تفسير الاية (25)

وَبَشِّر الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ اَنَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا

الانْهَارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذاَ الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ

وَاُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها اَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (25)

 

فاعلم! ان نظم هذه الآية كأخواتها بثلاثة وجوه: نظم المجموع بما قبله، والجمل بعضها مع بعض، والهيئات.

أما الأول: فاعلم! ان لمآلها ارتباطات متفاوتة مع الآيات السابقة، وخطوطا ممتدة بالاختلاف الى الجمل السالفة. ألا ترى ان القرآن الكريم لما أثنى في رأس السورة على نفسه وعلى المؤمنين بالايمان والعمل الصالح كيف أشار بهذه الآية الى نتيجة الايمان وثمرة العمل الصالح.. وكذا لما ذم الكفار وشنع على المنافقين وبين طريقهم المنجر الى الشقاوة الأبدية لوّح بهذه الآية الى نور السعادة الأبدية، فأراهم ليزيدوا حسرة على حسرة بفوات هذه النعمة العظمى.. ثم لما كلف بـ﴿يا ايها الناس اعبدوا﴾ - مع ان في التكليف مشقة وكلفة وترك اللذائذ العاجلة - فتح لهم ابواب الآجلة؛ فاراهم بهذه الآية تطمينا لنفوسهم وتأمينا لهم.. ثم لما اثبت التوحيد - الذي هو أول اركان الايمان الذي هو أساس التكليف - صرح في هذه الآية بثمرة التوحيد وعنوان الرحمة وديباجة الرضاء بإراءة الجنة والسعادة الأبدية.. ثم لما أثبت النبوّة - ثانية أركان الايمان - بالاعجاز بقوله ﴿وان كنتم في ريب﴾..الخ، أشار بهذه مع المطوي قبلها الى وظيفة النبوّة ومكلفية النبيّ وهي: الإِنذار والتبشير بلسان القرآن.. ثم لما اوعد وأرهب وانذر في سابقتها القريبة وعد ورغب وبشّر بهذه الآية بسر ان التضاد مناسبة.. وأيضاً ان الذي يُطيع(1) النفسَ، ويديم الاطاعة ويصيّر الوجدان مطيعا لحكم العقل؛ تهييجُ حسّ الخوف وحسّ الشوق معا بجمع الترغيب والترهيب؛ اذ حكم العقل وامره موقّت فلابد منوجود محرك آمر دائميّ في الوجدان.. وكذا لما أشار بالسابقة الى احد شقي الآخرة كمل بهذه الآية الشق الآخر وهو منبع السعادة الابدية.. وكذا لما لوح هناك بالنار الى جهنم صرح هنا بالجنة.

ثم اعلم! ان الجنة وجهنم ثمرتان تدلّتا الى الابد من شجرة الخلقة، ونتيجتان لسلسلة الكائنات، ومخزنان لانصباب الكائنات، وحوضان للكائنات الجارية الى الأبد. نعم! تتمخض الكائنات وتختلط بحركة عنيفة فتتظاهر الجنة وجهنم فتمتلئان.

وايضاحه: هو ان الله جل جلاله لما اراد ان يبدع عالماً للابتلاء والامتحان لحكم كثيرة تدقّ عن العقول، واراد تغيير ذلك العالم وتحوّله لحِكَم؛ مزج الشر بالخير وادرج الضر في النفع، وادمج القبح في الحسن؛ فوصلها بجهنم وأمدها بها. وساق المحاسن والكمالات تتجلى في الجنة. وأيضاً لما اراد تجربة البشر ومسابقتهم، وأراد وجود اختلافات وتغيرات فيهم في دار الابتلاء خلط الأشرار بالأبرار. ثم لما انقضى وقت التجربة وتعلقت الارادة بأبديتهم جعل الأشرار مظهر خطاب ﴿وَامْتَازُوا اْليَوْمَ اَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾(سورة يس:59). وصير الأبرار مظهر تلطيفِ وتشريف﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدينَ﴾(سورة الزمر:73) ولما امتاز النوعان تصفّت الكائنات فانسلّت مادة الضر والشر عن عنصر النفع والخير والكمال فاختارت جانبا.

والحاصل: انه لو امعن النظر في الكائنات صودف فيها عنصران أساسان وعرقان ممتدان اذا تحصلا وتأبدا صارا جنة وجهنم.

