جوانب من حياة بديع الزمان

احسان قاسم الصالحي   

مركز بحوث رسائل النور 

استانبول         

 

إن حياة بديع الزمان سعيد النورسي حافلة بالأحداث الجسام إلا أننا نوجزها بالآتي فنقول:

إنه عاصر عهد السلطان عبد الحميد الثاني وفترة الإتحاد والترقي وأحداث الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية ثم العهد الجمهوري والحزب الواحد الحاكم ثم فترة تعدد الأحزاب وحياة ديمقراطية في البلاد.

فقد ولد سعيد النورسي سنة 1293 هـ (1876م) في قرية (نورس) التابعة لولاية بتليس شرقي الأناضول. وتتلمذ على أخيه الكبير (الملا عبد الله) واقتصرت دراسته في هذه الفترة على الصرف والنحو، ثم بدأ يتنقل في القرى والمدن بين الأساتذ والمدارس، ويتلقى العلوم الإسلامية من كتبها المعتبرة بشغف عظيم، يرفده ذكاؤه المشرق، الذي اعترف به أساتذته جميعهم بعد إمتحانات صعبة، كان يجريها له كل منهم، واجتمع له مع الذكاء قوة الحافظة، حتى أنه درس وحفظ كتاب (جمع الجوامع) في أصول الفقه في أسبوع واحد.

ولم تلبث شهرة هذا الشاب ان انتشرت بعد ان فاق في مناقشاته علماء منطقته جميعا، فسموه (سعيد المشهور). ثم ذهب إلى مدينة (تللو) حيث اعتكف مدة في إحدى الزوايا، وحفظ هناك القاموس المحيط للفيروزابادي إلى باب السين.

وفي سنة 1892م ذهب إلى (ماردين) ؛ حيث بدأ يلقي دروسه في جامع المدينة ويجيب عن أسئلة الناس، فوشي به إلى الوالي فأصدر أمرا بإخراجه، وسيق إلى (بتليس). فلما عرف واليها حقيقة هذا الشاب العالم ألح عليه ان يقيم معه، وهناك وجد الفرصة سانحة لمطالعة الكتب العلمية، لاسيما علم الكلام والمنطق وكتب التفسير والحديث الشريف والفقه والنحو، حتى بلغ محفوظه من متون هذه العلوم نحو ثمانين متنا.

ثم ذهب إلى مدينة (وان) سنة 1894م وانكب فيها بعمق على دراسة كتب الرياضيات والفلك والكيمياء والفيزياء والجيولوجيا والفلسفة والتاريخ ؛ حتى تعمق فيها إلى درجة التأليف في بعضها وذلك حينما احس في أثناء مجالسته مع بعض المثقفين أنه بحاجة إلى الاغتراف من تلك العلوم فأطلق عليه أهل العلم (بديع الزمان) اعترافا منهم بذكائه الحاد وعلمه الغزير واطلاعه الواسع.

كان الفكر المادي قد بدأ يجتاح العالم كله، ووجهت العلوم الحديثة وجهة بعيدة عن الدين بل مناهضة له. وأخذ العالم الإسلامي يئن تحت وطأة هذا الغزو الفكري. والدولة العثمانية لم تعد قادرة بمؤسساتها القديمة على الوقوف أمامه، وحل المشكلات المستعصية التي أفرزه. وبلغ الأمر إلى الهجوم على القرآن الكريم نفسه، حتى نشر في الصحف المحلية أن وزير المستعمرات البريطاني (غلادستون) قد صرح في مجلس العموم البريطاني مخاطبا النواب قائلا : (ما دام القرآن بيد المسلمين فلن نستطيع أن نحكمهم، لذلك فلا مناص لنا من أن نزيله من الوجود او نقطع صلة المسلمين به). زلزل هذا الخبر كيان بديع الزمان وأقض مضجعه فعلم ان القرآن مستهدف، فأعلن لمن حوله : (لأبرهنن للعالم بأن القرآن شمس معنوية لايخبو سناها ولايمكن إطفاء نورها). فشد الرحال إلى إستانبول عام 1907م، وقدم مشروعا إلى السلطان عبد الحميد الثاني لإنشاء جامعة إسلامية في شرقي الأناضول، أطلق عليها اسم (مدرسة الزهراء)-على غرار الأزهر الشريف- تنهض بمهمة نشر حقائق الإسلام وتدمج فيها الدراسة الدينية مع العلوم الكونية الحديثة وفق مقولته :(ضياء القلب هو العلوم الدينية، ونور العقل هو العلم الحديثة، فبإمتزاجهما تتجلى الحقيقة، وبإفتراقهما تتولد الحيل والشبهات في هذا، والتعصب الذميم في ذاك)  .

