تعليقات

 

الحمد لله.. والصلاة على رسول الله

اعلم أن المنطق آلة قانونية، تعصم مراعاتُها الذهنَ عن الخطأ في الفكر.

لابد لمن يبتدئ بشيء من العلوم:

من معرفة الرؤوس الثمانية استحساناً: وهي الفهرستة،( ) وبيان المسائل إجمالاً، واسم الفن، وموضوعه، وغايته، وتعريفه، وشرفه باعتبارٍ مّا؛ إما باعتبار الموضوع أو الغاية، أو الدليل والرتبة. هل هو من موجود النقش، أو اللفظ، أو الذهني، أو الخارجي؟ ليكون تحصيل المحصّل على ما فرضه الشرف والرتبة.

ومن ثلاث عرفاً: وهي الموضوع، والغاية، والتعريف.

ومن اثنين عقلاً: وهما التصوّر بوجهٍ مّا. والتصديق بفائدةٍ مّا.

فاللازم أن نبتدئ أولاً بالتعريف،( ) وهو نوعان: إما بحسب الموضوع( ) أو الغاية.( )

والتعريف بحسب الغاية أولى؛ إذ العلم بالغاية يزيد شوق المحصِّل. فهذا، أي المنطق علم آليّ. وتعريفه بحسب الغاية موقوف على معرفة وجه آليّته. ومعرفة وجه الآليّة موقوفة على جهة احتياج ما يحتاج إليه. وهو كل العلوم( ) وجهة الاحتياج عصمة الذهن عن الخطأ في الفكر. وتصوير سلسلة الاحتياج هكذا: الفكر ليس بصحيح بالدوام للاختلاف الكثير، ولا يكفي للتمييز عقلُ كلّ، بل مراعاة الكلّ، أي العقل العمومي الذي هو المنطق،( ) المفسر بعضه بعضاً؛ إذ طريق الاكتساب العمومي الفكر. إذ البعض بدهي والبعض نظري، يكتسب التصور من التصور، والتصديق من التصديق؛ إذ شرط الولادة المجانسة.( ) فإن العلم إما تصور وإما تصديق. فاصعد من هنا في هذه السلسلة السلميّة.

ثم تعريف [العلم هو الصورة الحاصلة من الشيء عند العقل( )]( ) وهي إما تصور( ) أو تصديق. فلا يرد بلزوم اعتبار وحدة المقسم.

أن التصديق مركب من الموضوع والمحمول والنسبة والحكم.( ) لأن الحكم ربطها( ) وكل منهما إما بدهي، أو نظري مكتسب بالنظر. لأن التقسيم لا يخلو من أن يكون الكل من كلٍ بدهياً( ) أو الكل نظرياً، أو مبعّضاً، لأن( ) نظريّ كلٍ لا يكتسب من بدهي الآخر. فالأولان( ) باطلان، لأنه لو كان الكل بدهياً( ) لما جهلنا شــيئاً،( ) ولـو كان الكل نظرياً، لـدار أو تسلسل. فاللازم فيهما باطل، والملزوم كذا.. فبقي( ) بعض التصور بدهياً، وبعضه نظرياً. والتصديق كذا.. فالمبعضية ثابتةٌ؛ لأن الشيء يثبت ببطلان نقيضه. فببطلانِ "كلُّ التصور بدهي"، يثبت نقيضه. وهو "ليس كل التصور بدهياً" ولازمه، وهو "ليس بعض التصور بدهياً" ولازمه، وهو "بعض التصور ليس بدهياً" ولازمه؛ إذا كان( ) الموضوع موجوداً. وهو "بعض التصور لا بدهي" ونظيره. وهو "بعض التصور نظري". وقس البواقي.

[وقد يقع الخطأ في الاكتساب، والعقل غير كاف. فلابد من قانون وهو المنطق]( ) فعرّف المصنف رحمه الله بحسب الغاية والموضوع.

إن قلت: قد أخطأ المنطقيون ما أخطأوا، فكيف يكون عاصماً؟

قلت: أقاموا الصنعة المسهّلة مقام الطبيعة، الصّنّاعة. والصنعة ولو كان على أكمل ما يمكن، لا تساوي الطبيعة.

ثم مراتب العلم هيولاني، وبالملكة، وبالفعل، ومستفاد، وحدسي، وقدسي.

ثم النظر، كَشَفَ ترتب العلل المتسلسلة في الخلقة، فيحلّل ويركب،( ) فيكون قابل العلم والصنعة.

وقيل باعتبار الشرط: تجريد الذهن عن الغفلات.. وقيل باعتبار التحليل: تحديق العقل نحو المعقولات، كتحديق البصر نحو المبصرات.. وقيل باعتبار التركيب: ملاحظة( ) المعقول لتحصيل المجهول.. وقيل باعتبار الصورة: ترتيب أمور معلومة للتأدي إلى المجهول.

ثم طريق حصول المطلوب؛ إما بالإلهام،( ) كعلم الأنبياء والأولياء، أو التعليم للأوائل عند الملاحدة، أو التصفية عند الإشراقيين، أو النظر عند الحكماء. فالثلاث الأُول لا يمكن لكل أحد، فبقي النظر( ) وحصول المطلوب به توليدي عند المعتزلة، وعقلي عند الرازي، وإعدادي عند الحكماء، وعادي عند جمهور أهل السنة. فللفكر حركتان: تحليلي وتركيبي. فلكلٍ مبدأ ووسط ومنتهى. فمبدأ التحليليةِ المادية،( ) المطلوبُ بوجه مّا. ووسطها المبادي الغير المرتّبة. ومنتهاها الأجناس العالية والفصول( ) البسيطة والأوليات.( )

ومبدأ الحركة التركيبية الصورية( ) منتهى الأول. ووسطها المبادي المرتبة. ومنتهاها المطلوب على وجه الكمال.( ) 

ثم العلم واحد اعتباري، لابد له من ضابط، ليتحد كالخيط أو كالسّور. والحال أن الضبط بالتعريف، وشرطه المساواة. ومرجعها القضيّتان الكليتان( ).. وهما "كل ما صدق عليه تعريف المنطق صدق عليه المنطق. وكل ما صدق عليه المنطق صدق عليه تعريفه". فبالأول "المانعية" وبالثاني "الجامعية". لئلا يطلب ما لا يعني، على عدم المانعية، ولا يترك ما يعني، على عدم الجامعية.

فان قلت: الغرض من الحد تحصيل الأوسط، لإدراج الجزئي تحت الكلي. والحال أن العلم كلّ لا كليّ، له أجزاء لا جزئياتٌ. مع أن اسم العلم عَلَم( ) الشخص، والشخص لا يُعرف إلاّ بالإشارة الحسية؟

قلنا: إن أجزاء العلم لعدم امتزاجها -كأجزاء المأة- صارت كالجزئيات. فلما صار الجزء كالجزئي، صار الكل كالكليّ،( ) فيثبت الإدراج بقياس أوسطه حده) بزيادة له دخل على الصغرى، ومن على الكبرى.

ثم الموضوع: المعلومات التصورية والتصديقية، فعِرق كل علم موضوعه.. وما سواه تفرعات تنبت عليه. لأن النصب بالفتحة مثلاً وصفُ المعرب، وهو وصف الاسم، وهو وصف الكلمة. فوصف وصف الشيء وصفه. والصفة إن كانت مجهولة كانت جزءاً، وبعد الجزئية كانت صفة، وإذا استمرت صارت عنواناً.( ) ومقدمة الشروع( ) التصديق( ) بموضوعية الموضوع، لا تعريف عنوان الموضوع فإنه من صناعة( ) البرهان( ) ولا تعريف مَا صَدَقِهِ، فإنه من المبادي التصورية.( ) ولا التصديق بوجوده، فإنه من المبادي التصديقية، وهي الأدلة. وما يتوقف عليه الإثبات،( ) يعني الثبوت في نفسه،( ) وتعريف بعض لعنوان الموضوع.. وهو ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية. فلتحصيل الحد الأوسط( ) لهذا التصديق،( ) والغاية يلزم أن تكون معتدة( ) ومعتبرة،( ) ومقصودة،( ) ومهمةً،( ) ومخصوصة.( )

ثم لما كان الإفادة والاستفادة باللفظ، احتجنا إلى البحث عن اللفظ الدّال.

ثم بين الموجود الذهني واللفظي روابط أربع، هي مناط كل الأوصاف: الوضع،( ) الدلالة،( ) الاستعمال،( ) الفهم.( )

مسائل كل علم قضايا حملية موجبة كلية ضرورية نظرية. وماعداها مؤول بها، لأن الموضوع ما يبحث في العلم عن عوارضه الذاتية؛ إما بذاتها أو مع المقابل المحصل المبحوث في ذلك العلم.( ) يعني يحمل العوارض الذاتية له، أو لأنواعه، أو لأصناف أنواعه كلياً. لأن الذاتية شاملة بالإيجاب، لأنها له، عليه أو على أنواعه أو عوارضه بالضرورية. لأنها ذاتية بالدليل للبحث.

سلسلة المنطق:

النتيجة تتوقف على الدليل.

والدليـل باعتبـار الإفــادة؛ إما يقيني، وهــو القيــاس،( ) وإمـا ظني، وهـو التمثيـل( ) والاستقراء.( )

والقياس باعتبار المادة: الصناعات الخمس؛ أعني: البرهان، والجدل، والخطابة، والشعر، والمغالطة.. وباعتبار الصورة: هي الأشكال الأربع. فإن كان من الحمليات فاقتراني.. ومن الشرطيات فاقترانيات. وباعتبار الأجزاء: صغرى وكبرى. والأجزاء قضيةٌ، ولها أحكام: هي العكس والتناقض.. وباعتبار الحكم: شرطية وحملية.( ) وباعتبار الكيف: موجبة وسالبة.. وباعتبار الكم: مسوّر وغير مسوّر. وتتوقف على تصور المحمول والموضوع، وهما من المفردات. وتصورها بتعريفها، وتعريفها هو القول الشارح يتركب من الكليات الخمس. والكليات أقسام الكلي (وهو) قسم المفهوم( ) والمفهوم هو المعلوم،( ) هو موضوع المنطق.

ثم الدلالة:( ) طبيعية وعقلية ووضعية.

والوضعية: مطابقية وتضمنية( ) والتزامية.

وكل مــن التضمن والالتــزام يتصور بوجوه ثلاثة، بـإرادة( ) مســتقلة أو مشـتركة( ) أو بالتبع. والثالث هو المراد في المنطق، والثلاثة في البيـــان. والمطابقة( ) لا تســتلزمهما كما في البسـائط،( ) وما لا يعلم لـه لازم( ) بيّن بالمعنى الأخص. وعند الإمـام الـرّازي الالتــزام لازم للمطـابـقـة. لأن الماهيـة الخارجية لها تشخص( ) وهَـذِيَّــةٌ. وفـي الذهـن( ) لها تعيـن وهوية. وهما هو هو( ) ليس غير. وســلب الغير لازم لتلك الماهية البتة. ورُدّ بان الحصـول لا يســتلزم الحضور.. واللزوم البيّن وهــو بالمعنى الأخص اللازم للالتــزام حـضــوري. وهمــا يســـتلزمانها، لأنهما تــابعــان. والتــابــع مـن حيـث( ) لا يوجــد بـدون المتبوع.( ) واعتـرض( ) بأن الكبرى ممنوع بالتابع الأعم،( ) وإن قُيّد بالحيثية. فالمتبوع مثلها أيضاً؟

أجيب: بأن الحيثية للإطلاق تتضمن علّية الاحتياج باعتبار الذات لا الصفة الإضافية فقط.

ثم الدال مفرد، إن لم يقصد بجزئه دلالةٌ على جزء معناه المقصود، وإلاّ فمركب.

ولأن المفرد عدمي يوجد بعدم جزء من الأجزاء. فعدم الأخص( ) وهو القصد يعمّ.( )

والمركب وجودي يتوقف على وجود جميع الأجزاء. فلهذا كان للمركب فرد، وللمفرد أفراد( ) ومن هنا( ) يقال: "التخريب أسهل من التعمير".( )

ثم إن المفرد اسم، وكلمة، وأداة. إذ منبع الوجود( ) ذات وحركة( ) ونسبة. فالذي يحكى عن الذات اسم، والذي يخبر عن الحركة فعل، والذي ينبئ عن النسبة حرف. وقد تتولد الحركة من الذات والنسبة. كما منهما الذات. وما يقع في الجواب( ) منها مستقل وما لا غيره.

ثم إن حقائق الثلاثة متخالفة بالذات، متشابهة في التعبير. فالاستعانة تحت "الباء" وفي "أستعين". ومن الاستعانة كالهواء والماء والجمد. أو كالماء والتراب والحجر. وإن من المعاني الحرفية ما لا وطن لها، بل كالسيّاح السَّرْسَرِيّ الطفيلي( ) يتداخل في طيارات أخويه، وقد يتشربانه.( ) فإن عصرتهما تقطّر( ) بل تقطرت.( )

فإن قيل: إن الحرف جسم لطيف هوائي، لا يقدر أن يأخذ معناه.( ) إذا أدلى دَلوَهُ( ) رجع يابساً( ) فيكون عاجزاً عن الإدلاء والدلالة؟

أجيب:( ) بأن العجز من عدم قابلية المحل، لا يدل على نقصان قدرة الفاعل.

ثم المركب إما ناقص( ) أو تام، يصح سكوت المتكلم عليه( ) بالنسـبة لأصل المراد( ) والتــام إما خبـر أو إنشــاء، وهمـا كالعلم الفعلي والانفعالي. ففي الأول الذهن مبـدأ معدّي،( ) [أي علة] للخارج. أي يتوقف وجود الخارج على عدمه، وهـو المعلول، كما يتوقف على وجوده. وفي الثاني بالعكس، أعني( ) الخارج مبدأ،( ) مقارني( ) فالإنشاء كالأول،( ) فلا يتقابلان حتى يقع الارتباط بينهما بالصدق والكذب. وما يتصور بعد الخارج( ) شبيه( ) والخبر كالثاني فيحتمل الصدق، أي يدل عليه، لأنه تصديق. ويحتمل الكذب عقلاً، بناء على جواز تخلّف المدلول عن الدال الوضعي( ) والمراد أن محصل القضية( ) يحتمل الصدق لفظاً، والكذب عقلاً.

ثم الكل: إما حقيقة أو مجاز( ) ومن فوائده: التعظيم، والتحقير، والترغيب، والتنفير، والتزيين، والتشويه، والتصوير، والضبط، والإثبات، والإقناع، ومطابقة تمام المرام.

[ومنه: المجاز المرسل. إن كانت العلاقة غير المشابهة مثل الحلول( ) والكون، والأَوْلِ، والسببية،( ) والجوار،( ) والمظهرية وغيرها( )]( )

ومنه [الاستعارة التمثيلية:( ) كاستعمال الأمثال المضروبة في أشباه معانيها]( ) ومن التمثيلية صور الكلام وأساليبه المحتشمة.أو كناية، وهي إما في الصفة( ) أو الموصوف( ) أو النسبة.( )

والانتقالُ( ) من التابع( ) إلى المتبوع كذلك كنايةٌ. ومن المتبوع -حقيقة أو اعتباراً- إلى التابع كذلك مجازٌ( ) وكلاهما أبلغ، إذ هما كإثبات المدعى بالدليل...

ثم إن المعنى الحقيقي لكونه مطلوباً في الكناية لابد له من الإمكان. ولكونه تبعياً كالحرف لا يلزم أن يوجد...

وفي المجاز( ) لكونه متصوراً لفائدةِ( ) البلاغة فقط، غير مطلوب من حيث هو معنى. فلابد فيه من قرينة مانعة( ) للمعنى الحقيقي عقلاً أو حساً أو عادة.. ومن قرينة معيِّنة للمراد، وقد تتحدان.( ) وفي الكناية من قرينة منتقلة ومعينة، وفي المشترك المعينة فقط.

[فصل في الكليّ والجزئي]( )

[إذا علمت شيئا يحصل في ذهنك منه صورة،( ) وهي من حيث قيامها بخصوصية ذهنك علمٌ. ومع قطع النظر عن هذه الحيثية معلوم ومفهوم. فذلك المفهوم بمجرد النظر إلى ذاته - إن لم يجوّز العقلُ اتحادَه مع كثيرين( ) في الخارج( ) فهو جزئي حقيقي كـ"زيد المرئي".. وإلاّ فكلي. سواء امتنع فرده في الخارج كشريك الباري تعالى واللاشيء، ويسمى كلياً فرضياً، أو أمكن ولم يوجد كالعنقاء أو وجد الواحد فقط مع امتناع غيره كواجب الوجود، أو مع إمكانه كالشمس.. أو وجد متعدد محصور كالكواكب السيارة. أو غير محصور كالإنسان… وذلك الاتحاد هو معنَى حملِ الكليّ على جزئياته مواطأة وصدقه عليها. إما في الواقع، إن كانت الجزئيات موجودة فيه.. أو في الفرض؛ إن لم توجد إلاّ في مجرد الفرض]( )

ومعنى الحمل: هذان المفهومان المتغايران في الذهن، متحدان في الخارج.

والكليّ( ) المحمول( ) بحمل المواطأة يعطي موضوعه أي أفراده، حدّه واسمه. ويتحد به عند الرازي. والكلّ بخلافه. فحمل الجامد( ) والموصوف( ) مواطأة وغيرهما إما اشتقاق( ) أو اشتمال.( )

ثم المحال فرضيّ لا يتصور بذاته، بل بنوع تمثيل.( ) وليس بوجود( ) ذهنيّ.

[ثم الكليّ إن ثبت لأفراده في الخارج ولو على تقدير وجودها فيه، فهو معقول أوّل. سواء ثبت لها في الخارج فقط، كالحارّ للنار]( )

إن قيل: يتصوّر مع النار وصف الحرارة، فتكون ثابتاً لها في الذهن أيضاً؟

أجيب: بأن الحرارة إنما تكون تابعاً وناعتاً إذا كانت عرضاً. والتي في الذهن صورتُها، وهي جوهرية اسميّة تجاور النار.( ) والزوجية هويتها الأصلية بعينها تعرض للأربعة( ) وصورتها( ) كهوية الضياء للشمس( ) ومثالِها.( )

[أو] ثبت [في كلّ من الخارج والذهن، كذاتيات الأعيان المحققة]( ) والمقدّرة ولوازمها.

اعلم أن كون ماهيات الأعيان المحققة من المعقول الأوّل، بناءً على قول من يقول إنها بعينها في الذهن. وأن الوجود الذهنيّ ثابت( ) وأن ما في الذهن مثال لا شبح. وأن تصرف الذهن في الوجود،( ) لا في الماهية، فذاتياتها ولوازمها بعينها في الذهن. [وإن ثبت لها في الذهن فقط، فهو معقول ثان]( )

اعلم( ) أن ما يعرض في الذهن إما لا دخلَ له في الإيصال( ) كالأمور العامة،( ) في الكلام( ) وهي الوجود، والوجوب، والإمكان وغيرها. وإما له دخل في الإيصال. لكن ليس عنواناً للغير، كتعاريف الأمور العامة.( ) وإما موصل وعنوان فهو المعقول الثاني المنطقي، كمفهوم القضية والقياس وغيرهما. وكمفهوم الكليّ المنقسم إلى الكليات الخمس المنطقية، العارض للماهيّة المنقسمة إلى الخمسة الطبيعية.. ومجموع العارض والمعروض إلى الخمسة العقلية. [ولا شيء من هذه الكليات بموجود في الخارج لاستحالة الوجود (الخارجيّ) بدون التشخّص]( ) وما قيل:( ) إن جزء الموجود( ) موجود؛( ) فالمراد حيث كان جزءاً، أي في الذهن. فإن الذهن( ) هو الذي يفصّل ويشرّح ويكثّر ما اتّحد وامتزج في الخارج.

اعلم أن المصطلحات( ) في العلوم لها حقائق اعتبارية لاوجود( ) لها في الخارج. لأن في الوجود الخارجيّ يتّحد الجنس والفصل والنوع، بل يتجمّد. وما صيّروها فصولاً للمصطلحات، أعراض في الأغلب أو نسبيّ. فما في الخارج ليست أفرادها، بل الوجود في الخارج أو في الذهن معروضُ أو موصوفُ ما تسنبل عليها معانيها. فالمعقولات( ) الثانية ليست عبارة عن المصطلحات المنطقية، فإنها ليست بشيء في الحقيقة. بل في كلّ منها نكتة أو نقطة خفية تشكّلت عليها حقيقتها الاعتبارية للتفهيم. وذلك، معنى وعرض للأمور الذهنية، كالمعاني الحاصلة للخارجيات بواسطة أوضاعها وكيفياتها.

مثلا: تخيّل على الجدار نقطة بيضاء، وعلى محيط دائرتها نقطاً بيضاء وحمراء! فانظر إليها كيف ترى؟ فإنك ترى نقطة عرضت له المركزية بسبب الدّائرة. فهي صفة من مقول الوضع، وتتصوّر بسبب موافقة بياضها لبياضها المشاكلة، وهي صفة من مقول الوضع والكيف. فإن كانت حمراء فلها صورة أخرى وصفة أخرى.

ونقطةً واحدة على جدار آخر، لها هذه المعاني والأعراض.

فماهية الإنسان في الخارج كالنقطة الواحدة وفي الذهن تعرّض لها نوع المركزية أو شبهها، وشبه المشاكلة.

فهذه معان تعرض في الذهن، تسنبل في خيال المنطقيين، فصيّروها حقائق، فوضعوا لها مع ما التّف بها مصطلحاتٍ، صيّروها موضوعاتِ المسائل، يُشار بها إلى تلك المعاني. والمصطلحاتُ كالمعاني الحرفيّة للمعقولات الأولى. وقد تصير كالاسم، فتصير طبايع فتعرض لنفسها كدود الحرير يخرج من ذاته ما يحيط به. وليس كعنوان الموضوع، فإن له دخلاً لا يذهب الحكم إلى الموضوع برأسه. بل يسلّم عليه، ثم يأذن له.( ) أما المعقولات الثانية فيحرّك المحمول من جانب، حتى يقع على رأس الموضوع،( ) فهو كـ"كل" في "كل إنسان" لا مفهوم "إنسان".( )

مقدمة:

اعلم أن بيان النسب من أهم مباحث المنطق. فإن أفراد المسائل متفرقة ومنتشرة تضمّنت فيما بينها وتبطنت في تلافيفها صوراً بتمديد خطوط النسب؛ كتحصيل الصور الاثنتى عشرية فيما بين نجوم المنطقة بتمديد الخطوط الوهمية الهندسية.. وكتحصيل القبائل والبطون والأفخاذ باعتبار نِسب النَّسب فتأمل!( )

واعلم أيضاً أن المنطق بعضه بدهيّ وبعضه نظريّ يكتسب من بدهيّه. فتأمل في كل باب تَرَ السابق مقدّمة ومرجعاً لإثبات اللاحق.