 

مـقـدمـة

هذه الآية مع ما قبلها اشارة الى القيامة والحشر، فمدار النظر في هذه المسألة أربع نقط:

إحداها: إمكان خراب العالم وموته..

والثانية: وقوعه..

والثالثة: التعمير والإِحياء..

والرابعة: وقوعه..

أما امكان موت الكائنات:

فاعلم! ان الشئ الداخل تحت قانون التكامل ففيه نشوء ونماء.. فله عمر طبيعيّ.. فله أجَلٌ فطريّ؛ لايخلص من حكم الموت؛ بدليل استقراء أكثر أفراد الأنواع. فكما ان الانسان عالم صغير لا خلاص له من الخرابية؛ كذلك العالم انسان كبير لامناص له من الموت البتة. وكما ان الشجر نسخة من الكائنات يعقبها التخريب والانحلال؛ كذلك سلسلة الكائنات من شجرة الخلقة لامناص لها من يد التخريب للتعمير. ولئن لم يَعرضْ عاصفةٌ او مرض خارجيّ بالارادة الأزلية قبل العمر الفطريّ، ولم يخرّبها صانُعها قبلَه لَيَجئُ بالضرورة وعلى كل حال حتى بالحساب الفنّي يومٌ يتحقق فيه ﴿اِذا الشّمْسُ كُوِّرَتْ واذا النجوم انكدرت﴾(سورة التكوير:1-2). و ﴿اذا السماء انشقت﴾(سورة الانشقاق:1). فيتظاهر في الفضاء سكرات الانسان الكبير بخرخرة(2) عجيبة وصوت هائل.

أما وقوعه:

فباجماع كل الاديان السماوية، وبشهادة كل فطرة سليمة، وباشارة تغيّر وتبدّلِ وتحوّلِ الكائنات. وان شئت ان تتصور سكرات العالم وخرخرته فاعلم! ان الكائنات قد ارتبطت بنظام علويّ دقيق، واستمسكت بروابط عجيبة فاذا صار جسم من الاجرام العلوية مظهر خطاب (كُن) او (اُخْرُج عَنْ مِحْوركَ) ترى العالم يشرع في السكرات، وترى النجوم تتصادم، وتتلاطم الاجرام فترعد وتصيح في الفضاء الغير المتناهي، ويضرب بعض وجه بعض، وترمي بشرر كأرضنا هذه بل أكبر. فكيف انت بخرخرة موتٍ صوتُها محصَّلُ ملايين مَرامي مدافع رصاصتُها الصغرى أكبر من الأرض؟.. فبهذا الموت تتمخض الخِلقة وتتميز الكائنات فتمتاز جهنم بعشيرتها

ومادتها، وتتجلى الجنة جامعة لطائفتها مستمدة من عناصرها.

فان قلت: لِمَ كانت الكائنات مغيَّرة موقّتة تخرب ثم تصير يوم القيامة مؤبدة محكمة ثابتة؟

قيل لك: ان الحكمة والعناية الازليتين لما اقتضتا التجربة والابتلاء، والنشوء والنماء في الاستعدادات، وظهور القابليات، وظهورالحقائق النسبية التي تصير في الآخرة حقائق حقيقية، ووجود مراتب نسبية، وحكم كثيرة لاتدركها العقول؛ جعل الصانع جل جلاله الطبائعَ مختلطةً، والمضارّ ممزوجة بالمنافع، والشرور متداخلة بين الخير، والمقابح مجتمعة مع المحاسن، فخمّرت يدُ القدرة الاضداد تخميراً فصيرت الكائنات تابعة لقانون التبدل والتغير والتحول والتكامل. فلما انسد ميدان الامتحان وانقضى وقت الابتلاء وجاء وقت الحصاد؛ أراد الصانع جل جلاله بعنايته تصفية الاضداد المختلطة للتأبيد، وتمييز أسباب التغير، وتفريق مواد الاختلاف؛ فتحصل جهنم بجسم محكم مظهراً لخطاب ﴿وامتازوا﴾ وتجلى الجنة بجسم مؤبد مشيد مع أساساتها.. بسر ان المناسبة شرط الانتظام، والنظام سبب الدوام. ثم انه تعالى اعطى بقدرته الكاملة لساكني هاتين الدارين الأبديتين وجوداً مشيداً لاسبيل للانحلال والتغير اليه، على ان التغير هنا المنجر الى الانقراض انما هو بتفاوت النسبة بين التركيب وما يتحلل. وأما هناك فلاستقرار النسبة يجوز التغير بلا انجرار الى الانحلال.

