليهم وتشفق على أوضاعهم من الأقارب والفقراء، وحتى المخلوقات الضعيفة المحتاجة، إذا بأحدهم يبرز في الميدان، ويُحسن لأولئك ويتفضل عليهم ويسبغ عليهم نِعَمه بما تريده وترغبه.. فكم تطيب نفسُك وكم ترتاح إلى اسمه "المنعم" و"الكريم".. وكم تنبسط أساريرُك وتنشرح من هذين الاسمين، بل كم يأخذ ذلك الشخص من إعجابك وتقديرك، وكم تتوجه إليه بالحب بذينك الاسمَين والعنوانَين!.

ففي ضوء هذا المثال تدبّر في اسمين فقط من الأسماء الحسنى وهما: "الرحمن" و"الرحيم" تجد أن جميع المؤمنين من الآباء والأجداد السالفين وجميعَ الأحبة والأقارب والأصدقاء، هؤلاء الذين تحبهم وتحن إليهم وتشفق عليهم، يُنعَمون في الدنيا بأنواعٍ من النعم اللذيذة، ثم يُسعَدون في الآخرة بما لذّ وطاب من النعم، بل يزيدهم سبحانه وهو الرحمن الرحيم سعادةً ونعيما بلقاء بعضهم بعضا وبرؤية الجمال السرمدي هناك.. فكم يكون اسما "الرحمن" و"الرحيم" جديرَين إذن بالمحبة؟ وكم تكون روح الإنسان توّاقة إليهما؟ قس بنفسك ذلك لتدرك مدى صواب قولنا: الحمد للّٰه على رحمانيته ورحيميته.

ثم إنك تتعلق بالموجودات المبثوثة على الأرض وتتألم بشقائها، حتى لكأن الأرض برمّتها مسكنُك الجميل وبيتك المأنوس؛ فإذا ما أنعمتَ النظر تجد في روحك شوقا عارما وحاجةً شديدة إلى اسم "الحكيم" وعنوان "المربي" للذي ينظم هذه المخلوقات كافة بحكمة تامة وتنظيم دقيق وتدبير فائق وتربية رحيمة.

ثم إذا أنعمتَ النظر في البشرية جمعاء تجدك تتعلق بهم وتتألم لحالهم البائسة وتتألم أشد الألم بزوالهم وموتهم، وإذا بروحك تشتاق إلى اسم "الوارث الباعث" وتحتاج إلى عنوان "الباقي، الكريم، المحيي، المحسن" للخالق الكريم الذي ينقذهم من ظلمات العدم ويسكنهم في مسكن أجمل من الدنيا وأفضل منها.

وهكذا فلأن ماهية الإنسان عالية وفطرتَه جامعة فهو محتاج بألف حاجة وحاجة إلى ألف اسم واسم من الأسماء الحسنى وإلى كثير جدا من مراتب كل اسم. فالحاجة المضاعَفة هي الشوقُ، والشوق المضاعَف هو المحبة، والمحبة المضاعفة كذلك هي العشق. فحسبَ تكمّل روحِ الإنسان تنكشف مراتبُ المحبة وفق مراتب الأسماء. ومحبةُ جميع الأسماء أيضا تتحول إلى محبة ذاته الجليلة سبحانه، إذ إن تلك الأسماء عناوينُ وتجليات ذاته جلّ وعلا.

والآن سنبين من بين ألف اسم واسم من الأسماء الحسنى مرتبةً واحدة فقط وعلى سبيل المثال من بين ألف مرتبة ومرتبة لاسم "العدل والحكم والحق والرحيم" على النحو الآتي: إن شئت أن تشاهد ما في نطاق الحكمة والعدل من اسم "الرحمن الرحيم، الحق" ضمن دائرة واسعة عظمى فتأمل في هذا المثال:

جيش يضم أربعمائة طائفة متنوعة من الجنود، كل منها تختلف عن الأخرى فيما يعجبها من ملابس، وتتباين فيما تشتهيه من أطعمة وتتغاير فيما تستعمله بيُسر من أسلحة، وتتنوع فيما تتناوله من علاجات تناسبها.. فعلى الرغم من هذا التباين والاختلاف في كل شيء، فإن تلك الطوائف الأربعمائة لا تتميز إلى فرق وأفواج، بل يتشابك بعضُها في بعض من دون تمييز.. فإذا ما وُجد سلطان واحد يعطي لكل طائفة ما يليق بها من ملابس، وما يلائمها من أرزاق، وما يناسبها من علاج، وما يوافقها من سلاح، بلا نسيانٍ لأحد ولا التباس ولا اختلاط، ومن دون أن يكون له مساعد ومعين، بل يوزعها كلَّها عليهم بذاته، بما يتصف به من رحمة ورأفة وقدرة وعلم معجِز وإحاطة تامة بالأمور كلها، مع عدالة فائقة وحكمة تامة.. نعم، إذا ما وُجد سلطان كهذا الذي لا نظير له، وشاهدتَ بنفسك أعماله المعجزة الباهرة، تدرك عندئذٍ مدى قدرتِه ورأفته وعدلِه. ذلك لأن تجهيز كتيبة واحدة تضم عشرة أقوام مختلفين بأعتدةٍ متباينة وألبسةٍ متنوعة أمر عسير جدا، حتى يُلجأ إلى تجهيز الجيش بطراز معيّن ثابت من الألبسة والأعتدة مهما اختلفت الأجناس والأقوام.

