خلاصة المسألة الثامنة

 

لقد أردنا في "المسألة السابعة" أن نستوضح مسألة الحشر من مقامات كثيرة، إلاّ أن جواب خالقنا بأسمائه الحسنى كان شافياً ووافياً جدا؛ أورث اليقين الجازم والقناعة التامة، فأغنانا عن أي استفسار آخر. فاقتصرنا هناك على ذلك الإثبات.

أما في هذه المسألة فسنلخّص واحدة من مئات الثمرات والفوائد والنتائج التي يحققها "الإيمان بالآخرة" منها ما يعود إلى سعادة الإنسان في الآخرة، ومنها ما يعود إلى سعادته في الدنيا.

أما ما يعود إلى السعادة الأخروية فليس بعد إيضاح القرآن الكريم إيضاح آخر، فليرجع إليه، أما ما يعود إلى "السعادة الدنيوية" فتوضّحه "رسائل النور" وسنبين هنا -بياناً موجزاً- بضع نتائج فقط من بين المئات من النتائج التي يحققها "الإيمان بالآخرة" لإسعاد الإنسان في حياته الشخصية والاجتماعية.

الثمرة الأولى:

كما إنَّ الإنسان -خلافاً للحيوان- ذو علاقة مع بيته، فهو أيضاً ذو ارتباط وثيق مع الدنيا. ومثلما إنه مرتبط بأقاربه بروابط ووشائج، فهو كذلك ذو نسب فطري بالجنس البشري. وكما أنه يحب البقاء في الدنيا الفانية فهو يتوق إلى بقائه في الدار الباقية. وكما أنه يسعى دائما لتأمين حاجات معدته إلى الغذاء فهو مضطر بفطرته -بل يسعى- لتأمين الأغذية لعقله وقلبه وروحه وإنسانيته وتناولها من الموائد الممتدة على سعة الدنيا، بل الممتدة إلى الأبد، لما له من آمال ومطالب لا يشبعها سوى السعادة الأبدية. لقد حدّثتُ خيالي في عهد صباي: أيَّ الأمْرين تُفضّل؟ قضاء عمر سعيد يدوم ألف ألف سنة مع سلطنة الدنيا وأبهتها على أن ينتهي ذلك إلى العدم، أم وجوداً باقياً مع حياة اعتيادية شاقة؟

 فرأيته يرغب في الثانية ويضجر من الأولى، قائلاً: إنني لا أريد العدم بل البقاء ولو كان في جهنم!".

فمادام جميع لذائذ الدنيا لا تشبع الخيال، الذي هو أحد خدام الماهية الإنسانية، فلابد أن حقيقة الماهية الإنسانية الجامعة الشاملة جداً مرتبطةٌ فطرة بالخلود والبقاء.

فكم يكون "الإيمان بالآخرة" إذن كنـزاً عظيما كافياً ووافياً لهذا الإنسان الوثيق الصلة بهذه الرغبات والآمال التي لا تنتهي، وهو لا يملك سوى جزءٍ من الاختيار الجزئي، ويتقلب في الفقر المطلق! وكم يكون هذا الإيمان محوراً للسعادة المطلوبة واللذة المبتغاة! وكم يكون مرجعاً ومدار استمدادٍ وسلوة له تجاه هموم الدنيا غير المحصورة؟ فلو ضحَّى هذا الإنسان بكل حياته الدنيا في سبيل الفوز بهذه الثمرات والفوائد لكانت إذن زهيدة!

الثمرة الثانية المتوجهة لحياة الإنسان الشخصية:

إنَّ ما يقلق الإنسان دوما وينغّص حياته، هو تفكيرُه الدائم في مصيره، وكيفية دخوله القبر، مثلما انتهى إليه مصير أحبته وأقاربه. فتوهُّم الإنسان المسكين -الذي يضحي بروحه لأجل صديق عزيز- وتصوّره من أن آلافاً بل ملايين الملايين من إخوانه البشر ينتهون إلى العدم بالموت -ذلك الفراق الأبدي الذي لا لقاء وراءه- سيذيقه هذا التصور ألماً شديداً ينبئ بآلام جهنم. وحينما يتلوى هذا الإنسان من ألم ذلك العذاب الأليم النابع من ذلك التفكير، يأتي "الإيمان بالآخرة" فاتحاً بصيرته، مزيلاً الغشاوة عن عينيه، قائلاً له: انظر.. فينظر بنور الإيمان، فإذا به يكسب لذة روحية عميقة تنبئ بلذة الجنة، بما يشاهد من نجاة أحبته وخلاصهم جميعا من الموت النهائي والفناء والبلى والاندثار، ومن بقائهم خالدين في عالم النور الأبدي منتظرين قدومه إليهم. نقتصر على هذا حيث وضحت "رسائل النور" هذه النتيجة مع حججها.

الثمرة الثالثة التي تعود لعلاقات الإنسان:

إنَّ مقام الإنسان الراقي وتفوّقه على سائر الأحياء وامتيازه عليها إنما هو لسجاياه السامية، ولاستعداداته الفطرية الجامعة، ولعبوديته الكلية، ولسعة دوائر وجوده، لذا فالإنسان المنحصر في الحاضر فقط المنسلخ من الماضي، المبتوت الصلة بالمستقبل - وهما معدومان ميتان مظلمان بالنسبة له- هذا الإنسان يكسب سجايا المروءة والمحبة والأخوة والإنسانية على أساس حاضره الضيق، وتتحدد عنده على وفق مقاييسه وموازينه المحدودة، فيولي المحبة لأبيه أو أخيه أو زوجته أو أمته، ويقوم بخدمتهم على وفق تلك المقاييس الضيقة وكأنه لا يعرفهم سابقاً ولن يراهم مستقبلاً فلا يرقى أبداً إلى مرتبة الصدق في الوفاء، ولا إلى مكانة الإخلاص في الصداقة، ولا إلى درجة الودّ المصفى من الشوائب في المحبة، ولا إلى الاحترام المبرأ من الغرض في الخدمة؛ لأن سعة تلك السجايا والكمالات قد تضاءلت وصغرت بالنسبة نفسها، وحينها يتردى الإنسان إلى درك أدنى الحيوانات عقلا.