وأما النقطة الثالثة والرابعة: أعني امكان التعمير والحشر ووقوعه:

فاعلم! ان التوحيد والنبّوة لما لم يصح اثباتهما بالدليل النقليّ فقط للزوم الدور(3) أشار القرآن الى الدلائل العقلية عليهما. أما الحشر

فيجوز اثباته بالعقل والنقل:

أما العقليّ فراجع الى ما بيّنا بقدر الطاقة في تفسير ﴿وبالآخرة هم يوقنون﴾ حاصله: ان النظام والرحمة والنعمة انما تكون نظاماً ورحمة ونعمة ان جاء الحشر..

واما النقليّ فقول كل الانسان مع حكم القرآن المعجز بوقوعه. وأما النقليّ مع الرمز للعقليّ فراجع هذا الموضع من تفسير فخر الدين الرازي(4) فانه عدّد الآيات المثبتة للحشر.

والحاصل: انه ما من متأمل في نظائرِ وأشباهِ وأمثالِ الحشر في كثير من الانواع الاّ ويتحدس من تفاريق الامارات الى وجود الحشر الجسماني والسعادة الأبدية.

أما نظم جملها بعض مع بعض، فاعلم! ان السلك الذي نُظم فيه جواهر جمل هذه الآية وسلسلتها هي : ان السعادة الأبدية قسمان:

الأول اْلاَولى: رضاء الله تعالى وتلطيفه وتجلّيه وقربيته.

والثاني: السعادة الجسمانية وهي بالمسكن والمأكل والمنكح ومتممها ومكملها جميعاً هو الدوام والخلود.

ثم ان أقسام الاول مستغنية عن التفصيل أو غير قابلة.(5)

وأما أقسام الثاني: فالمسكن، ألطفه ما يجري الماء بين نباتاته. ألا ترى ان ملهم الشعر ومفيض العشق في القلوب انما هو خشخشة(6) الماء وخريره وكشكشة(7) الانهار وصفيرها تحت القصور وبين البساتين..

والمأكل الرزق ولأنه تفكه يكون كمال لذته فيما حصل به الأُلفة والانسية، ولأنه تفكه يكون كمال لذته في التجدد من جهة؛ اذ بحكم المألوفية يُعرف درجة علوّ النعمة وتفوقها على نظيرها. وكذا من مكملات اللذة ان يُعرف انه جزاء عمله.. ومنها ان يكون منبعه ومخزنه حاضراً نصب العين لتحصل لذة الاطمئنان..

وأما المنكح، فاعلم! ان من اشدّ حاجات الانسان وجود قلب مقابلا لقلبه لمداولة المحبة ومبادلة العشق والمؤانسة والتشارك في اللذة، بل التعاون في أمثال الحيرة والتفكر. ألا ترى ان من رأى ما يتحير فيه أو يتفكر في أمر عجيب يدعو ولو ذهنا من يعينه في تحمل الحيرة. ثم انّ ألطف القلوب وأشفقها واحرّها قلب القسم الثاني. ثم ان متمم الامتزاج الروحيّ ومكمّل الاستيناس القلبيّ، ومصفى الاختلاط الصوريّ كون القسم الثاني مبرأة ومطهرة من الأخلاق السيئة والعوارض المنفرة.

فإن قلت: ان الأكل لبقاء الشخص؛ اذ به يحصل تعمير ما يتحلل، وان النكاح لبقاء النوع مع ان الأشخاص في الآخرة مؤبّدون لا يقع فيهم التحويل والانحلال وكذا لاتناسل في الآخرة؟

قيل لك: ان فوائد الأكل والنكاح ليست منحصرة في البقاء والتناسل بل فيهما لذة عظيمة في هذا العالم الألميّ. وكيف لايكون فيهما في عالم السعادة واللذة لذات عالية منزهة؟

فان قلت: ان اللذة هنا دفع الألم؟

قيل لك: ان دفع الالم سبب من أسباب اللذة.. وأيضاً قياس العالم الأبديّ على هذا العالم قياس مع الفارق، بل ان النسبة بين حديقة (خُورْخُورْ)(8) هذه وتلك الجنة العالية هي النسبة بين لذائذ الآخرة ونظائرها في هذا العالم. فكما تفوق تلك الجنة على الحديقة بدرجات غير محصورة؛ كذلك هذه.. والى هذا التفاوت العظيم اشار ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بقوله: (ليس في الجنة الا اسماءها)(9) أي ثمرات الدنيا.