فإذا شئت -في ضوء هذا المثال- أن ترى تجلي اسم اللّٰه "الحق" و"الرحمن الرحيم" ضمن نطاق العدل والحكمة، فسرّح نَظَرَك في الربيع إلى تلكالخيام المنصوبة على بساط الأرض لأربعمائة ألف من الأمم المتنوعة، الذين يمثلون جيش النباتات والحيوانات، أنعِم النظر فيها تجد أن جميع تلك الأمم والطوائف، مع أنها متداخلة، وألبستُهم مختلفة وأرزاقهم متفاوتة وأسلحتُهم متنوعة وطرق معيشتهم متباينة وتدريبهم وتعليماتهم متغايرة، وتسريحاتهم وإجازاتهم متميزة.. وهم لا يملكون ألسنةً يطالِبون بها تأمين حاجاتهم وتلبية رغابتهم.. مع كل هذا فإن كلا منها تُدار وتُربى وتراعى باسم "الحق والرحمن والرزاق والرحيم والكريم" دون التباسٍ ولا نسيان ضمن نطاق الحكمة والعدل بميزان دقيق وانتظام فائق.. فشَاهِد هذا التجلي وتأمّل فيه؛ فهل يمكن أن يتدخل أحد غيرُ اللّٰه سبحانه وتعالى في هذا العمل الذي يُدار بمثل هذا النظام البديع والميزان الدقيق؟ وهل يمكن لأي سبب مهما كان أن يمدّ يدَه ليتدخل في هذه الصنعة الباهرة والتدبير الحكيم والربوبية الرحيمة والإدارة الشاملة غيرُ الواحد الأحد الحكيم القدير على كل شئ؟..

النكتة الرابعة:

تقول إنني أحمل أنواعا متباينة من المحبة في نفسي، تتعلق بالأطعمة اللذيذة، وبنفسي وزوجتي وبأولادي ووالديّ وبأحبابي وأصدقائي، وبالأولياء الصالحين والأنـبـيـاء المكرميــن، بـــل يتعلق حبي بكل ما هـو جـمـيـل، وبـــــالربيـــع الزاهي خاصة وبالدنيــا عامة.. فلو ســـــارت هذه الأنواع المختلفة من المحبة وفق ما يأمر بــه القرآن الكريم، فما تكون نتائجُها ومــا فوائدُها ؟.

الجواب:إنّ بيان تلك النتائج وتوضيح تلك الفوائد كلِّها يحتاج إلى تأليف كتاب ضخم في هذا الشأن، لذا سنشير هنا إلى نتيجة واحدة أو نتيجتين منها إشارة مجملة. وسنبين أولا النتائج التي تحصل في الدنيا،ثم بعد ذلك نبين النتائج التي ستظهر في الآخرة. وهي كالآتي:

لقد ذكرنا سابقا: أن أنواع المحبة التي لدى أرباب الغفلة والدنيا والتي لا تنبعث إلاّ لإشباع رغبات النفس، لها نتائج أليمة وعواقب وخيمة من بلايا ومشقات، مع ما فيها من نشوة ضئيلة وراحة قليلة. فمثلا: الشفقة تصبح بلاءً مؤلما بسبب العجز، والحب يغدو حُرقة مفجعة بسبب الفراق، واللذة تكون شرابا مسموما بسبب الزوال.. أما في الآخرة فستبقى دون جدوى ولا نفع، لأنها لم تكن في سبيل اللّٰه تعالى، أو تكون عذابا أليما إن ساقت إلى الوقوع في الحرام.

سؤال:كيف يظل حب الأنبياء الكرام والأولياء الصالحين دون نفع أو فائدة؟

الجواب:مثلما لا ينتفع النصارى المعتقدون بالتثليث من حبهم لسيدنا عيسى عليه السلام، وكذا الروافض من حبهم لسيدنا علي رضي اللّٰه عنه!

أما ما ذكرتَه من أنواع المحبة فإن كانت وفق إرشاد القرآن الكريم وفي سبيل اللّٰه سبحانه وتعالى ومحبة الرحمن الرحيم، فإن نتائج جميلة تثمر في الدنيا،فضلا عن نتائجها الطيبة الخالدة في الآخرة.

أما نتائجها في الدنيا:فإن محبتك للأطعمة اللذيذة والفواكه الطيبة فهي نعمة إلهية لا يشوبها ألم، ولذة لطيفة في الشكر بعينه.