ولكن ما إن يأتي "الإيمان بالآخرة" إلى هذا الإنسان لينقذه ويمدَّه ويغيثه، حتى يحوِّل ذلك الزمن الضيق -الشبيه بالقبر- إلى زمان فسيح واسع جداً بحيث يستوعب الماضي والمستقبل معاً، فيريه وجوداً واسعاً بسعة الدنيا، بل بسعة تمتد من الأزل إلى الأبد. وعندئذٍ يقوم هذا الإنسان باحترام والده وتوقيره بمقتضى الأبوة الممتدة إلى دار السعادة وعالم الأرواح، ويساعد أخاه ويعاونه -بذلك التفكير- بالأخوة الممتدة إلى الأبد، ويحب زوجته ويرفق بها ويعاونها لأنها أجمل رفيقة حياة له حتى في الجنة، ولا يجعل هذه الدائرة الحياتية الواسعة الفسيحة -وما فيها من علاقات وخدمات مهمة- وسيلة لأمور تافهة دنيوية ولا لأغراضها الجزئية ومنافعها الزهيدة. لذا يظفر بالصداقة التامة، والوفاء الخالص، والإخلاص الأتم، في علاقاته وخدماته، فتبدأ كمالاته وخصاله بالسمو والرقي بالنسبة نفسها، وتتعالى إنسانيته، ولكل حسب درجته..

فذلك الإنسان الذي ما كان له أن يرقى إلى مستوى عصفور في تذوّقه الحياة، أصبح الآن -بفضل الإيمان بالآخرة- ضيفاً مرموقاً في الدنيا، وكائناً سعيداً، ومخلوقاً ممتازاً فيها، يرقى فوق جميع الحيوانات، بل يصبح أحب مخلوق، وأكرمَ عبد عند رب الكون ومالكه.

اكتفينا بهذا القدر في بيان هذه النتيجة حيث بيّنتها "رسائل النور" بحجج وبراهين.

الفائدة الرابعة التي تتطلع إلى الحياة الاجتماعية:

وهي التي وضّحها "الشعاع التاسع" وخلاصتها هي:

أنَّ "الأطفال" الذين يمثلون ربع البشرية، لا يمكنهم أن يعيشوا عيشة إنسان سوي ينطوي على نوازع إنسانية إلاّ بالإيمان بالآخرة. إذ لولا هذا الإيمان لاضطروا أن يقضوا حياة ملؤها الوقاحة والاضطراب والهموم الأليمة. فلا يهنأون بألعابهم ولا يتسلّون بلُعبهم، لأن الموت الذي يصيب من حولهم من الأطفال يؤثر بالغ التأثير في نفس كل طفل، وفي شعوره المرهف الرقيق، وفي قلبه الذي سينطوي في المستقبل على آمال ورغبات كثيرة، وفي روحه التي لا تستطيع الثبات فتصاب بالقلق والحيرة، حتى تصبح حياته وعقله، وسيلتَي عذاب له، فلا يجدي ما يتستر به من لهو ولعب نفعا قبل أن يجد لتساؤله وحيرته جوابا.. إلاّ أن إرشاد "الإيمان بالآخرة" يجعله يحاور نفسه على النحو الآتي:

"إن صديقي -أو أخي- الذي توفي قد أصبح الآن طيراً من طيور الجنة، فهو أكثر منا أُنساً وانطلاقاً وتجوالاً. وإن والدتي -وإن توفيت- إلاّ أنها مضت إلى الرحمة الإلهية الواسعة، وستضمني أيضاً إلى صدرها الحنون في الجنة، فأرى تلك الوالدة الشفيقة". وبهذا يمكنه أن يعيش هادئاً مطمئناً عيشاً يليق بالإنسان.

وكذا "الشيوخ" الذين يمثلون ربع البشرية، فإنهم لا يرون السلوان حيال انطفاء حياتهم قريباً، ودخولهم تحت التراب، وقد أوصدت الدنيا الجميلة الحلوة أبوابها في وجوههم إلاّ بـ"الإيمان بالآخرة". إذ لولا هذا الإيمان لتجرّع أولئك الآباء المحترمون الرحماء، وتلك الأمهات الفدائيات الشفيقات الويل تلو الويل، ولباتوا في حالة نفسية تعسة جداً، وفي قلق قلبي عنيف ولأصبحت الدنيا تضيق عليهم كالسجن، ولغدت الحياة نفسها عذاباً مقيماً لا يطاق. بينما الإيمان بالآخرة يهتف بهم قائلاً:

"لا تغتموا أيها الشيوخ ولا تبالوا كثيراً، فإن لكم شباباً خالداً وهو أمامكم وسيأتي حتماً. وإن حياة ساطعة بهيجة، وعمراً مديداً أبدياً في انتظاركم، وستلتقون أولادكم وأقاربكم الذين فقدتموهم، وجميع حسناتكم محفوظة وستأخذون ثوابها.." وهكذا يمنح "الإيمان بالآخرة" سلواناً وانشراحاً لهم، بحيث لو حمل أحدهم أثقال مائة شيخوخة لتحملها صابراً في انتظار ما سيعقبها من حياة أخروية سعيدة.

