النُوْرْسي وجذور رؤيته الإنسانية

أ. د. عشراتي سليمان

 

استوعب النُوْرْسي معنى الإنسانية ضمن وعي ديني كوني مفتوح على العالمية.. إذ الإسلام هو دين الله الذي لا يقيم الحواجز بين البشر وإن ألحدوا، وإن تباينت عقائدهم. فالمسلم يؤاخي في التوحيد اليهودي والمسيحي والكتابي عامة، ولا يرى فيهم أعداء أو خصوما ما كان الاحترام والقسطاس مرعيا بينهم، بل ويؤاخي كذلك الملحد والوثني بحكم الرابطة الإنسانية، ويشفق عليهما ولا يهينهما أو يزدريهما ما بقيا في حدود قناعتهما، ولا يسعه عندئذ إلا أن يتمنى لهما الهداية.

 

ذلك لأن النُوْرْسي يرى في مخلوقية الإنسان ذروة الإعجاز الذي شاء الله أن يجسد من خلاله قدرته ومطلقيته، إذ الإنسان هو تاج الوجود ، وكل ما أبدعه الله من أكوان ونعم وأفضال ، إنما هي لفائدته ولتكريميته:

"كذلك الإنسان الذي هو ثمرة شجرة الكائنات، إذ المقصود من إيجادها إنما هو الإنسان وغاية إيجادها إنما هو الإنسان، وغاية إيجاد الموجودات هي الإنسان، وبذرة تلك الثمرة قلب الإنسان ، وهو أنه مرآة للصانع الجليل وأجمعها. 

كما نشأ إدراك النُوْرْسي لمعنى الإنسانية من خلال صلة روحية وعضوية جمعته برائع النماذج القطبية التي تواصل معها بواسطة ثقافة بيته الصوفية، حيث كان - وسيبقى - الضمير الجماعي لتلك البيئة يكبر ويمجد تلك النخب الصالحة من الأقطاب، والتي كانت سيرتها كما تواترت وتلقتها الأجيال، مجالا للعظمة والكمال والقدسية.. من حيث طفق الوجدان الفردي والجمعي يستلهم شواهد التضحية والصبر والتجرد والسماحة والبذل.

لقد أنبأتنا سيرة النُوْرْسي واعترافاته أنه ظل منقادا إلى تأثير الأفذاذ من رجال التصوف وأهل السلوك، وأنه انحاز إليهم بمواجده وأن خميرة قيمه الإنسانية تأتت من نفاذ ذلك الوهج المعنوي الذي كان يتلقاه من سيرتهم. لقد تسامى هؤلاء القديسون الأطهار ونظروا إلى الكون والوجود من منظور رباني، فأضفوا محبتهم وسماحتهم وكرمهم على كل شيء، لاسيما على الإنسان، فلا غرابة أن تغدو البشرية جملة قريبة إلى قلوبهم يعطفون عليها ويرأفون بها وينظرون إليها بعين الإشفاق..

على ذلك النهج سار النُوْرْسي، وفي ظله تشكلت رؤيته للكون والإنسان، وعلى خطا الأطهار بلور عقيدته ونظرته إلى الكون وعلاقته بالمخلوقات وفي مقدمتها الإنسان.. فلا عجب أن تتفتح دعوته على الإنسانية قاطبة، وأن تتميز رؤاه ببعدها الشمولي الذي لم يغفل أي بعد من الأبعاد المحققة لفردية الكائن البشري ، باعتباره المخلوق المكرم في هذا الكون.

لقد ارتكزت روحية النُوْرْسي على دعامة الإيمان بالله ، فتواصلت أعماقه مع الله وتواشجت مع مخلوقاته وفي طليعتها الإنسان. لقد ورث عن بيئته الأولى حسا توحيديا حيا، فالانغلاق الذي عاشته بيئاتنا التقليدية كان له فضل كبير على حفظ القيم وصون الايمان، حيث أن جو الانقطاع الاجتماعي الذي تعيشه القرى والمداشر يعزز قابلية التوكل على الله ، ويقرب عالم الغيب إلى النفوس، فثقافة العزلة نفسها تشحذ روح البسالة والتوكل على الخالق فهي من ثمة سبيل معزز للايمان .

