خصائص المنهج الصوفي عند النورسي

 

الدكتور سعيد الغزاوي  

كلية الآداب ابن مسيك  

الدار البيضاء- المغرب  

كنا دائما نشير إلى عبقرية النورسي وإبداعه الذي جعل معاصريه يلقبونه بديعا، وكنا نشير إلى معادلة يود أن يحقق من خلالها منهجه الصوفي الذي ينكر أي انتساب لطريقة  إلا طريق القرآن والإيمان، ثم  يثبت بحياته و فكره ومنهج تعامله مع  طلابه معالم طريقة صوفية متميزة، فما هي معالم هذا المنهج الفريد المستمد من سيرة حياته والعوامل المؤثرة فيها ومن مؤلفاته وأفكاره؟أثبتت سيرة حياته تتلمذا على الشيخ القادري عبد القادر الكيلاني  في كتابه " فتوح الغيب "، وقوله "كن طبيبي أيها الشيخ "، كما أثبتت تتلمذه على الإمام الفاروقي السرهندي في كتابه " مكتوبات".

 ونتج عن هذا التتلمذ نـزوع إلى تأسيس طريقته القائمة على " تربية النفوس وتقوية الإيمان وتذكير الناس بالله واليوم الآخر"، واتخاذ العمل الإيجابي البناء شعاراً دون الخوض في الدفاع عن حقوقهم بالقوة المادية أو الالتفات إلى التيارات المعادية والانشغال بها.

ونتج  عنه قيادة حركة النور، وانتشارها في واقع المجتمع التركي. كما نتج عنه تأثير في تقويم وتغيير سلوك الفرد لإنقاذه من الصفات الهابطة. وتميز طالب النور بالعيش في المجتمع وقد تطهر من لوثات الضلالة والنفاق لشدة ارتباطه اليومي بالرسائل. وهي دليل عملي على تأثير الرسائل في تقويم السلوك .

كما تميز بالتزام توجيهات أستاذه  القائمة على مجموعة من المبادئ :

1 – توقير الجماعات والطرق فلا تجريح ولا حدة ولا تهور، والاكتفاء بالدفاع مع إظهار روح المصالحة بعيدا عن الأنانية.

2 -  التشدد في مواجهة القسم الفاسد  من الغرب، واستثناء  القسم الطيب النافع.

3 – التزام الطريقة الموافقة لأهل السنة والجماعة، حفظا لحقائق القرآن والإيمان. وسيرا على محجتها البيضاء المنكرة لمطلق الولاية.  والمؤمنة إيمان أستاذها النورسي بأن: "جميع الطرق غير النابعة من القرآن لا توصل الإنسان إلى الحقيقة".

ورغم هذه القيادة الفكرية ينكر اعتبارها مشيخة، ويحيل على رسائل النور "لأن قراءتها أفضل مئة مرة من الحديث معي"(1).هذا ما يعبر عنه بعض المتخصصين في فكر النورسي قوله: " إن رسائل النور ليست طريقة صوفية  بل حقيقة، وهي نور مفاض من الآيات القرآنية، ولم تستق من علوم الشرق ولا من فنون الغرب، بل هي معجزة معنوية للقرآن الكريم خاصة لهذا الزمان "(2).

كما ينكر في المقابل أية مشيخة إلا مشيخة القرآن العظيم، قائلا: " إن بداية هذه الطرق جميعها، ومنبع هذه الجداول كلها ..وشمس هذه الكواكب السيارة إنما هو "القرآن الكريم " فتوحيد القبلة الحقيقي إذن لا يكون إلا في القرآن الكريم .. فالقرآن هو أسمى مرشد .. وأقدس أستاذ على الإطلاق .. ومنذ ذلك اليوم أقبلت على القرآن واعتصمت به واستمددت منه" (3).هذا ما يؤكده الأستاذ إحسان قاسم الصالحي مترجم الرسائل قائلا: " لم يكن هناك أي مصدر عند المؤلف سوى القرآن الكريم، فكان يستلهم من الآية معانيها، ويعيش حالات قلبية وروحية خالصة في أجوائها " (4).

لكنه يوجه المتدبر للقرآن الكريم إلى أن يكون مفسرا وعلامة حقا ومتخصصا في كل علم من العلوم، سواء اللغوية أو الشرعية أو العلوم الكونية. وإلى عدم الوقوع تحت تأثير أذواقه الشخصية، وخلط نهجه واجتهاداته الشخصية بتفسيره، حتى تبقى الحقيقة صافية نقية لا شائبة فيها. 

من هذا النور القرآني نتلمس معالم صوفية النورسي البيانية، متلونة بعبقريته وإبداعه، غير محتاجة لشيخ أو مرشد. إنها بيانية  صادرة عن مجادلة هائلة بين الشاعر ونفسه وعقله وقلبه، إذا قلت إن لغتها قد أشكلت على فهمك، فإن النورسي يقرّ بها، ويلتمس لها عذرا  قائلا: " لا تظنن أني باختياري أشكلتُ عليك عبارة هذه الرسالة، إذ هذه الرسالة مكالمات فجائية مع نفسي في وقت مدهش،  والكلمات إنما تولدت في أثناء مجادلة هائلة كإعصار تتصارع فيها الأنوار مع النيران، يتدحرج رأسي في آن واحد من الأوج إلى الحضيض، ومن الحضيض إلى الأوج، من الثرى إلى الثريا، إذ سلكت طريقا غير مسلوك، في برزخ بين العقل والقلب، ودار عقلي من دهشة السقوط والصعود " (5).

من هذا النور القرآني البياني نعود إلى فرضية صوفيته، واقفين حائرين أمام هذه المعادلة  التي ترجح حينا بُعده عن الصوفية أو المشيخة أو الانتساب إلى طريقة، وتعضدها  مواقفه وآراؤه في الرسائل، ثم ترجح حينا آخر منهجه الصوفي البياني المبدع  الفريد " تقديرا للتصوف ورجالاته، واقتداء بسلوكهم زهدا وذكرا ومناجاة، ومحبة  ومعراجا وحفظا لحقائق الإيمان.

هذه  شربة من نبع  بديع  الزمان النورسي، تزداد معها شوقا إلى المزيد حتى  ترتوي من نور رسائله وتدرك البون الشاسع بين من يدب في  الأرض، ومن يعرج إلى السماء. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

______________________

(1) ملحق اميرداغ / 2 ص 394.

(2) قسطموني ص 202.

(3) المكتوبات ص 457 .

(4) بديع الزمان النورسي ص 150 .

(5) المثنوي العربي النوري 35.