أما الخلود ودوام اللذة، فاعلم! ان اللذة انما تكون لذة حقيقية ِان لم ينغّصها الزوالُ؛ اذ كما ان دفعَ الالم لذةٌ أو سببٌ لها، كذلك زوال اللذة ألم بل تصوّرُ زوالِ اللذةِ ألمٌ أيضاً. حتى ان مجموع اشعار العشاق المجازيين انما هي انين ونياح من هذا الألم. وان ديوان كل عاشق غير حقيقي انما هو بكاء وعويل من هذا الألم الناشئ من تصور زوال المحبوب.. نعم، ان كثيراً من اللذائذ الموقّتة اذا زالت اثمرت آلاما مستمرة كلما تذكرها(10) يفور مِن فيه: (ايواه!) واأسفا! المترجمَيْنِ عن هذا الألم الروحانيّ. وان كثيراً من الآلام اذا انقضت اولدت لذّات مستمرة كلما تذكرها الشخص وهو قد نجا يتكلم بـ(الحمد لله) الملوِّح لنعمة معنوية.

أجل! ان الانسان مخلوق للأبد فانما تحصل له اللذة الحقيقية في الأمور الأبدية كالمعرفة الالهية والمحبة والكمال والعلم وأمثالها.

والحاصل: ان اللذة والنعمة انما تكونان لذة ونعمة ان كانتا خالدتين.

واذا رأيت هذا السلك فانظم فيه جمل الآية.

أما جملة ﴿وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ فاعلم! انه تعالى لما كلف الناس، وأثبت النبوّة، وكلف النبيّ بالتبليغ أمره بالتبشير تأميناً لامتثال التكليف الذي فيه مشقة وترك للّذائذ الدنيوية. فكما انه مأمور بالانذار؛ كذلك مأمور بالتبشير برضاء الله تعالى وتلطيفه وقربيته وبالسعادة الأبدية.

وأما جملة ﴿ان لهم جنات تجري﴾ فاعلم! كما مر ان اوّل حاجات الانسان الضرورية - لأنه جسم - المكان والمسكن؛ وان أحسن المكان هو المشتمل على النباتات والأشجار، وان الطفه هو الذي يتسلل بين خضراواته الماء، وان اكمله هو الذي تجري بين أشجاره وتحت قصوره الأنهار بكثرة. فلهذا قال ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾.. ثم ان اشد الحاجات كما سمعت آنفاً بعد المكان واكمل اللذائذ الجسمانية هو الاكل والشرب اللذين يشير اليهما الجنة والنهر.. ثم ان اكمل الرزق هو ان يكون مألوفاً ومأنوساً ليعرف درجة تفوقه على نظيره.. وألذّ الفاكهة ان تكون متجددة.. وان اصفى اللذة هو أن يكون المقتطَف معلوماً وقريباً.. وان ألذّها ان يعرف انها ثمرة عمله. فلهذا قال: ﴿كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل﴾ أي في الدنيا أو قبل هذا الآن.

وأما ﴿وأتوا به متشابها﴾ فاعلم! ان في الحديث: ان صورتها واحدة والطعم مختلف(11). فتشير الآية الى لذة التجدد في الفاكهة.. وان كمال اللذة ان يكون الشخص مخدوما يؤتى اليه. وأما جملة ﴿ولهم فيها أزواج مطهرة﴾ فاعلم! كما رأيت في السلك ان الانسان محتاج لرفيقة وقرينة يسكن اليها وينظر بعينها وتنظر بعينه ويستفيد من المحبة التي هي ألطف لمعات الرحمة. ألا ترى ان الأنسية التامة هنا بهن؟ وأما جملة ﴿وهم فيها خالدون﴾ فاعلم! ان الانسان اذا صادف نعمة او اصاب لذة فأول ما يتبادر لذهنه: أتدوم أم تُنَغَّص بزوال؟ فلهذا أشار الى تكميل النعمة بخلود الجنة ودوامهم وازواجهم فيها ودوام اللذائذ واستمرار الاستفادة بقوله: ﴿وهم فيها خالدون﴾.