ذلك لأن النفوس في رتابتها المعتادة تعيش التفرغ ، ولما كان التفرغ في البيئة الإسلامية يعني التوجه إلى الله والاشتغال بما يعطي للحضور الإلهي كثافته ومحسوسية على صعيد الروح والنفس، فقد تكيفت روح النُوْرْسي منذ نشأتها على هذا الحضور الإلهي الذي يلازمها أينما توجهت، الأمر الذي ولد في النفس هذه القوامة التي تترتب في كنفها النـزعات والمطالب. ثم إن العقيدة الإسلامية بما تحمل من منظومة قيم ومبادئ إنما هي عقيدة إنسانية بلا منازع.

إذ الطبقات العليا من رجالاتها، ممن يعدون مناط القدوة والأسوة بدءا بالرسول (صلى الله عليه وسلم) وصحابته الكرام ومن تبعهم بإحسان، يعتبرون جميعا مصادر شحن وشحذ للهمة والرحمة والسمو. كما أن أحداث التاريخ الإسلامي تعد صعيدا حافلا بوقائع السماحة التي تشمخ بها معاني الإنسانية. وكلها تعاليم وقيم تمرس عليها النُوْرْسي، وتشبع بها، وحملها شعاراتٍ، واتخذها سلوكا ورسالة عمل على تحقيقها  بكل استماتة .

لكن النُوْرْسي عاش في مرحلة تأجج فيها الصراع الحضاري بين الغرب والشرق على أشرس ما يكون التأجج ، فقد استأنف الغرب حملاته الصليبية واستهدف بها العالمين، يستأصل الأمم ويهجرها بالملايين من قاراة لأخرى، ويمسح الشعوب تدجينا لها لتتقبل وجوده وسيادته عليها ، وكان صراع الصليبية مع الإسلام ذروة المخاض العراكي الذي شهده القرنان التاسع عشر والعشرون، الحقبة التي عاشها النُوْرْسي، واصطلى بلهبها.

تلك هي تقريبا الأسس التي ارتكزت عليها إنسانية النُوْرْسي ، هذه الإنسانية التي سنراها تتخصب وتغتني في تالي مراحل حياته.. حيث سنجد الرؤية تتكيف مرتين، الأولى يوم دخل استانبول نكرة لا يعرفه أحد تقريبا، فقد كان طبيعيا في ذلك اللقاء الأولي بالمدينة أن يتوسع إطار الوعي لديه وتمتد ظلال الفهم وتتخصب الرؤية بأبعاد أخرى يتعزز في ضوئها وازع إنسانيته.

كما أن عودته إلى نفس الصعيد المدني، من خلال ملابسة الأوساط المدنية ومرجعيات المجتمع الحضري ، أثناء الحرب الكونية الأولى، قد عمق ذلك التكييف الذي رأيناه يتعهد به مثله وقناعاته الإنسانية .. وهو ما أسفر عن تحول في المسيرة ، تحول جعله يختار موقعا أكثر استراتيجية في تفعيل الأحداث والتاريخ، وفي تكريس رؤيته الإنسانية المستمدة من القرآن..

لقد نضجت رؤيته الإنسانية في كنف الحياد والتسامي والتأمل .

حقا إنه نافح عن الإسلام والمسلمين ، وصاول عن انتماء وحضارة ، لكن العقل يثبت أن دفاعه عن تلك القيم والمقومات إنما كان دفاعا عن الإنسانية، إذ لم يكن الإسلام يوما - ولن يكون - إلا حضارة مشرعة للعالمين، ومثابة تمحي فيها العصبيات والانتماءات ، إذ الانخراط في سلك الإسلام انخراط في الكونية بأسس حددها الله ، وأثبتت القرون من الازدهار الحضاري الإسلامي أنها – حقا - أسس تستجيب بأصالة لمفهوم العالمية والتآخي والانتماء القدسي الذي تزول معه كل الاعتبارات الشكلية والوضعية المميزة بين الآدميين.

لم يكن تمجيد النُوْرْسي للترك والعرب - كما سنرى في غير هذا المقام - عصبية وانحيازا يتنافى مع المثل الإنسانية التي حملها ، ولكنه كان تمجيدا للكونية الإسلامية التي جسدت على أرض الواقع مبدأ المساواة ، وبينت كيف تتعاور الأم والشعوب على صعيد الإسلام حق وشرف حمل الرسالة المحمدية ، وكيف لا يقف دون حيازة شارتها القدسية - الخلافة - الاعتبار القومي أو الروحي..