أما محبتُك لنفسك أي إشفاقك عليها، والجهدُ في تربيتها وتزكيتها، ومنعها عن الأهواء الرذيلة، تجعلها منقادة إليك، فلا تسيّرك ولا تقيدك بأهوائها بل تسوقُها أنت إلى حيث الهدى دون الهوى.

أما محبتك لزوجتك وهي رفيقة حياتك، فلأنها قد أسست على حُسن سيرتها وطيب شفقتها، وكونها هبةً من الرحمة الإلهية، فستوليها حبا خالصا ورأفة جادة، وهي بدورها تبادلك هذه المحبة مع الاحترام والتوقير، وهذه الحالة تزداد بينكما كلما تقدمتما في العمر، فتقضيان حياة سعيدة هنيئة بإذن اللّٰه.. ولكن لو كان ذلك الحب مبنيا على جمال الصورة الذي تهواه النفس، فإنه سرعان ما يخبو ويذبل، وتفسد الحياة الزوجية أيضا.

أما محبتك للوالد والوالدة، فهي عبادة تُثاب عليها ما دامت في سبيل اللّٰه، ولا شك أنك ستزيد الحب والاحترام لهما عندما يبلغان الكِبَر، وتكسب لذة روحية خالصة وراحة قلبية تامة لدى القيام بخدمتهما وتقبيل أيديهما وتبجيلهما بإخلاص، فتتوجه إلى المولى القدير، وأنت تشعر هذا الشعور السامي والهمة الجادة، بأن يطيلَ عمرَهما لتحصل على مزيد من الثواب.. ولكن لو كان ذلك الحب والاحترام لأجل كسب حطام الدنيا ونابعا من هوى النفس، فإنه يولد ألما روحيا قاتما ينبعث من شعور سافل منحط وإحساس دنيء وضيع هو النفور من ذينك الموقّرَين اللذين كانا السبب لحياتكَ أنت، واستثقالهما وقد بلغا الكِبر وباتا عبئا عليك، ثم الأدهى من ذلك تمنّي موتهما وترقّب زوالهما!

أما محبتك لأولادك، أي حُبكَ لمَن استودعك اللّٰه إياهم أمانةً، لتقوم بتربيتهم ورعايتهم.. فحب أولئك المؤنسين المحبوبين من خلق اللّٰه، إنما هو حب مكلل بالسعادة والبهجة، وهو نعمة إلهية في الوقت نفسه، فإذا شعرت بهذا فلا يَنتَبْك الحزن على مصابهم ولا تصرخ متحسرا على وفاتهم. إذ -كما ذكرنا سابقا- إن خالقهم رحيم بهم حكيم في تدبير أمورهم وعند ذلك تقول إن الموت بحق هؤلاء لهو سعادة لهم. فتنجو بهذا من ألم الفراق وتتفكر أن تستدر رحمته تعالى عليك.

أما محبتك للأصدقاء والأقرباء، فلأنها لوجه اللّٰه تعالى، فلا يُحول فراقُهم ولا موتهم عن دوام الصحبة معهم، ودوام أخوتكم ومحبتكم ومؤانستكم؛ إذ تدوم تلك الرابطة الروحية والحب المعنوي الخالص، فتدوم بدورهما لذةُ اللقاء ومتعةُ الوصال.. ولكن إن لم يكن ذلك الحب لأجله تعالى ولا في سبيله، فإن لذة لقاء يوم واحد يورث آلامَ الفراق لمائة يوم.(2)

أما محبتك للأنبياء عليهم السلام والأولياء الصالحين، فإن عالم البرزخ الذي هو عالم مظلم موحشفي نظر أرباب الضلالة والغفلة تراه منازلَ من نور تنورت بأولئك المنورين، وعندها لا تستوحش من اللحاق بهم، ولا تجفل من عالم البرزخ، بل تشتاق إليه، وتحن إليه من دون أن يعكر ذلك تمتعك بالحياة الدنيا..ولكن لو كان حبُّهم شبيها بحب أرباب المدنية لمشاهير الإنسانية، فإن مجرد التفكر في فناء أولئك الأولياء الكاملين، وترمّم عظامهم في مقبرة الماضي الكبرى، يزيد ألما على آلام الحياة، ويدفع المرء إلى تصور موته وزواله حيث يقول: سأدخل يوما هذه المقبرة التي ترمّم عظام العظماء! يقوله بكل مرارة وحسرة وقلق.. بينما في المنظور الأول يراهم يقيمون براحة وهناء في عالم البرزخ الذي هو قاعة المستقبل ورواقُه، بعد أن تركوا ملابسهم الجسدية في الماضي.. فينظر إلى المقبرة نظرة شوق وأنس.