أما نظم هيئات جملة جملة:

فجملة ﴿وبشّر الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ الواو فيها - بسر المناسبة بين المتعاطفين - اشارة الى (انذر) الذي يتقطر من أنف السابقة.. وأما (بشّر) فرمز الى ان الجنة بفضله تعالى لا واجب عليه.. وكذا الى ان لابد ان لا يكون العمل لأجل الجنة.. وأما صورة الأمر في (بشّر) فايماء الى (بلّغ مبشراً) فانه مكلَّف بالتبليغ..

واما ﴿الذين آمنوا﴾ بدل (المؤمنين) الأقصر فتلويح الى (الذين) الذي مرّ في رأس السورة ليكون تفصيله هناك مبيِّنا لما اجمل هنا.. واما ايراد (آمنوا وعملوا) على صيغة الماضي هنا، مع ايراد (يؤمنون) و (ينفقون) هناك بصيغة المضارع فللإشارة الى ان مقام المدح والتشويق على الخدمة شأنه المضارع. وأما مقام المكافأة والجزاء فالمناسب الماضي، اذ الاجرة بعد الخدمة..

وأما واو ﴿وعملوا﴾ فاشارة بسر المغايرة الى ان العمل ليس داخلا في الايمان كما قالت المعتزلة. والى ان الايمان بغير عمل لا يكفي. ولفظ العمل رمز الى ان ما يبشر به كالاجرة..

أما ﴿الصالحات﴾ فمبهمة ومجملة. قال (شيخ محمد عبده المصريّ)(12) الاطلاق هنا حوالة على الاشتهار وتعارف الصالحات بين الناس. أقول: وكذا اطلقت اعتماداً على رأس السورة.

وأما جملة ﴿ان لهم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ فاعلم! ان هيئاتها - من تحقيق (انّ) وتخصيص (اللام) وتقديم (لهم) وجمع (الجنة) وتنكيرها وذكر الجريان وذكر (من) مع (تحت) وتخصيص (نهر)(13) وتعريفه - تتعاون وتتجاوب على امداد الغرض الاساسيّ الذي هو السرور ولذة المكافأة كالأرض النشفة الرطبة ترشح بجوانبها الحوض المركزيّ. لأن ﴿انّ﴾ اشارة الى ان البشارة بما هو في هذه الدرجة من العظمة يتردد فيها العقل فتحتاج الى التأكيد.. وأيضاً من شأن مقام السرور طرد الأوهام؛ اذ طَرَيان ادنى وهميكسر الخيال ويطير السرور.. وكذا ايماء الى ان هذا ليس وعداً صرفا بل حقيقة من الحقائق. ولام ﴿لهم﴾ اشارة الى الاختصاص والتملك والاستحقاق الفضليّ لتكميل اللذة وزيادة السرور. والاّ فكثيراً ما يضيف مَلِكٌ مسكيناً.. وتقديم ﴿لهم﴾ اشارة الى اختصاصهم بين الناس بالجنة، اذ ملاحظة حال أهل النار سبب لظهور قيمة لذة الجنة.. وجمع ﴿جنّات﴾ اشارة الى تعدد الجنان وتنوع مراتبها على نسبة تنوع مراتب الأعمال.. وكذا رمز الى ان كل جزء من الجنة جنة.. وكذا ايماء الى ان ما يصيب حصة كل - لوسعته - كأنه كالجنة بتمامها لا كأنه يساق بجماعتهم الى موضع.. وتنكير ﴿جنّات﴾ يتلو على ذهن السامع: (فيها ما لا عين رأت، ولا اذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)(14). وكذا يحيل على أذهان السامعين حتى يتصورها كلٌ على الطرز الذي يستحسنه.. وكذا كأن التنوين بدل ﴿وفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الاَنْفُسُ﴾(سورة الزخرف:71). وأما ﴿تجري﴾ فاعلم! ان أحسن الرياض ما فيها ماء. ثم أحسنها ما يسيل ماؤها. ثم أحسنها ما استمر السيلان. فبلفظ ﴿تجري﴾ أشار الى تصوير دوام الجريان.. واما ﴿من تحتها﴾ فاعلم! ان أحسن الماء الجاري في الخضراوات ان ينبع صافيا من تلك الروضة، ويمر مُتَخَرْخِراً تحت قصورها، ويسيل منتشراً بين أشجارها فاشار بـ﴿من تحتها﴾ الى هذه الثلاثة.. وأما ﴿الأنهار﴾ فاعلم! ان أحسن الماء الجاري في الجنان ان يكون كثيراً. ثم أحسنه ان تتلاحق الأمثال من جداوله. فان بتناظر الأمثال يتزايد الحسن على قيمة الأجزاء. ثم أحسنه ان يكون الماء عذباً فراتا لذيذاً كما قال ﴿ماءٍ غَيْر آسِنٍ﴾(سورة محمد:15) فبلفظ (نهر) وجمعه وتعريفه أشار الى هذه.