وكذا "الشباب" الذين يمثلون ثلث البشرية، قد لا يصغون لصوت عقولهم الجريئة. فرغباتهم وهواهم في ثورة وجيشان، وهم مغلوبون على أمر حواسهم ونوازعهم، فإذا ما فقد هؤلاء الشباب "الإيمان بالآخرة" ولم يتذكروا عذاب جهنم، فإن أموال الناس وأعراضهم وراحة الضعفاء وكرامة الشيوخ تصبح مهددة بالخطر، إذ قد يدمر أحدهم سعادة بيت آمن هنيء لأجل لذة طارئة، ومن ثم يذوق وبال أمره عذابا لسنين عديدة في مثل هذه السجون فيتحول إلى ما يشبه الحيوان الكاسر.

ولكن إذا أمدّه "الإيمان بالآخرة" وأغاثه، فسرعان ما يسترجع صوابه ويسترشد بعقله، ويخاطب نفسه قائلا:

"على الرغم من أن شرطة الحكومة وعيونها لا يمكنهم رؤيتي لكوني في خفاء عنهم، فإن ملائكة السلطان الأعظم ذي الجلال الذي يملك سجن جهنم ذلك السجن الأكبر الدائم يسجلون علىّ سيئاتي.. فأنا إذن لست طليقا مفلت الزمام، بل أنا ضيف عابر ذو مهمة.. وسأكون -لا محالة- في يوم ما ضعيفاً وشيخاً مثلهم". فتترشح قطراتُ الرحمة والرأفة والشفقة -عندئذٍ- من أعماق قلبه، ويشعر بالاحترام لأولئك الذين كان يريد أن يتعدى على حقوقهم ظلماً. وحيث إن "رسائل النور" قد وضحت هذا المعنى، نقتصر على هذا القدر.

وكذلك "المرضى والمظلومون وأمثالنا من ذوي المصائب والفقراء والمساجين" الذين حوكموا بعقوبات مشددة، كل هؤلاء يمثلون الجزء الأهم من البشرية، فإن لم يُعنهم "الإيمان بالآخرة" وإن لم يتسلوا به فإن الموت الذي يجدونه أمامهم دائماً بما عندهم من مرض، وإن الإهانة التي يرونها من الظلمة -دون أن يتمكنوا من الاقتصاص منهم ولا من إنقاذ شرفهم وكرامتهم من بين مخالبهم- وإن اليأس الأليم النابع مما أصاب أموالهم وأولادهم من الضياع في الكوارث، وإن الضيق الشديد الناشئ من آلام السجن وعذابه لسنوات عدة نتيجة لذة طارئة لا تستغرق دقائق أو ساعات.. كل ذلك يصيّر الدنيا -بلا ريب- سجناً كبيراً لهؤلاء المنكوبين ويجعل الحياة نفسها عذابا أليما لهم ! ولكن ما إن يَمدّهم الإيمان بالآخرة بالعزاء والسلوان إلاّ وينشرحون فوراً، ويتنفسون الصعداء، لما يزيل عنهم من الضيق واليأس والقلق والاضطراب وسَورة الثأر إزالة كلية أو جزئية كلٌ حسب درجات إيمانه.

حتى يمكنني القول أنه: لولا الإيمان بالآخرة الذي أمدّني وإخواني في مصيبتنا الرهيبة ودخولنا السجن هذا -دون ذنب اقترفناه- لكان تحمّل مرارة يوم واحد من أيام العذاب كالموت نفسه، ولساقتنا هذه المصيبة إلى ترك الحياة ونبذها. ولكن شكراً للّٰه -بلا عد ولا حد- أن جعلني أتحمل آلام كثير من إخواني الذين هم أحب إليّ من نفسي وأتحمل ضياع آلاف من "رسائل النور" التي هي أعزّ من عيوني، وأتحمل فقدان كثير من مجلداتي الزاهية الثمينة جداً.. فأتحمل كل هذا الحزن والأسى بذلك "الإيمان بالآخرة" رغم أنني ما كنت أتحمل أية إهانة وتحكّم من أحدٍ مهما كان، فإني أقسم لكم -لتطمئنوا- أن نور الإيمان بالآخرة وقوته قد منحني صبراً وجلداً وعزاءً وتسليةً، وصلابةً وشوقاً للفوز بثواب جهاد عظيم في هذا الامتحان إلى حدّ بتّ أعدّ نفسي في مدرسة كلها خير وجمال. وحقٌ أن تطلق عليها "المدرسة اليوسفية" كما ذكرته في مستهل هذه الرسالة، فلولا المرض الذي كان ينتابني أحيانا، ولولا الحدة الحاصلة من الكهولة لكنت أسعى بجدٍ أكثر لأتلقى دروسي في هذه المدرسة مع ما أحمله من اطمئنان وسكينة قلب.. على كل حال فقد خرجنا عن الصدد أرجو العفو عن هذا الاستطراد.

وكذلك فإن "بيت كل إنسان" هو دنياه الصغيرة بل جنته المصغرة فإن لم يكن "الإيمان بالآخرة" حاكماً ومهيمناً في سعادة هذا البيت لوجد كل فرد من أفراد تلك العائلة اضطراباً أليماً، وعذاباً شديداً في علاقة بعضهم ببعض حسب درجات رأفته ومحبته لهم فتتحول تلك الجنة إلى جحيم لا يطاق، وقد يخدر عقله باللهو والسفه المؤقت فيكون مَثَلهُ في هذا كمثل النعامة إذا رأت الصياد تخفي رأسها في الرمل كيلا يراها الصياد وهي عاجزة عن الفرار والطيران، فهو كذلك يغمر رأسه في الغفلة، لئلا يراه الموت والزوال والفراق، ملغياً شعوره موقتاً ببلاهة، وكأنه وجد علاجاً لما يُعانيه!