ثم إن محبتك للأشياء الجميلة والأمور الطيبة، لما كانت محبة في سبيل اللّٰه، وفي سبيل معرفة صانعها الجليل بحيث يجعلك تقول: ما أجمل خلقَه!. فإن هذه المحبة في حد ذاتها تفكُّر ذو لذة ومتعة، فضلا عن أنها تفتح السبيل أمام أذواقِ حب الجمال والشوق إلى الحسن لتتطلع إلى مراتب أذواق أسمى وأرفع، وتريه هناك كنوز تلك الخزائن النفيسة فيتملاها المرءُ في نشوة سامية عالية؛ ذلك لأن هذه المحبة تفتح آفاقا أمام القلب ليحوّل نظرَه من آثار الصانع الجليل إلى جمال أفعاله البديعة، ومن جمال الأفعال إلى جمال أسمائه الحسنى، ومن جمال الأسماء الحسنى إلى جمال صفاته الجليلة، ومن جمال الصفات الجليلة إلى جمال ذاته المقدسة.. فهذه المحبة وبهذا السبيل إنما هي عبادة لذيذة وتفكر رفيع ممتع في الوقت نفسه.

أما محبتك للشباب، فلأنك قد أحببتَ عهد شبابك لكونه نعمة جميلة للّٰه سبحانه، فلا شك أنك ستصرفه في عبادته تعالى ولا تقتله غرقا في السَفه وتماديا في الغي؛ إذ العبادات التي تكسبها في عهد الشباب إنما هي ثمرات يانعة باقية خالدة أثمرها ذلك العهدُ الفاني، فكلما جاوزت ذلك العهد وطعنت في السن حصلت على مزيد من ثمراته الباقية، ونجوت تدريجيا من آفات النفس الأمارة بالسوء وسيئات طيش الشباب. فترجو من المولى القدير أن يوفقك إلى كسب المزيد من العبادة في الشيخوخة، لتكون أهلا لرحمته الواسعة. وتربأ بنفسك أن تكون مثل أولئك الغافلين الذين يقضون خمسين سنة من عمر شيخوختهم وشيبهم أسفا وندما على ما فقدوه من متاع الشباب في خمس أو عشر سنوات. حتى عبّر أحد الشعراء عن ذلك الندم والأسف بقوله:

فيالَيتَ الشَبابَ يعودُ يوما        فأخبرَه بِمَا فَعَلَ المَشِيبُ(3)

أما محبتك للمناظر البهيجة ولا سيّما مناظر الربيع، فحيث إنها مشاهدة لبدائع صُنع اللّٰه والاطلاع عليها، فذهاب ذلك الربيع لا يزيللذةَ المشاهدة ومتعة التفرج، إذ يترك وراءه معانيَه الجميلة، حيث الربيع أشبه مايكون برسالة ربانية زاهية تُفتح للمخلوقات. فخيالك والزمن شبيهان بالشريط السينمائي يديمان لك لذة المشاهدة هذه، ويجددان دوما تلك المعاني التي تحملها رسالةُ الربيع. فلا يكون حبُّك إذن مؤقتا ولا مغمورا بالأسف والأسى، بل صافيا خالصا لذيذا ممتعا.

أما حبك للدنيا، فلأنه حب للّٰه ولأجله سبحانه، فإن موجوداتها المثيرة للرعب والدهشة تصبح لك أصدقاء مؤنسين، ولأنك تتوجه إليها بالحب من حيث كونها مزرعة الآخرة، تستطيع أن تجني من كل شيء فيها ما يمكن أن يكون ثمرة من ثمار الآخرة، أو تغنم منها ما يمكن أن يكون رأس مال للآخرة. فمصائبُها إذن لا تخيفك وزوالُها وفناؤها لا يضايقك. وهكذا تقضي مدة أقامتك فيها، وأنت ضيف مكرم.. ولكن لو كان حبك لها كحب أرباب الغفلة، فقد قلنا لك مرارا: ستغرق نفسَك وتفنى بحبٍ ساحقٍ، خانق، زائل، لا طائل وراءه ولا نفع!.

وهكذا فقد حاولنا أن نُري لطيفةً واحدة من مئات اللطائف التي تعود لكلٍ مما ذكرتَه، عندما يكون حبك له وفق إرشاد القرآن الكريم، وأشرنا في الوقت نفسه إلى واحد من مئات أضرار ذلك الحب إن لم يكن وفق ما يأمر به القرآن الكريم.

* * *

فإن كنت تريد أن تدرك نتائج هذه الأنواع المختلفة من المحبة في دار البقاءوعالم الآخرة، مثلما أشارت إليها الآيات البينات للقرآن الكريم، فسنبين لك بيانا مجملا فائدة واحدة أخروية من فوائد تلك الأنواع المشروعة من المحبة، وذلك في تسع إشارات، بعد أن نقدم بين يديها مقدمة:

المقدمة

إن اللّٰه سبحانه وتعالى -بألوهيته الجليلة، ورحمته الجميلة، وربوبيته الكبيرة، ورأفته الكريمة، وقدرته العظيمة، وحكمته اللطيفة- قد زيّن هذا الإنسان الصغير بحواسَّ ومشاعرَ كثيرة جدا، وجمّله بجوارحَ وأجهزةٍ وأعضاءٍ مختلفة عديدة؛ ليُشعره بطبقات رحمته الواسعة ويذيقَه أنواع آلائه التي لا تعد، ويعرّفه أقسام إحساناته التي لا تحصى، ويُطلعه عبر تلك الأجهزة والأعضاء الكثيرة على أنواع تجلياته التي لا تُحد لألف اسم واسم من أسمائه الحسنى، ويحببها إليه، ويجعله يُحسن تقديرَها حق قدرها.