أما جملة ﴿كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل﴾ فاعلم! ان هيئاتها تتضمن كثيرة من الجمل الضمنية. فاستينافها جواب لسؤال مقدروذلك السؤال ممزوج من ثمانية اسئلة متسلسلة؛ اذ لما بشروا بمسكن هكذا عال يتبادر لذهن السامع: أفيه رزق أم لا ؟ واذا كان فيه رزق فمن اين يجئ ويحصل ؟ واذا حصل من تلك الجنة فمن أي شئ منها ؟ واذا كان من ثمرتها فهل هي تشبه ثمار الدنيا ؟ واذا شابهتها فهل يشبه بعضها بعضا ؟ واذا تشابهت فهل تختلف طعومها ؟ واذا اختلفت وقد قطعت فهل تنقص ام يمتلء موضعها؟ واذا تبدلت بأخرى فهل يدوم الأكل منها؟ واذا دام فما حال الآكلين أفلا يستبشرون؟ واذا استبشروا فماذا يقولون؟ واذ تفطنت لهذه الأسئلة فانظر كيف أجاب القرآن الكريم عن هذه الأسئلة المتسلسلة بهيئات هذه الجملة..

أما لفظ ﴿كلما﴾ فاشارة الى الدوام والتحقيق.. وماضوية ﴿رزقوا﴾ اشارة الى تحقيق الوقوع.. وكذا ايماء الى اخطار نظيره من رزق الدنيا الى ذهنهم.. وايراده على بناء المفعول اشارة الى عدم المشقة وانهم مخدومون يؤتى اليهم.. وايثار ﴿منها من ثمرة﴾ على (من ثمراتها) للتنصيص على جوابين عن سؤالين من الأسئلة المذكورة. وتنكير ﴿ثمرة﴾ المفيد للتعميم اشارة الى انه أية ثمرة كانت فهي رزق.. وتنكير ﴿رزقا﴾ اشارة الى انه ليس من الرزق الذي تعلمونه لدفع الجوع.. ولفظ ﴿قالوا﴾ أي يتقاولون بعضهم لبعض ايماء الى الاستبشار والاستغراب اللازمين للحكم.

أما جملة ﴿هذا الذي رزقنا من قبل﴾ فاعلم! ان هذا الاطلاق يتضمن أربعة معان:

أحدها: ان هذا ما رزقنا من العمل الصالح في الدنيا فبشدة الارتباط بين العمل والجزاء كأن العمل تجسم في الآخرة ثواباً. ومن هنا الاستبشار.

والثاني: ان هذا ما رزقنا من الأطعمة في الدنيا مع هذا التفاوت العظيم بين طعميهما. ومن هنا الاستغراب.

والثالث: ان هذا مثل ما أكلنا قبل هذا الآن مع اتحاد الصورة واختلاف المعنى لجمع لذّتَي الالفة والتجدد. ومن هنا الابتهاج.

والرابع: ان هذه التي على أغصان الشجرة هي التي أكلناها اذ ينبت بدلها دفعة فكأنها اياها. ومن هنا يعرف انها لا تنقص.

وأما جملة ﴿وأتوا به متشابها﴾ فاعلم! انها فذلكة وتذييل واعتراضية لتصديق الحكم السابق وتعليله.. وبناء المفعول في ﴿اُتوا﴾ اشارة الى ان لهم خَدَمَة.. وفي ﴿متشابها﴾ ما عرفت من الاشارة الى جمع اللذتين:

وأما جملة ﴿ولهم فيها أزواج مطهرة﴾ فاعلم! ان الواو بسر المناسبة العطفية اشارة الى انهم كما يحتاجون الى المسكن لأجسامهم يفتقرون الى السكن لأرواحهم.. ﴿ولهم﴾ اشارة الى الاختصاص والتملك، ورمز الى التخصيص والحصر، وايماء الى ان لهم غير النساء الدنيوية حوراً عيناً خلقن لأجلهم.. و﴿فيها﴾ اشارة الى ان تلك الأزواج لائقة بتلك الجنة فعلى نسبة علوّ درجاتها يفوق حسنهن.. وكذا فيها ايماء خفي الى أن الجنة تزينت وتبرجت بهن(15).. و﴿مطهرة﴾ اشارة الى أن مطهِّراً طهرهن، فما ظنك بمن طهّرهُن ونزههن يد القدرة؟.. وكذا ايماء بالتعدية ان نساء الدنيا يطهرن ويصفين فيصرن حساناً كالحور العين المتطهرات في أنفسهن.