فالوالدة مثلا -التي تُضحي بنفسها لأجل ولدها- كلما رأت ابنها يتعرض للخطر ارتعشت هلعاً وخوفاً عليه. والأولاد كذلك عندما لا يستطيعون إنقاذ آبائهم أو إخوانهم من المصائب التي لا تنقطع، يظلون في قلق دائم ويحسون خوفاً مستمراً. فقياساً على هذا فإن حياة تلك العائلة، التي يُظن أنها حياة سعيدة، تفقد سعادتها في هذه الدنيا المضطربة الزائلة حيث لا تعطي الرابطة بين الأفراد، ولا علاقة القربى فيما  بينهم -ضمن حياة قصيرة جداً- الصداقة الحقيقية والوفاء الخالص والإخلاص الكامل، والخدمة والمحبة الصافيين، بل تتصاغر الأخلاق وتنكمش بنسبة قصر الحياة نفسها، وربما تسقط وتنعدم كلياً.

ولكن ما إن يحل "الإيمان بالآخرة" في ذلك البيت حتى ينور أرجاءه مباشرة ويستضيء، لأن علاقة القربى والرأفة والمحبة التي تربطهم لا تقاس عندئذ ضمن زمن قصير جداً، بل تقاس على وفق علاقات تمتد إلى خلودهم وبقائهم في دار الآخرة والسعادة الأبدية، فيقوم -عندئذ- كلُّ فرد باحترام خالص تجاه الآخرين، ويوليهم محبة صافية، ويظهر رأفة صادقة، ويبدي صداقة وفية، صارفاً النظر عن التقصيرات. فتتعالى الأخلاق وتسمو، وتبدأ السعادة الإنسانية الحقة بالتألق في ذلك البيت.

وقد بين هذا المضمون في "رسائل النور". اكتفينا هنا بما سلف.

وهكذا فإن كل "مدينة" هي بحد ذاتها بيت واسع لسكنتها. فإن لم يكن "الإيمان بالآخرة" مسيطراً على أفراد هذه العائلة الكبيرة فسيستولى عليهم الحقد والمنافع الشخصية والاحتيال والأنانية والتكلف والرياء والرشوة والخداع، بدلاً من أسس الأخلاق الحميدة التي هي الإخلاص والمروءة والفضيلة والمحبة والتضحية ورضى اللّٰه والثواب الأخروي. وكانت معاني الإرهاب والفوضى والوحشية حاكمة ومسيطرة تحت اسم النظام والأمن والإنسانية التي يظهرونها، وحينئذٍ تتسمم حياة تلك المدينة، فيتصف الأطفال بالوقاحة والإهمال، والشباب بالسُكر والعربدة، والأقوياء بالظلم والتجاوز، والشيوخ بالبكاء والأنين.

وقياساً على هذا فإن "البلاد" بأكملها ما هي إلاّ بيت واسع جداً. والوطن بيت عائلة الأمة. فإذا ما حكم "الإيمان بالآخرة" هذه البيوت وسيطر، فإن الفضائل تتكشف وتنبسط وتتوضح فيها فتظهر الاحترام المتبادل والرحمة الجادة، والمحبة الخالصة بلا عوض، والمعاونة مع الخدمة الحقة بلا احتيال، والمعاشرة والإحسان بلا رياء، والفضيلة والتوقير بلا استكبار، وتشيع الفضائل الأخرى جميعاً؛ حيث يهتف الإيمان بالآخرة بأولئك الأطفال قائلا لهم: "دعوا الوقاحة والإهمال فقدامكم جنة النعيم فلا تشغلوا أنفسكم عنها بالألاعيب". فيمكّن الأخلاق عندهم بإرشاد القرآن الكريم.

ويخاطب الشباب: "إنَّ أمامكم نار جهنم فانتهوا من السُكر والعربدة". ويجعلهم يثوبون إلى رشدهم.

ويخاطب الظالم: "احذر فإن عذاباً شديداً سيحلّ بك" فيردعه عن الظلم ويجعله يرضخ للعدالة.

ويخاطب الشيوخ: "أبشروا فإن أمامكم شباباً خالدا ذا نضارة، وفي انتظاركم سعادة أخروية دائمة باقية، هي أسمى مما فقدتموه من أنواع السعادة وأعلى منها فهلموا واسعوا للفوز بها". فيحوِّل بكاءهم إلى بهجة وفرح.

وقياساً على هذا، فإن "الإيمان بالآخرة" يبين تأثيره الطيب ويرسل شعاع نوره إلى كل طائفة، جزئيها وكلّيها عامها وخاصها قليلها وكثيرها.

فلترن آذان الاجتماعيين والأخلاقيين من المعنيين بشؤون الإنسان!.

وإذا قيس على ما ذكرناه آنفا من فوائد الإيمان بالآخرة ما بقى من الفوائد فسيفهم بوضوح وبشكل قاطع أن محور السعادة في الدارين وفي كلتا الحياتين إنما هو الإيمان وحده.

* * *

ولقد جاءت في "الكلمة الثامنة والعشرين" وفي "رسائل النور" الأخرى أجوبة قوية جداً رداً على شبهات تافهة حول: "الحشر الجسماني" -البعث الجسدي- نكتفي بها، إلا أننا نشير إليها هنا إشارة مختصرة وقصيرة جداً، فنقول:

إن أكثر الأسماء الإلهية الحسنى تتجلّى في الجسمانية فهي أجمعُ مرآة لها.

وإن أقصى المقاصد الإلهية من خلق الكائنات تظهر في الجسمانية، فهي أغنى مركز لتلك المقاصد وأكثرها فعالية.

وإن أكثر أنواع الإحسانات الربانية المختلفة وآلاءها العميمة تتبين في الجسمانية.

وإن أغلب بذور الأدعية التي يرفعها الإنسان بلسان حاجاته، وأكثر أصول الشكر والحمد المقدّم منه إلى خالقه الرحيم نابعة من الجسمانية.