[ثم الكلّيان إن كان بينهما تصادق( ) في الواقع( ) بالفعل( ) كليّاً من الجانبين فمتساويان، وكذا نقيضاهما]، ففي كل باب يستفاد نظريّة من بدهيّه. فالكليتّان المتصادقتان في الواقع متساويتان بدهياّ. ومرجع المساواة صدق قضيّتين كلّيتين من الجانبين.

مثلاً: "كل إنسان ناطق، وكلّ ناطق إنسان".. وكذا نقيضاهما، مثل: "كل لا إنسان لا ناطق. وكل لا ناطق لا إنسان" هما أساسا التساوي. فصدقُ الأول من الثاني ثابت بكذب نقيضها؛ المستلزم المستلزم المستلزم المستلزم المستلزم المستلزم المستلزم.. لكذب البدهيّ وهو الثاني من الأول. وصدق الثاني من الثاني بكذب نقيضها اللاالمستلزم. كذا لكذب البدهيّ وهو الأول من الأول. فاللازم باطل والمطلوب حاصل...

[أو من أحد الجانبين فقط فأعم وأخصّ مطلقاً كالحيوان والإنسان ونقيضاهما بالعكس كاللاحيوان واللاإنسان]( ) أي نقيضا الأعمّ والأخصّ بالعكس. يعني أن نقيض الأعمّ أخصّ، ونقيض الأخص أعمّ. أي تصدُق موجبةً كليّة موضوعها نقيض الأعمّ.. وسالبةً جزئية موضوعها نقيض الأخصّ. أي مثلاً: "كلّ لا حيوان لا إنسان" صادق.. وإلاّ لصدّق نقيضه الملزوم لنقيض القضية الصادقة المسلّمة، وهو "كلّ إنسان حيوان"، وملزوم الكاذب كاذب. وأَيْ "ليس بعض اللا إنسان لاحيوان" وإلاّ لصدق نقيضه، وهو: "كلّ لا إنسان لا حيوان" المستلزم بعكس النقيض لـ"كُلُّ حيوان إنسان" وهو نقيض للسالبة الصادقة، وهو "بعض الحيوان ليس بإنسان". ونقيض الصادق كاذب، فملزوم الكاذب كذا..

[أو تَفَارُقٌ دائم كليّاً من الجانبين، فمتباينان كليّاً.. كالإنسان والفرس، وكعين أحد المتساويين مع نقيض الآخر، وعينِ الأخص المطلق مع نقيض الأعمّ..

وبين نقيضهما مباينة جزئية، هي أعمّ من المباينة الكليّة، كما في نقيضي المتناقضين "كالإنسان واللاإنسان"، ومن العموم من وجه، كما في نقيضي المتضادّين (كالسّواد والبياض) وأمثالها، فبين النقيضين التباين الجزئي هو النسبة، لأنه الدائمي وهو كالجنس اللازم للتباين الكلي]( ).. والعمومِ من وجه اللذَين يختص كلّ منهما ببعض الموادّ.

والتباينُ الجزئي، مرجعه سالبتان جزئيّتان. أما صدقهما، فلمناقضة عكس نقيض نقيضيهما للقضيتين الصّادقتين في العينين.. مثل بعض اللاإنسان ليس بلا فرس؛ وإلاّ فكل لا إنسان لا فرس. وهو ينعكس بعكس النقيض إلى "كلّ فرس إنسان"، وهي ضدّ لـ"لاشيءَ من الفرس بإنسان". وقس عليه أخاه.( )

فثبت بالخلف التباين الجزئي. وأما عدم صدق التباين الكليّ والعموم من وجه، فبالتخلّف. لأنه لا يوجد في موادّه. وبالعكس. وقس على هذا، نقيض العموم والخصوص من وجهٍ.. والشخصيةُ في قوة الكلية.

[وإن لم يكن بينهما تصادقٌ، ولا تفارق كليان، بل جزئيان من الجانبين. فأعم وأخصّ من وجه.( ) وبين نقيضيهما مباينة جزئية، هي أعمّ أيضاً. إذ بين نقيضَيْ مثل الحيوان واللاإنسان مباينة كليّة. وبين نقيضَيْ مثل اللاإنسان والأبيض عموم من وجهٍ. والجزئي الحقيقي( ) أخص مطلقاً من الكليّ الصادق عليه. ومباين لسائر الكليّات. وأما الجزئيان: فهما إما متباينان كزيد وعمرو.. وإما متساويان، كما إذا أشرنا إلى زيد بهذا الضاحك، وهذا الكاتب. فالهذيّتان متصادقتان متساويتان.. هذه هي النسب الأربع بحسب الصدق والحمل]( )

[وقد تعتبر تلك النسب بحسب الصدق( ) والتحقق باعتبار الأزمان والأوضاع، لا باعتبار الأفراد، بأن يقال: المفهومان،( ) إن كان بينهما اتصال كليّ من الجانبين؛ بأن يتحقق كلّ منهما مع الآخر في جميع الأزمان والأوضاع الممكنةِ الاجتماع معه( ) فمتساويان كطلوع الشمس ووجود النهار، أو من أحد الجانبين فقط فأعم وأخص مطلقاً.( ) وإن كان بينهما افتراق كليّ من الجانبين بأن لا يتحقق شيء منهما مع الآخر في شيء من الأزمان والأوضاع، فمتباينان كليّاً( ) وإلاّ فأعمّ وأخصّ من وجهٍ.( ) وهذه هي النسب المعتبرة بين القضايا]( ) وما يفيده أدوات الشرط من الأزمان، "كمتى". والأمكنة "كأين". والأوضاع والأحوال "ككيف" والكيفيات "ككيفما" في حكم الأفراد...

والنسبة إما حمليّ -كما مرّ- وإما وجودي. ومرجعها قضايا شرطية متّصلة( ) وكليّها وجزئيّها باعتبار ما يدل عليه أدواتُ الشرط الكليّةُ من الأوضاع، ولو كانت محالاً، بشرط الاجتماع( ) مع اللزوم.( ) وإلاّ لكذب كلُّ كليّةٍ من الشرطيات.

وما يناسب هذا المقام المغالطة المشهورة على إنتاج الشكل الثالث؛ بـ"كلما تحقق النقيضان تحقق أحدهما. وكلّما تحقق النقيضان تحقق الآخر"، فينتج أن يكون إذا تحقق أحد النقيضين تحقق الآخر. وهذه النتيجة تفيد ملازمة بين النقيضين وهو محال؟

والجواب: إن أردت بأحدهما( ) وحده، فالصغرى( ) كاذبة، ومع الآخر فالنتيجة صادقة( ) غير مطلوبة.( ) لأن الشرطية اللزومية تنظر إلى اللزوم، سواء كانا موجودين( ) أو محالين.. وموجبتين أو سالبتين. وفي الاتفاقية الخاصّةِ صدق الطرفين( ) وفي العامة صدق التالي فقط. فالاتصال( ) والافتراق في اللزوميات والعامةِ يكفي بحسب الفرض.

[واعلم أنّ بين المفهومين مفردين كانا، أو مركبيّن، أو مختلفين نسباً أخرى بحسب تجويز العقل بمجرد النظر إلى ذاتهما، مع قطع النظر عن الخارج عنهما. وتسمى نسباً بحسب المفهوم. بأن يقال: إن تصادقا بحسب ذلك التجويز كليّاً من الجانبين، فمتساويان، كالحدّ التّام مع المحدود. أو من أحد الجانبين فقط. فأعم وأخصّ مطلقاً، كالحدّ الناقص مع المحدود، وإن تفارقا كليّاً من الجانبين. فمتباينان كليّاً كالمتناقضين؛ نحو "الإنسان واللاإنسان". وإلاّ فأعمّ وأخصّ من وجه؛ كالإنسان مع الضّاحك أو مع الماشي].( )

[تنبيه:

قد يطلق الكليّ على الأعمّ، والجزئيُّ على الأخصّ( ) ويسمّيان كلياً وجزئياً إضافيين فكلّ جزئيّ حقيقيّ، جزئيٌّ إضافيّ بدون العكس؛ كما في كليّ أخص من كليّ آخر. وأما النسبة بين الكليّ الحقيقي والإضافيّ فبالعكس. لأن الكليّ الإضافيّ أخص مطلقاً من الحقيقي.

فصل في الذّاتيّ والعرضي:]( )

الذْاتية والعرضية باعتبار الوجود،( ) كما في الجوهر والعرض،( ) والاسم والحرف..

وباعتبار السبب إن كان دائميّاً( ) أو أكثرياً فذاتيّ، وإلاّ فعرضيّ.

وباعتبار الحمل إن كان الموضوع موضوعاً بالطبع( ) كالجزئيات( ) والذوات( ) إذا حملت عليهما صفاتها. ومن هنا( ) الاحتياجُ إلى الأشكال الثلاثة،( ) والحمل بالمواطأة، والمحمولِ من طبيعة الموضوع،( ) والمحمولِ الأعمّ من الموضوع والمقوّم له ودائم الثبوت له وبلا واسطة، أي ثبوته لذاته أو لأمر يساويه، فقد مرّ.

وباعتبار المحمول ما يمتنع انفكاكه عن الشيء،( ) وما يمتنع انفكاكه عن الماهية.. أي ما يمتنع ارتفاعه عن الماهية في الذهن؛ كالبيّن بالمعنى الأعمّ. وما يجب إثباته للماهية كاللوازم البيّنة بالمعنى الأخص. وكل من هذه الثلاثة أخص مما قبله..

وباعتبار الجزئيات فما دخل أو لم يخرج هو ذاتياً.( ) لأن العلّة في الوضع والاستعمال اللغوي تصير مرجحاً في المصطلح. فاللازم وجودها في الأكثر.

[الكليّ( ) المحمول على شيء آخر كليٍّ أو جزئيٍّ، إن لم يكن خارجاً عن ذاته وحقيقتهِ، فذاتيّ له. سواء كان عينَ حقيقته -كالحيوان الناطق للإنسان- أو جُزءَهَا المساوي لها، مميّزاً لها عن جميع ماعداها، كالناطق له. أو جزءَها الأعمّ مميّزاً لها في الجملة، كالحساس والنامي، أو غير مميّز أصلاً كالجوهر والحيوان..( ) وإلاّ فعرض له سواء كان مساوياً لها، أو أخص( ) مميّزاً عن جميع ماعداها، كالضاحك بالقوة أو بالفعل. أو أعمّ مميّزاً لها في الجملة( ) أو غير مميّز أصلاً: كالشيء.( ) جميع ذلك للإنسان].

[ثم الذاتيّ المشترك بين الجزئيات، إن اشتركت تلك الجزئيات في ذاتيٍّ آخر خارج عنه، فهو مشترك ناقص بينها، كالحيوان بالنسبة إلى أفراد الإنسان، حيث اشتركت في الناطق أيضاً. وكالناطق حيث اشتركت في الحيوان أيضاً.. وإلاّ فمشترك تامّ، كالإنسان بالنسبة إلى أفراده.. وكالحيوان بالنسبة إلى مجموع أفراده. فكل ذاتيّ مميّز للماهيّة في الجملة فهو مشترك ناقص مطلقاً، ولو بالنسبة إلى أفراد نفسه. وكل ذاتيّ سواه فهو مشترك تامٌّ بالنسبة إلى أفراد نفسه، وناقصٌ بالقياس إلى أفرادٍ ذاتيّ أخصّ منه، إن وجد الأخص، كالحيوان]( )

فاعلم أن ما يطلب به المجهول، "ما" الاسميُّ والحقيقي.. و"هل" البسيط والمركب.. و"ما" مع "هل" كزلزل.. و"ما" للقول الشارح، و"هل" للقضايا. و"أي" للّوازم والذاتيات المميّزة. و"لِمَ" للقياس، فـ"ما" يَطلب الحقيقةَ.

فإن قيل: الذاتيّ كليّ وجرئيّ، فهو محمول وغير محمول.. وإن الجنسية والجزئية متنافيان؟.

أجيب: بأنهما متّحدان بالذات، مختلفان بالاعتبار. فبشرط "شيء" يتضمن النوع. وبشرط "لاشيء" جزء ولا بشرط شيء جنس. وأجزاء الماهية. قيل: في الخارج متعدّد الوجود.. فالحمل للالتحام. وقيل: في الخارج مأخذها. وقيل: اعتبارات تختلف باعتبار العبارات والاعتبارات.

[وإن مطلوب السائل بكلمةِ "ما" عن الواحد تمامُ حقيقته المختصّة به، بمعنى المختصّة بنوعه، وعن المتعدّد تمام الذاتيّ المشترك بينها. فالسائل بـ"ما هو" عن زيد طالبٌ للإنسان.. وعن الإنسان طالب للحيوان الناطق. وبـ"ما هما"، أو بـ"ما هم" عن زيد وعمرو، أو مع بكر طالبٌ للإنسان أيضاً. وعن الإنسان والفرس طالب للحيوان. وعنهما وعن الشجر طالب للجسم النامي، ومع الحجر طالبٌ للجسم.. ومع العقل العاشر طالب للجوهر.

ومطلوبُ السائل بـ"أي شيء" ما يميّز المطلوب بكلمةٍ ما هناك تمييزاً في الجملة؛ إمّا مميّزه الذّاتيّ إن قيّده بقيدِ "في ذاته"، أو مميّزه العَرَضيّ إن قيّده بقيدِ "في عَرَضه"، أو المميّز المطلق إن لم يقيده بشيء. فالسائل عن زيد وحده أو مع عمرو بـ"أيّ شيء في ذاته" طالبٌ للناطق، أو الحساسِ، أو النامي، أو القابلِ للأبعاد.. وبـ"أيّ شيء في عرضه" طالبٌ لمثل الضاحك أو الماشي. والسائل عن زيدٍ وهذا الفرسِ بـ"أي شيء هما في ذاتهما" طالب للحسّاس، أو النامي، أو القابل.. وبـ"أي شيء في عَرضهما" طالب لمِثل المتنفّس، أو المتحيّز، وقس عليه]( )

[فالفصل أيضاً مقوّم للماهيّة]( ) فالفصل محصّل للحصّة الجنسية ومقوم للنوع ومقسّم للجنس. والجنس عرضٌ عامٌ للفصل، والفصل خاصته، والنوع خاصتهما، والعرض خاصّة الجنس.

[ولا يتكرّر جزء واحد الخ]( ) أي لاجتماع المثلين المستلزم لاجتماع النقيضين( )  وللعبث في الخلقة، ولتعدد المأخذ المستلزم لوجود روحين لجسد، وبالعكس... وما يتوهم بعض الناس من تعددات شخصيات في كاهن، فإنما هو غلط من التباس الجنيّ المناسب لروحه، بشخصيّته.

[ولا يتركب الخ]( ) كالإنسان من الضاحك والناطق مثلا. لاجتماع ما كالعلتين المستقلتين، ولاجتماع الاحتياج والاستغناء.

وأجيب: بأن كلا منهما بشرط شيء، وبشرط لاشيء، ولا بشرط شيء. فالثالث كالجنس،( ) والأوّلان نوعان له. فالأول نفس الإنسان وفصله الذي يميّزه عن النوع الآخر الضاحك مثلاً.

[تنبيه: اللزوم الخارجيّ هو امتناع الخ]( )

إن قيل: اللزوم لو وجد لوجب أن يكون الواجب( ) موجباً في اللازم... أجيب: بأنه( ) إيجاب بالاختيار.( ) وأيضاً لَلَزِمَ التسلسل.. إلاّ أن اللزوميات متماثلة( ) بالتّشخصّ أيضاً،( )  لتماثل المعروض وتشخّصها. وكأينيّتها بالموضوع فيلزم العبث، فيلزم الانحصار في الشخص.. وهو معنى قولهم: "لزوم اللزوم نفسه".

وأما الاعتباريات: فالتسلسل إنما يلزم من القصد وهو ليس بلازم. والتبعيّ كالحرف لا يتسلسل.( ) ومن هنا( ) يقال: "لازم المذهب الغير البيّن ليس بمذهب". واعتباريّتها باعتبار وجودها. أما نفسها فالخارج ظرف لها. وفي الحمل الخارجيّ يجوز أن يكون مبدأ المحمول معدوماً. كزيد موجود في الخارج. فيلزم التسلسل في الأمور الثابتة( ) في نفس الأمر. واللزوم من الأمور النسبيّة موجود عند الحكماء لأهل السنّة.

[باب الحدّ الخ]( ) المراد من التعريف( ) التوضيح، أو التحصيل، أو التمييز.. إما بالمباين وهو التمثيليّ ومنه الرسم الناقص الناقص.. ومنه كل التشبيهات كـ"العلمُ، كالنور"... وإما بالأخصّ وهو المثالي كـ"كالعلم، كالنور"، ومنه أمثلة القواعد، وهو أيضاً كَ"كَ"... وإما بالمساوي، إما نظراً للتوضّع وهو اللفظيّ، ومنه القاموس.. وإما للمدلول وهو الاسميّ، ومنه تعاريف المصطلحات والاعتباريات والمعدومات.. وإما للمعنى وهو التعريف الحقيقي. فإما بتمام العلل كالحد التام، أو بعضها كالناقص، أو المعلولات كالرسم الناقص. أو من القبيلتين كالرسم التام. ويجري في التصورات أمثال الحدس والفطريات بالانتقال دفعة وبلا كسب.

والتعريف بالعلل الذي هو الحدّ التام، يوصل إلى المطلوب، أي المحدود قضية بدهيّة بالتجريد عمّا يُنَظِّرهُ من لفّه في الاصطلاحات. وهي مقدمة لكسب الرسم( ) يوصل..

والدّلالة الالتزامية مهجورة،( ) وإلاّ لصار الرسم حدّاً، وتعريف الكلّ إنما يحصل بتقسيمه إلى أجزائه،( ) كالبيت الذي أنت فيه... لا بيت الشعر كبيت الشعر.

[قبل التعريف بوجهٍ ما الخ]( )

اعلم أن بين العلم بوجه الشيء البدهي اللازم والمنافي للاشتراط.. وبين العلم بالشيء بوجهٍ، فرق بيّن. لأن الأول اسمي وقصدي، لا ينكشف أقل انكشافٍ ما تحته. والثاني حرفيّ تبعي عنوانيّ، يتغلس ما تحته باستضاءته. فلا يلزم من علم شيء العلمُ بكلّ الأشياء. وأيضاً الأول علم تفصيليّ بالوجه.( ) والثاني إجماليّ( ) بالشيء، وهذا صورة الجميع وذاك جميع الصور.

فإن قلت: الرسم يستلزم الخاصة، والتعريف بها يقتضي العلم بالاختصاص، وهو يستلزم معرفة طبيعة المحدود. وإنْ هذا إلاّ دورٌ ظاهر؟

قلت: أما الفعل الاختياري (الذي) هو الترتيب، فلا يتوقف لا عليه ولا على علمه. وأما الانتقال الذي هو ضروري غير اختياري وبطبيعة الذهن، فإنما يتوقف على وجود الاختصاص في نفس الأمر.( )

[كتعريف الأب بما يشتمل على الابن الخ..]( ) وباختلاف العنوان يختلف الأشياء ضرورية ونظرية. وبهذا كما ينحل الإشكال الوارد على توقف كلية كبرى( ) الأولِ على نتيجته، يرتفع التضاد بين قولهم: "لابدّ في تعريف المضاف من ذكر المضايف" ويمتنع تعريفه به.

[بمجرد الاحتمال العقلي الخ]( ) الإمكان الغير الناشئ عن دليل لا يصير إمكاناً ذهنياً، حتى ينافي( ) اليقين العلمي الحاصل من الوهميات( ) المحسوسة.. بل إمكان ذاتي لا ينافي اليقين العلمي.

[وشرطوا فيه أيضاً تقديم الخ]( ) ومن الشرائط المهمة بين الجنس والفصل والصغرى والكبرى الملاحظة مع التفطّن الذي هو المزج والاتحاد والضغط، حتى يتفلّت منه المطلوب.

[ولا تعريف الجزئيّ على وجه الخ]( ) المجهول إما مشخّص، وهو لا يُعَرَّفُ ولا يُعرفُ بل يشار اليه.. وإما كليّ وهو إما بسيط كالأجناس العالية والفصول السافلة.. وهي لا تُحَدُّ بل ترسمُ وتحدِّدُ. وإما نوع حقيقي.. وهي يحدَّدُ ولا يعرِّفُ إلاّ في الأصناف. وإما لا هذا( ) ولا ذاك( ) فذاك( ) وهذا.( )

[باب القضايا... القضية.... الخ]( )

الفنّ الثاني المباين بالماهية عن الأول -لأنه كالحلّ وهو كالعقد- التصديق.

وله مقاصد.. وهي القياس بأنواعه المادي والصوريّ… ومباد، وهي القضايا وأحكامها.

والقضية التي هي الخبر عند العربييّن، لابد أن تعرّف لتصير موضوعاً. وتقسّمَ لتتحصل موضوعات الفصول. وحقيقتها.( ) قيل: بدهيّة، لأن طبيعة من ليس أهلاً للنظر تعرفها بمراعاته للوازمها حتى يصدق ويكذب في موضوعه. فالتعارف التي تُذكر رسوم تنبيهيّة لإزالة الخفاء الحاصل بالمصطلحات. وقد مرّ ما في تعريفها.( ) فكما للشيء وجود ذهنيّ يعرّف بنحو الجنس الفصل، كذلك له وجود خارجي يعرف بالتقسيم بالمادة( ) والصورة. فالمادة هنا النسبةُ مع طرفيهما. والحكم والإسناد هي الصورة التي هي مبدأ الآثار المخصوصة فيشتمل على الطرفين ويبلعها ويلبس كلاً بما اشتقّ من نفسه.