وأما جملة ﴿وهم فيها خالدون﴾ فاشارة الى انهم، وكذا أزواجهم، وكذا لذائذ الجنة، وكذا الجنة كافةً؛ أبدية.

_________________________________

(1) يطيع يطوع أي يجعلها مطيعة - المؤلف.

(2) خرخرة: صوت النائم، استعمله للمحتضر (ش)

(3) حيث ان صحة الدلائل النقلية -القرآن والحديث- مرتبطة بصحة النبوة وصدقها، فإذا ما اثبتت النبوة ايضاً بالدلائل النقلية، يلزم المحال وهو الدور والتسلسل، لذا أشار القرآن...الخ (ت:63).

(4) (1149-1209م) متكلم وفيلسوف ومفسر القرآن، لقب بشيخ الاسلام وانقطع في اواخر ايامه للوعظ وتلاوة القرآن منصرفاً عن المجادلات الكلامية، له مصنفات كثيرة اهمها (مفاتيح الغيب) تفسير للقرآن الكريم و(لباب الاشارات) و(شرح ديوان سقط الزند) لابى العلاء المعري.

(5) غير قابلة للتفصيل.

(6) صوت السلاح او الحلى عند اصطكاكه.

(7) صوت جلد الحية حين المرور، استعمله المؤلف لصوت مرور الماء كالحية (ش)

(8) حديقة خورخور: مكان يقع تحت قلعة مدينة (وان) وفيها مدرسة المؤلف.

(9) (ليس في الدنيا ممافي الجنة الا الاسماء) او الفاظ مقاربة والمعنى واحد، انظر تفسير ابن كثير 1/63، تفسير القرطبى 1/240، الطبرى 1/135 فتاوى ابن تيمية 3/28، المطالب العالية لابن حجر برقم 4692، فتح القدير للشوكانى 1/55.

(10) تذكرها الانسان.

(11) اخرجه ابن جرير عن يحيى بن كثير (ب)

(12) (1849-1905م) محمد عبده بن حسن خيرالله من آل التركماني، مفتى الديار المصرية. ولد في شنرا (من قرى الغربية بمصر)، وتعلم بالجامع الاحمدى بطنطه ثم بالازهر وعمل في التعليم، وكتب في الصحف. اصدر مع جمال الدين الافغاني جريدة (العروة الوثقى) في باريس ثم عاد الى بيروت، فاشتغل بالتدريس والتأليف، دفن في القاهرة، له (تفسير القرآن الكريم) لم يتمه، و (رسالة التوحيد) و (شرح نهج البلاغة).. (الاعلام 6/252).

(13) وجمعه وتعريفه (ش)

(14) عن ابى هريرة رضى الله عنه، قال: قال رسول اللهy: قال الله عز وجل: اعددتُ لعبادى الصالحين ما لاعين رأت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، واقرأوا ان شئتم ﴿فلا تعلم نفس ما اخفي لهم من قرة اعين﴾(السجدة:17). رواه البخارى ومسلم برقم 2824 ولم يذكر الآية، والترمذي 3195 (تحقيق احمد شاكر) وزاد نسبته في صحيح الجامع الصغير 4183 لأحمد والنسائي وابن ماجه..

(15) اين تحليل لفظ (ازواج)؟ لعله سقط من ايدى النسّاخ. أفيمكن ان أقول:

وعنوان (ازواج) اشارة الى انهن على حسن الخلق وطيب الطبيعة الذى هو رأس الالفة واساس الازدواج.. وايضاً فيه رمز لطيف الى انهن على وفق قاماتهم. وجمع (أزواج) ايماء الى ان لكلٍ ازواجاً كثيرة - كما بينه الحديث - لا واحدة او اثنتين. وتنكيرها اشارة الى انهن لحسنهن وطهرهن حريّات باسم الازواج. وكذا احالة على ذوق السامع واشتهائه نظير ما مرّ في (جنات). وكذا كأن التنوين بدل ﴿عُرباً اتراباً﴾ (ش).