وإن أزيد النوى تنوعاً لعوالم المعنويات والروحانيات هي كذلك تكمن في الجسمانية.

فقياساً على هذا:

إنَّ الجسمانية تتمركز فيها مئات من الحقائق الكلّية، لذا فإن الخالق الكريم يكثّر من الجسمانية ويزيدها على سطح الأرض كي تتجلّى فيها تلك الحقائق المذكورة، فيهب للموجودات وجوداً بسرعة متناهية وبفعالية مدهشة، قافلة إثر قافلة مرسلاً إياها إلى معرض العالم هذا، ثم يُنهي خدماتها ويبعث عقبها موجودات أخرى باستمرار. وهكذا يجعل ماكنة الكائنات في عمل دائب وشغل دائم، ناسجاً محاصيل جسمانية على الأرض، جاعلاً الأرض مزرعة الآخرة ومشتل الجنة حتى إنه سبحانه لأجل أن يُطمئن معدة الإنسان (الجسمانية) ويجعلها في امتنان ورضى يَسمع دعاءها الذي ترفعه بلسان الحال، لأجل بقائها، ويستجيب له فعلاً، بما يخلق ما لا يحصر ولا يحصى من المطعومات اللذيذة المتقنة الصنع، وبإيجاده النعم النفيسة بمئات الآلاف من الأنماط والأنواع، مما يظهر بداهة وبلا ريب أن أغلب أنواع اللذائذ المادية المحسوسة في الجنة إنما هي جسمانية. وإن أهم نِعَم السعادة الأبدية التي يطلبها الجميع ويأنس بها إنما هي في الجسمانية أيضاً.

فيا تُرى هل يمكن وهل يُعقل وهل هناك احتمال قط أن يقبل القدير الرحيم والعليم الكريم دوماً دعاء لسان حال المعدة البسيطة لاستبقائها، ويستجيب لها قصداً وفعلاً -دونما تدخّل للمصادفة- بما يخلق لها من أغذية مادية محسوسة في منتهى الإتقان والإعجاز، فيُرضى بها تلك المعدة، ثم لا يقبل سبحانه أدعيةً عامة ودعواتٍ غيرَ نهائية ترفعها المعدةُ الإنسانية الكبرى وفطرتُها الأصيلة، ولا يغدق عليها لذائذ جسمانية في الآخرة، تلك التي تأنس بها وترجوها فطرةً بل تريدها في دار الخلود؟ وهل يمكن ألاّ يلبي تلك الأدعية فعلاً ولا ينجز الحشر الجسماني؟! ولا يُرضي هذا الإنسان الذي هو نتيجة الكائنات وخليفة الأرض، والعبد المعزز المكرم رضاءً أبدياً ؟ كلا.. ثم كلا!.. فهذا محال في مائة محال بل باطل كلياً، إذ كيف يسمع طنين الذباب ولا يسمع رعود السماء، وكيف يراعي عدّة الجندي البسيط ولا يبالي بالجيش العظيم! فتعالى اللّٰه عن ذلك علوا ً كبيراً.

نعم، إنَّ الصراحة القاطعة للآية الكريمة:

 ﴿وَفِيهَامَاتَشْتَهِيهِالأَنفُسُوَتَلَذُّالأَعْيُنُ﴾(الزخرف: 71)تبين أن أكثر ما يأنس الإنسان به من اللذائذ المادية المحسوسة -والذي يتذوق نماذجها في الدنيا- سيراها ويتذوقها بصورتها اللائقة بالجنة. وأن ثواب ما يؤديه اللسان والعين والأذن وسائر الأعضاء والجوارح من الشكر الخالص والعبادات الخاصة سيمنح لها بتلك اللذائذ الجسمانية المخصوصة بها. فبيان القرآن الكريم للذائذ الجسمانية صريح في غاية الصراحة، بحيث لا يمكن أن يتحمل أي تأويل يصرفه عن المعنى الظاهري، بل يمتنع عدم قبول المعنى الظاهري.

وهكذا تُظهر ثمراتُ الإيمان بالآخرة ونتائجُه أنه مثلما تدل حقيقة معدة الإنسان وحاجاتها دلالة قاطعة على وجود الأطعمة، فإن حقيقة الإنسان وكمالاته وحاجاته الفطرية وآماله الأبدية وحقائقه واستعداداته تتطلب النتائج والفوائد المذكورة للإيمان بالآخرة، وتدل قطعاً على الآخرة وعلى الجنة وعلى لذائذ مادية محسوسة باقية، وتشهد على تحققها. وإن حقيقة كمالات هذا الكون أيضا وآياته التكوينية الحكيمة وجميع حقائقه المرتبطة بالحقائق الإنسانية تدل دلالة قاطعة أيضاً على وجود الآخرة وعلى تحققها وتشهد شهادة صادقة على مجيء الحشر وانفتاح أبواب الجنة والنار. ولما كانت "رسائل النور" قد أثبتت هذه المسألة بصورة رائعة وبحجج قوية جداً دون أن تترك غباراً للشبهة، ولاسيما "الكلمة العاشرة" و"الثامنة والعشرون" -بمقاميها- و"التاسعة والعشرون"، و"الشعاع التاسع"، و"رسالة المناجاة"، فإننا سنكتفي بها.

* * *

إنَّ بيان القرآن الكريم فيما يخص جهنم واضح جلي لم يدع مجالا لأي إيضاح آخر، إلاَّ أننا سنبين باختصار شديد ما يزيل بضع شبهات تافهة في نكتتين، محيلين تفاصيلها إلى "رسائل النور":

النكتة الأولى:

إنَّ التفكير في جهنم والخوف منها لا يزيل لذائذ ثمرات الإيمان المذكورة ولا يفوّتها، لأن الرحمة الربانية الواسعة تهتف بذلك الخائف: "تعالَ إليّ فدونك بابُ التوبة ادخل منه". فإن وجود جهنم ليس للتخويف، بل ليعرّفك لذائذ الجنة معرفة

كاملة، وليذيقك إياها تذوقاً كاملاً، وليأخذ لك ولمخلوقات غير محدودة الثأر والانتقام ممن انتهك حقوق الجميع واعتدى عليها، وليفرحهم جميعا بهذا ويدخل السرور إليهم.

