تأليف رسالة الحشر

النورسي  

بديع الزمان  

 

في منفى بارلا  

تأليف رسالة الحشر(1)

 

«بينما كان الأستاذ النورسي يسير يوماً على الساحل الهادئ الجميل ل بحيرة (اغريدر) ويتأمل مياهها الزرقاء، والسفوح الخضراء للجبال المحيطة بها، ويتذكر مسألة البعث بعد الموت ويوم القيامة والآخرة التي غدت تُصور من قبل الدوائر الملحدة وكأنها خرافة وأسطورة لا سند لها من دليل عقلي أو علمي، فبدأ يردد في جيشان روحي كبير

قوله تعالى:﴿فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحيي الأرض بعد موتها ان ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير﴾(الروم:50)

زهاء أربعين مرة هو يذرع الساحل جيئة وذهاباً في نشوة روحية عميقة ملأت نفسه بمعاني هذه الآية الكريمة وفاضت بها فأخذ يُملي على أحد طلابه هذه المعاني فكانت رسالة (الحشر) وهي الرسالة الأولى من (رسائل النور).»(2)

ان كل حقيقة من الحقائق -الاثنتي عشرة لهذه الرسالة - تثبت اموراً ثلاثة في آن واحد: وجود واجب الوجود، وأسمائه وصفاته، ثم تبني الحشر على تلك الأمور وتثبته.

فيستطيع كل شخص من اعتى المنكرين إلى اخلص المؤمنين ان يأخذ حظه من كل حقيقة، لأنها تلفت الأنظار إلى الموجودات والآثار، وتقول: في هذه الموجودات أفعال منتظمة، والفعل المنتظم لا يكون بلا فاعل، لذا فلها فاعل.

ولما كان الفاعل يفعل فعله بالانتظام والنظام يلزم ان يكون حكيماً عادلاً، وحيث انه حكيم، فلا يفعل عبثاً، وحيث انه يفعل بالعدالة فلا يضيّع الحقوق، فلا بد إذن من محشر اكبر ومحكمة كبرى.

وعلى هذا المنوال تسير الحقائق، وتلبس هذا الطراز من التسلسل، وتثبت الدعاوى الثلاث دفعة واحدة. ولانها مجملة فالنظر السطحي يعجز عن التمييز. علماً ان كل حقيقة منها قد فصلت بإيضاح تام في رسائل اُخر وفي (الكلمات).(3)

ولقد دفعت هذه الرسالة بلاءً كبيراً، فبسبب من فوضى الأفكار التي سادت وبسبب من الهزات التي سببتها الحرب العالمية فقد وجد المنافقون الذين ينكرون الحشر الفرصة سانحة لهم، وبدأوا بإظهار أفكارهم المسمومة في كثير من الأماكن، وعندها ظهرت (الكلمة العاشرة-رسالة الحشر) وطُبع منها ألف نسخة ووزعت في مختلف الأنحاء، وكل من اطلع عليها قرأها بلهفة، فقصمت بإذن الله أفكار الزندقة الكفرية، وأخرستهم(4) [ومع هذا] فان هذه الكلمة (الكلمة العاشرة) لم تُقدّر حق قدرها.

فقد طالعتُها بنفسي ما يقرب من خمسين مرة، وفى كل مرة أجد لذة جديدة واشعر بحاجة إلى قراءة أخرى. فمثل هذه الرسالة يقرأها بعضهم مرة واحدة ويكتفي بها وكأنها رسالة كسائر الرسائل العلمية.

والحال ان هذه الرسالة من العلوم الإيمانية التي تتجدد الحاجة إليها في كل وقت كحاجتنا إلى الخبز كل يوم..(5)(*)

____________________________

(1) تأليفاته الأخرى في " بارلا":

1- الكلمات جميعها ، من الكلمة الأولى الى الكلمة الثالثة والثلاثين.

2- المكتوبات جميعها ، من المكتوب الأول الى الثالث والثلاثين.

3- اللمعات -القسم الأعظم منها - وأتمّها في " اسپارطة " خلال ثمانية شهور، حيث ألف فيها اللمعة الحادية والعشرين ( الإخلاص) وقسماً من اللمعة الرابعة والعشرين (الحجاب) واللمعة الخامسة والعشرين (المرضى) وقسماً من اللمعة السادسة والعشرين (الشيوخ).

(2) T.Hayat, Barla hayatı

(3) الملاحق- بارلا/73

(4) الشعاع الثامن

(5) الملاحق - بارلا/77

(*)كليات رسائل النور – سيرة ذاتية ص:234