فلكل عضو من تلك الأعضاء الكثيرة، ولكل جهاز وآلة منها، وظائفُها المتنوعة وعباداتُها المتباينة كما أن لذائذها مختلفة وآلامَها متغايرة وثوابَها متميز.

فمثلا: العين، تشاهد الجمال في الصور، وترى معجزات القدرةالإلهية الجميلة في عالم الشهود، فتؤدي وظيفتها بتقديم الشكر للّٰه من خلال نظرتها ذات العبرة. ولا يخفى على أحد مدى ما في هذه الرؤية من لذةٍ وما يحصل من زوالها من ألم، لذا لا داعي لتعريف لذة الرؤية وألَم فقدانها... ومثلا: الأذن، تشعر بلطائف الرحمة الإلهية السارية في عالم المسموعات، بسماعها أنواع الأصوات ونغماتها اللطيفة المختلفة. فلها عبادة خاصة بها، ولذة تخصها، وثواب يعود إليها... ومثلا: حاسة الشم التي تشعر بلطائف الرحمة الإلهية الفوّاحة من شذى أنواع العطور والروائح، فإن لها لذتها الخاصة به ضمن أدائها شكرها الخاص، ولا شك أن لها ثوابا خاصا بها... ومثلا: حاسة الذوق التي في الفم. فهي تؤدي وظيفتها وتُقدم بشكرها المعنوي بأنماط شتى من خلال إدراكها مذاقات أنواع الأطعمة ولذائذها.

وهكذا فلكل جهاز من أجهزة الإنسان ولكل حاسة وجارحة، ولكل لطيفة من لطائفه المهمة -كالقلب والروح والعقل وغيرها- وظائفُها المختلفة، ولذائذُها المتنوعة الخاصة بها. فمما لا ريب فيه أن الخالق الحكيم الذي سخّر هذه الأجهزة لتلك الوظائف سيجزى كلا منها بما يلائمها ويستحقها من جزاء.

إنّ النتائج العاجلة للأنواع المتعددة من المحبة -المذكورة سابقا- يشعر بها كل إنسان شعورا وجدانيا، ويستدل على شــعوره هذا ويتيقن منه بحدس صادق. أما نتائجها الأخروية فقد أثبتتها اثنتا عشرة حقيقة من الحقائق الساطعة للكلمة العاشرة والأسس الستة الباهرة للكلمة التاسعة والعشرين.

أما تفصيلها فهو ثابت قطعا بالقرآن الكريم الذي هو أصدقُ كلام وأبلغُ نظام وهو كلام اللّٰه الملك العزيز العلام، في تصريح آياته البينات وتلويحها وفي رموزها وإشاراتها.. لذا لا نرى داعيا لإيراد براهين مطولة في هذا الشأن، علما أننا سردنا براهين كثيرة جدا في "كلمات" أخرى وفي المقام الثاني العربي من "الكلمة الثامنة والعشرين" الخاصة بالجنة وفي "الكلمة التاسعة والعشرين".

الإشارة الأولى:

إنّ النتيجة الأخروية للمحبة المشروعة المكللة بالشكر للّٰه، نحو الأطعمة اللذيذة والفواكه الطيبة في الدنيا، هي تلك الأطعمة والفواكه الطيبة اللائقة بالجنة الخالدة.. كما ينص عليه القرآن الكريم. هذه المحبة، محبة ذات اشتياق واشتهاء لتلك الجنة وفواكهها. حتى إن الفاكهة التي تأكلها في الدنيا وتذكر عليها "الحمد للّٰه" تتجسم في الجنة فاكهةً خاصة بهاوتقدَّم إليك طيبةً من طيبات الجنة. فأنت تأكل هنا فاكهةً، وهناك "الحمد للّٰه" مجسّمة في فاكهة من فواكه الجنة.. وحيث إنك تقدّم شكرا معنويا لذيذا برؤيتك الإنعام الإلهي والالتفات الرباني في الأطعمة والفواكه التي تتناولها هنـــا، فستسلّم إليك هناك في الجنة أطعمة لذيذة وفواكه طيبة، كما هو ثابت في الحديث الشريف وبإشارات القرآن الكريم، وبمقتضى الحكمة الإلهية ورحمتها الواسعة.