فيا غارقاً في الضلالة -وليس بمستطيع أن يخرج منها- إنَّ وجود جهنم لهو أفضل لك من العدم الأبدي، إذ في وجودها نوع من الرحمة حتى للكفار أنفسهم، لأنَّ الإنسان -والحيوانات الولودة- يستمتع بتمتع أقاربه وأولاده وأحبابه ويسعد -من جهة- بسعادتهم. فيا أيها الملحد! إما إنك ستسقط في هاوية العدم -باعتبار ضلالتك- أو ستدخل نار جهنم. ولما كان العدم شراً محضاً، فإن الإعدام النهائي لأحبابك جميعا وممن تسعد بسعادتهم من أقاربك وآبائك ونسلك، سيحرق روحك ويعذب قلبك ويؤلم ماهيتك الإنسانية أكثر من عذاب جهنم بألف مرّة؛ لأنه لو لم تكن جهنم لما كانت هناك جنة أيضاً. فيسقط كل شيء إذن بكفرك إلى العدم. ولكن إذا دخلت جهنم وبقيت ضمن دائرة الوجود، فإن أحبابك وأقاربك إما إنهم سيسعدون في الجنة أو انهم يكونون ضمن دوائر وجود تحت رحمة اللّٰه سبحانه. فلا مناص لك إلاّ أن تقبل بوجود جهنم، إذ العداء لوجودها -ورفضه- يعني الانحياز إلى العدم المحض، الذي هو إبادة سعادة جميع الأحبة والأصدقاء وإفناؤهم!.

نعم، إنَّ جهنم دار وجود تؤدي مهمة السجن بحكمة الحكيم الجليل وعدالته، وهي موضع مرعب ومهيب ضمن دائرة الوجود الذي هو الخير المحض، زِد على ذلك لها وظائف أخرى وخدمات جليلة، وحِكمٌ شتى تخص عالم البقاء. فهي مسكن ذو جلال وهيبة لكثير من ذوي الحياة أمثال الزبانية.

النكتة الثانية:

إنَّ وجود جهنم وعذابها الشديد لا ينافي قطعاً الرحمة غير المحدودة، ولا العدالة الحقيقية، ولا الحكمة الموزونة التي لا إسراف فيها، بل إن الرحمة والعدالة والحكمة تتطلب وجود جهنم وتقتضيه، لأن قتل حيوان افترس مائة من الحيوانات أو إنزال عقاب بظالم هتكَ حُرمات ألفٍ من الأبرياء، هو رحمة بآلاف الأضعاف للمظلومين من خلال العدالة. وإن إعفاء ذلك الظالم من العقاب أو التجاوز عنه، وترك ذلك  الحيوان الوحشي طليقاً، فيه ظلم شنيع وعدم رحمةٍ لمئات المساكين بمئات الأضعاف، إزاء رحمة في غير موضعها. ومثل هذا أيضا، الكافر المطلق -الذي يدخل سجن جهنم- فإنه بكفره ينكر حقوق الأسماء الإلهية الحسنى، أي يتعدى على تلك الحقوق.. وبتكذيبه لشهادة الموجودات -الشاهدة على تلك الأسماء- يتعدى على حقوقها أيضاً.. وبإنكاره للوظائف السامية للمخلوقات -وهي تسبيحاتها تجاه الأسماء- يتجاوز على حقوقها.. وبجحوده لأنواع العبادات التي تؤديها المخلوقات تجاه تظاهر الربوبية والألوهية -وهي غاية خلقتها وسبب من أسباب وجودها وبقائها- يتعدى تعدياً صارخاً على حقوق جميع المخلوقات؛ لذا فالكفر جناية عظيمة وظلم شنيع تتجاوز بشاعته كل حدود العفو والمغفرة، فيحق عليه إذن تهديد الآية الكريمة:﴿إِنَّ اللّٰهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ..﴾ (النساء: 48)بل إن عدم إلقاء مثل هذا الشخص في جهنم رحمةً به هو أمر ينافي الرحمة منافاة كلية في حق هذه الأعداد الهائلة من المخلوقات والكائنات التي اُنتهكت حقوقها.

وهكذا مثلما يطالب أصحاب الدعاوى بوجود جهنم، فإن عزة جلال اللّٰه وعظمة كماله سبحانه تطلبانها قطعاً.

نعم، إذا قال سفيه أو شقي عاص لحاكم عزيز للبلاد: "إنك لا تستطيع أن تقذفني في السجن ولن تقدر على ذلك أبداً". متجاوزاً حدَّه ومتعدياً على عزة ذلك الحاكم وعظمته، فلابد أن ذلك الحاكم سينشئ سجنا لذلك السفيه المتعدي حتى لو لم يكن هناك سجن في البلاد. كذلك الأمر في الكافر المطلق، فإنه بكفره يتعدى بشدة على عزة جلاله سبحانه، وبإنكاره يتحدى عظمة قدرته، وبتجاوزه يمس كمال ربوبيته، فإن لم يكن هناك حتى تلك الأسباب الموجبة وتلك المبررات الكثيرة والحكم العديدة والوظائف الكثيرة لجهنم ولوجودها؛ فإن خلق جهنم لمثل هؤلاء الكفار وإلقاءهم فيها هو من شأن تلك العزة وذلك الجلال.