[فإن حكم فيها بوقوع الخ..]( ) الإسناد والحكم من مقول الإضافة. وهو إما متخالف الطرفين كما في الحملية والمتّصلة. فمن هذا ترتّب أجزائهما طبيعيّة. وإما متشابه الطرفين مثل الأخوة -كما في المنفصلة- فترتبّها وضعيّ فقط.( ) فالحكم إما له، يعني ما يلاحظ طرفاه بالإجمال ولو كان فيها نسبة. وإما عنده وعنه، يعني ما يلاحظ طرفاه بنسبة تفصيلية، وإن لم يكن قضيّته،( ) لا قبل التحليل ولا بعده. أما الأولى فمشترك بين أهل النقل والعقل. وأما الثالث( ) فمختصّ بالثاني. وأما الثاني فاختلفوا فيه، حتى الشافعي والحنفي.. فأهل النقل: على أن الحكم في الجزاء والشرط قيد. وأهل العقل قالوا: بل الحكم بينهما باللزوم... فثمرة الخلاف كأثمار شجرة، أثماره أكثر من أوراقه.

فمنها: لو قلت: "إن تملكتُ هذا، فهو وقف أو حرٌ، أوهي طالق مثلاً" فعند أهل النقل ومنهم الشافعيّ لغو. لأن العلّة( ) هو الجزاء. وقد وجدتْ ولم يصادف محلاً يقبلها( ) وشرط انعقاد العلّة قابلية المحلّ.

وعند أهل المنطق ومنهم الحنفيّ: العلة هي الشرطية. وإنما تقرّر عند وجود المعلّق عليه، وعند وجوده تنعقد العلة.. وإذ تنعقد العلّة تصادف محلاً ينتظرها منذ انعقادها.

[فقد ظهر أن أجزاء الخ]( ) القضية معلوم وعلم( ).. فللأول نفس الحكم مع الطرفين. وللثاني هذه الثلاثة في الذهن المعبّر عنها بـ"تصوّر المحكوم عليه وبه" والنسبةِ، أي التامة الخبريّة المضافة( ) المدلولة للتركيب،( ) لا البَيْن( ) البَيْنِيَّة المعقولة.( ) والإذعان الذي بين الذهن والخارج، كالنسبة التامة بين الطرفين، ويلازمه انقياد النفس.. ومن هنا يقال: "الإيمان من التصديق المنطقيّ"، ولابد في الإذعان من تصوّر المحكوم عليه بوجه، لأن المجهول( ) المطلق يمتنع الحكم عليه.. وردّ: بأنه قد حكم عليه بـ"يمتنع الحكم عليه". وأجيب: بأن المجهول المطلق بحكم القاعدة( ) كالمعقول الثاني،( ) الذي يسقط المحمول على المعقول( ) الأولى الذي هو من موضوع القضيّة الذهنية الفرضيّة.( )

 وبحكم تحوّل الحرفيّ إلى الاسميّ، والمعقول الثاني إلى الأول، ليصحّ الحكم عليه في هذا التركيب، ليتجمد( ) مع جلده،( ) فيصير من أفراد المعلوم.. كأنك بعد تصوّر الموضوع ووصولك إلى الحكم، وفي أنه تنظر إليه نظراً اسميّاً ومعقولاً أولى غير( ) ثابت.( ) وبوصولك إلى المحمول يمزق جلبابه فيصير معقولاً ثانياً، ناشراً جناحه. فمن هنا حلّ الخبر الأصمّ في قولك: "أنا كاذب!" فيما أقول الآن يعني: "أنا كاذب". ولابد أن يكون الوجه ممّا يصحّ الحكم ويصيّره مفيداً، فلا تتصوّر بأعمّ الوجوه، لأنه لا يفيد. ولا بما يدخل فيه المحمول،( ) لأنه عبث بل بالوسط بما بينهما. ولا يلزم الأخصّ على الأعم، لأنه آلة الملاحظة، نظير آلة الوضع، وليس في حكم عنوان المحكوم عليه.( )

[واللفظ الدّال على الوقوع الخ]( ) لمّا كان لفظ المحكوم عليه وبه داليّن على مادة القضيّة، لابد أن لا يخلو من الدّال على صورتها التي هي النسبة. والدّالّ إما ضمنيّ كالجملة الفعلية.. وإما مستقل؛ وهو إما غير لفظ كالحركة الإعرابية. ولهذه النكتة يقال في المبنيّ في محل الرفع للرابط.. وأما لفظ؛ فعلى السلبية آلاتها.. وعلى الثبوت في الشرط أدواتها... وفي الحمليّ الأفعال الناقصة والأفعال العامة، والمراد من مصادرها المعاني الحرفية التي تتّحد نسبها. لأن الكون والوجود ونظائرها حرفيّ واسميّ. فالحرفيّ عين النسبة التي هي الثبوت، الذي هو الوجود الحرفي.

[واعلم أن الموضوع... الخ]( ) لمّا اشتمل الموضوع والمحمول على ذات ومفهوم؛ كان المراد من الأول الذّات، لأنه يناخ عليه.. ومن الثاني المفهوم، لأنه يوضع ويحمل على الأول. فلابد أن يكون بحيث يقوم بالغير. ولو كان المراد منها الذّات، لكان القضية إما موجبة ضرورية، أو سالبة كذا لا غير وبلا فائدة.. أو صفتين، فكذلك.. أو الأول صفة، فكحمل الحِمل الحامل على خلاف الطبيعة. ويسمى المفهوم في الأول عنوان الموضوع، وموضوعاً ذكرياً. فقد يتّحد مع الذات الحقيقي حقيقة، كزيدٌ كذا.. أو بجهته، كالإنسان كذا.. وقد لا، كالكاتبُ ضاحك. ولابد بين الحقيقي والذكري من رابطة ونسبةٍ، وحقيقتُه ملخّص قضية، تقرّرت نسبتها وعرفت. فمن هنا يقال: الصفات قبل تقرّر ثبوتها إخبار، وبعده أوصاف وعنوانات بحذف الموصوف، ويسمى عقد الموضوع.

[فصل الحملية مطلقاً الخ]( )

لمّا كان أول أجزاء القضية الموضوع انقسمت أولاً به،

فهو إمّا جزئي حقيقة( ) أو حكماً،( ) وهو الواحد الاعتباري أي الكلُّ.. ومن هنا يقال: يراد باللفظ( ) غيرِ الواحد الحقيقيّ المجموع، لا أقلّ.( ) لأنه ليس مدلوله،( ) وتسمى شخصيّة. ومحلها في المحاورات والمعاملات، لا في الفنون إلاّ بتأوّلها في قوة( ) الكلية..

وإما كليّ، فالحكم إما على مسمّاه( ) كما في غير المتعارفة.. فإما( ) مع جواز سرايته إلى الأفراد كالحمل في كلّ التعريفات على القول به أو مع عدم السراية، لكن مع الملاحظة كالحمل في المسائل المنطقية،( ) أو بدون الملاحظة. كالإنسانُ مفهوم ذهنيّ( ) أو موجود ذهنيّ. وتسمىّ قضية طبيعية، وموضوعها استقراءات العلوم الطبيعية في البعض.

وإما على ذاته( )،

فمع الإبهام مهملة( ) في الخطابيات( ) في قوة الكلية( ).. وفيما المطلوب( ) منه اليقين، كما في مقام الاستدلال في قوّة الجزئية. لأن البعض هو المحقق.

ومع التعيين؛ فان كان بالإحاطة فكليّة وسورها كلٌّ وتوابعه ومرادفاته، كـ"طرّة، وقاطبة" ونظائرهما؛( ) ركناً وقيداً، مقدّماً ومؤخراً. وكل ألفاظ العموم،( ) الوجوبي( ) الإفرادي مطلقاً.

ومنها: الموصول، والإضافة، واللاّم. فلنعيّن اللام، لأنهما( ) مثله. فاللام إما إشارة إلى الذّات،( ) واحداً أو مجموعاً؛ وهو العهد الخارجيّ الذي في قوّة الشخصيّة.. وإما إلى الجنس لا بشرط شيء وهو لام الجنس والعموم..أو بشرط لا شيء،( ) وهو الجنس والحقيقة..وهما في قوة الطبيعية بقسمَيها،( ) أو بأقسامها،( ) أو بشرط شيء( ) فمع عدم الاستغراق، فالعهد الذهني الدالّ على الجنس، والفردُ من ضرورة الوجود. فالانتشار والنكارة ليسا منه،( ) وهو في قوّة المهملة باعتبارٍ، والجزئيةِ بآخر.

وإما مع غرق الأفراد في المعنى، وهو إما عرفيّ، وإمّا حقيقي. وكل منهما إما مجموعيّ، أو جميعيّ.( ) وإما إفرادي متناوب.( ) أو مطلقاً.( ) فاللام الذي هو سور الكليّة هو المشار به إلى الجنس بشرط شيء مع الإحاطة الإفرادي مطلقاً..

وللسالبة خاصّة، لا واحد ولا شيء، أو "ما" أو "ليس" وما يرادفها.. أو يرادفهما ولو في صورة الفعل، أو الاسم.

وللجزئي دخول سلبٍ ما على كلِّ ما يدلّ على كلٍّ، وعلى سور الموجبة الجزئية.. نحو: "نيف، وطائفة، ورهط، وقطعة، وبعض" وما يرادفها.

وفي المنفصلة "دائما وأبداً" وما يرادفها..

وفي السّلب الكليّ فيها "ليس ألبتة" وما يرادفها.

وفي الجزئيات "قد يكون وقد لا يكون وقد لا يحصل، ولا يوجد، ولا يثبت" وما يرادفها( ) من الأفعال العامة على صور النسبة.

كلّ "ج" "ب"، فَلَنَا "كلّ" و"ج" و"ب"، فكلُّ أي كلّ فرد،( ) لا الكلّ المجموعي ولا الكلّ الطبيعي (يعني الطبيعة).( ) "فج" أي ماصدق عليه "ج" لا ما حقيقته أو صفته"ج".( )

[وصدق عليه، أي بالفعل الفرضي( *)]:( ) لدخلِ العنوان في ماهية القضية وامتزاجه فيها. ومصدريته غالباً للمحمول، فلا يجعل ظهرياً، كأنه أجنبي. فلابد أن يلتبسه الذات ولو خيالاً.

[لا بالفعل الخارجي]( ) أي في أحد الأزمنة لاختصاصه بالخارجية، لأنه في الحقيقي الذات ممكن، فكيف يتّصف بالفعل، وما لا يثبت لا يثبت له.

[ولا بالإمكان]( ) أي الذاتي لا بالقوّة، ليدخل في الإنسان النطق.

[من جزئياته لا من مسمّاه]( ) فلو كان منه لكان أكثر الكليات كاذبة؛ مثلاً: "الإنسان كاتب" فمفهوم الإنسان وهو الحيوان الناطق ليس بكاتب.

[أو مساويه]( ) أو أعمّ منه للتكرار المحض والعبث البحت. ففي "كل إنسان ناطق" الناطق ناطق بعنوان. لأن القضية الكليّة على الأصحّ. في قوة قضايا متعددة بعدد ما صدقاتِ موضوعها. ومن هنا يقال: "للقضية كليّة لفروعاتها".

[الإضافية المناسبة لا الحقيقي]( ) فقط. لأنه قد يكون الجنس موضوعاً وجزئياته لا ينحصر في الحقيقة المناسبة لا مطلقاً.

[ولا الإضافي المطلق لذاته لا لمفهومه الذي هو نوع بالنسبة إليها]( )، وإلاّ لاختلت.

[يصدق عليه مفهوم "ب"]( ) وإلاّ لم ينضبط لحصولها بعوارض وقيودات غير محصورة.

[لا ذاته]( ) وإلاّ لانحصر القضية موجبة وسالبة في الضرورية والحمل والاتحاد.

[ولا كلاهما]( ) لأن الممتزج من الطاهر والنجسِ نجسٌ إلاّ في المنحرفات.( ) كـ"الكاتب بعض الإنسان". كل ذلك في القضايا المتعارفة المستعملة في الأدلة.. وإلاّ فمن المنفيات( ) أيضاً قضايا.

[فصل: الحملية مطلقاً الخ..]( )

الحملية تنقسم إلى خارجية وذهنية باعتبار الموضوع، لكن بالنظر إلى المحمول. ففي الخارج المستفاد من الخارجية ظرف لنفس النسبة والحمل، لا لوجوده( ) حتى يوجد. ومن هنا يقال: لا يلزم من الحمل الخارجي أن يكون مبدأ المحمول خارجياً.

ثم إن ذات الموضوع بعد إمكانه( ) في نفسه إن وجد -ولو في زمان مّا- فخارجية( ) خارجيةً ليس حقيقية. ففي الخارج( ) ظرف لوجوده مع صدق العنوان عليه بالفعل أو بالإمكان. فإن لم يوجد وهو بحيث لو( )  وجد( ) واتصف بالعنوان، فهو( ) بحيث لو وجد ثبت له المحمول، وما يستفاد( ) من هذه الشرطيّة من اللزوم وأعميته للمحال غير مراد.( ) فقد يقال:( ) "ج. ب" بالإمكان، بالإمكان، بالإمكان. فالأوّل جهة القضية المستفاد من الذّات( ) مع وجوده. والثاني منه مع عنوانه، عند الفارابي. والثالث منه مع المحمول( ) ويدل على خارجية الخارجية كون المحمول من العوارض الخارجية.

وإن كان من العوارض الذهنية، كما في القضية السالبة( ) المحمول. "وزيد ممكن" فهو ذهنية. وبعد وجوب( ) وجود الموضوع في الذهن وقت الإثبات مطلقاً،( ) تنقسم باعتبار الثبوت إلى ذهنية حقيقية وفرضية، كما في المحالات( ) التي لا توجد في الذهن على الأصح، إلاّ بنوع تشبيه أو تمثيل. أو لا يوجد مطلقاً كـ"المجهول المطلق" و"المعدوم المطلق".

[فقولك اجتماع الخ..]( ) ومن ممهّدات هذا المقام: أن الإيجاب وجود. وهو يوجد بوجـود تمام أجزائه. يعني بوجود الموضـوعِ الاســميِّ( ) على أحد الوجوه الأربعة.( ) ووجودِ المحمول له الحرفي على أحد الوجهين( ) والسلب عدم، فيتحقق بعدم أي جزء كان. فلصدقه طريقان: عدم الموضوع الاســميّ، أو عدم الثبوت الحرفي. وليس السلب عين كـذب الموجـبـة مفهوماً، بـل يـتـلازم معه، فإنـه( ) حكم بصـدق عـدم، وذاك كذب صدق وجود.

ومنها: أن المحال لا يتصوّر إلاّ بنوع محاكاةٍ وتشبيه.

ومنها: أن وجود الموضوع، لاسيما في الذهنيات في الذهن وقت الحكم ضروريّ في الإيجاب والسلب. وإنما الفرق في وقت الثبوت. والفرق بين الوجودين في الإثبات والثبوت؛ أن الأول يكتفى فيه بوجه مّا إجمالياً، وفي الثاني لابد وجوده على جهة تصلح للاتصاف.

ومنها: أن ذات الموضوع لابد أن يكون ممكناً في ذاته في الخارجيات.( ) وما يتوهم من "لو" الفرضية المستعملة في تعريف الحقيقة فليس بمراد لهم. وإنما أرادوا بها الإشــارة.. إلا أن الشيخ يفرض الموضوع متصفاً بالعنوان..

اجتماع النقيضين ممتنع. تحليله: اجتماع النقيضين الموجود في الذهن تحقيقاً أو فرضاً له، وهو في الذهن يثبت لمصداقه وهو في الخارج في الذهن،( ) ممتنع في الخارج. ففي الخارج قيد المحمول لا الحمل. وكذا في بعض الأحيان في الذهن والجهات.

ومنها: أن النقيض نظير نقيضه( ) في الأحكام. وإلاّ لم يكن النقيض نقيضاً.

[فصل في العدول والتّحصيل... الخ]( )

اعلم أن بسبب العدول في تحصيل العدول والتحصيل عن الموجبة السالبة المحمول بظنّها سالبة أو معدولة، اختل كثير من قوانينهم، حتى الإيجاب في صغرى( ) الأول، وحتى وجود الموضوع في الإيجاب.

فنقول أولاً: لمّا كان المعتبر في القضية الموجبة ذاتَ الموضـوع، ومفهومَ المحمول كان لعدول المحمول تأثيرٌ مهمٌ في صـورة القضية، فلهذا اعتبروا العدول. والسالبةُ المحمولِ؛ باعتبار المحمول أولاً وبالذات. وفيها إثبات: والشيء ما لم يثبت في نفسه، فالأصل أن لا يثبت لشيء. وما لا يثبت لا يثبت له شيء. والأصل ثبوت ما يظهره. فثبت أن الأصل تحصل عنوان الموضوع والمحمول. فلنا ثلاثة ملتبسة:

السالبة البسيطة. والموجبة السالبةُ المحمولِ. والموجبة المعدولة. فالأخيرة تفارقهما معنى، بقابلية الموضوع لمدخول النفي صريحاً أو ضمناً، كالصريح بشخصه في زمان الحكم. وقيل مطلقاً.. وقيل بنوعه.. وقيل بجنسه.. وأيضاً، لأن الثبوت الحرفيّ فرع الثبوت الاسميّ. والعدميّ لا ثابت، فيشف عن أمر ثبوتيّ. وهذا( ) لازمه البيّن ليتّسعه في الثبوت، ولفظاً بعين وغيره. وتفارقهما الموجبةُ السالبةُ المحمولِ بأنها مخمّسة الأجزاء، مكررة النسبة السلبية في الملاحظة. وقضية ذهنية باعتبار أن المحمول هو السلب الذي هو ذهني. ولا يلزم في موجبها إلاّ وجود الموضوع في الذهن، ولو كان المحمول الظاهريّ خارجياً. ومن هنا، تراهم يقولون: "هي كالسالبة البسيطة، لا تقتضي وجود الموضوع".

[تنبيه: قد يحكم بثبوت الخ]( ) إن الموجبة المحصّلة تتلازم تعاكسياً عند وجود الموضوع.. وملزوماً فقط بدونه، مع السالبة السالبةِ المحمولِ، والسالبة المعدولة. وإنّه تكرر النفيّ، فهما مع عدمه فيها. والسالبة المحصّلة تضادهما.. وتتلازم تعاكسياً، إلاّ في الذهن مع الأول. وبالتفصيل مع الثاني.

["فصل" الحملية مطلقاً الخ..]( )

اعلم أن طبيعة القضية أن يقّدم الموضوع ويقدم عليه سوره، لأنه كميّته. ثم النسبة... وتقدّم عليها جهتها، لأنها كيفيّتها. ثم المحمول، وقد تعدل عن طبيعتها.

وصدق الموجبة تقتضي صدق ثلاث قضيات ضمنيات:

الأولى: ثبوت المحمول للموضوع.

الثانية: ثبوت المحمول للموضوع بهذا السور.

والثالثة: ثبوته له بهذا السور ضروري مثلاً. وصدق السلب بعدم أحدها، والظاهر توجّه السلب إلى أخص القيود. فالكذب والصدق في المسوّرات باعتبار السّور، وفي الموجهات باعتبار الجهة.

تنبيه: وممّا يلزم للمحصِّل أن يراعيه أن لا يصيّر القاعدة منحصرة في المثال، كما تخبّط فيه كثير. فإن المنطق يبحث عن الضرورة واللاضرورة والدّوام، كذلك والإمكان. مع أن مرادهم من الضرورة، هي وما يرادفها من الوجوب واللزوم والقطعية حتى البداهة واليقينيّة.. ومن الإمكان، هو وما يرادفه من الصحة والجواز والاحتمال، حتى الشك.. ومن الدّوام، هو وما يماثله: كـ "أبداً"، و"في كلّ وقت"، و"مستمرّ"، و"على كل حال" ونظائرها.. ومن "لا دائماً"، و"لا بالضرورة" ليس لخصوصِ "لا" و"ضرورة" تأثير. بل قد يكون معنى "لا" في قالب الفعل صريحاً،( ) أو ضمناً.( ) ومعنى "الضرورة" و"الدوام" قد يكون في ضمن الفعل والحرف. كـ"ينبغي، واستمر، وقط، وعوض، وإنّ".

وأيضاً قـد تكون هـذه الجهات جهاتـاً لـعـقـد الـوضـع.. وقـد تكون قيـوداً وأجزاءً للمحمول.. فتنبّه وإلاّ تقع في حيص بيص.

ومما وجب التَّنَبُّهُ له: أن سلب الضرورة نقيض ضرورة السلبّ، وسلب الدوام نقيض دوام السلب، وسلب الإمكان معاند إمكان السلب. ففي القضية السالبة -إن قدرت السلب بعد الجهة- كان سالبة لموجبة موجهة، لا سالبة موجهة.. وإلاّ فهي موجهة بتلك الجهة.

ثم إن الجهة كيفية النسبة باعتبار، ومادّة للقضية بأخرى. ولابد في نفس الأمر منها. فإن كانت في اللفظ أيضاً، فموجهة. ومن الموجهة المقيدةُ بالإطلاق.. وإلاّ فمطلقة.

تنبيه: للنسبة حالات. فمن الإمكان الاستعدادي إلى الإطلاق سلسلة أفعال المقاربة.

ثم للثبوت صور وكيفيات؛ فمن صوره الأفعال الناقصة، ومن كيفيات إثباته أفعال القلوب وما يشير إليه الحروف المشبهة ونظائرها. وأساسها يرجع إلى الطبقات الثلاثة المشهورة. فإنّ النسبة ثبوت وهو وجود حرفيّ. والوجود بالنسبة إلى الشيء إما واجب، أو ممتنع، أو ممكن. وللوجوب والإمكان مراتب متفاوتة النتائجِ. والجهات التي بيّنها المنطقيّون، التي كثر استعمالها قليلة العدد.

اعلم أن أساس الموجهات( ) إما اثنان، كالوجوب -وجوداً وعدماً- والإمكان.. أو أربعة، كالضرورة، واللاضرورة، والدوام، واللا دوام.. ومنها السلاسل: أو ثلاثة عشر، أو بين خمسمائة وألف.