الإشارة الثانية:

إن نتيجة المحبة المشروعة نحو النفس، أي محبتها المبنية في الدنيا على رؤية نقائصها دون محاسنها، ومحاولة إكمالها، وتزكيتها ورعايتها بالشفقة والرأفة، ودفعها إلى سبيل الخير، هي إعطاء البارئ عز وجلّ محبوبين يليقون بها وبالجنة، فالنفس التي عافت في الدنيا هواها وشهواتها وتركت رغباتها في سبيل اللّٰه، واستُعمل ما فيها من أجهزة متنوعة على أفضل وجه وأتمه، سيمنحها البارئ الكريم سبحانه، مكأفاة على هذه المحبة المشروعة المُكللة بالعبودية للّٰه، الحورَ العين المترفلات بسبعين حُلّة من حُلل الجنة المتنوعة بأنواعلطائفها وزينتها، والمتجملات بسبعين نوعا من أنواع الحسن والجمال، حتى كأنهن جنة مجسمة مصغرة تنبض بالروح والحياة، لتقرّ بها عينُ النفس التي أطاعت اللّٰه وتهدأ بها المشاعر التي اطمأنت إلى أوامر اللّٰه.. فهذه النتيجة لا ريب فيها، إذ الآيات الكريمة تصرح بها يقينا.

ثم إن نتيجة المحبة المتوجهة نحو الشباب في الدنيا، أي صرف قوة الشباب ونضارتِه في العبادة والتقوى، هي شباب دائم خالد في دار البقاء والنعيم المقيم.

الإشارة الثالثة:

أما النتيجة الأخروية لمحبة الزوجة المؤسسَة على حُسن سيرتها وجميلِ خصلتها ولطيف شفقتها، والتي تصونها عن النشوز وتُجنّبها الخطايا والذنوب، فهي جعلُ تلك الزوجة الصالحة محبوبةً ومُحبةً وصديقة صدوقة وأنيسة مؤنسة، في الجنة، جمالُها أبهى من الحور العين، زينتُها أزهى من زينتهن، حُسنها يفوق حُسنهن.. تتجاذب مع زوجها أطراف الحديث، يستذكران أحداث أيام خلَت.. هكذا وعد الرحيم الكريم. فما دام قد وعد فسيفي بوعده حتما.

الإشارة الرابعة:

أما نتيجة محبة الوالدين والأولاد فهي أن الرحمن الرحيم جل وعلا يُحسن إلى تلك العائلة السعيدة المحظوظة، رغم تفاوت مراتبهم في الجنة بلقاء بعضهم البعض والمعاشرة والمجالسة والمحادثة فيما بينهم بما يليق بالجنة ودار البقاء، كما هو ثابت بنص القرآن الكريم. ويُنعم على أولئك الآباء بملاطفة أولادهم الذين توفّوا في دار الدنيا قبل سن البلوغ، ويجعلُهم لهم ولدانا مخلّدين، في ألطف وضعٍ وأحبّه إلى نفوسهم، وبهذا تُطمئَن رغبةُ مداعبة الأطفال المغروزة في فطرة الإنسان، فيستمتعون بمتعة خالدة وذوق دائم في الجنة، حيث خُلّد لهم أطفالُهم الصغار -الذين لم يبلغوا سن التكليف- ولقد كان يُظَن أن ليس في الجنة مداعبةُ الأطفال، لأنها ليست محلا للتوالد. ولكن الجنة لأنها تحوى أفضللذائذ الدنيا وأجودَها، فملاطفة الأولاد ومداعبة الأطفال لابد أنها موجودة فيها بأفضل صوَرها وأجملِ أشكالها..(4) فيا بشرى أولئك الآباء الذين فقدوا أطفالهم في دار الدنيا!.

الإشارة الخامسة:

إن نتيجة محبتك لصالح الأصدقاء والأقرباء التي يتطلبها "الحب في اللّٰه"، إنما هي في جلوسكم على سُرُر متقابلين ومؤانستكم بلطائف الذكريات، ذكريات أيام الدنيا وخواطرها الجميلة، وقضاء وقت ممتع وجميل بهذه المحاورة والمجالسة. كما هو ثابت بنص القرآن الكريم.

الإشارة السادسة:

أما نتيجة محبة الأنبياء عليهم السلام والأولياء الصالحين حسب ما بينه القرآن الكريم، فهي كسبُ شفاعة أولئك الأنبياء الكرام والأولياء الصالحين في عالم البرزخ، وفي الحشر الأعظم فضلا عن الاستفاضة -بتلك المحبة- من فيوضات مقاماتهم الرفيعة ومراتبهم العالية اللائقة بهم.

نعم، إن الحديث الشريف ينص على أن "المرء مع من أحب"(5) فالإنسان إذن يستطيع أن يرتفع إلى أعلى مقام وأرفعِه بما نسج مع صاحبه من أواصر المحبة وبانتمائه إليه واتباعه له.