ثم إن ماهية الكفر نفسها توحي بجهنم؛ إذ كما إن ماهية الإيمان إذا تجسمت يمكن أن تبني بلذائذها ونعيم جمالها جنةً خاصة في وجدان الإنسان وقلبه، هي جنة مصغرة تومئ وتخبر عن جنة الخلد التي تنتظره في الآخرة، كذلك الكفر -ولاسيما الكفر المطلق- والنفاق والردة فيه من الآلام والأعذبة والظلمات المرعبة بحيث لو تجسمت وتأصلت في نفس صاحبها كونت له جهنمه الخاصة به تلك التي تشير إلى  ما سيفضي إليه في آخرته من جهنم هي أشد هولاً وأشد عذاباً. ولقد أثبتنا هذا بدلائل قاطعة في "رسائل النور"، وأُشير إليه في مستهل هذه المسألة أيضاً.

ولما كانت هذه الدنيا مزرعة الآخرة، فالحقائق الصغيرة التي فيها تثمر وتتسنبل في الآخرة، فهذه البذرة السامة (الكفر) تشير من هذه الزاوية إلى شجرة الزقوم تلك، وتقول: "أنا أصل تلك الشجرة وجوهرها.. فمن يحملني في قلبه من المنكوبين سأثمر له نموذجاً خاصاً من تلك الشجرة الملعونة".

وما دام الكفر تعدياً على حقوق غير محدودة، وتجاوزاً فاضحاً، فهو إذن جناية غير محدودة، لذا يجعل صاحبه مستحقاً لعذاب غير محدود. فلئن كان القتل الذي يحدث في دقيقة واحدة يذيق القاتل خمس عشرة سنة من العذاب (ما يقارب ثمانية ملايين دقيقة) ويعتبر ذلك موافقاً للعدالة البشرية، وعدّته موافقاً للمصلحة العامة وحقوقها، فلا جرم أن دقيقة واحدة من الكفر المطلق -على اعتبار الكفر ألف قتل- تقابل إذن بعذاب يقرب من ثمانية مليارات من الدقائق، على وفق تلك العدالة الإنسانية فالذي يقضي سنة كاملة من عمره في الكفر إذن يستحق عذاب ترليونين وثمانمائة وثمانين ملياراً من الدقائق، أي يكون أهلاً لـ:﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (النساء: 169).

هذا وإن الأسلوب المعجز للقرآن الكريم في بيانه الجنة والنار وما في «رسائل النور» -التي هي فيض منه وتفسيره- من حجج حول وجودهما، لم يتركا مجالاً لأي إيضاح آخر. فآيات كثيرة جدا أمثال: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمٰوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾(آل عمران: 191)

﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا %إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾(الفرقان: 65-66). وأغلب ما كان يردده الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلمفي أدعيته في كل وقت، والأنبياء عليهم السلام وأهل الحقيقة من: "أجرنا من النار".. "نجنا من النار".. "خلصنا من النار"... الذي حاز عندهم قطعية تامة بناءً على الوحي المشهود.. كل ذلك يبين لنا أن أعظم قضية للبشرية على الأرض إنما هي النجاة من النار، وأن أعظم حقيقة وأدهشها من حقائق الكائنات، بل أكثرها أهمية إنما هي "جهنم" التي يشهدها  قسم من أولئك المحققين وأهل الشهود والكشف، ويرى آخرون ألسنة لهيبها وظلمة سوادها، ويسمع بعضهم أزيز تضرمها وفورانها فيصرخون من هولها "أجرنا من النار".

نعم، إن تقابل الخير والشر في هذا الكون، واللذة والألم، والنور والظلام، والحرارة والبرودة، والجمال والقبح، والهداية والضلالة، وتداخل بعضها ببعض، إنما هي لحكمة كبرى، لأنه ما لم يكن هناك الشر فلا يفهم الخير، وما لم يكن هناك الألم فلا تُعرف اللذة، والضياء من دون ظلام إزاءه لا يبين جماله، ودرجات الحرارة تتحقق بوجود البرودة، وتصبح حقيقة واحدة من الجمال ألفاً من الحقائق بوجود القبح، بل يكتسب آلافا من أنواع الجمال ومراتب الحسن. ويختفي الكثير من لذائذ الجنة بعدم وجود جهنم. فقياساً على هذا يمكن أن يعرف كل شيء من جهة بضده، وبوجود الضد يمكن أن تثمر حقيقة واحدة حقائق عدة.

فما دامت هذه الموجودات المختلطة تسيل سيلاً من دار الفناء إلى دار البقاء. فلابد أن الخير واللذة والنور والجمال والإيمان وأمثالها تسيل إلى الجنة، ويتساقط الشر والألم والظلام والقبح والكفر وأمثالها من الأمور المضرة إلى جهنم. فتسيل سيول هذه الكائنات المتلاطمة دائما إلى ذينك الحوضين وتهدأ ساكنة عندهما نهاية المطاف.

نكتفي بهذا القدر ونحيل إلى ما جاء في نهاية "الكلمة التاسعة والعشرين" من نكات رمزية.

* * *

يا زملاء الدراسة في هذه المدرسة اليوسفية!

إنَّ السبيل اليسيرة للنجاة من السجن الأبدي المرعب (جهنم) إنما هي في اغتنامنا فرصة بقائنا في السجن الدنيوي، هذا الذي قصّر أيدينا عن كثير من الآثام فأنقذنا منها. فما علينا إذن إلاّ الاستغفار والتوبة عما اقترفناه من ذنوب سابقة، مع أداء للفرائض، كي نحوِّل كل ساعة من ساعات هذا السجن بحكم يوم من العبادة فهي إذن أفضل فرصة لنا للنجاة من السجن الأبدي ولدخولنا الجنة النورانية. فلئن فاتتنا هذه الفرصة فسنغرق آخرتنا بالعَبَرات كما هي حال دنيانا، ويحق علينا قوله تعالى:﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾(الحج: 11).