إن روح النُوْرْسي - بكل تأكيد - سوف تبادر من عالمها الأخروي إلى التنويه وتعظيم كل قبيل من أهل الأرض يكتب له أن يشمخ براية الإسلام ويتطاول بعزة القرآن ويدفع بها إلى العالمين، كيفما كان لون هذا القبيل أو موطنه أو ماضيه.. ذلك لأن المنظور الذي قوَّمَ به النُوْرْسي البشرية منظور رباني لا تمايز بين الناس فيه إلا بالعمل الصالح.. وأي عمل صالح أسنى من رفع راية الإسلام وإشهارها بين العالمين ، فبذلك العمل الصالح مجد النُوْرْسي كلا من أمتي الترك والعرب ، وكان تمجيده لهما يندرج ضمن سياق إنساني لا شائبة فيه من عرقية أو شوفينية أو تعصب.

شهد النُوْرْسي عن كثب عالما متفجرا  تتعارض فيه الرؤى السياسية والايديولوجية حيال الإنسان والحضارة والكون والوجود ، ورأى كيف أن الغرب الطاغي يعنت الأمم والشعوب المستضعفة ويرغمها على الرضوخ إليه بالقوة والسلاح أو بالدس والاستغواء..

عاين النُوْرْسي من موقعه الاعتكافي ذلك التعارض الحدي الذي كان يميز أوضاع كل من الإنسان المسلم المقهور والإنسان الغربي القاهر، وتفجع بعدم تكافُئ الشروط الصراعية بين الجانبين ، وزاده أسى أن يرى توفيقات الغرب العلمية والتقنية والحضارية لا تلطف من غلواء طغيانه ضد الشعوب والإنسانية ، ولكنها تسَعِّر منها قدما.

لقد كان يدرك أن الحلبة تجمع بين انتماءين وبين نموذجين حضاريين لكن أوضاعهما الراهنة تباين بينهما قيمة ودينامية وتوجها وفاعلية.. لقد كان  الإنسان الأول يرسف في قيود الماضي الشائه ، ضحية للانحطاط ولحال متفاقمة من الابتلاءات والصدمات.. وكان إلى ذلك مدعوا للانتفاض وإنجاز الانبعاث في إطار كوني تبليغي تؤهله له رسالته القرآنية لو وجد إلى الرشد سبيلا .

فيما كان الآخر منتصبا بخيلاء ، مشهرا سيفه بجوع الى الفتك ، يدوس بقدميه كرامة الإنسانية ويضرب مقدساتها .. لقد كان هو الآخر ضحية لأحوال مدنية راهنة  تكرست فيها اختلالات متوارثة وجهت العقل في وجهة الظهور العلمي المتوحش غير المقيد بالضوابط الإنسانية. لكنه مع ذلك كان يتوفر على خمائر جوهرية من الفطرة والتوفيق ما أيسر عليها أن تترشد وترقى إلى علياء المثل لو التفتت إلى الدين الحق ، وهو ما كان يجعل النُوْرْسي يتوقع للإنسانية الخير ، ذلك أنه كان يرى أوروبا حبلى بالإسلام ، وهي مرشحة إما للإسلام وإما لترشيد مسيحتها بما يقربها من القرآن ويدرجها ضمن نهجه، وعندئذ ترتقي البشرية الارتقاء الحق وتهتدي إلى سواء السبيل وتتعزز إنسانية الإنسان.

لقد كانت مقاصد الدعوة النورية هي استنقاذ ما تبقى من إنسانية الإنسان في كلا المعسكرين ، فتجديد همة المسلم هي عودة به إلى فطرته الخلاقة وإلى استنارته التي لا تزيغ بها أوهام بشريتها ، كما أن تدثير الإنسان ببردة الإسلام هو قمة تكريمه ، لما يترتب عن ذلك من تغيير كلي يمضي به على طريق الصلاح .. لقد توهمت المدينة  المسلمة أنها بتقمص أوضاع المدنية الغربية ستتخلص من أوحالها ، ولم يعتم الإنسان المسلم  أن وعى إفلاسه ، لكنه عجز عن الخلاص ولم يستطع فكاكا عن مأساته، بعد أن أضاع ليس المثل فقط ، ولكن إلى ذلك القابلية والفطرة والاستعداد للخير ، وكل ذلك جراء انغماسه..

فالضرر الذي لحق المسلم ضرر مزدوج ، فهو من جهة محبط بأعباء الانحطاط، وهو من جهة أخرى منسحق بما طرأ عليه من تبعات التمدن السطحي، فعاش الفاجعة.

ضمن هذه الجدلية الحضارية الحادة نهض النُوْرْسي وفي يده كتاب الله ، يدعو إلى سبيله بالموعظة والحسنى ، غايته تعميق الروح الإنسانية في الإنسان من خلال بث تعاليم القرآن.