ثـم القضية مركبّة وبسـيطة. والمركبة قيـدها قضية ضمنية. وفي مقابلة كل ضرورة إمكانٌ. وأصول الضرورة ســت: الضرورية الأزلية، والذاتية الناشئة، والذاتية المطلقة، والوصفية، والوقتية، وبشرط المحمول. لأن ضرورة ثبوت المحمول إما غير مقيّد قطعاً وهي الأزلية، أو مقيّدة بقيد داخل: كمادامَ الذات ذاتاً وهي الناشئة. ومادام الذات موجوداً، وهي الذات المطلقة. أو بشرط المحمول، أو بقيد خارج ناعت، وهي الوصفية بأنواعه الثلاث، بل عشرين، أو لا، وهي الوقتية بأنواعه الاثنين، بل أربعة وأربعين.

إن الضرورية الأزليـة مصداقها في الأوصاف الإلهية: الثبوتية والسـلبية( ) وفي كثير السوالب.( ) فإنه إذا سلب في وقت( ) وجود الموضوع، استلزم عند عدمه بالطريق الأولى، وهو يستلزم أزلاً.

والضرورة الناشئة، وهي أن تنشأ من الذات. أعني مادام الحقيقة حقيقة، أي لا تنقلب إلى حقيقة أخرى الذي هو محال، لابد من المحمول. ومصداقها في الموجبات الأوصافُ الإلهية( ) ليس إلاّ. فإن بعدم العلم مثلا، ينقلب الواجب ممكناً. وبعدم الناطق للإنسان يصير معدوماً، وهو ليس بمحال.

وأما سلب الأنواع أو لوازمها من أنواع أخر، فتصدق فيها الناشئة. فإن "الإنسان ليس بفرس"،( ) إن لم يصدق انقلبت حقيقة الإنسان إلى الفرس وهو محال.

والضرورية الذّاتية، أي المطلقة. لأن القيدَ الوجودُ على أحد الأنحاء، والوجود( ) نفس الذّات. فإن كان القيد خارجاً؛ فإن كان وصفاً فهو مشروطة ظرفية.. إن كان منشأُ الضرورة( ) الذاتَ ومشروطة شرطية إن كان للوصف دخلٌ، كـ"الدهنُ الحارّ ذائب". ومشروطة أجلية إن كان المنشأ الوصف، كالكاتب متحرك الأصابع… وكلّ من هذه الثلاثة قد يكون عنوانها ضرورياً( ) للذات، وقد لا.( )

وإن كان القيد وقتـاً، فوقتيتّه إما معيّن، أو وقت منـتـشر. وكل منهما إما من أوقات الذات، أو من أوقات الوصف. فإن كان بشرط المحمول فالضرورية بشرطه. وأساسه: أن كلّ ممكن موجود محاط بوجوبين بالغير:( ) وجوب سابق بوجود العلة التامّة،( ) التي يمتنع تخلّف المعلول عنها.. ووجوب لاحــق وهـو وقت الوجود،( ) يمتنع عدمه للزوم جمع النقيضين.( ) فالضرورية بشرط المحمول ناظرة إلى الوجوب اللاحق صريحاً والسابق ضمناً.

الأزلية أخصّ الكلّ، وأعّم من الناشئة باعتبار، والناشئة أخص الكلّ.

ثم الذاتية أخص ممّا بعده، إلاّ أن في أخصيته بالنسبة إلى المشروطة الأجلية والشرطية نظراً هو.( ) والوصفية أخص من الوقتية.. والمعينة أخص من المنتشرة.. والدوام الأزلي والذاتيّ أعم مطلقاً ممّا يقابلها من الضرورة. ومن وجهٍ مما عداه. والذي يركب به القضيّة ما يدل على معنى لا دائماً ولا بالضرورة، بأي لفظ وبأي صيغة كانت. والقضية لا يقيّد بنفي المساوي والأعمّ، بل يقيد ويركّب بنفي كل ما كان أخص منه، أو أعمّ من وجه.

والدوام أزلية وذاتية ووصفية كالضرورة. إلا أن الانفكاك ممكن غير واقع.

الضرورة الأزلية، تتركب بنفي الضرورة الناشئة. والناشئة بسيطة أبداً. والذاتيّة لها ثلاث مركبات بنفي الضرورة الأزلية والناشئة والدوام الأزلي.

والمشروطة: بأقسامها الثلاثة أو الستة تتركب بنفي سوابقها مع الدّوامين.( ) فلها خمسة عشر أو ثلاثون.

والوقتيّة: بأقسامها الأربعة تتركب بنفي سوابقها، والدوامين، فلها إما أربعة( ) وعشرون أو أربعة وأربعون.( )

وبشرط المحمول: تتركب بنفي كلّ ما كان أخص منها. فلها( ) خمسة عشر...

والضابط في نسبها: أن المقيد بنفي الأخصّ أعمّ، وبنفي الأعمّ أخصّ. ومن وجه، فمن وجه.

فإذا فرغنـا من الضرورة، فلنشرع في اللاضرورة بسـرّ الترتيب.. واللاضرورة هي الإمكان( ) إلاّ أن الإمكان. في أيّ جهة كان فاللاضرورة التي هي معناه تتصرف في الجانب الآخر.. وبالعكس، فهما مترادفان،( ) متخالفان.( ) ومن هنا يقال: كان الإمكان نقيض الضرورة( ) وأعمّ منها.( ) وإن كان بالإمكان متعلقاً بالمحمول فالقضية ضرورية( ).. فزيد قائم بالإمكان( ) بالضرورة. لمّا كان الإمكان لاضرورة، والضرورة تتصوّر بصور كثيرة؛ كما في الشرطية( ) باللزوم، والذهنية بالبداهة.. والقضية البسيطة بالوجوب.( ) كذلك الإمكان يتلون.( ) والوجوب ذاتي في مادة الضرورة( ) الأزلية والناشئة، وبالغير في غيرهما.

وقد يكون الإمكان مقابلاً للمطلق.( ) أي الإمكان بالقوّة المسمّى بالاســتعدادي، وليس من الموجّهات. والإمكان الذاتي المقابل للضرورة الذاتية الخارجية لا يستلزم الإمكان الذهني المسمىّ بالشك، والاحتمال المقابل للضرورة الذهنية المسمّاة باليقين والبداهة والعلم. ومن هنا يقال في بداهة الوهميات المحسوسة في العلوم العادية:( ) "أن الإمكان الذاتي لا ينافي اليقين العلميّ"،( ) فبحر الـ"وان" ليس بـ"دوشاب"( ) وجبل "سيبان" ليس بـ"بشكر" في الشتاء، وعسل في الصيف.( )

والإمكان بسيط أي عام، ومركب أي خاصّ. والبسيط: إما مقابل المطلقة،( ) أي لا دائماً، أي بالفعل، فهو الإمكان الاستعدادي.( ) وما يقابل البداهة فالإمكان الذهني.

ثم ما يقابل الأزلية والناشئة، فالإمكان الذاتي، نظير الوجوب الذاتي.( ) وما يقابل الضرورة الذاتية،( ) فالإمكان العاميّ. وما يقابل الوصفيّة بأقسامها، فالإمكان الحينيّ( ) أي في حينٍ ما من أحيان( ) الوصف التي ثبت الشرطية في كلها. وما يقابل الوقتية المعينة فإمكان وقتي، وما يقابل المنتشرة أي وقت ما كالنكرة فالذي يقابلها ويضادها الإمكان الدائمي المحيط الذي لا يفلت من يده الفرد مّا المختفى. وما يقابل الضرورة بشرط المحمول المستلزم للمقابلة لكل الضرورات، إمكانٌ وقوعي.( ) إن كان بسيطا( ) وإمكان استقبالي( ) ليس إلاّ إن كان مركبّ أي خاصّاً.

إن للإمكان العام البسيط المتضمن للاضرورة مّا، الذاهب إلى جانب الخلاف مركباتٍ بسبب كونه أعمّ بنفي كل ما كان أخصّ من الضرورات الإحدى عشر، والدوام الثلاث والمطلقات الخمسة،( ) ومن أشهرها الإمكان المتضمن لللاضرورة الذاتي، والمقيد بها أيضاً المسمى بالإمكان الخاصّ والجواز. وفي الذهنية باعتبار الوقوع، وفي غيرها باعتبار الإيقاع، المسمى بالشك والتردد والاحتمال.

فإذْ فرغنا من الضرورة واللاضرورة فلنتمسك بأذيال الدوام واللادوام.

اعلم أن الدوام شمول الأزمان، ككل للأفراد. ويتضمن الموجهة لثلاث قضيات، وقد يكون المقصود أحدها. فينص عليها. وفي ما كان المراد القضية المستفادة من الجهة، يقال في موضع هذا ذاك دائماً. "ما برح، ما انفكّ، ما زال، ما فتئ" ونظائرها وأمثالها في الدوام الذاتي... و"مادام" وما يرادفه في الدوام الوصفيّ.

ثم إن للدوام أقساما ثلاثة: الدوام الأزليّ.. ويدل عليه "أزلاً وأبداً وسرمداً، وفي القدم"، سواء كانت قصداً أو قيداً. وهذا الدوام لمّا كان أعمّ مطلقاً من أوّليتي الضروريات، ومن وجه من الباقيات: تقيد وتركب بنفي كل منها.

والدوام الذاتي: لما كان أعمّ مطلقاً من الثلاثة الأول من الضروريات والدوامِ الازلي، ومن وجه من بواقي الضروريات، يركّب مع نفي كلّ منها.

والدوام الوصفي: سواءً كان الوصف أيضاً دائماً للذات، أو لا، أعمّ مما سبق.. يتركب مع نفي كلٍ منها سواء كان هو المصرّح أو قيده.

أما اللادوام، المتضمن للمطلقة العامة التي "الإطلاق" قيدها المرادف لـ"بالفعل"، إما غير منظور فيها إلى الوقت، وهي المطلقة العامة العامة. وإما منظور فيها للوقت، وهو إما معين أو مبهم؛ وكل منهما إما وصفيّ أو ذاتيّ. فالفرق بين وقت الضرورة ووقت المطلقة في التعبير؛ أن تقديم المطلقة على الوقتية علامة المطلقة. وتقديم الوقتية عليها علامة الضرورة. والفرق بين مركب الضرورة وبسيطها؛ أن اسم البسيط مركب مع المطلقة، والمركبة بسيط.

ثم إن للمطلقة "بأقسامها الخمسة" الأعمّ من كل ما سبق غير، بشرط المحمول والإمكان العام تحصل لها مركبات بعدد نفيها. ومن أشهرها: المقيدة باللادوام الذاتي المسماة بالوجودية اللادائمة.. وباللاضرورة الذاتية المسمّاة بالوجودية اللاضرورية.

فاعلم أن النسب في المنطق كبيت العنكبوت.. وبواسطتها تصطاد الصفات العالية التي لها تعلّق مهم لمقاصد المنطق، والتي كالأجناس للمتناسبات.

ومما يجب التنبيه له؛ أن الإمكان العام أعمّ من الضرورة، وهو( ) نفي الضرورة. فأعميته باعتبار الجانب الموافق، وإلاّ فنقيضه. وله( ) بحسب الاستعمال نوعان: ناظر إلى الوجود، هو أعم من الواجب.. وناظر إلى العدم، هو أعمّ من الممتنع.

وأيضاً: إن القيود في تعاريف هذه الموجّهات؛ لا بشرط شيء، لا بشرط لاشيء أو بشرط شيء.. وإلاّ لكان المنتشرة مباينة للوقتية. فالإبهام غير متعيّن للقيدية.

وأيضاً: كما أن القضية تنحرف عن طبيعتها باعتبار السور؛ كـ"الحيوانُ كلّ الإنسان". وقد تكون مهملتها في قوّة الجزئية أو الكلية؛ كذلك، الموجهة تنحرف عن طبيعتها والمهملة عن الجهة، قد تكون في قوة المشروطة أو العرفية؛ بحكمةِ: أن الحكم على المشتق أو ما في حكمه يدل على علّية مأخذ الاشتقاق، أو ظرفية للحكم.

وقد تلتبس مهملتها على الأذهان، التي بحسب الصورة من الضرورات الناشئة.. وبحسب الحقيقة من العرفية والمشروطة. وهي فيما تنقلب صورته النوعية حقيقة، أو حكماً إلى غيره؛ كـ"الماءُ أثقل من الهواء". أو "الألف لا تتحرك". ومن هنا يقال: العرفية والمشروطة مع كون العنوان عين الذات، توجد بدون الدوام الذاتي والضرورة الذاتية.

اعلم أن الكلام الواحد قد يتضمن قضايا متعددّة، بالنظر إلى قيوداته؛ ففي أي قيد تمركز القيد، تأصل واستتبع أخواته.. فيتلوّن بأشكال متنوعه، حتى قد يستخدم ما كان مخدومه.

وللضبط وعدم الانتشار اختصر لنا القضايا والأشكال اختصاراً؛ ففي شكل من الموجهات المركبّة الكلية قد تشتبك أربعة أشكال في شكل، والنتيجة الواحدة تمتزج فيها أربعة نتائج، المستخرجة من ضمّ القضايا الضمنية من الصغرى إلى الكبرى أو توابعها. فمن هنا، قسمّوا الموجهة إلى المركبة أيضاً.

ثم إن الجهة والسور معينان، ليس بينهما ترتّب طبيعي كما في معاني علم المعاني، فكما يقدّم الجهة على السور؛ يتقدم هو عليها معنى، فتكون الجهة كيفيّة للقضية المستفادة من السور. فيكون الإطلاق بالنسبة إلى الزمان الماضي والحاضر.. والإمكانُ بالنسبة إلى زمان الاستقبال، وقس.. وقد يتوهم أن تقدم السور على الجهة، يستلزم الكل الإفرادي. وتأخره يفيد الكل الاجتماعي. وإمكان الشيء بحسب الأفراد مع قطعيته قد يتطرق الشك إليه بحسب الاجتماع. لأن كثيراً ما يتولدّ المحال من اجتماع الممكنين.

ومما يدل على المشروطة الخاصة، والعرفية الخاصة، والوقتية والمنتشرة، بل المركبات مطلقاً المفهوم من المفهوم المخالف بأنواعه المعبّر في المقام الخطابي المكتفي بالظنّ، فيكون القضية بسيطة لفظاً، مركبة معنى. ولما لم يكتف أهل الاستدلال بالظن، اضطرّوا للتقييد والتركيب لفظاً.

[تنبيه: الضرورة تطلق عندهم... الخ]( ) اعلم أن موضوعية الموضوع غير محموليته.. وغير محمولية المحمول والجهة كيفية للأول. فإن محمولية الواجب الأعمّ ليس بضرورية مع ضرورية القضية؛ كـ"الإنسانُ حيوان" وفي الخاصّة الفارقة موضوعيّتها ضرورية، دون محموليّتها.. كـ"الكاتبُ إنسان بالضرورة".

ثم فاعلم أن القضية كما تتركب باعتبار القيود المشهورة، كذلك تتركب وتتعدد باعتبار تعدد الموضوع أو المحمول لفظاً( ) أو في حكمه( ) وقيل أو معنى.. فإن كان الجزء جزئياً، أو جزءاً محمولاً؛ كان قياسياً. بسر أن المحمول المتعدد -كما ذكر- يستلزم حلّ جزئه عليه بالضرورة الوصفية، باعتبار كونه كلاّ، وهو( ) محمول على موضوع قضيّتنا. فأنتج بالشكل الأول التابع نتيجته إن كان الكبرى وصفيّة للصغرى في الجهة.. وهي( ) أصل قضيتنا.

فالقضايا المستخرجة باعتبار تعدد المحمول توافق أصل القضية في الكم والكيف والجهة. وأما باعتبار تعدد الموضوع فتستخرج بصيرورة الموضوع الكلِ موضوعاً لجزئه( ) بالبداهة.. وهو( ) موضوع لمحمول القضية. فثبت بالشكل الثالث ثبوت المحمول للجزء بعضاً، وهو المطلوب.. إلا أن هذه توافق الأصل في الكيف فقط، دون الكم لأنه ولد الثالث.. ودون الجهة، لأن نتيجته تابعه للعكس. والعكس لا يحفظ الجهة بعينها.

اعلم أن الوجوب والإمكان والامتناعَ المضافة إلى الوجود، والعدم، ونقائضها كثيرا مّا تتبادل في المواضع.. بسر التلازم التعاكسىّ في بعضها. كنظير "زلزل".. من وجب وجوده وامتنع عدمه. ويمكن لا يجب ولا يمتنع. وغير تعاكسىّ، كما في بعض المنفيات؛ كـ"لا يجب وجوده ولا يمتنع عدمه".

 

[فصل الشرطيّة إلى الخ]( )

اعلم أن الشرطية عند أهل النقل، وكذا الشافعيّة، حكمها في أجزائها. وعند أهل العقل، وكذا الحنفية، حكمها فيما بينها. ومن هنا يتولد بينهم اختلاف مهمّ، حتى قال الأوّلون: بمفهوم المخالف للشرط دون الآخرين.. بسرّ أن القول الأول: "على أن تصرف الشرط في الوقوع، والقول الثاني "على أنّ تصرّفه في الإيقاع". ومن هنا تتولّد مسألة الملك. أعني: "إن ملكتُ هذا فهو حرّ". فعند الشافعي لغوٌ.. لأن الجزاء هو العلة، ولم يصادف محلاّ قابلاً بسبب عدم تقييد الإيقاع. وعند الثاني تنعقد العليّة بعد وقوع الشرط، بسرّ تقييد الإيقاع.. وكذا اختلافهم في المستثنى.. فعند الأول: نقيض الحكم الوقوعي للمستثنى، بسرّ التوحيد بكلمته. وعند الآخر: نقيض الحكم( ) الإيقاعي،( ) أي المستثنى مسكوت عنه.

ثم الشرطيّة تنقسم باعتبار الحكم وكيفيّته، والمقدّم والتالي، وباعتبار السور.. فالنسبة إمّا عنده، أو عنه.. فالأول: إما فيه ما يتأمله الذهن، لينتقل إلى التالي بيّناً، أو غير بيّن، فلزوميّة، ومظانّها( ) : إن اتحد طرفا كل منهما، أي من المقدم والتالي على الترتيب نسب المسوّرات والموجهات؛ فجعل الأخصّ والمساوي في كلّ مادة منها مقدّماً، والأعمّ والمساوي الآخر تالياً، أو لا على الترتيب، فمظانها العكوس. فاجعل الأصل مقدماً والعكس تالياً، للزوم العكس لأصله. وإن اتحدا في طرف،( ) فلابد أن يكون الطرفان الآخران متساويين. أو أعمّ أو أخص. وسرّ اللزوم استلزام حمل الشيء على المساوي. أو وصفه( ) له( ) حملَه. أو وصفه للمساوي الآخر.( )

ومن مظان اللزوم أيضاً، جعل الدليل مقدّماً والنتيجة تالياً، للزومها أيضاً.. وإن لم يتحدّ الأطراف في المقدم والتالي فمظانها في كل ما يكون من مقول الإضافة والنسبة؛ كالأفعال المتعدية: إن كان هذا فاعله، فذاك مفعوله. أو فوق وتحت.. أو معانداً فمعاند.. أو أباً فابن.

ومن مظانها أيضاً ما فيه علّية عقلاً( ) أو شرعاً( ) أو عادة أو سببيّة( ) وعلاقتيته( ) سواء كانت الأولى( ) معلولاً( ) أو الثانية،( ) أو كلاهما لشيء آخر.

وإذا اتّحد المقدم والتالي في المنفصلة، فمظانها التناقض. وبسرّ( ) أن المنفصلة تتركب من عين مقدم كل متصّلة، ونقيض تاليها مانعة الجمع.. ونقيض مقدّم كلّ متصلة وعين تاليها مانعة الخلو.. تعرف بالمقايسة أنواع المنفصلات مما ذكرنا، بدخول النفي على التالي أو على المقدم في المتصلة. ومما يجب التنبيه له أن الشرطية كثيراً ما تتلبس بغير لباسها.. وكثيراً ما تعصر فيتقطر منها روحها، فيدخل في لفظ مفردٍ كلزومه له.

اعلم أن الترتيب بين جزئي المتصلة ترتّب طبيعي دون المنفصلة. ولذا لا عكس لها( )، فلا عليك كيف رتبت.. بسرّ أن الحكم المتصلةِ وهو اللزوم مثلاً من مقول الإضافة التي تختلف نوعاها، كالولادة المتنوعة إلى الأبوة والبنوة، والضربِ إلى الضاربية والمضروبية، وعنادَ المنفصلةِ من المتماثلة الأنواعِ، كالأخوّة والمساواة، وقس!..

ثم المنفصلة حقيقيّة.. إن ذكر الشيء مع نقيضه أو مساويه، واستَلزم عينُ كلٍّ( ) نقيضَ الآخرِ، للعناد في الصدق، وبالعكس، للعناد في الكذب..وهي بدهيّة( ) التصور؛ وإن تعدّد أجزاؤها في الظاهر، فبالحقيقة متعدّدة... وإلاّ لزم استلزام عين كلّ أو نقيضه( ) لعين أحد الأجزاء أو نقيضه. إلاّ أن ينظر إلى المجموع وهو غير متعارفة.

ثم مانعة الجمع؛ ما ذكر الشيء مع الأخصّ من نقيضه،( ) واستلزام عينُ كلٍّ نقيضَ الآخرِ،( ) لا بالعكس، أو مطلقة على المعنى الأعمّ، وهي( ) نظرية التصوّر مستفادة من منفصلة حقيقية صغرى، ومتصلة لزوميّة كبرى. هكذا: في "إما إنسان( ) وإمّا فرس"، إما( ) إنسان أو لا إنسان. وكلما كان فرساً، فهو( ) لا إنسانٌ. فمعاند( ) اللازم،( ) معاند الملزوم( ) فإما إنسان وإما فرس.

ومانعة الخلو؛ ما ذكر الشيء مع الأعم من نقيضه، واستلزم نقيض كلٍّ عينَ الآخر، لا بالعكس.. أو مطلقاً على المعنى الأعمّ. وأيضاً نظرية مستفادة من منفصلة حقيقية صغرى، ومتصلة لزومية كبرى.. من نظير الشكل الأول هكذا: في "إما لا إنسان وإما لا فرس إما لا إنسان وإمّا إنسان بالبداهة". وكلما كان إنساناً فهو لا فرس بسرّ الأخصيّة. فأنتج: إما لا إنسان، إما لا فرس.