وكانت شهرته العلمية قد سبقته إلى هناك فتجمع حوله الطلبة والعلماء يسألونه وهو يجيب في كل فن بغزارة نادرة. فاعترف له الجميع بالإمامة وبانهم لم يشاهدوا في علمه وفضله أحدا، حتى أن احدهم عبر عن إعجابه الشديد بعد ان اختبره اختبارا دقيقا، قال : (إن علمه ليس كسبيا، وإنما هو هبة إلهية، وعلم لدني).

وفي سنة 911م ذهب إلى بلاد الشام، وألقى خطبه بليغة من على منبر الجامع الأموي دعا فيها المسلمين إلى اليقظة والنهوض، وبين فيها أمراض الأمة الإسلامية وسبل علاجها، ثم رجع إلى استانبول وعرض مشروعه بخصوص الجامعة الإسلامية على السلطان رشاد، فوعده السلطان خيرا، وفعلا خصص المبلغ فشرع بوضع الحجر الأساس للجامعة على ضفاف بحيرة (وان)، غير أن الحرب العالمية الأولى حالت دون إكمال المشروع.

وعلى الرغم من معارضة سعيد النورسي لدخول الدولة العثمانية الحرب، فإنه حالما أعلنت شكل من طلابه والمتطوعين فرق "الأنصار" وخاضوا غمار الحرب ضد روسيا القيصرية المهاجمة من جهة القفقاس، وألف في خضم المعارك تفسيره القيم (إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز) باللغة العربية، وعندما دخل الجيش الروسي مدينة (بتليس) كان بديع الزمان يدافع مع طلابه عن المدينة دفاعا مستميتا، حتى أنه جرح جرحا بليغا، وأسر من قبل الروس وسيق إلى معتقلات الأسرى في قوصتورما.. (في سبيريا). وهناك استمر على إلقاء دروسه الإيمانية على الضباط الذين كانوا معه والبالغ عددهم (90) ضابطا. وبعد نشوب الثورة البلشفية والاضطرابات التي نجمت منها تمكن من الهروب من الأسر بأعجوبة نادرة وبعناية ربانية واضحة. مارا في طريقه بوارشو وألمانيا وفينا. وعندما وصل إلى استانبول منح وسام الحرب، واستقبل إستقبالا رائعا من قبل الخليفة وشيخ الإسلام والقائد العام وطلبة العلوم الشرعية. وكلفته الدولة بتسنم بعض الوظائف، رفضها جميعا إلا ما عينته له القيادة العسكرية من عضوية في (دار الحكمة الإسلامية)، التي كانت لاتوجه إلا لكبار العلماء، فنشر في هذه الفترة أغلب مؤلفاته.

وبعد دخول الغزاة إلى استانبول احس النورسي ان طعنة كبيرة وجهت إلى العالم الإسلامي، ولذك شمر عن ساعد الجد، ونشر رسالة (الخطوات الست) سرا هاجم فيها الغزاة بشدة، وأزال دواعي اليأس الذي خيم على كثير من الناس. حتى حكم عليه بالإعدام غيابيا من قبل الغزاة الإنكليز.

ولشهرته الواسعة وجهاده المتواصل دعي إلى أنقرة عدة مرات. ويصف دعوته هذه بالآتي:

"دعيت لزيارة أنقرة سنة (1922م) وشاهدت فرح المؤمنين وابتهاجهم باندحار اليونان أمام الجيش الإسلامي، إلا أنني أبصرت-خلال موجة الفرح هذه- زندقة رهيبة تدب بخبث ومكر، وتتسلل بمفاهيمها الفاسدة إلى عقائد أهل الإيمان الراسخة بغية إفسادها وتسميمها.. فتأسفت من أعماق روحي، وصرخت مستغيثا بالله العلي القدير..."  .

وهناك وجد أن معظم أركان الدولة لايؤدون حتى الفرائض الدينية، فوجه إلى المجلس النيابي (مجلس المبعوثان) بيانا مؤثرا إستهله بـ"أيها المبعوثون إنكم لمبعوثون ليوم عظيم". وحصلت بينه وبين مصطفى كمال مشادة قوية. وعرض على المجلس أيضا مشروع إنشاء الجامعة الإسلامية فلقي القبول، إلا أن ظروفا سياسية حالت دون إكمال المشروع.