الإشارة السابعة:

إن محبتك للأشياء الجميلة وللربيع، أي نظرك إليها من زاوية قولك: "ما أجملَ خلقَه!" وتوجيه محبتك إلى ما وراء ذلك الشيء الجميل من جمال الأفعال وانتظامها، وإلى ما وراء تلك الأفعال المنسقة من جمال تجليات الأسماء الحسنى، وإلى ما وراء تلك الأسماء الحسنى من تجليات الصفات الجليلة.. وهكذا.. إن نتيجة هذه المحبة المشروعة هي مشاهدةُ جمالٍ أسمى من ذلك الجمال الذي شاهدتَه في المصنوعات بألوف ألوف المرات. أي مشاهدة تجليات الأسماء الحسنى وجمالِ الصفات الجليلة بما يليق بالجنة ودار البقاء. حتى قال الإمام الرباني السرهندي رضي اللّٰه عنه: "إن لطائف الجنة إنما هي تمثلات الأسماء الحسنى" فتأمل!.

الإشارة الثامنة:

أما محبتك للدنيا محبةً مشروعة، أي محبتك لها مع التأمل والتفكر في وجهَيها الجميلين اللذين هما: مزرعةُ الآخرة، ومرآةُ التجليات للأسماء الحسنى، فإن نتيجتها الأخروية هي أنه سيوهَب لك جنة تسع الدنيا كلَّها، ولكنها لا تزول مثلها، بل هي خالدة دائمة. وستُظهَر لك في مرايا تلك الجنة تجلياتُ الأسماءالحسنى بأزهى شعشعتها وبهائها، تلك التي رأيت بعض ظلالها الضعيفة في الدنيا.

ثم إن محبة الدنيا في وجهها الذي هو مزرعة للآخرة، أي باعتبار كون الدنيا مشتلا صغيرا جدا لاستنبات البذور لتتسنبل في الآخرة وتثمر هناك، فإن نتيجتها هي أثمارُ جنة واسعة تسع الدنيا كلها، تنكشف فيها جميعُ الحواس والمشاعر الإنسانية التي يحملها الإنسان في الدنيا كبُذيرات صغيرة، انكشافا تاما ونموا كاملا، وتتسنبل فيها بُذيرات الاستعدادات الفطرية حاملةً جميع أنواع اللذائذ والكمالات.. هذه النتيجة ثابتة بمقتضى رحمة اللّٰه الواسعة وحكمته المطلقة. وهي ثابتة كذلك بنص الحديث(6) الشريف وإشارات القرآن الكريم.

ولما كانت محبتُك للدنيا ليست لذلك الوجه المذموم الذي هو رأسُ كل خطيئة، وإنما هي محبة متوجهة إلى وجهَيها الآخرين أي إلى الأسماء الحسنى والآخرة، وقد عقدتَ لأجلهما أواصر المحبة معها وعمّرت ذينك الوجهَين على نية العبادة، حتى كأنك قمت بالعبادة بدنياك كلِّها.. فلابد أن الثواب الحاصل من هذه المحبة يكون ثوابا أوسع من الدنيا كلها، وهذا هو مقتضى الرحمة الإلهية وحكمتها.

ثم لأن تلك المحبة قد حصلت بمحبة الآخرة وكونها مزرعة لها، وبمحبة اللّٰه سبحانه، وكونها مرآة لإظهار أسمائه الحسنى.. فلاشك أنها تقابل بمحبوب أوسع من الدنيا كلها، وما هو إلاّ الجنة التي عرضها السماوات والأرض.

سؤال:ما فائدة الجنة الواسعة سعة الدنيا؟

الجواب:لو كان من الممكن أن تتجول بسرعة الخيال في أقطار الأرض كلها، وتزور أغلبَ النجوم التيفي السماء، لكنت تقول عندئذٍ: إن العالم كلَّه لي. فلا يزاحم حكمَك هذا ولا ينافيه وجودُ الملائكة والناس الآخرين والحيوانات معك في هذا العالم الواسع.

وكذلك يمكنك أن تقول: إن تلك الجنة لي، حتى لو كانت مليئةً بالقادمين إليها.

وقد بينا في رسالة "الجنة" -وهي "الكلمة الثامنة والعشرون"- معنى الحديث الوارد من أنه يُعطى لبعض أهل الجنة جنةٌ سعتُها خمسمائة سنة،(7) وكذا بيناه في رسالة "الإخلاص".

الإشارة التاسعة:

إن نتيجة الإيمان باللّٰه ومحبتِه سبحانه هي رؤيةُ جمال مقدّس وكمال منـزّه للذات الجليلة سبحانه وتعالى، كما هي ثابتة بالحديث الصحيح(8) والقرآن الكريم. هذه الرؤية التي تساوي ساعة منها ألف ألف سنة من نعيم الجنة،(9) ذلك النعيم الذي ساعة منه تفوق ألف ألف سنة من حياة الدنيا الهنيئة، كما هو ثابت لدى أهل العلموالكشف بالاتفاق.