واعلم أن الانفصال بأقسامها لا يختص بالقضايا، بل قد يكون في المفردات، ســواء كان محمولاً أو قيداً من قيوده. والمنــار عليها تأخّر أداة الانفصال عن الموضوع أو المحمول.. وكذا المتصلة قد تتأخر أداتها، إلاّ أنه لا فرق بين التقدم والتأخر فيها. وفي المنفصلة مع المرددة المحمولِ إن تقدّم أداة الانفصال، فمانعة الجمع.. وإن تأخرت صارت حقيقية؛ كـ "إما كل عــدد زوج وإما كل عــدد فرد"، مانعة الجمع فقط. وكل عــدد إما زوج وإما فرد، في المرددّة حقيقية. وسترى لهذا الفرق وقعاً.

ثم المتصلة الموجبة تتعدد مع محافظة الكم والكيف واللزومِ بتعدّد التالي. بسرّ أن ملزوم الكل ملزوم الجزء اللازم للكل بالبداهة. وفي السلب لا إلا جزئياً، وفي تعدّد المقدّم( ) بالعكس، كزلزل.. بسر استلزام عدمِ استلزام الكل للشيء عدمَ استلزام الجزء له.

والمنفصلة: فتذكر الميزان،( ) تتعدد بتعدد الأجزاء. حتى إن المانعة الجمع، أو الخلوّ المركبة من خمسة أجزاء عشرة قضايا ممتزجة، وقس.

اعلم أن سلب المتصلّة مساو لموجبة المنفصلة، أو أعم. وسلب المنفصلة إما مساو لموجبة المتصلة، أو أعم. لأن سلب اللزوم إما عناد، أو انفصال. وسلب العناد إما لزوم، أو اتّصال اتفاقي. وسلب منع الجمع جوازُ الجمع، أي الاتصال، وسلب منع الخلو جوازُ الكذب. وما ثبت للمساوي أو الأعمّ يثبت للمساوي والأخص.

ثم إن الشرطية، سورها كجهة الحمليات تنظر إلى الأوضاع الحاصلة من الأزمنة؛ كما في "متى" ونظائرها. أو الأمكنة؛ كما في "أين" ومرادفاتها. أو الأحوال؛ كما في "كيفما" وما يتضمنها. أو الحيثيات؛ كما في "حيثما"( ) وأشباهه.

وأما "من"( ) و"ما" مع استغراقهما،( ) سور المقدم الحملية معنى، لا الشرطية. فشخصيتها باعتبار الوقت المعين بلفظ مستقل؛ كما في "الآن" و"اليوم" وأمثالها. أو بالتضمن، وهي قوة الكلية في كُبروية الشكل الأول.

وجهات الوقتية( ) المطلقة والمطلقة الوقتيــة في الحملية، سور الشخصية( ) هنا. فان لم يدل على بيان كمية الأوضاع؛ كما في "إنْ" و"إذا" و"لو" و"أو" و"إما"( ) بلا تقييد، ونظائرها وما يفيدها فمهملة في قـوة الجزئية في مقام الاستدلال.( ) وقد تكون في قوة الكلية في مقام الخطــــاب. فإن دلّ( ) على استغراق جميع الأوضاع -ولو محالاً- لكن أمكن الاجتماع مع المقدم. أي لم تنافي( ) الاستلزام أو سلبه، أو العناد أو سلبه؛ فكليّة، وإلاّ فجزئية.

فللموجبة المتصلة: "كلما" و"مهما" و"متى" و"حيثما" و"كيفما".. وكذا: "أينما" وكل ما يرادفها، أو يفيدها، أو يتضمنها( ) من الجهات الدائمية أو الضرورية.( ) فإن سر هذه كجهات الحمليات تنظر إلى الأزمنة ونحوها.

وفي المنفصلة الموجبة جهات الدوام والضرورة( ).. وكذا: "لامحالة، ولامناص، ولامندوحة، ولاخلاص، ولابدّ، والبتة، وبتّة، وبتلة" وكل ما يرادفها أو يتضمنها. وسور الموجبة الجزئية فيهما "قد يكون".. يعنى دخول "قد" أو ما يدل على التقليل على كل الأفعال العامة؛ كـ"يحصل ويثبت". والأفعال الناقصة؛ كـ"قد يصير"، حتى، "قلما"، و"كَثُرَ ما" وما يرادفه وما يتضمنها.

وكذا الجهات غير الدوام والضرورة الذاتينين.. وللسالبة الجزئية فيهما دخول حرف السلب على كل السور الكلية. وكذا قد لا يكون بالمعنى الذي مرّ. وللسالبة الكلية فيهما "ليس البتّة".. وكذا تأخر حرف السلب عن سور الكلية: كـ"دائما ليس"، و"أبداً ليس"، و"واجباً ليس" وقس!

اعلم أن منشأ اللزوم( ) لابد أن يكون هو المقدم وحده، أو مع الوضع أو الوضع بشرط علاقته، وتركيب بينه وبين المقدم.. وإلاّ فالوضع يكون أجنبياً. فمع استقلاله بالمَنْشَئِية كيف يكون وضعاً، مع أنه قد يكون عين التالي،( ) فلزم استلزام الشيء لنفسه وهذيانه.

اعلم أن لفظ اللزوم أينما صادفته فهو ملخّص قضيّة متصلة.. والعنادَ أينما صادفته فهو زبدة منفصلة.

واعلم أيضاً أن المنطق أساسه كشف اللزوم بين التعريف والمعرف،( ) والدليل والنتيجة. فمن اللزوم ماهو متفاوت الأنواع بسبب التصرفات( ) في الملزوم، كالدليل والتعريف. ومنه ماليس له كثير تصرف وهو لوازم القضايا( ) منفردة. فمن اللزوم( ) ماهو قياسي، أي تحت الضبط، أي قانوني، كلزوم العكسين. وكذا العناد كعناد المتناقضين.

ومنها: ماهو غير مضبوط، بل يعد عدّاً؛ كشرطية الشرطيات، إما بالانفصال بين الشرطيتين، أو بالاتصال وهو الذي يسمى بتلازم الشرطيات.

والتلازمُ إما بين متحدة الجنس، وهي المتصلة بالنسبة إلى المتصلة.. والحقيقية بالنسبة إلى الحقيقية.. ومانعة الجمع بالنسبة إلى مانعة الجمع.. ومانعة الخلو بالنسبة إلى مانعة الخلو..

أو مختلفة الجنس، كالمتصلة بالنسبة إلى الحقيقية، أو مانعة الجمع، أو مانعة الخلو. والحقيقية بالنسبة إلى الأخيرين وبين الأخيرين. فتلك عشرة كاملة.

 

مقدمة:

إن التـخلف( ) ولو في مادة يـخرب بيـت اللزوم( ).. وإن أحكـام المتساوية متساوية( ).. وإن لازم اللازم لازم( ).. وإن ملزوم( ) الملزوم ملزوم..

وإن ما ثبت( ) للأعمّ كليّات ثابت( ) للأخصّ( ).. وإن الأعمّ لازم له( ).. وإن سلب اللزوم كالعناد،( ) وسلب العناد كاللزوم.

وإنّ قولنــا فيما بعدُ: لازم اللاّزم أو ملزوم الملزوم، إشــارةٌ إلى قياسين تضمنهما القضيةُ.( ) وإن السالبة تُشترط بعكس ما يشترط في الموجبة في الأكثر.

فالقسم الأول أعني المتحدة الجنس من المتصلة الموجبة، الكليّة اللزومية إن تلازم طرفاهما.. فإن تعاكس تلازما، فكل منهما لازمة للأخرى بسر أن أحكام المتساوية متساوية، فأيتهما عرفتها تعرف الأخرى أيضاً، بقياسين( ) مآلهما:( )

إن ملزومَ( ) ملزومِ( ) ملزومِ( ) الشيء،( ) ملزومٌ ضاحك للشيء. وإن كانت سالبة فبقياسين الأول من الأول والثاني من الثاني مآلهما:( ) أن ملزوم( ) معاند( ) اللازم( ) معاند للشيء( ) معاند.( ) وقس الجزئيتين.( ) وإن كانت إحداهما لازمة الطرفين، والأخرى ملزومة الطرفين؛ فإن كانت موجبة كليّة فلا تلازمَ، لصيرورة القياس الثاني من الشكل الثاني من الموجبتين وهو عقيم.. وأيضاً بالتخلف... وأيضاً اللزوم بين اللازمين الأعمين في الأغلب لا يستلزم اللزوم بين الملزومين( ) كالحيوان للجسم، دون الإنسان للفرس.. وبالعكس أيضاً.. فإن لازم المقدم قد يكون أعمّ من لازم التالي فلا يستلزمه كلياً. ولأن أحد قياسه الضمنيّ من الشكل الثالث وهو لا ينتج إلاّ جزئياً ونحن نطلب الكلية. وإن كانتا سالبتين كليّتين، فملزومة الطرفين لازمة لِلاَزمة الطرفين.. وإن تخالفا في التلازم، بأن تكون إحداهما لازمة المقدّم ملزومة التالي،( ) فملزومة المقدّم لازمة.( ) وان كان( ) في أحد الطرفين واتّحدا في الطرف الآخر، فلازمة التالي وملزومة المقدم، لازمة في الموجبة( ) ملزومة في السالبة.

فالمتصلة بالنسبة إلى الحقيقية - إن اتفقتا في الكم والكيف، واتفقتا أو تلازما تعاكسيّا في جزء وتناقضا بالذات أو بالتلازم في جزء آخر؛ ففي الموجبة في الحقيقية تندمج أربع متّصلات، مقدمُ اثنين( ) عينُ أحد الجزئين( )… والتالي( ) نقيض الآخر( ).. بسر تضمنه لمنع الجمع.( ) ومقدم الاثنين الأخريين نقيض أحد الجزئين. والتالي عين الآخر بسرّ تضمنه لمنع الخلو،( ) كإما فرد وإما زوج.

أما المتصلة فلا تستلزم المنفصلة، بسر جواز أعمية اللازم؛ كالإنسان والحيوان. ولا عناد خلوّاً بين الإنسان واللاحيوان، وجمعاً بين اللاإنسان والحيوان. وفي السالبة المتصلة مستلزمة. لأن سلب اللزوم يفيد جواز الانفكاك. وانفكاكُ التالي يفيد اتصال نقيضه ولو بالاتفاق، وهو سلب العناد، دون العكس؛ لأن سلب العناد حاصل بالنظر إلى الجزء الخلويّ بين الإنسان واللاحيوان، مع عدم صدق سلب اللزوم بين الإنسان والحيوان. وإن اختلفتا في الكيف مع الاتفاق في الجزئين بالذات أو بالتلازم، فالموجبة( ) مستلزمة للسالبة دون العكس.

وكذا في مانعة الجمع ومانعة الخلوّ، لأن اللزوم أو العناد بين الشيئين يستلزم سلب العناد في الأول، وسلب اللزوم في الثاني بالبداهة، دون العكس، لجواز عدم اللزوم مع عدم العناد بين الشيئين، كما في الاتفاقيات.

ثم المتصلة مع مانعة الجمع -موجبة أو سالبة- متفقة في الكيف، وفي أحد الجزئين بالذات أو بالتلازم، وهو في المتصلة مقدم مع التناقض بالذات، أو بالتلازم في الجزء الآخر، وهو في المتصلة تال، تلازمتا وتعاكستا. فإن عين كل جزء من مانعة الجمع يستلزم نقيض( ) الآخر، الذي هو الأعم من العين.( ) ولأن عين الملزوم يمتنع اجتماعه مع نقيض اللازم، وفي السالبة.( ) لأن سلب منع الجمع جواز الجمع، وهو نوع اتصال،( ) وسلب اللزوم نوع انفصال.

وأما المتصلة مع مانعة الخلوّ، فكذا تستلزم مانعة الخلوّ لمتصلتين يركب من نقيض كلّ من الجزئين مقدماً، وعينِ الآخر تالياً. وكذا كلّ متصلة تستلزم مانعة الخلو من نقيض المقدم مع عين التالي.. وإلاّ لزم تخلّف اللازم عن الملزوم. فإذا اتفقتا في الكم والكيف، واتفقتا أو تلازمتا في جزء -وهو في المتصلة تال- وتناقضتا بالذات، أو بالتلازم في الجزء الآخر -وهو في المتصلة مقدم- تلازمتا وتعاكستا بعين الدليل السابق؛ كإما لا إنسان وإما لا فرس، فكلّما كان إنساناً....

اعلم أن المنفصلتين المتّحدتين الجنس،( ) إن تلازما تعاكسياً في الجزئين، أو مع جزء مع الاتحاد في الآخر، فمتلازمتان متعاكستان.. بسر "أحكام المتساوية متساوية"، المستند إلى قياس اقتراني مركب من المتصلة والمنفصلة، المنتج للمنفصلة المطلوبة. هكذا: كلما صدق هذا المساوي، صدق ذاك. وإما ذاك، وإما ذاك، وإما هذا.. فأنتج: إما هذا المساوي، وإما ذاك. فقس!..

وكذا، في الحقيقي، إن تناقضا في الجزئين بالذات أو بالتلازم.

وأما مانعة الجمع بالنسبة إلى مانعة الجمع -إن كان طرفا أحدِهما، أو أحد طرفهما لازماً، والآخر -أحدها- ملزوما مع اتحاد الآخر- فالملزومة الطرفِ، لازمة اللاّزمة الطرف في الموجبة بحكم الخلف دون العكس.. بسر التخلّف؛ كمنع الجمع بين الإنسان والفرس، دون بين الحيوان والجسم اللازمين.

وفي السالبة اللازمة الطرفِ، لازمة ملزومة الطرف بالخلف، لأن جواز الجمع بين الملزومين يستلزم جواز الجمع بين اللازمين، وإلاّ لزم المحال دون العكس بالتخلف؛ كجواز الجمع بين الحيوان والجسم، مع عدم جواز الجمع بين الإنسان والفرس، الملزومين لهما. و.. والمانعتا الخلوان( ) -إن كان طرفا أحدهما، أو أحد طرفهما مع الاتحاد في الآخر لازماً، وطرفاً الأخرى أو أحدها ملزوماً، ففي الموجبة اللازمة الطرفِ لازمة فقط، وفي السالبة الملزومة الطرف لازمة فقط.. اللزوم بسر الخلف، وعدم العكس بسرّ التخلف.. والجمع والخلف إيجاباً وسلباً، كزلزل.

وأما المختلفة الجنس، فالحقيقية مع مانعة الجمع، إن اتحدتا في طرف واحد، طرف الحقيقة لازم لطرف مانعة الجمع، وملزوم لطرف مانعة الخلو فهما لازمتان في الإيجاب بسرّ أن منع الجمع الذي في ضمن الحقيقية بين الشيء ولازم شيء يستلزم منع الجمع بين شيئين. وما في ضمن الحقيقة من منع الخلو بين الشيء وملزومِ شيء يستلزم منع الخلو بين شيئين، دون العكس فيهما للتخلف. وفي السالبة الحقيقية لازمة، بسر أن سلب الأعم أخصّ، وسلب الأخص أعمّ.

اعلم أن تعاند الشرطيات بعد معرفة تلازمها سهل المأخذ. ففي كلّ متلازم متعاكس -كما مرّ- بين عين كل مع نقيض الآخر عناد حقيقيّ. وفي عين المتعاكس بين عين الملزوم ونقيض اللازم عناد الجمع.. وبين نقيض الملزومة وعين اللازمة عناد الخلف.

خاتمة الخاتمة:

كما تنحرف الحملية عن طبيعتها وتختفي تحت قيد، حتى تحت حرف واحد؛ كذلك الشرطية تنحرف عن صورتها وتندمج تحت كلمة، أو حملية تدلّ عليها بإحدى الروابط العطفية أو غيرها.. وكذلك القياس الاستثنائي كثيراً ما يندمج ويستتر تحت "لما" وأمثاله. وغير المستقيم تحت "لو" وأمثالها. مثلا عطف جملة موجبة على منفية بواو الجمع يتضمن مانعة الجمع. لأن النفي المتوجه إلى الواو نفي الجمع. وقس عليه ما يفيد هذا المعنى، وعطف المثبت على المنفي بـ"أو"، يتحرك تحته منع الخلوّ. و"إلى" و"حتى" وما يفيدهما أو يرادفهما، تحمر تحتهما المتصلة اللزومية. و"لما جئتني أكرمتك" يدل على المقدمة الشرطيةِ والاستثنائيةِ والنتيجة لدلالة "لما" على تحقق المقدم، وكذا ما يرادفها. و"لو جئتني لأكرمتك" يدل على الشرطيةِ، واستثناءِ نقيض التالي، والنتيجة عند المنطقيّين، وبالعكس عند أهل العربية. مثلا: "لو خدمتني لأكرمتك" يقال مرة في مقام لَومِ المخاطب له، ومرّة في مقام منة المخاطب عليه. ففي الأول عند الثاني،( ) وفي الثاني عند الأول. وكذا يقال "لَو" لامتناع لامتناع"( ) وإنما عَبَّروا بالامتناع دون العدم، لأن كلّ( ) الماضي إن كان عدماً فوجودها محال، وإن كان وجودا فعدمه محال. أما "لولا عليٌّ لهلك عمر"( ) فنقيض التالي هو التالي، فيصير كـ"لَمَّا".( ) وأصل "لولا"، "لا لو". أي دخل "لا" على أحد جزئي منع الجمع فاستلزمه.( ) أي النفي عين الآخر فاستجلب "لو" للزوم، وبتركيبه "مع" لا للدلالة على وجود العين، وإنتاجه لتالينا، التي فارقته لا صورة.

مقدمة:

ومن المعقولات الثانية ما يسمى بالأمور العامة، ومنها الوحدة والكثرة. فالوحدة إما حقيقي أو اعتباري. فالاعتباري: فالاتحاد في الجنس المجانسة، وفي الفصل، أو أخصّ الصفات المماثلة. وفي الكم المنفصلة؛ المساواة. وفي المتصلة؛ الموازاة أو المحاذاة أو الموافقة أو المطابقة. وفي الوضع المشاكلة وفي الملك المشاركة. وفي مقول الإضافة والفعل والانفعال، المناسبة. وفي "متى" المعاصرة. وفي مقول "أين" المجاورة.

وأما الكثرة، والاثنينية. إن لم يكن فيها التماثل، فالتخالف.. فإن لم يعبّر فيها التماثل فالتخالف، فإن لم تعبر( ) فيها منع الاجتماع، فالتغاير.. وان اعتبر منع الاجتماع من جهة واحدة في زمان واحد وفي محل واحد، فالتقابل. فإن توقف تعقل أحدهما على الأخرى فالتضايف.. وإلاّ فإن كان طرفاها وجوديين، فباعتبار الصدق التباين. وباعتبار الوجود، التضادّ.. وإن كان أحد الطرفين عدمياً، فإن اشترط قابلية المحلّ؛ فعدم ملكة، وإلاّ فالتنافي في المفردات، والتناقض في الجمل أو فيهما. والإيجاب والسلب في الجمل.

ثم التناقض من أحكام القضايا التي لها دخل في الاستدلال، لأنا كثيراً ما نثبت لزوم النتيجة للدليل وغيرها بالخلف، وهو إثبات الشيء بإبطال النقيض.. فلابد من معرفة فحوى التناقض..

اعلم أن التناقض من الأحكام التي يتوقف عليها بيان الأشكال النظرية. فإن غير الأول نظري، يثبت إنتاجه بقياس الخلف المؤسس على أخذ النقيضين، وبقياس الاستقامة المتوقف على معرفة العكوس.

ثم التناقض لا يحتاج إلى كثير مؤونة بحسب الحقيقة، فبعد معرفة الشيء يكون نقيضه بدهياً. لأن نقيض كل شيء رفعه، والرفع نفي، والنفي عدم، والعدم كالوجود أعرف الأشياء، لأنهما أعمّ. والشيء معلوم بالفرض.. إلاّ أن العدم الغير المحصل لا يكون مصدراً للآثار المقصودة لنا. فأرادوا ضبط قضايا محصّلة، هي لوازم النقائض الحقيقية أو عينها.. مثلاً: إن نقيض "زيد ليس بقائم"، "ليس زيد بقائم". وهو كما ترى.. ولذا عرّفوه بـ(اختلاف قضيتين). أي لا مفردين. لأنه لا مدخل له في الخلف. أو مفرد وقضيته (بالإيجاب والسلب). أي لا بالأفراد والتركيب وغيرهما.. (بحيث يقتضي لذاته). أي لا بواسطة مقدمة أجنبية، هي "معاندُ مساوِ الشيء معاند للشيء"، (امتناع صدقهما وكذبهما)، أي بينهما انفصال حقيقي.

ثم يستفاد من التعريف اشتراطه بثلاث اختلافات واتحاد واحد، أو اثنين أو ثلاثة أو ثمانية أو أربعة عشر. أما الاختلاف ففي الكيف بصريح التعريف، وبالتخلف. في "ابنك أيها العزب قائم، ولا قائم" والاختلاف في الكم للتخلّف أيضاً في الموضوع والمقدم الأعمّ بالكذب في الكليّة، والصدق في الجزئية، والاختلاف في الجهة، وسيجيء..

ثم الاتحاد الواحد: ففي النسبة.. لأنه إذا اختلف أحد طرفيها أو قيد من قيودها، اختلفت النسبة. فبعكس النقيضين إذ اتّحدت، اتحدتا في قيودها.. أو الاتحاد في الموضوع يقيّد به، والمحمول بقيوده الأربعة، أو فيها وفي الزمان، لأن الزمان لا يتأتى أن يصير جزء المحمول في الجملة أو في الموضوع.. وفي الجزء والكلّ، لا الجزئية والكلية. وفي الشرط. كـ"الجسمُ مفرق للبصر، ليس بمفرق" بشرط البياض والسواد. وفي المحمول، والزمان والمكان والإضافة والقوة والفعل.. أو في هذه الثمانية مع التبادل في قيود الموضوع والمحمول بسر التخلف في الكل...

اعلم أن القضية باعتبار كل قيد من قيودها تتضمن قضية قد تصير مناط الحكم.

