تشكيله فرقة المتطوعين

النورسي 

بديع الزمان 

تشكيله فرقة المتطوعين:(1) 

في أثناء الحرب العالمية الأولى(2) كنت مع الشهيد المرحوم الملا حبيب، نندفع بالهجوم على الروس في جبهة (پاسينلر). فكانت مدفعيتهم تواصل رمي ثلاث قذائـف علينا في كل دقيقة او دقيقتين، فمرّت ثلاث قذائف من على رؤوسنا تـماماً وعلى ارتفاع مترين. وتراجع جنودنا القابعون في الخندق. قلت للملا حبيب للتجربة والإمتحان:ما تقول يا ملا حبيب؟ لن اختبئ من قنابل هؤلاء الكفار. فقال: وأنا كذلك لن أتخلف عنك ولن أفارقك. فوقعت الثانية على مقربة منا. فقلت للملا حبيب واثقاً من الحفظ الإلهي لنا: هيا نتقدم إلى الأمام! ان قذائف الكفار لا تقتلنا، نحن لن نتدنى إلى الفرار والتخلف.

وكذا الأمر في معركة (بتليس) وفي الجبهة الأمامية منها، فقد أصابت ثلاث طلقات للروس موضعاً مميتاً مني وثقبت إحداها سروالي ومرت من بين رجليّ. كنت أحمل حينها -في تلك الحالة الخطرة- حالة روحية تترفع عن النـزول إلى الخندق، حتى قال القائد (گل علي) والوالي (ممدوح) من الخلف: لينسحب، او ليدخل الخندق فوراً! ورغم قولهم هذا وقولي: قذائف الكفار لا تقتلنا، وعدم اكتراثي بالحذر والحيطة، فلم أحاول الحفاظ على حياتي البهيجة ايام شبابي تلك.(3)

وهكذا ((بعد أن ادّى بديع الزمان فريضة الجهاد في جبهة القفقاس (قائداً لفرق الأنصار) على أفضل وجه حيث حظي بتقدير القائد العام أنور باشا وقواد الفرق وإعجابهم، انسحب إلى مدينة (وان) حيثكانت القوات الروسية متجهة نحوها.

وفي أثناء إخلاء الحكومة مدينة (وان) من أهاليها لإنقاذهم من هجوم القوات الروسية عليها، قرر بديع الزمان مع قسم من طلابه الدفاع عن المدينة حتى الشهادة محتمين بقلعتها، الاّ أن بانسحاب الوالي والقائمقام والاهلين والجيش نحو بتليس هاجم فوج من فرسان القازاق الروسية على (وسطان) فكان ملا سعيد وقلة من طلابه وما يقارب الأربعين من الجنود -الذين لم ينسحبوا بعد- يصدونهم، حتى حالوا دون سقوط أطفال الاهلين واموالهم بيد العدو. فتمكن الاهلون جميعاً من النجاة أثناء الانسحاب دون أن ينال العدو منهم شيئاً.

ولأجل قذف الرعب في قلوب المهاجمين القازاق تظاهر هو وطلابه انهم يحتلون تلاً يطل عليهم، مما أوحى إليهم أن مدداً عسكرياً ضخماً قد أتاهم، فحدّ بذلك من تقدم القازاق. فكان سبباً في عدم استيلاء الروس لقصبة (وسطان).

وفي أثناء تلك المعارك كان يعود إلى الخندق ويملي على طالبه النجيب (الملا حبيب) تفسير (إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز) بل كان يملي احياناً وهو على صهوة جواده أو في خط الدفاع الأول حتى اتمّ القسم الأعظم من ذلك التفسير الجليل.))(4)(*)

_____________________________

 (1) دخل الأستاذ واعظاً في الجيش العثماني سنة 1914م وفي سنة 1915 شكّل فرق المتطوعين "الانصار" وقادهم في جبهة القفقاس.

(2) إحتل الروس شرقي الأناضول في 31/ 10/ 1914وتم دفعهم في 15/ 1/ 1915 بعد أن اٌستشهد ستون ألف جندي عثماني، وعاد الروس لإحتلال المنطقة مرة أخرى في13/ 1/ 1916 بثلاثة أضعاف القوات العثمانية ودخلوا ارضروم في 16/ 2/ 1916 .

(3) الملاحق - اميرداغ 2/ 330 - 331

(4) T. Hayat, ilk hayatı

(*) السيرة الذاتية /123