ويمكنك قياس مدى الشوق واللهفة التي تنطوي عليهما فطرةُ الإنسان لرؤية ذلك الجمال المقدس والكمال المنـزّه، ومدى ما فيها من رغبة جياشة وتَوق شديد والتياع لشهودهما، بالمثال الآتي:

كل إنسان يشعر في وجدانه بلهفة شديدة لرؤية سيدنا سليمان عليه السلام الذي أوتي الكمال، ويشعر أيضا بشوقٍ عظيم نحو رؤية سيدنا يوسف عليه السلام الذي أوتي شطرَ الجمال. فيا ترى كم يكون مدى الشوق واللهفة لدى الإنسان لرؤية جمال مقدّس وكمال منـزّه، الذي من تجليات ذلك الجمال والكمال، الجنةُ الخالدة بجميع محاسنها ونعيمها وكمالاتها التي تفوق بما لا يحد من المرات جميعَ محاسن الدنيا وكمالاتها..

اَللّهُمَّ ارزُقنَا فِي الدُّنيَا حُبَّكَ وَحُبَّ مَا يُقَرِّبُنَا إِلَيكَ، وَالاِستِقَامَةَ كمَا أمَرتَ، وَفِي الْآخِرَة ِرَحمَتَكَ وَرُؤيَتَكَ.

﴿سُبحَانَكَ لَا عِلمَ لَنا اِلاَّ مَا عَلّمْتَنا إنَكَ أنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾

اَللّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم عَلَى مَن أرسَلتَهُ رَحمَةً لِلعَالَمِينَ

وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أجْمَعِينَ. آمِينَ

 

 

 

 

 

 

 

تنبيه

لا تعدّ التفصيلات الواردة في ختام هذه الكلمة

طويلة، بل هي مختصرة بالنسبة لأهميتها، إذ تحتاج

إلى إطناب أكثر.

والمتكلم في "الكلمات" كلِّها، ليس أنا، فلست

المتكلم فيها، بل الحقيقةُ هي التي تتكلم باسم

"الإشارات القرآنية" وإن الحقيقة تنطق بالحق

وتقول الصدق.

لذا إن رأيتم خطأً فاعلموا يقينا أن فكري قد خالط

البحث وعكّر صفوه وأخطأ دون إرادتي.

 

_______________________________________

 

(1) لقد وقعت هذه الحادثة فعلا فيما مضى، عندما دخل رئيسا عشيرتين إلى سلطانٍ عظيم وقاما بمثل ما ذكر أعلاه. (المؤلف)

(2) إن ثانية واحدة من لقاء في سبيل اللّٰه تعالى تعد سنة من العمر، بينما سنة من لقاء لأجل الدنيا الفانية لا تساوي ثانية. (المؤلف).

(3) لأبي العتاهية. الإبشهي، المستطرف في كل فن مستظرف 2/71؛ الجاحظ، البيان والتبيين 1/429.

(4) انظر: الترمذي، صفة الجنة 23؛ ابن ماجه، الزهد 39؛ الدارمي، الرقاق 110؛ أحمد بن حنبل، المسند 3/80؛ ابن حبان، الصحيح 16/417؛ أبو يعلى، المسند 2/317.

(5) تقدم تخريجه في الكلمة الثامنة والعشرين.

(6) البخاري، بدء الخلق 8، التوحيد 35؛ مسلم، الإيمان 312، الجنة 2-5؛ الترمذي، تفسير القرآن 32/2؛ ابن ماجه، الزهد 39.

(7) انظر: البغوي، شرح السنن 15/232؛ السيوطي، الفتح الكبير 1/62، 3/422؛ الهيثمي، مسند الحارث 2/655.

(8) عن أبي هريرة رضي اللّٰه عنه أن ناسا قالوا: "يا رسول اللّٰه هل نرى ربّنا يوم القيامة؟" فقال رسول اللّٰه r: "هل تُضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟" قالوا: لا يا رسول اللّٰه، قال: "هل تُضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟" قالوا: لا، قال: "فإنكم ترونه كذا". والحديث بطوله رواه البخاري، المواقيت 16، 26، الأذان 129؛ مسلم، المساجد 211-212؛ أبو داود، السنة 19؛ الترمذي، الجنة 16؛ أحمد بن حنبل، المسند 4/360؛ ابن حبان، الصحيح 16/473.

(9) فقد ورد في الحديث الشريف: "... قال: فيكشف اللّٰه تبارك وتعالى تلك الحجب، ويتجلى لهم فيغشاهم من نوره شيء لولا أنه قضى عليهم أن لا يحترقوا لاحترقوا مما غشيهم من نوره. قال: ثم يقال لهم: ارجعوا إلى منازلكم. قال: فيرجعون إلى منازلهم وقد خَفُوا على أزواجهم وخَفينَ عليهم مما غشيهم من نوره تبارك وتعالى، فإذا صاروا إلى منازلهم ترادّ النور وأمسكنَ حتى يرجعوا إلى صورهم التي كانوا عليها. قال: فتقول لهم أزواجهم: لقد خرجتم من عندنا على صورة، ورجعتم على غيرها؟ قال: فيقولون: ذلك بأن اللّٰه تبارك وتعالى تجلى لنا فنظرنا منه ما خفينا به عليكم..." رواه البزار - انظر الترغيب والترهيب للحافظ المنذري 4/556.