واعلم أيضاً آن نقيض الشيء عدمه.. وأن القضية ذات القيود الثلاثة لها ست عدمات. فلابد في أخذ نقيضها من عدم يعمها.. وما هو إلاّ عدم الأخص من قيودها، فإن عدم الأخص أعمّ، وعدم الأعمّ أخصّ، يجوز خلوّهما. وفي الموجهة القيد الأخصّ هو الجهة. ففي "الإنسان حيوان بالضرورة" مدار التناقض حيوانية الإنسان ضرورية. وسلب الضرورة إمكان، فنقيض الضرورية الذاتيةِ الممكنةُ العامة في جانبها المخالف.. وهو يستلزم سلب الضرورة في جانبها المخالف، وهو الموافق للضرورة.

ولما كان بين الثبوت لكل الأفراد والسلب عن البعض تناقض؛ فكذلك بين الثبوت في جميع الأزمان والسلب في البعض أو بالعكس ذاتاً أو صفة تناقضٌ.. فنقيض الدائمة المطلقة المستلزمة لوقت، والعرفيةِ الحينية الوقتية، أو بالعكس.

وأما الوقتية، فكالشخصية باتحاد الوقت.. فنقيضها الممكنة الوقتية. وأما المنتشرة، فلما انتشرت الوقت كان كالنكرة في الإثبات.. فإنما يناقضه الإمكان، إذا نفاه على سبيل العموم كالنكرة في سياق النفي حكماً.

اعلم أن نقيض المركبات ليست من جنسها، وإنما أخذوا منفصلة محصلة، هي لازمة نقيضها؛ بسبب أن أصل القضية كالوجود له فرد واحد، وهو وجود جميع أجزائها. ونقيضها الذي كعدمها متعدد الأفراد، حتى في مركب ذي خمسة أجزاء، للعدم أحد وثلاثون فرداً، وذات جزئين ثلاثة أفراد. فلهذا لا يعين عدم جزء الأخصية، بل ينشر ويردد فيما لا تداخل بين أجزائه، ومن الإبهام والترديد بتولد إما حملية شبيهة المنفصلة، أو منفصلة شبيهة الحملية.

ثم إن المتشابهتين في المتصلة متساويتان، وفي المنفصلة متلازمتان. إن كانتا جزئيتيّن، ومتخالفتان. يعنى أن المنفصلة أخصّ، إن كانتا كليّتين. مثلاً: كل عدد إما زوج وإما فرد.. وكل إنسان إما كاتب وإما أمي. ولا يصدق إما كلّ عدد زوج، إما كل عدد فرد.. وإما كل إنسان كاتب، إما كل إنسان أميّ. بل مبعض بسبب أن كليّة الحملية، كل فرد، إذا لم يتم الحكم. وتقديم "إما" على "كلّ" يصيّره مجموعياً، إذ دخوله بعد تمام الحكم.. وبعد تمام الحكم كُلُّ كلٍّ إفراديٍ يكون كلاّ مجموعياً.

واعلم أيضاً أن المركب متحدّ موضوع جزئيّها حقيقة بالضرورة لأجل التركيب والمحلل لا ضرورة في حقيقة موضوعي الجزئيين. ونحن نأخذ نقيض جزئين( ) المحللّ. فلابد أن يكون المحلل عين المركب في الموضوع، ليكون نقيض نقيضه. ففي القضايا المركبة، الكليّة المحلل عين المركب.. بسرّ "كلّ"، فإنه محيط.. فلا إشكال في أخذ نقيضها.

وأما المركبات الجزئية: فلما كان مفهوم الجزئية المركب أخصّ، بسرّ الاتحاد من مفهوم الجزئيتين المحللتين لعدم ضرورة أن يكون البعضان مشيرين إلى ذات واحد، فيكون نقيض المحللّ الأعمّ أخصّ من نقيض المركب. فلهذا كذب: بعض الحيوان إنسان لا دائماً، وجودية لا دائمة.. مع كذب "لا شيء من الحيوان بإنسان دائماً، وكل حيوان إنسان دائماً". والنقيضان لا يرتفعان.

فلأخذ نقيض المركبة الجزئية ثلاث مسالك: أحدها: تثليث التقسيم. أي إما لا شيء.. وإما كل.. وإما مبعض. والثاني: تقييد الموضوع بنقيض المحمول في النقيض السالبة.. وتقييد الموضوع بعين المحمول في النقيض الموجبة. والثالث: بالترديد بين نقيض جزئي المحلل ليتحد الموضوع، فيكون حملية مرددّة المحمولِ.

ثم إن من الشرائط الاتحادية في التناقض الاتحاد في النوع. أي الذهنية بنوعيها. والخارجية بقسميها للتخلف بالاختلاف، وفي الشرطيات الاتحاد في الجنس اتصالاً وانفصالاً، والنوعِ لزوماً وعناداً واتفاقاً للتخلف أيضاً.

ثم إن تناقض الجملتين يستلزم عدم الجمع والرفع في الوجود.. وفي المفردين في الوجود بوجوهه.

[فصل في العكس]( )

الحكم الثاني من الأحكام التي يتوقف عليها إثبات لزوم النتائج للأشكال العكس. ويطلق لغةً على غير اللازم، وعلى النقيض ومطلق التبديل. وأما هنا فبالمعنى المصدريّ: تبديل طرفَي القضية حملية، أو متصلة لزومية مع بقاء الكيف والصدق لا الكذب، لجواز صدق اللازم مع كذب الملزوم. وبالمعنى المتعارف أخص القضايا اللازمة الحاصلة بالتبديل. ثم للزوم المغايرة بين اللازم والملزوم لا عكس معتبراً لما نسبته من الإضافة المتشابهة الطرفين كالعناد، والاتفاق نظير الأخوة.

ثم إن لزوم العكس نظريّ، يحتاج إلى البرهان، وهو ثلاثة.

أحدها: الخلف.. أساسه إثبات العكس بإبطال النقيض. وتصويره: لو لم يصدّق العكس لزوماً، لأمكن انفكاكه. فيمكن صدق نقيضه مع كل صادق ومنه الأصل. ولو أمكن صدقهما لأنتج بالشكل الأول سلب الشيء عن نفسه، وهو محال لوجود الموضوع للإيجاب في أحدهما. وإمكان المحال باطل. وبطلان اللزوم يستلزم بطلان الملزوم.. إما بصورته وهو بدهي الإنتاج. وإما بأصل القضية وهو مفروض الصدق.. فلم يبق إلاّ نقيض العكس، وهو منشأ المحال. فلا يمكن صدقه، فيلزم العكس.

الثاني: طريق العكس.. وهو عكس نقيض العكس، ليضاد أو يناقض الأصل.. والعكس صادق بالفرض. فعكس النقيض باطل، فملزومه وهو النقيض أيضاً باطل، ونقيض النقيض وهو العكس صادق ألبتة.

وحاصله: أنه لو لم يصدّق العكس لزوماً، لأمكن صدقُ النقيض ولو صَدَقَ صَدَقَ لازمه وهو عكسه. ولو صدق اللازم لزم اجتماع الضدّين أو اجتماع النقيضين. والأصل مفروض الصدق فعكس النقيض هو ملزوم المحال فلا يمكن، فيلزم العكس.

اعلم أن عكوس الموجّهات الموجبة ثلاثة فقط: الحينية المطلقة للدّوام الأربع.. والحينية اللادائمة للخاصّتين.. والمطلقة العامة لخمسة.

واعلم أن بسرّ "لازمُ اللازمِ لازمٌ" كلّ ما هو أعمّ من العكس عكس، لا اصطلاحاً.. وبسرّ أن ملزوم الملزوم ملزوم. فكل ما هو أخصّ من الأصل يستلزم عكسه.

واعلم أيضاً أنّ لنا مقامين: إثبات ونفي.. فلإثبات اللزوم لنا ثلاث طرائق: الخلف كما مرّ. وأما الافتراض والعكس، فكالتنبيه والتنوير للزوم الدّور في البعض.( )

فاعلم أن الدائمتين والعامتين عكسها الحينية المطلقة بالخلف.. أي وإلاّ لصدق نقيضها، وهي العرفية العامة السالبة الكلية، فهو كبرى للأصل.. فينتج سلب الشيء الموجود عن نفسه بإحدى الجهات الأربعة، لأن نتيجة الشكل الأول تتبع الصغرى إذا كانت الكبرى وصفيّة -كما هنا- وسلب الشيء عن نفسه محال، فليس من صورة الشكل ولا من الصغرى، بل من الكبرى. وهو نقيض العكس، فلا يمكن أيضاً. فيصدّق ويلزم العكس. وبالافتراض وهو جعل عقد الحمل صغرى وعقد الوضع كبرى. فينتج بالثالث العكس، ولا يلزم الدّور.. أو الإثبات بغير الثالث لأن المراد تنبيه وتصوير.. وبالعكس أيضاً. مثلاً: "كل إنسان حيوان" بإحدى الجهات.. فبعض الحيوان إنسان، حين هو حيوان.. وإلاّ لزم جمع النقيضين أو الضدّين. إذ نقيض العكس يستلزم ما يضادّ الأصل الصادق. وضدّ الصادق كاذب، فملزومه وهو النقيض أكذب. فنقيض النقيض وهو العكس صادق. ولازم أيضاً لامتناع إمكان المحال.

وأما مقام النفي، فبالتخلف.. واعلم أن الأعمّ للأخصّ.. كما أن الأخص ملزوم الأعمّ.. وأن لازم الأعمّ، لازم الأخص.. وأن ملزوم الأخص، ملزوم الأعمّ.. وأنّ ما لايلزم الخاصّ لايلزم العامّ.. وإلاّ لزم الخلف.. وأن ما لايستلزم الاعمّ، لايستلزم الأخصّ.. وإلاّ ثبت الخلف.

واعلم أيضاً أنّا نحتاج في نفي عكسيته، ماعدا الحينية المطلقة لهذه الأربعة، إلى اثنى وثلاثون( ) موادَّ تخلف. فالأقصر في طريقه: أن نأخذ من جانب الأصل الأربعة، الأخصَّ الأقوى الملزومَ لأخواته، ونأخذ من جانب العكس اللازم الأعمّ الأخف اللازم لأخواته. فالأخصّ في الأصل الضرورية الذاتيّة، وفي جانب العكس الأعمّ، ولو من وجه الوقتيّة، مع التخلّف في صدق "كل كاتب إنسان" بالضرورة، مع كذب "بعض الإنسان كاتب" بالضرورة في وقت.

والخاصّتان إلى حينيّة لادائمة، مثل "كل كاتب متحرك مادام كاتباً، لا دائما". أي لاشيء من الكاتب بمتحرك بالفعل.. عكس "بعض المتحرك كاتب، حين هو متحرك". و"بعض المتحرك ليس بكاتب بالفعل".. وإلاّ لصدق "كل ذاتٍ متحرك كاتب دائماً". أي الكتابة دائمي للذات. ومقتضى الجزء الأول من الأصل: أن التّحرك دائم بدوام الكتابة الدائمة بهذا الفرض.. فيكون التّحرك دائماً للذات.. فيكون ضدّ قيد الأصل المفروض الصدق..

فعكس القيد "بعض المتحرك ليس بكاتب بالفعل"، لا يبين بالخلف، لأن نقيضه وهو "كل متحرك كاتب دائماً".. مع نفس القيد ينتج سلب الشيء عن نفسه بالفعل، وهو جائز. لأن عنوان الموضوع منفكّ، ولا بطريق العكس.. لأن عكس "كل متحرك كاتب دائماً"، "بعض الكاتب متحرك في حين". وهو لا يضاد القيد.. ولا بالافتراض، لأنه جعل عقد الحمل صغرى وعقد الوضع كبرى، فخرج من عقد الوضع، بسبب إيجاب الجزء الأول؛ "كل إنسان كاتب بالفعل". ومن عقد الحمل: "لاشيء من الإنسان بمتحرك بالفعل"، فلا يكون صغرى للشكل الثالث لاشتراط الإيجاب.

اعلم أن عكس الوقتيتين والوجوديتين والمطلقة العامة المطلقةُ العامة، فنحن على وظيفتين:

الأولى: إثبات لزوم هذه لتلك، بتلك الطرائق. فالأقصر: أن نأخذ الأعمّ من الخمسة. لأن لازم الأعم لازم الأخص، والأعمّ المطلقة. لأن المطلق أعمّ من المقيد. فإذا صدّق: "كل كاتب ضاحك بالفعل"، صدق لزوماً "بعض الضاحك، كاتب بالفعل" بالخلف. أي وإلاّ فلا شيء من الضاحك بكاتب دائماً -كبرى للأصل- فينتج لاشيء من الكاتب بكاتب دائماً، وهو محال لوجود الموضوع. لأنه كان عقد وضع الموجبة. والدليل الذي يستلزم المحال باطل، لفساد أحد أركانه. والصورة بدهيّة، والأصل الصغرى مفروضة الصدّق، فيبطل نقيض عكسنا.. فثبت "بعض الضاحك كاتب بالفعل". فإن شئت فاستدل على سبيل التنبيه والتنوير دون الإثبات، للزوم الدّور بالعكس والافتراض. هكذا: لو لم يصدّق العكس، لصدق النقيض. والنقيض يستلزم عكسه، وهو يضاد الأصل الصادق، فيكذب فيبطل ملزومه. فثبت نقيض النقيض، وهو العكس.

والافتراض: جعل عقد الحمل صغرى، وعقد الوضع كبرى بالثالث الذي نتيجته تابعة لعكس صغراه، وهو المطلوب. وخلاصته: أن الأصل يخبرنا بأن عنوان الموضوع وعنوان المحمول ثابتان بالفعل لذات واحد. فأيتّهما ثبت للذات، -بناء على سلّميته- يثبت له الآخر بالفعل كما ترى.

أما الوظيفة الثانية: فنفي لزوم الأخص من المطلقة لا الأعمّ، فإنه (أي الأعم) لازم أيضاً. والطريق الأخصر للتخلف: أن نأخذ الأخص من الخمسة؛ لأن ما لايلزم الأخص لايلزم الأعمّ ألبتة، والأخص الوقتية المعينة. ونأخذ من الأحد عشر الأعمَّ، لأن عدم لزوم الأعم يستلزم عدم لزوم الأخص بالضرورة.. والأعمُّ من الكل الأخصُّ من المطلقة؛ الوجوديةُ اللاضرورية. مثلا: يصدّق "كل قمر منخسف في وقت الحيلولة بالضرورة، لادائماً".. مع كذب "بعض المنخسف قمر لا بالضرورة"، باعتبار القيد. لأن الانخساف خاصة القمر. فذات المنخسف قمر دائما بالضرورة.

اعلم أن مما يجب التنبه له في هذا المقام: أن إمكان الملزوم لا يستلزم إمكان اللازم كإمكان عدم المعلول الأول، اللازم عند الحكماء للواجب، مع عدم إمكان عدمه لللازم. فإمكان الأصل مطلقةً لايستلزم إمكان الإطلاق( ) وأيضاً قد يتولد المحال من ممكنين بالإجماع، كالقيام والقعود. ففرض الممكن فعلياً( ) مع الأصل الصادق( ) قد لا يمكن، لتوسع أفراد موضوع الأصل.

وأيضاً، إن إمكان الدوام غير دوام الإمكان. فإن الأول ينافي الوجوب بالغير، دون الثاني.. فالكاتب دائما ليس بممكن، ليس بممكن للإنسان. والحال أنه يمكن دائماً.

وأيضاً، إن "صدق الضرورة" غير "ضرورة الصدق" على المشهور.. كما أن "صدق الإمكان" عير "إمكان الصدق". فإن صدق الإمكان قد لا يمكن فرضه بالفعل، مع بقاء صدقيته الأصل. إذ قد يلزم الإمكان شيئاً، ففرض فعله يمتنع معه.. كالقيام وإمكان القعود. فاندفع ما شككوا في هذا المقام.

ثم اعلم أن لا عكس للممكنتين على ظاهر مذهب الشيخ في عقد الوضع، أي الفعل الخارجي للتخلف وعدم قيام الخلف، إذ الإمكان لا يصح في صغرى الشكل الأول. ومن هذا لا تنعكس الضرورة ضرورية.

ثم السّوالب؛ فعكس الدّائمتين الكليّتين دائمة كلية بالخلف، بجعل نقيض العكس، لأنه موجبة جزئية( ) صغرى للأصل السالبة الكلية.. فينتج سلب الشيء عن نفسه الموجود على فرض صدق النقيض. فإن شئت، فبعكس نقيض العكس يناقض الأصل.. فبلزوم الدوام يلزم( ) الأعمّ منه (أي من الدوام).

اعلم أن عكس العامتين عرفية عامة سالبة كليّة.. وإلاّ فحينية مطلقة؛ موجبة جزئية مع الأصل، ينتج سلب الشيء عن نفسه -حين هو نفسه- وعكس الخّاصتين الكليّتين عكس جُزئيهما.. وهي العرفية العامة،( ) الكلية.. والمطلقة،( ) الموجبة الجزئية، المعبرة باللادوام الذاتيّ في البعض لمخالفة( ) موضوعه( ) لموضوع الجزء الأول.( ) واصطلح على هذه بالستة المنعكسة السوالب، ولا عكس للبواقي، لأن الأخص منها وهي الوقتية، لا ينعكس إلى أعمّ الجهات، وهي الممكنة بالتّخلف في "لاشيء من القمر بمنخسف وقت التربيع"، وهو صادق مع كذبِ "بعض المنخسف ليس بقمر" بالإمكان العام. وإن لم ينعكس الأخص لم ينعكس الأعمّ.. وإن لم يلزم الأعم لم يلزم الأخص.

والسالبة الجزئية، لا عكس لها إلاّ في الخاصّتين. أما عدم الانعكاس في غيرهما، فلأن أخصّ البسائطِ الضروريةُ، والمركباتِ الوقتيةُ.. وهما تصدقان بلا عكس، ولو ممكنة عامة؛ في "بعض الحيوان ليس بانسان بالضرورة".. مع كذب "بعض الإنسان ليس بحيوان بالإمكان".. و"بعض القمر ليس بمنخسف بالضرورة"، مع كذب بعضُ المنخسف ليس بقمر ولو بالإمكان، لأن خاصية الانخساف للقمر تشف عن تستر قمر تحت بعض.

وسر عدم جريان الخلف في السوالب الجزئية؛ أن الخلف ضمّ نقيض العكس إلى الأصل صغرى أو كبرى ليلزم المحال، والحال أن أصلنا هنا لسلبه لا يصير صغرى.. ولجزئيته لا يصير كبرى. وأما ثبوت الانعكاس في الخاصتين؛ فلأن الأصل يقول: إن ذات الموضوع موجود بحكم القيد الموجب.. وإن الذات متّصف بعنوان الموضوع وهو ظاهر.. وبعنوان المحمول بحكم القيد، وبنفي المحمول بحكم عقد الحمل.. وبنفي الموضوع بحكم المنافاة بين الوصفين. فالوصفان متنافيان ومتعاقبان على ذات واحد.. "هَرْوَكِي بِرَاجُوتِكْ".( ) فالذات في أيّهما استتر، يبعد عنه الآخر.. إلى أن يزول ما أخذه.

اعلم أن العكس تحصيل أخص القضايا اللازمة.. فنثبت اللزوم بالخلف وعدم الانعكاس.. أو إلى الأخص لزوماً، فبالتخلف.. والخلف إبطال الشيء بإثبات نقيضه. ففي الاشكال يُضمُ نقيض النتيجة صغرى أو كبرى،( ) لينتج ما ينافي الآخر. وفي العكس ضمّ نقيض العكس كبرى للأصل في الموجبات.. وصغرى له في السوالب، لينتج سلب الشيء عن نفسه في المستوي. وحملَ الشيء على نقيضه في عكس النقيض..

وصورته، من المعقول الثاني هكذا: لو لم يصدّق العكس، لصدق نقيضه بالضرورة. ولو صدق النقيض، لصدّق مع كل صادق.. بسر أن الصدق أبدي. وإذا صدق مع كل صادق صدق مع الأصل. لأنه مفروض الصدق، فمن الكل.. وإذا صدقا معاً، حصل الشكل الأول. وإذا تركب الشكل الأول، أنتج بالبداهة المحال. وهو سلب الشيء عن نفسه هنا، وهو باطل: لوجود الموضوع بالإيجاب في الأصل، أو نقيض العكس.. وملزوم المحال غير ممكن، فنقيض غير الممكن واجب ولازم، وهو المطلوب..

أما صورة التّخلف هي: أنّه لو انعكس، للزِمَ، ولو لزم، لدام.. ولو دام، لم يتخلف.. لكن إذا تخلّف فلم يدم، فلم يلزم، فلم ينعكس..

[فصل في عكس النقيض]( )

الحكم الثالث للقضايا العكس، النقيض..

اعلم أن الآلة كثيراً ما تتحول عن صورتها الحقيقية، فتظهر لأغراض بلوازم مقدمتيها، أو إحداهما فلهذا كثيراً ما نحتاج لرد غير المتعارف إلى المتعارف لعكس النقيض.

ثم إن عكس النقيض إما موافق الكيف مع أخذ نقيض الجزئين سلباً أو عدولاً.. أو معاً مع النظر والدّقة لأخذ نقيض الجزء. فإن نقيض "كاتب بالفعل" ليس بـ"لا كاتب بالفعل" لعدم تمام الخلف هنا.. أو أخذ نقيض المحمول فقط، سلباً أو عدولاً مع المخالفة في الكيف.

ثم، قد ذكرنا: أن العكس مطلقاً، تحصيل أخصّ القضايا اللازمة، وإثبات اللزوم محتاج إلى البرهان. والبراهين الجارية في سوالب العكس المستوى، جارية في موجبات عكس النقيض مع تفاوت قليل، لأنها نظيرتها. وكذا براهين موجباتها في سوالب ذا، كـ"زلزل".

أما الموجبات الكلية، فعكسه على الأول نفسها، لأنه المحمول فيها، إما مساو أو أعم.. ونقيض المتساويين متساويان. ونقيض الأعم أخصّ من نقيض الأخص فيحمل عليه كلياً ألبتة. مثلاً "كل إنسان حيوان" ينعكس إلى "كل لا حيوان لا إنسان" بالخلف. أي وإلاّ لصدق نقيضه.. وهو "ليس كل لا حيوان بلا إنسان" ولا يمكن جعله صغرى للأصل لسلبه. ومن هذا اضطر المتأخرون إلى العدول واستلزام هذا للموجبة عند وجود الموضوع ثابت، إذ لابد أن يكون موجود ومعدوم خارجاً عن الموضوع والمحمول، أو لأن السالبة يستلزم الموجبة السالبة الطرف، فسلبُ السلب إيجاب. فإذا صدق النقيض، استلزم "بعض ما ليس بحيوان إنسان" صغرىً للأصل، وهو "كل إنسان حيوان" فينتج "بعض اللاحيوان بالفعل حيوان دائما". وحمل النقيض على النقيض بهذا الوجه محال. ومستلزم المحال غير ممكن، فنقيض النقيض لازم. تأمل!