تيقن بديع الزمان أن الإصلاح لايمكن أن يتم في الأروقة السياسية مع فساد الأسس وضعف الإيمان. فتوجه إلى مدينة (وان) سنة 1923م، واعتزل الناس في جبل (أرك) القريب منها، طوال سنتين متعبدا ومتأملا. وفي هذه الفترة تشكلت الحكومة الجمهورية   بعد إلغاء الخلافة  . ثم قام الشيخ (سعيد بيران النقشبندي) بالثورة ضد السلطة آنذاك  ، وأشار إليه بديع الزمان أن يعدل عن موقفه هذا حيث ستسفك دماء بريئة، ولكنه لم ينتصح بنصيحته، وفعلا أريقت دماء زكية دون جدوى. وأخمدت الثورة، وعلى إثرها سنت القوانين واتخذت القرارات لقلع الإسلام من جذوره وإخماد جذوة الإيمان في قلب الأمة التي رفعت راية الإسلام طوال ستة قرون من الزمان. فمنع تدريس الدين في المدارس كافة، وبدلت الأرقام والحروف العربية في الكتابة إلىالحروف اللاتينية، وحرم الأذان الشرعي وإقامة الصلاة باللغة العربية، وجرت محاولات ترجمة القرآن الكريم وسعي لقراءة الترجمة في الصلوات. كما أعلنت علمانية الدولة، فمنع القيام بأي نشاط أو فعالية في صالح الإسلام، إذ حظر طبع الكتب الإسلامية، وأرغم الناس على تغيير الزي إلى الزي الأوروبي، فالرجال أرغموا على لبس القبعة والنساء على السفور والتكشف.. وشكلت محاكم زرعت الخوف والإرهاب في طول البلاد وعرضها، ونصبت المشانق لعلماء أجلاء، ولكل من تحدثه نفسه بالإعتراض على السلطة الحاكمة.

ورغم موقف بديع الزمان ذاك من الثورة، إلا انه لم ينج من شرارة الفتن والإضطرابات فنفي مع الكثيرين إلى غربي الأناضول، إلى مدينة (بوردور). ثم نفي وحده إلى ناحية نائية وهي (بارلا) في جنوب غربي الأناضول ووصل إليها سنة 1927م.

ظن أعداء الإيمان سيقضى عليه في (بارلا) تلك القرية النائية، ويخمد ذكره ويطويه النسيان ويجف هذا النبع الفياض. ولكن الله سبحانه وتعالى لطيف بعباده، فرعاه بفضله وكرمه، حتى غدت (بارلا) مصدر إشعاع عظيم لنور القرآن الكريم، إذ ألف الأستاذ النورسي هناك معظم (رسائل النور). وتسربت هذه الرسائل عن طريق الإستنتساخ اليدوي سرا، وانتشرت من أقصى تركيا إلى أقصاها.

ولإلتزامه هو وطلابه بالأذان الشرعي والحروف العربية ولإنتشار الرسائل الإيمانية الواسع. سيقوا من منفى إلى آخر، وزجوا في السجون والمعتقلات في عديد من ولايات تركيا طوال ربع قرن من الزمن، فكان المولى القدير يقيض لهذه الرسائل القرآنية من يستنسخها، وينشر هذا الفيض الإيماني، حتى أيقظت روح الإيمان الراكدة لدى أهل الإيمان، وأرستها على دعائم علمية ومنطقية في غاية البلاغة بحيث يفهمه العوام ويتزود منه الخواص.

 وهكذا استمر الأستاذ النورسي على تأليف رسائل النور حتى سنة 1950م فأصبحت في (130) رسالة، جمعت تحت عنوان (كليات رسائل النور). ولم تتيسر لها أن ترى طريقها إلى المطابع إلا بعد سنة 1954م وكان يشرف بنفسه على الطبع حتى كمل طبع الرسائل جميعها.

لبى الأستاذ النورسي نداء ربه الكريم في الخامس والعشرين من رمضان المبارك سنة 1379هـ الموافق 23 آذار 1960م في مدينة (أورفة). ولكن السلطات العسكرية الحاكمة لم تدعه يرتاح حتى في قبره، إذ قاموا-في أوائل شهر تموز-بنبش قبره ونقل رفات هذا العالم الجليل بالطائرة إلى جهة مجهولة، بعد أن أعلنوا منع التجول في مدينة (أورفة) وملؤوها بالجنود المدججين بالسلاح.

تغمده الله برحمته الواسعة وأسكنه فسيح جناته.

سعيد القديم وسعيد الجديد:

يطلق الأستاذ النورسي على نفسه "سعيد القديم" قبل تأليفه لرسائل النور (سنة 1927م) حيث كان يأمل ان الإصلاح وخدمة الدين يمكن ان يكون في بعث الروح في مؤسسات الدولة الإجتماعية والدينية بالطرق السياسية. بينما يعد نفسه بعد تلك السنة "سعيدا الجديد" الذي تولى مهمة إنقاذ الإيمان وترسيخه في القلوب والأذهان، باسلوب منطقي علمي قلبي فطري برسائل النور المستلهمة من فيض القرآن الكريم، وبالالتزام التام بالإخلاص لله، بعيدا عن الأجواء السياسية.