اعلم أن الدائمتين تنعكسان إلى دائمة. مثلاً: "كل إنسان حيوان بالضرورة، أو دائماً". و"كل لاحيوان لا إنسان".. وإلاّ فـ"بعض اللاحيوان ليس بلا إنسان"، "فبعض اللاحيوان إنسان بالفعل" كما مرّ، مع "كل إنسان حيوان"، ينتج "بعض اللاحيوان بالفعل حيوان دائماً". وهو كما ترى.

والعامتان، إلى عرفيّة عامة.. مثلا: "كل كاتب متحرك مادام كاتباً". فـ"كل لا متحرك لا كاتب مادام لامتحركاً".. وإلاّ فـ"بعض اللامتحرك ليس بلا كاتب حين هو لا متحرك". "فبعض اللامتحرك كاتب في حينه" لما مرّ أيضاً.. وهو مع الأصل ينتج "بعض اللامتحرك متحرك. حين هو لا متحرك" لأن الكبرى وصفيّة، فالنتيجة تابعة للصغرى. فتأمل في طبيعة الأصل لتستخرج النقط الثلاث في العكس.

والخاصّتان إلى عرفية عامة لا دائمة في البعض، لأن الأصل يخبرنا بأن ذاتاً واحدة له وصف الموضوع، فوصف المحمول معه. ولها نقيض المحمول، فنقيض الموضوع معه بحكم القيد ومادام.. إلاّ أن قيد العكس جزئى كما في عكس المستوي...

أما الجزئيات، فلا عكس لها بالتخلف، إلاّ للخاصّتين بالافتراض. فإن أخصّ البسائط الضرورية، والمركبات غيرهما الوقتية. ولا تنعكسان إلى الإمكان العام. وما لم يستلزم الأعم، لم يستلزم الأخص.. وما لم يلزم الأعم، لم يلزم الأخص. مثلا: "بعض الحيوان لا إنسان بالضرورة".. و"بعض القمر لا منخسف بالضرورة وقت التربيع لا دائماً"، مع كذب "بعض اللاإنسان لاحيوان" و"بعض المنخسف لاقمر" بالامكان العام.

أما الخاصّتان، فعكسهما عرفية عامة جزئية لا دائمة. إذ لا يصدق في عكس "بعض المتحرك كاتب لا دائماً" القيد. أي "بعض اللاكاتب ليس بلا متحرك بالفعل". إذ تنص الأرض تليلهُ تحت "لاكاتب".. وتقول: "إني لا أتحرك على رغم المتقدمين، على رغم أنفكم أيها الجديديون!" ومن هذا، يكون قيد عكس الخاصتين الكليّتين جزئيةً.

اعلم أن سوالبهما كموجبات عكس المستوي. فالدائمتان والعامّتان إلى حينيّة مطلقة، جزئية سالبة. مثلا: الأعم من الأربعة: "لاشيء من الكاتب بساكن مادام كاتباً". فـ"بعض اللاساكن ليس بلا كاتب حين هو لاساكن".. وإلاّ فـ"كلّ لاساكن لا كاتب مادام لاساكناً".. وهو بعكس النقيض. فإنه قد برهن عليه: "كل كاتب ساكن مادام كاتباً".. وهو ضد الأصل؛ فهو باطل. فملزوم هذا العكس النقيض. أعني نقيض العكس محال أيضاً، غير ممكن.. والعكس لازم.

وأما الخّاصتان: فحينية لا دائمة.. أما الحينية؛ فلأنه لازم للأعم منها، ولازم الأعم لازم الأخصّ. وأما اللادوام؛ فبالافتراض.. نفرض في المثال السابق مع اللادوام؛ "كل روميّ لاساكن مادام كاتباً" بحكم الجزء الأول.. و"كل رومي لاكاتب حين هو ساكن" بحكم القيد مع العناد بينهما. فبضمها، يعني "كل رومي لاساكن مادام كاتباً" و"كل رومي لاكاتب. مادام ساكناً". فينتج من الشكل الثالث "بعض اللاساكن لاكاتب حين هو لاساكن" لأن النتيجة في الثالث تابعة لعكس الصغرى. وتستلزم الحينية المطلقةُ، المطلقةَ العامة. فـ"بعض اللاساكن لاكاتب بالفعل"، وهو مآل قيد الحينية اللادائمة في عكس النقيض. ولا يثبت بالخلف ولا بطريق العكس..

وأما الوقتيتان والوجوديتان والمطلقة العامة: فعكس نقيضها المطلقةُ العامة، إذا عمّها وهو المطلقة العامة الجزئية السّالبة. مثلا: "بعض الإنسان ليس بضاحك بالفعل"، تستلزم "بعض اللاضاحك ليس بلا إنسان بالفعل".. وإلاّ فـ"كل لاضاحك لا إنسان دائما". وهو يستلزم عكس نقيضها، المبرهن عليه. وهو "كل إنسان ضاحك دائما"، وهو مناقض للأصل دائما الصّادق. فبطل عكس نقيض نقيض عكس النقيض، فيثبت عكسنا، ولا يثبت بالخلف، لأن الأصل سالبة جزئية، لا تصير صغرى ولا كبرى. وإذا لزمت المطلقة المطلقة، لزمت الأخص منها.

ثم إن عند المتأخرين جعل نقيض المحمول موضوعاً، وعين الموضوع محمولاً مع مخالفة الكيف. فالدّائمتان الموجبتان إلى سالبة دائمة.. فـ"كل إنسان حيوان دائما"، إلى "لاشيء من اللاحيوان بإنسان دائما".. وإلاّ فـ"بعض اللاحيوان إنسان بالفعل". وهو مع الأصل ينتج: "بعض اللاحيوان حيوان دائماً، أو بالضرورة". وهو كما ترى..

والعامتان الموجبتان إلى عرفية عامة كلية؛ فـ" كل كاتب متحرك مادام كاتبا"، إلى "لاشيء من اللامتحرك بكاتب مادام لا متحركاً".. وإلاّ فـ"بعض اللامتحرك كاتب حين هو لامتحرك". وهو صغرى للأصل الوصفي، ينتج: "بعض اللامتحرك متحرك حين هو لا متحرك"، لأن النتيجة هنا تابعة للصغرى، وهو مِنَ المحال كما يُرى.

وأما الخاصتان إلى عرفية عامة لادائمة في البعض؛ أما العرفية العامة: فلِمَا مرّ.. وأما القيد: أعني: "بعض اللامتحرك كاتب بالفعل".. فبالافتراض لجزئية العكس.. فكل رومي لامتحرك بحكم القيد. و"كل رومي كاتب" بحكم عقد الوضع الموجب. فينتج من الثالث: "بعض اللامتحرك كاتب بالفعل".

اعلم أن السوالب هنا، على مذهب المتأخرين ليست كموجبات عكس المستوي( ) في البسـائط الخمسـة.

وعند المتقدمين هي كها فيها أيضاً. لأن السالب البسيط يصدّق بعدم الموضوع أيضاً. فيحتمل أن لا يكون لنقيض المحمول وجود. كـ"لا شيء من الخلاء ببعد". مع كذب "بعض اللابَعد خلاء".

فلما كان عكس نقيض السالب عند السلف سالباً، كان ذاك كذلك في الصدق، وعند الخلف موجباً يقتضي وجود الموضوع، لم تنعكس البسائط الخمسة.

وأما المركبات؛ فلوجود الموضوع ألبتة يكون لنقيض المحمول ذات موجودة، وهو ذات الموضوع. فمن الخاصّتين إلى حينية لا دائمة لا بالخلف، لأن الأصل سالب مع سلب نقيض عكس النقيض، لا دليل عن سالبتين.. ولا بطريق العكس. لأنه لم يبرهن عليه بعد، بل بالافتراض للجزئية في العكس. مثلا: "لاشيء من الكاتب بساكن مادام كاتباً". فالعكس: "بعض اللاساكن كاتب حين هو لاساكن". أي "بعض اللاساكن ليس بكاتب بالفعل".

أما الجزء الأول: فبـ"كل رومي لاساكن مادام كاتبا" بحكم الجزء الأول. و"كل رومي كاتب بالفعل" بحكم عقد الوضع الموجود بالتركيب. فينتج من الثالث: "بعض اللاساكن كاتب حين هو لاساكن" لأن نتيجته تابعة لعكس الصغرى وهو حينية، أما الجزء الثاني: فكل رومي لاساكن" و"كل رومي ساكن" فالثاني مع الجزء الأول من الأصل ينتج لا شيء من الرومي بكاتب، وهذه النتيجة كبرى لـ"كل رومي لاساكن" ينتج من الثالث "بعض اللاساكن ليس بكاتب" بالفعل، وهو مآل القيد.

ثم إن الوقتين والوجوديتين إلى مطلقة عامة، لعدم انعكاس القيد لإيجابه؛ كسالبته في العكس المستوى فبقى المطلقة العامة.. وهو بالافتراض دون الطريقين الآخرين. ففي "لا شيء من الإنسان بمتنفس.. لا دائماً" "كل متفشفش لامتنفس"( ) بحكم الجزء الأول. و"كل متفشفش إنسان" بحكم الوجود في القيد بالتركيب. فمن الثالث ينتج: "بعض اللامتنفس إنسان" بالحينية( ) المطلقة المستلزمة للمطلقة العامة.

خاتمة:

اعلم أن الشرطية الاتفاقية مطلقاً، والمنفصلة لا عكس لها، مستوياً مغايراً في المراد. ولا عكس نقيض لكل الشرطيات، إلاّ الموجبة الكلية المتصلة اللزومية على مذهب الخَلَف، لقيام الخُلف. فإن لزوم شيء لشيء يستلزم نفي لزوم الملزوم لنقيض اللازم. مثلاً: "كلما كانت الشمس طالعة، فالنهار موجود.. فليس ألبتة إذا لم يكن النهار موجوداً كانت الشمس طالعة".. وإلاّ فقد يكون: إذا لم يكن النهار موجوداً كانت الشمس طالعة؛ صغرى لإيجابه للأصل، كبرى لكليّته. فينتج "قد يكون إذا لم يكن النهار موجوداً، فالنهار موجود".. وهو من المحال كما ترى لا على مذهب السلف، فإن نقيض عكس نقيضه يصير سالبة جزئية، لا يكون صغرى لسلبه، ولا كبرى لجزئيته، مع عدم استلزام السالبة المعدولة للموجبة المحصلة، لأن النفي لا يدخل على النفي هنا، لأن مآل نقيض العكس نفي لزوم نفي الشيء، وهو لا يستلزم لزوم الشيء، إذ قد لا يلزم النقيضان لشيء.. وقس على هذا عدم جريان مذهب السلف في البواقي.

ولا عكس للجزئيات منها على مذهب الخلف أيضاً. أما الموجبة فلجزئيته لا تصير كبرى.. وإن كان صغرى فرابع.. وأما السالبة مطلقاً، فلان نقيض عكس النقيض سالبة أيضاً. ولا قياس على سالبتين..

[الباب الرابع: في الأدلة والحجج الخ]( )

اعلم أن الدليل باعتبار الصورة هو المقصد الأعظم من المنطق.. وهو بسيط عند الأصوليين، فالنظر في أحواله.. ومركب عند المنطقيين، فالنظر فيه.. فالدليل: ما يكتسب بالنظر في أحواله، أو فيه حكم آخر.. فالاستدلال: إما بالجزئي على الكلي.. فهو الاستقراء، وهو أساس أدلة العربية بل في ابتداء حصول كل العلوم.. وإما بالجزئي على الجزئي، وهو التمثيل، وهو المعتبر في أصول الشرع، بل في كل التشبيهات.. وإما بالكلي على الجزئيّ، أو على الجزئي الإضافي.. وهو القياس المنطقي، والجاري في تعليم العلوم..

ثم إن البدهي من هذا القسم الذي يكتسب به نظريات هذا الباب؛ القياس المقسم.. والاستثنائي وغير المتعارف المعبّر عنه -في الأكثر- بقياس المساواة... والشكل الأول الراجع محصّلهُ إلى قياس المساواة.. وأصله: قياس غير متعارف. هكذا: زيد مساو لعمرو، وعمرو مساو لبكر؛ فزيد مساو لبكرٍ بالضرورة. وكل مساو المساوي مساو.. فزيد مساو، وهو المطلوب. فهذا التكلّف لتحصيل تكرر الأوسط. والأصح أنّ تكرر الأوسط شرط العلم بالإنتاج.. فيمكن لزوم الإنتاج بدونه؛ كأكثر شرائط اقترانيات الشرطية. وأما شرط تحقيق الإنتاج الذي لا يمكن لزوم النتيجة بدونه: فكإيجاب الصغرى وكلية الكبرى في الأول، وأن لا تكون المقدمتان سالبتين أو جزئيتين في الكل وغيرها.

اعلم أن الدليل لما كان العلم به بالمعنى العام علّةً للعلم..كذلك بالنتيجة وجب تقديمه. فالدور بكلا معنييه باطل، وكذا المصادرة.. وان تكون المادة مناسبة ذاتاً وكيفية للنتيجة.

فان قلت: الذهن كاللسان يتعاقب فيها الصغرى والكبرى، فكيف يكون كلاهما علّة مؤثرة؟..

قلت: الأفكار علّة معدّة للمطالب باعتبار الحضور.. وعلّة مجامعة( ) باعتبار الحصول.

فإن قيل: الإيمان الذي هو التصديق( ) مكلف به، والمكلف( ) به فعل اختياري مع أن اللزوم ضرورة والتصديق انفعال؟

قلت: التكليف بترتيب المقدمات..

فان قلت: الدليل يستلزم النتيجة مقدمة أساسيّة للإنتاج. مع أنه نظرية. فإن أثبت بدليل فذلك الدليل أيضاً متوقف على مثل هذه المقدمة؟

قلت: هذه المقدمة تثبت بدليل، تثبت هذه المقدمة فيه، في نفس الأمر بالانتقال الطبيعي، لأن علم العلم ليس بلازم بالضرورة، لأن ذلك الدليل من المعقولات الأولى.

فإن قلت: علم صدق كليّة الكبرى التي في قوة قضايا متعددة بعدد الأفراد التي منها موضوع النتيجة شرط للإنتاج، حتى في أَبْدَهِ الأشكال، مع أن العلم بصدقها، يتوقف على العلم بالنتيجة. فما هذا الدور؟..

قلت: إن لاختلاف العنوان تأثيراً في اختلاف الأحكام؛ معلوميّة ومجهولية، ضرورية ونظرية. فموضوع النتيجة تحت عنوان موضوع الكبرى قد يكون ضرورياً.. وتحت عنوانه نظرياً. ثم إن للإنتاج شرائط عموميّة.. وقد مرّ نبذة منها باعتبار المادة والصورة. وخصوصيته فسيأتي.

ومن الشرائط العموميّة التفطّن الذي هو كالجماع بين الزوجين.. وملاحـظة النتيجة في بطن الكبرى..

ثم اعلم أن الاستقراء له وقع عظيم واستعداد واسع، بل هو المؤسس للعلوم، بل هو المفصّل للعقل بالملكة. فقد بخسوا حقه في الاختصار فيه. ومنه: ما هو مفيد لليقين، وهو التّام الذي كالتواتر الحالي. أو تتبع قليل أفراد في نوع واحد بالنظر بطبيعة النوع.. وهو أيضاً مفيد لليقين، بسبب انضمام حدسٍ معنوي إليه.. ومفيد للظّن، وهو الاستقراء الناقص في أكثر الجزئيات؛ إذ بسر الحكمة يكون الأكثر هو الباقي على الأصل الذي لايعلل. وإذا اختصروا فلنختصر..

ثم إن التمثيل أيضاً مفيد لليقين، إن كان مقدّماته يقينيّة، أي وجود الشرائط وانتفاء القوادح ويقينيّة المسلك الذي تثبت العليّة به.. وبندرة اليقينية بكلّها أطلقوا إفادة الظنّ.

ثم للتمثيل الذي منه التشبيه أيضاً، أركان أربعة: وهو المقيس، والمقيس عليه، والجامع، وحكم الأصل. لا حكم الفرع، فإنه نتيجة.

اعلم: أن للقياس التمثيلي مجالاً واسعاً، فيجري في فنون شتّى وفي المحاورات. لكن القدح المعلّى للشرع..

ومن شرائطه فيه: أن لا يكون حكم المشبّه به مختصاً.. أو تعبّدياً.. أو مستثنىً.. أو متغيراً عند التعدي. الخ..

ومن مسالكه فيه: الإجماع، والنصّ، والإيماء بالحكم على المشتقّ، والسّبر بالتقسيم، وطرد غير الصالح، والمشابهة، وإلغاء الفارق، والعكس. أي الوجود عند الوجود.. وقيل الطرد وهو عكس العكس.. والدّوران كلاهما.. وتنقيح المناط بطرد الخصوصيات.. وتحقيق المناط بإثباتٍ في الصور الخفيّة؛ كالسرقة في الطّرار والنباش، وتخريج المناط، والمناسبة.. والوصفُ المناسب، هو الذي لو عرض على العقول لتلقّته بالقبول.. وهو إما حقيقي أو إقناعي.. والحقيقي: إما ضروري، وهو الأقطاب الخمسة. أي حفظ النفس، والدين، والعقل، والمال، والناموس؛ المناسِبة للقصاص... والجهاد، وحدّ السكر أو الشرب، وحدّ السرقة، وحدّ القذف؛ وحدّ الزنا. وإما حاجّيّ: كما في أساسات المعاملات... وإما استحساني: كالتنزيه من القاذورات، وعدم تولية النساء والعبيد.. والإقناعي: كبطلان بيع الخمر للنّجاسة.. وقس، فتأمل!

ثم العلة: لابد أن تكون وصفاً ظاهراً منضبطاً، لا كالمشقّة وبراءة الرحم...

والعلة علامة، وإنما المؤثر خطاب الله.. كما أن المؤثّر في عالَم الخلق قدرة الله. فتأمل!

ثم المانع: إما من انعقاد العليّة، أو عليّةِ العلة، أو ترتب الحكم أو دوامه.. كبيع المعدوم، وبخيار الرؤية، وبخيار المجلس، وبخيار الشرط أي العيب. كما أن الرّمي قد لا يصيب، أو يصيب لا يجرح، أو يجرح يندمل، أو لا يندمل بذمن( )..

ومن القوادح: النقض، أي تخلّف المعلول عن العلة، والمعارضةُ، والكسر، وعدم التأثر. وقس، فتأمل!

اعلم، انّا إذا تحرّينا مطلوباً؛ فإن كان لجملته نسبة إلى شيء، فاستثنائي.. أو لأجزائه، فاقتراني.. والاستثنائي من شرطية واستثنائية، حملية أو شرطيّة. فشرط الشرطية: الإيجابُ وعدمُ الاتفاق.. والكليةُ عند عدم كليّة الاستثنائية أو شخصيّتِها. إذ سلب اللزوم أو العناد لعمومه، لا يستلزم شيئاً. وللزوم النتيجة للدّليل، لاسيما للمقدمة الاستثنائية؛ لم تَقدر الاتفاقية على الإنتاج. وسرّ الكلية ظاهر.

ثم الشرطية: إن كانت متصلة.. فالمستقيم استثناء عين المقدم لا التالي، لإمكان العموم.. وغيرُ المستقيم استثناء نقيض التالي، لا نقيض المقدّم، لإمكان أعميةِ نقيضِ ممكن الأخصيّة. وغير المستقيم يرتدّ مستقيماً بعكس نقيض الشرطيّة.

وإن كانت منفصلة حقيقيّة، فله أربع نتائج باستثناء عين كلٍ أو نقيض كلٍ. ويرتدّ هذا إلى المستقيم باستلزام الحقيقية لأربع متصلات.

وإن كانت مانعة الجمع، فاستثناء عين كلٍ لأخصيّته، لا نقيضه لأعميّته بالردّ إلى المستقيم بواسطة تلازم مانعة الجمع للمتّصلة، مقدّمتها( ) عين أحد جزئيها( ) .. وإن كانت مانعة الخلوّ، فعكسها ومثلها في الرد والبرهان.

فإن قلت: المستقيم يكفي، إذ الباقي بالردّ يظهر؟

قلت: مراعاةُ طبيعة الفكر والتحصيل( ) وغيرها،( ) أحوجتنا إلى الطرق المعوجّة؛ فكم من أشياء هي مقدمة طبعاً، أو تالٍ طبعاً، أو المحصل نقيضها. وقس.. فلو استقمت لم يستقم..

اعلم أن القياس من محض الحمليات يسمّى اقترانيّاً.. ومن محض الشرطيات أو المختلط يسمى اقترانية، فأصولها خمسة.. وفروعها خمسة آلاف. والضابط فيها: أن الجزء الغير المشارك يبقى في النتيجة، مع نتيجة التأليف بين المتشاركين. ونتيجة التأليف لازم( ) للمشارك باعتبار. وملزوم الملزوم ملزوم. ومعاند( ) الملزوم كاللامعاند اللازم في الجملة. فمن متّصلتين في الشكل الأول مع الاشتراك في جزء تامٍ مبنيّ على أن اللازم اللازم لازم.

ومن منفصلتين مع الاشتراك في غير تامّ،( ) نتيجته منفصلة مركبّة من الجزء الغير المشارك، مع نتيجته التأليف بين الجزء الآخر؛ الحملية والمنفصلة الكبرى. لأن معاند الملزوم معاند اللازم بجهة..

ومن متصلة وحملية.. المشاركة لأحد جزئيها، ينظر المتشاركين بشرائط الأشكال. ثم يؤخذ نتيجته التأليف.. ثم يضمّ إلى الجزء الغير المشارك مقدّماً أو تالياً.