آثـــــاره :

ترك الأستاذ النورسي وراءه موسوعة ايمانية رائعة تسد حاجة هذا العصر وتخاطب مدارك ابنائه، تلك هي "رسائل النور" التي استقاها من فيض نور القرآن الكريم، فهي :

تفسير شهودي للقرآن الكريم، يعتمد على حقائق الآيات الكريمة، وإثبات معانيها، بتوضيحها من خلال استشهادات يتحاور فيها العقل والقلب، وتمتزج فيها الروح واللطائف الأخرى. فهي تفسير لمعاني القرآن الكريم أكثر مما هو تفسير لألفاظ الآيات الكريمة وعباراتها، تعالج القضايا والمقاصد الأساسية التي يدور عليها القرآن الكريم وهي : التوحيد والنبوة والآخرة والعدالة. وتدحض في الوقت نفسه اباطيل الفلاسفة الاوربيين وشبهات اعداء الإيمان حول القرآن والإيمان من أساسها، وتثبت حقائق القرآن والإيمان وأركانه بدلائل قاطعة وأدلة رصينة وأمثلة واقعية قريبة.

1- آثار سعيد القديم :

التي طبعت منها باللغة العربية :

1- الخطبة الشامية-دواء اليأس-(ط. 1911 و1912)

2- رجتة العوام ورجتة العلماء (صيقل الإسلام) (ط. 1912)

3- اشارات الاعجاز في مظان الإيجاز (ط. 1918)

4- قزل إيجاز على السلم (ط. 1921)

5- لمعات من التوحيد الحقيقي، رشحات من بحر معرفة النبي (ص)، لاسيما (ط. 1921)

6- قطرة من بحر التوحيد وذيل القطرة (ط. 1922)

7- شمة من نسيم هداية القرآن وذيل الشمة (ط.1922)

8- حبة من نواتات ثمرة من ثمرات جنان القرآن وذيل الحبة (ط.1922)

9- زهرة من رياض القرآن الحكيم وذيل الزهرة (ط. 1923)

10- ذرة من شعاع هداية القرآن (ط. 1922) وذيل الذرة (ط. 1923)

11- حباب من عمان القرآن (ط. 1923)

والتي طبعت منها باللغة التركية :

1- محاكمات (ط. 1911)

2- مناظرات (ط. 1911)

3- ديوان حرب عرفي (ط. 1911 و1912)

4- تشخيص العلة (ط. 1912)

5- نقطة من نور معرفة الله جل جلاله (ط. 1919)

6- سنوحات (ط.1920)

7- حقيقت جكردكلري/1 (ط.1920)

8- لمعات (ط. 1921)

9- طلوعات (ط. 1921)

10- شعاعات من معرفة النبي (ص) (ط. 1921)

11- رموز (ط. 1921)

12- اشارات (ط. 1921)

13- لمعات (ط. 1921)

14- خطوات ستة (بدون تاريخ) باللغة العربية والتركية

15- حقيقت جكردكلري/2 (ط.1921)

2- آثار سعيد الجديد (رسائل النور)

1- الكلمات : تضم 33 كلمة باللغة التركية

2- المكتوبات : تضم 33 مكتوبا باللغة التركية

3-اللمعات : تضم 33 لمعة باللغة التركية

4- الشعاعات : تضم 15 شعاعا باللغة التركية

5- اشارات الإعجاز في مظان الإيجاز : باللغة العربية (من آثاره القديمة وضمه إلى (رسائل النور)

6- المثنوي العربي النوري (ويضم رسائل من آثاره العربية : لمعات، رشحات، لاسيما، قطرة، ذرة، شمة، حبة، زهرة، شعلة، نور من انوار نجوم القرآن، ونقطة "باللغة التركية")

7- الملاحق في فقه دعوة النور (وتضم : ملحق بارلا، ملحق قسطموني، ملحق أميرداغ 2.1 باللغة التركية)

8-صيقل الإسلام (آثار سعيد القديم) : محاكمات، قزل ايجاز على السلم (في المنطق)، تعليقات على برهان الكلنبوي (في المنطق)، السانحات، المناظرات، المحكمة العسكرية العرفية، الخطبة الشامية، الخطوات الست.

9- سيرة ذاتية باللغة التركية

ولقد من الله علينا بفضله وكرمه ترجمة رسائل النور كاملة إلى اللغة العربية. وحققنا العربية منها على اصولها المخطوطة. كما ترجمت الأربعة الأولى منها إلى اللغة الإنكليزية الأخت الفاضلة شكران واحدة. وترجمت كثير من الرسائل الصغيرة إلى 15 لغة اخرى أو يزيد.