ومن المنفصلة والحملية الواحدة، فالنتيجة منفصلة مركّبة من غير المشارك، مع نتيجة التأليف بين الحملتين، مع مراعاة الشكل الذي هو منه. وإن كانت الحملية متعددة عدد أجزاء المنفصلة، فانظر إلى كلّ متشاركين منها، وخذ نتيجة التأليف من كل جزئين؛ فإن اتحدت الحمليات في طرف، فالنتيجة حملية.. وهو القياس المقسم المشهور، وإلاّ فالنتيجة منفصلة مركبّة من نتائج التأليفات؛ كـ"الكاتبُ إما جاهل أو غافل. والجاهل لابدّ أن يُعَلّم، والغافل لابــدّ أن يُنبّه".. فالكاتب إما لابــدّ أن يعلّم وإما لابــدّ أن ينبّه.

اعلم أن الحدّ الأوسط شرط العلم بالإنتاج كما مرّ. ومن شرط الأوسطيّة أن يكون ركناً للصغرى والكبرى. أو جزءاً لجزئهما، كما في كثير من الاقترانيات.. هذا في المتعارف.

ومن شرطها أيضاً، الاتحاد حقيقةً، لا عنواناً فقط. وأما غير المتعارف الذي هو متعارف عندي، فالأوسط متعلق أحد جزئي الصغرى وعين أحد جزئي الكبرى. أما "الدنيا جيفة وطالبها كلاب" فغير متعارف الغير المتعارف. وأما "الإنسان مباين للفرس، وكل فرس حيوان" فالأوسط غير مكررّ حقيقة. لأن متعلق محمول الصغرى مفهوم. ويجري في غير المتعارف؛ كالمتشاركين الأشكال الأربعة، فيشترط ما يشترط فيها. ويجري غير المتعارف كالمتعارف في الشرطيات بأقسامها. مثلا: "لمّا كانت الشمس سلطان النجوم، كانت في مركز عالمها وسط الكائنات.. فالشمس وسط الكائنات".

ثم إن لغير المتعارف المتعارف الذي تساوي محمول الصغرى والكبرى -إن كان من الشكل الأول- نتيجتين:

أحدهما: ذاتية بضم محمول الصغرى بالإضافة إلى محمول الكبرى، وجعلها محمول النتيجة؛ كـ"الدّرةُ في الحقة، والحقةُ في البيت".. فمفاد الفائَيْنِ وهو مظروف محمول النتيجة. وإن كان أحدهما حرفياً، والآخر اسمياً؛ فبدخول الحرفيّ على الاسمي كـ"الدّرةُ في الصّدف.. والصّدف جميل، فالدرّة جميل".

والنتيجة الثانية: عند اتحاد المحمولين جعل محمول الكبرى فقط، فيكون قياس المساواة. وإنما يصدق عند صدق اللاحيوان الأجنبية.

واعلم أيضاً أن القياس التمثيلي قياس غير متعارف، باعتبار ذكره أداة التّشبيه في النتيجة، كـ"النبيذُ، كالخمر، والخمر حرام.. فالنبيذ حرام" تمثيل ظنيّ. و"كالحرام" غير متعارف يقيني.

اعلم أن من القياسات قياسات خفيّة، ولها مجال واسع. وكثير ما تنقلب القياسات الجليّة بالألفة والاستمرار خفية. وأساس الخفية دليل ينقدح في الذهن دفعة من تفاريق أمارات، وخاصته بسرعة الانتقال من المبادي إلى المطالب بلا ترتيب. وقد يفاد بأنه علم إجمالي يقينيّ لا يَقتدر أن يعبّر عنها بالتفّصيل، لتحلبها من مظـان متفرقة. فلا يمكن أن يَضع إصبعَه على منبع معين.

ثم إن الأشكال الثلاثة إنما يعلم نتيجتها بانقلابها إلى الشكل الأول. فإذاً فما الفائدة في تطويل الطريق؟

الجواب: إن لموضوع النتيجة ومحمولها موصوفات وأوصاف.. أي موضوعات طبيعيّة ومحمولات طبيعيّة. فإذا تحريّت ما يشترك طرفا المطلوب فيه، فقد يكون المشترك صفة الطرفين، أي محمولاً طبيعياً لهما؛ ككل متعجّب إنسان، بالنظر إلى الضاحك. وقد يكون موصوف الموضوع صفة المحمول؛ ككل ضاحك إنسان بالنظر إلى المتعجب. فلمخالفة المطلوب لطبيعة القضية تعددّت الأشكال، ولمراعاة الطبيعة خولفت الطبيعة.

اعلم أن في كل شيء روحاً وحقيقة؛

فروح الشكل الأول أنّ داخل داخل الشيء داخل الشيء، وظرف ظرف الشيء ظرف الشيء.

وفي الشكل الثاني: الاستدلال بتنافي اللوازم على تنافي الملزومات؛ إذ السالبة مؤوّلة بالمعدولة. والمراد من اللزوم مطلق الاتّصاف..

وفي الشكل الثالث: بأن شيئاً مجمع صفتين، فالصفتان مترافقتان..

وفي الرابع: إثبات موصوف الشيء لصفته..

ثم إن اتصال الصغرى بالكبرى اتفاقية.. وترتب النتيجة عليهما مؤول بشرطية لزومية بدهية في الأول، نظريّة في البواقي، مثبتة بأدلة ثلاثة.

أحدها: الخلف.. وملخّصه: إثبات الشيء بإبطال نقيضه. وتصويرُه: بصنعة البرهان، هكذا: إذا صدّق هذا الشكل لزم هذه النتيجة مدّعىً.. وإلا أي وإن لم يلزم لصدق نقيضه، ولدائمية الصدق يصدق مع كل صادق اتفاقياً. وإذا صدّق مع كل صادق، صدق مع هذا الشكل الصادق، فيصدق مع جزئه إتفاقياً، الكافي في تشكل الشكل.. فيحصل صورة الشكل فينتج بالبداهة نقيض أو ضدّ أحد المقدمتين الصّادقتين بحسب الفرض. وجمع النفيضين أو الضدين في الصدق محال.. وملزوم المحال باطل..

ومنشأ الفساد ليس صورة الشكل الأول لبداهته.. ولا مقدمة الشكل لمفروضة الصدق، بل نقيض النتيجة.. فهو منشأ المحال، فالنتيجة صادقة.

ثم إن نقيض النتيجة في الشكل الثاني، يصير صغرى الكبرى، وينتج نقيض الصغرى.

وفي الشكل الثالث تأخذ النقيض وتجعله كبرى للصغرى لينتج نقيض الكبرى. وأما الرابع: فيدلي دَلوه إليهما.

الثاني الاستقامة وتصويره، أعني بطريق العكس.. هكذا: كلما صدق هذا الشكل صدق الصغرى مع لازم الكبرى في الثاني مثلا. وصدق الكبرى مع لازم الصغرى، أي عكسها في الثالث مثلا. وكلما صدقا معاً، صدق لازماهما. وكلما صدق هذا مع ذاك، صدق ذاك مع هذا؛ كما في الرابع مثلا. لأن ما بين الصغرى والكبرى من الاتفاق إضافة متشابهة الطرفين. فإذاً يحصل الشكل الأول المنتج للمطلوب أو لملزومه بالبداهة.

ثم إن المقصد من المنطق تمييز الأفكار الصحيحة بوضع شرائط. فمن الشرط العموميّ: أن لا تكون الصغرى والكبرى سالبتين أو جزئيتين. وشرط الأول خصوصاً إيجاب الصغرى وكلية الكبرى. فإنّ بفقد أيّهما كان، يلزم الاختلاف المستلزم للتخلف، المنافي للزوم المباين للإنتاج. فلنا (في تبيين الضروب المنتجة بين الضروب الثمانية عشر العملية بضرب صغريات الأربع في كبريات الأربع) طريقان:

طريق التحصيل: بضمّ الصغرى الموجبة جزئية أو كليّة إلى الكبرى الكلية موجبة أو سالبة..

والثاني طريق الحذف: بإسقاط إيجاب الصغرى سالبتها في أربعة الكبرى، وإسقاط كليّة الكبرى جزئيّتها في موجبتي الصغرى. فبقي الأربعة المنتجة للمطالب الأربعة التي اختص الشكل الثاني منها بالسالبتين، والثالثُ بالجزئيتين، والرابعُ بغير الموجبة الكلية.. فالأول من الأول هو المنتج للموجبة الكليّة، فيكون من موجبتين كليتين.

اعلم أن الأول من الأول من موجبتين كليتين، ينتج موجبة كليّة. ككل "أ، ب" وكل "ب، ج"، فكل "أ، ب".

والضرب الثاني: من كليّتين والكبرى سالبة كليّة، ينتج سالبة كلية.

والثالث: من موجبتين، والصغرى جزئية؛ ينتج موجبة جزئية.

الرابع: من موجبة جزئية صغرى، وسالبة كلية كبرى؛ ينتج سالبة جزئيةً. لأن النتيجة تتبّع أخسّ مقدمتيه، والسلبُ والجزئية خسيستان.

اعلم أن الشكل الثاني ما كان الأوسط محمولاً في مقدمتيه.. وضروبه العقلية، كأخواته ستة عشر.. وشرطه: كلية الكبرى واختلافُ الكيف. فبطريق الحذف تسقط الكليّة جزئيتّي الكبرى في أربع الصغرى. وتحذف الاختلاف الموجبة، الكلية كبرى في موجبتي الصغرى.. والسالبة الكلية الكبرى في السالبتي الصغرى. وبطريق التحصيل: الكبرى السالبة، مع موجبتي الصغرى والكبرى، الموجبة الكليّة مع سالبتى الصغرى.

فهذا الشكل ينتج من المطالب الأربعة بضروبه الأربعة، السالبة الكلية والسالبة الجزئية. ودليل إنتاجه الخلف في كل الضروب.. وعكس الكبرى في الضرب الأول والثالث.. وعكس الصغرى مع عكس الترتيب. وعكس النتيجة في ضرب الثاني، ولا عكس في الضرب الرابع، لأن صغراه السالبة الجزئية لا عكس لها. وبعكس الموجبة الكليّة الكبرى تصير جزئية.. ولا دليل من جزئيّتين. وبالافتراض في الضرب الثالث مطلقة. وفي الرابع بشرط كون الصغرى من المركبات، ليتحقق وجود الموضوع حتى يفترض.

والافتراض قياسان: أحدهما من الأول.. أو من الضرب الأجلى من الشكل المطلوب. والقياس الآخر من الثالث.. وتحصيله: تخريج الموضوع الحقيقي.. وحمل عنوان الموضوع عليه بالإيجاب. وعنوان المحمول: إما بالإيجاب إن كانت القضية موجبة.. أو بالسلب إن كانت سالبة..

ثم ضم عقد الحمل هنا إلى الكبرى.. ثم جعل نتيجتها كبرى لعقد الوضع.. فالضرب الأول من الشكل الثاني من كليّتين والكبرى سالبة. مثلا: كل جسم مؤلّف، ولا شيء من القديم بمؤلف، فلا شيء من الجسم بقديم، بالخلف. وهو إثبات الشيء بإبطال نقيضه.. هكذا: إذا صدق هذا الشكل، صدق هذه النتيجة.. وإلا لصدق نقيضها؛ وهو "بعض الجسم قديم". والصّادق يصدق مع كل صادق.. فيصدق مع الكبرى المفروض الصدق. هكذا: "بعض الجسم قديم، ولا شيء من القديم بمؤلّف، فلا شيء من الجسم بمؤلّف" وهذا نقيض للصغرى المفروض الصدق. فنقيض الصادق كاذب.. وملزوم الكاذب باطل.. ونقيض الباطل حق.. فالنتيجة صادقة.. وبعكس الكبرى ليرتدّ إلى الشكل الأول.. وهكذا: لو صدق الصغرى مع الكبرى، لصدق مع لازمها.. فيصير شكلاً أولاً.

والضرب الثاني: من كلّيتين، والصغرى سالبة؛ كلا شيء من الجسم ببسيط.. وكل قديم بسيط؛ ينتج لاشيء من الجسم بقديم، بالخلف -كما مرّ- وبعكس الصغرى. ثم جعلها كبرى، ثم عكس النتيجة. لأنه إذا صدق الصغرى مع الكبرى، صدق لازم الصغرى مع الكبرى أيضاً. وإذا صدق لازم الصغرى مع الكبرى، صدق الكبرى مع لازم الصغرى.. فينتج بالشكل الأول ملزوم مطلوبنا.

والضرب الثالث: من موجبة جزئية صغرى وسالبة كليّة كبرى؛ ينتج سالبة جزئية بالخلف والعكس والافتراض. مثلا: بعض الجسم مؤلّف، ولا شيء من القديم بمؤلّف.. فبعض الجسم ليس بقديم.. بعكس الكبرى، يرتدّ إلى الأول. وبضمّ نقيض النتيجة صغرى للكبرى، لينتج نقيض الصغرى الصادق، فهو كاذب، فملزومه باطل، فنقيض ملزومه صادق.

وبالافتراض: فالمقدمتان الافتراضيتان.. نفرض الموضوع الحقيقي في "بعض الجسم مؤلّف إنساناً، فكل إنسان جسم، وكل إنسان مؤلّف". فخذ عقد الحمل، واجعل صغرى لنفس الكبرى، ليصير ضرباً أجلى.. أو إلى عكس الكبرى. هكذا: "كل إنسان مؤلّف، ولا شيء من القديم بمؤلّف.. ولا شيء من الإنسان بقديم". فجعل هذه النتيجة كبرى لعقد الوضع، هكذا: "كل إنسان جسم، ولا شيء من الإنسان بقديم"، فينتج من الثالث: "بعض الجسم ليس بقديم" وهو المطلوب.

والضرب الرابع: من سالبة جزئية صغرى وموجبة كليّة كبرى.. هكذا: "بعض الجسم ليس ببسيط، وكل قديم بسيط؛ فبعض الجسم ليس بقديم، بالخلف.. بضم نقيض النتيجة صغرى للكبرى، لينتج نقيض الصغرى المفروض الصدق. لا بعكس الكبرى، لصيرورتها جزئية.. ولا بعكس الصغرى، لأنها لا تقبل العكس. ولا بالافتراض لعدم تحقق وجود الموضوع، إلاّ إذا كانت مركبة.. فإذا كانت، نفرض الموضوع الحقيقي إنساناً.. فكل إنسان جسم، ولا شيء من الإنسان ببسيط.

فاجعل هذه المقدمة الثانية صغرى للكبرى، ثم اجعل نتيجتها كبرى للمقدمة الافتراضية الأولى.. هكذا: "كلُّ إنسان جسم، ولا شيء من الإنسان ببسيط"؛ فمن الشكل الثالث ينتج "بعض الجسم ليس بقديم".

وأما الشكل الثالث: فشرطه إيجاب الصغرى وكلية إحدى مقدمتيه للاختلاف عند الفقد. فبطريق التحصيل الصغرى الكيلة مع الكبريات الأربع.. والصغرى الموجبة الجزئية مع كلية الكبرى. ولا ينتج هذا الشكل إلا جزئيةً. فضروبه المنتجة ستة مرتبة على وفق شرف النتائج، والكبرى وأنفسها..

فالضرب الأول من موجبتين كليتين؛ ينتج موجبة جزئية، بالقياس المستقيم المركب. المركب من الشرطيات هكذا: "إذا صدق هذا الضرب، لزم النتيجة".. هذا المدعى نظري. دليله: لأنه إذا صدق الصغرى مع الكبرى، صدق لازم الصغرى مع الكبرى أيضاً. وإذا صدق لازم الصغرى مع الكبرى، حصل صورة الشكل الأول. وإذا حصل صورة الشكل الأول، فبالبداهة لزم هذه النتيجة. فإذا صدق هذه الضرب، صدق هذه النتيجة..

وبالخلف أيضاً. ومرجعه إلى قياسين: استثنائي غير مستقيم.. واقتراني مركبة منتجة للمقدمة الشرطية للقياس الاستثنائي. هكذا: إذا صدق هذا الضرب، لزم هذه النتيجة، لأنه إن لم يجب صدق هذه النتيجة، لزم المحال. لكن التالي باطل، فينتج بطلان عدم لزوم صدق النتيجة.

أما المقدمة الاستثنائية فبدهية.. وأما المقدمة الشرطية؛ فلأنه إذا لم يلزم صدق النتيجة، أمكن صدق نقيضها. ولو أمكن صدق نقيضها، لأمكن مع كل صادق، ومن الصادق الصغرى. ولو أمكن صدقه مع الصغرى، لأمكن حصول الشكل الأول المنتج لضدّ الكبرى، المفروض الصدق. فلو أمكن حصول شكل هكذا؛ لأمكن اجتماع الضدّين وهو محال.. فلو أمكن هكذا، لأمكن المحال.. وإمكان المحال محال.. فلو أمكن هكذا، لزم المحال؛ فينتج من المجموع المقدمة الشرطية في الاستثنائي.. وهو "فلو لم يلزم صدق النتيجة لزم المحال".

نحو: "كل مؤلّف جسم، وكل مؤلّف حادث؛ فبعض الجسم حادث".. بعكس الصغرى، ليرتدّ الأول. وبضم النتيجة، وهو: "لا شيء من الجسم بحادث" كبرى للصغرى.. وهي: "كل مؤلّف جسم" لينتج ضدّ الكبرى وهو: "لا شيء من المؤلّف بحادث".

الثاني: من كليّتين، والكبرى سالبة؛ ينتج سالبة جزئية لا كلية.. لجواز كون الأصغر أعم. كـ"كل مؤلّف جسم، ولا شيء من المؤلّف بقديم.. فبعض الجسم ليس بقديم".. بعكس الصغرى، ليرتدّ إلى الشكل الأول.. وبالخلف بضمّ نقيض النتيجة كبرى للصغرى، المنتج لضد الكبرى الصادق.

الثالث: من موجبتين، والصغرى جزئية؛ كـ"بعض المؤلّف جسم، وكل مؤلّف حادث" بالخلف، والعكسِ كما مرّ في الضرب الأول.. وبالافتراض بفرض الموضوع الحقيقي في "بعض المؤلّف جسم إنساناً، وكل إنسان مؤلّف.. وكل إنسان جسم"..

فاجعله المقدّمة الافتراضية الأولى صغرى للكبرى. هكذا: "كل إنسان مؤلّف، وكل مؤلّـف حـادث، فكل إنـسـان حـادث" ثم اجعل هـذه النتيجة كبرى للمقدمة الافتراضية الثانية: هكذا: "كل إنسان جسم، وكل إنسان حادث" فينتج بالضرب الأجلي هذه الشكل: "بعض الجسم حادث.."

واعلم أن الافتراض في الثالث عكس افتراض الثاني، فإن التصرّف هناك في المقدّمة الثانية وهنا في المقدمة الأولى.. وإن القياس الأول في افتراض الشكل الثاني أيضاً من الثاني. والقياس الثاني في افتراض الشكل الثالث أيضاً من الثالث.

والضرب الرابع: من موجبة جزئية صغرى، وسالبة كلية كبرى. نحو: "بعض المؤلّف جسم، ولا شيء من المؤلّف بقديم، فبعض الجسم ليس بقديم". بالقياس المستقيم الذي مرجعه "ثبوت الشيء مع الملزوم، يستلزم ثبوته مع اللازم".. وبالقياس الخفي الذي مرجعه "إثبات الشيء بإبطال نقيضه". وصورته: "قياس استثنائي غير مستقيم، يثبت مقدمته الشرطية باقترانيات مركبة". وبالافتراض ومرجعه: إخراج الموضوع الحقيقي، ثم حملُ عنواني الموضوع والمحمول كليّة عليه، ثم ضمُّ عقد الوضع إلى الكبرى. ثم ضمّ النتيجة إلى عقد الحمل، لينتج المطلوب.

الضرب الخامس: من موجبتين، والكبرى جزئية.. كـ"كل مؤلّف جسم، وبعض المؤلّف حادث" بالخلف كما مرّ. وبعكس الكبرى مع الترتيب.. وعكس النتيجة هكذا: إذا صدق هذا الضرب، صدق صغراه مع لازم كبراه.. فيصدق لازم الكبرى مع الصغرى أيضاً، فيستلزم بالشكل الأول ملزوم المطلوب.

وبالافتراض: بفرض موضوع الكبرى الجزئية "إنساناً".. "فكل إنسان مؤلّف، وكل إنسان حادث" فاجعل المقدمة الافتراضية الأولى صغرى للصغرى.. ثم ضم نتيجتها صغرى للمقدمة الافتراضية الثانية.

الضرب السادس: من موجبة كلية صغرى، وسالبة جزئية كبرى.. نحو: "كل مؤلّف جسم، وبعض المؤلّف ليس بقديم.. فبعض الجسم ليس بقديم" بالخلف -كما مرّ- دون العكس. لأن الكبرى لا تقبل العكس. وبعكس الصغرى يصير الدليل من جزئيتين.. ودون الافتراض أيضاً، لأن الكبرى الجزئية سالبة، لا تقتضي وجود الموضوع، إلاّ إذا كانت مركبة. والافتراض: إخراج الموضوع الحقيقي الموجود...

الشكل الرابع: أساسه:.......

 

(انتهيت من تصحيح هذا السفر النفيس المبارك منتصف ليلة الثالث من الشهر الحادي عشر لسنة تسع وألفين حوالي الساعة الثالثة ليلاً. وأعترف أنه بحاجة إلى إعادة الأنظار فيه، راجيا المولى الكريم أن يقيض له من يقوم بتنقيحه وتصحيحه على أكمل وجه حتى يسهل على المطالع الاستفادة منه. والله الموفق. أجير ايشيوق)

 

ملاحظة: لقد وجدنا قصاصات بين صفحات المخطوط فأحلناها إلى مواضعها من المتن إلاّ هذه الفقرة لم نجد لها محلاً:

وإلاّ لزم أن يكون مركباً. والحال أنه من أقسام المفرد. يعني أن مأخذ دلالته على الزمان هو الهيئة. وكذا الآخر، وهو أن يكون مأخذ دلالته على الحدث هو المادة. يعني أن الدلالة نشأت أولاً من هذين عليها، ثم توضع دفعة على مجموعه. أي المادّة والهيئة معاً.. وإلاّ لزم أن يكون الحجر والشجر دالاّن على الزمان. والمشهور في الجواب: إن المراد، الجزء المرتب في السمع. والهيئة من ضرب ليس مرتباً في المستمع بدفع المادّة.