كانت أصوات تكبيرة عيد الأضحى المبارك تتعالى حينما كان هذا البحث يُكتب، فذهب بي الخيال إلى أن خُمس البشرية يرددون "اللّٰه أكبر"، وأن أكثر من ثلاثمائة مليون مسلم يرددونه معاً، فكأن صوت "اللّٰه أكبر" يتعالى بكبر كرة الأرض وبسعتها فتُسمع الأرضُ أخواتِها الكواكب السيارة هذه الكلمة المقدسة في أرجاء السماوات. وهناك أكثر من عشرين ألفاً من الحجاج في عرفة والعيد يرددون معاً صدى ما قاله الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلمقبل ألف وثلاثمائة سنة مع الآل والأصحاب الكرام وأمر به. فأحسست إحساساً كاملاً، بل اقتنعت قناعة تامة أن تلك الأصداء والأصوات والترديدات إنما هي عبودية واسعة كلية تقابل تجلي الربوبية الإلهية الكلية بعظمة "رب الأرض" "رب العالمين".

ثم سألت نفسي: تُرى ما وجه العلاقة بين الآخرة وهذه الكلمة المقدسة "اللّٰه أكبر"؟ فتذكرت فوراً أن هذه الكلمة مع الكلمات الطيبات الباقيات الصالحات "سبحان اللّٰه، والحمد للّٰه، ولا إله إلاّ اللّٰه" وأمثالها من كلمات شعائر الإسلام تذكّر -بلا شك- بالآخرة سواءً بصورة جزئية أو كلية وتشير إلى تحققها.

إن أحد أوجه معاني "اللّٰه أكبر" هو: أن قدرة اللّٰه وعلمه هي فوق كل شيء وأكبر وأعظم من كل شيء، فلن يخرج أي شيء كان من دائرة علمه، ولن يهرب من تصرفه وقدرته، ولن يفلت منها قطعاً، فهو سبحانه أكبر من كل كبير نخافه ونستعظمه. أي أكبر من إيجاد الحشر -الذي نستهوله- وأكبر من إنقاذنا من العدم، وأكبر من منحنا السعادة الأبدية. فهو أكبر من أي شيء نعجب به ومن أي شيء خارج نطاق عقلنا، إذ يقول سبحانه:﴿مَّاخَلْقُكُمْوَلابَعْثُكُمْإِلاَّكَنَفْسٍوَاحِدَةٍ﴾(لقمان: 28).فصراحة هذه الآية الكريمة تبين أن حشر البشرية ونشرَهم جميعا سهل وهيّن على القدرة الإلهية كإيجاد نفس واحدة، فلا عجب أن يجري مجرى الأمثال قول الإنسان: "اللّٰه أكبر، اللّٰه أكبر" كلما رأى شيئاً عظيماً، أو مصيبة كبرى، أو غاية عظمى، مسلِّياً بها نفسه جاعلاً من هذه الكلمة العظيمة قوة عظيمة يستند إليها. نعم، إن هذه الكلمة مع قرينتها "سبحان اللّٰه والحمد للّٰه" فهرس جميع العبادات وبذور الصلاة وخلاصتها (كما جاءت في "الكلمة التاسعة") فتكرار هذه الكلمات وهي حقائق عظمى ثلاث في الصلاة وفي أذكارها إنما هو لتقوية معنى الصلاة وتعميقه وترسيخه. وهي إجابة قاطعة للأسئلة التي تنشأ من التعجب واللذة والهيبة التي تأخذ بأقطار نفس الإنسان حينما يشاهد الكون ويرى ما يثيره ويحيره وما يسوقه إلى الشكران وما هو مدار العظمة والكبرياء من أمور عجيبة وجميلة وعظيمة ووفيرة وما هو فوق ما اعتاده.

نعم، إنَّ الجندي يدخل إلى حضرة السلطان وديوانه في العيد بمثل دخول القائد العام إليه، بينما في سائر الأيام يعرف سلطانه من رتبة الضابط ومن مقامه -كما جاء في ختام "الكلمة السادسة والعشرون"- فكل شخص في الحج كذلك يبدأ بمعرفة مولاه الحق سبحانه وتعالى باسم "رب الأرض ورب العالمين" معرفة أشبه ما يكون بمعرفة الأولياء الصالحين. فكلما تفتحت مراتب الكبرياء والعظمة الإلهية في حنايا قلبه أجاب بـ"اللّٰه أكبر" لما تستولي على روحه من أسئلة مكررة ملحة محيرة، فـ"اللّٰه أكبر" هو الجواب القاطع لدابر أهم دسائس الشيطان، كما جاء في "اللمعة الثالثة عشرة".

نعم، فكما أن هذه الكلمة "اللّٰه أكبر" تجيب عن سؤالنا حول الآخرة إجابة قصيرة وقوية في ذات الوقت، فإن جملة "الحمد للّٰه" هي الأخرى تذكّر بالحشر وتستدعيه. إذ تقول لنا: "لا يتم معناي دون الآخرة" لأن معناي يفيد: (كل حمد أو شكر يصدر من أي حامد ويقع على أي محمود كان، ابتداءً من الأزل إلى الأبد، هو خاص به سبحانه) ولأن السعادة الأبدية هي أصل جميع النعم وذروتها، وهي التي تحيل النعم نعماً حقيقية لا تزول ولا تحول، وهي التي تنقذ جميع ذوي الشعور من مصائب العدم وتخلصهم منها، لذا فهي وحدها يمكن أن تقابل معناي الكلي.

نعم، إنَّ ترديد كل مؤمن يومياً عقب الصلاة بما يأمر به الشرع بأكثر من مائة وخمسين مرة "الحمد للّٰه" في الأقل، والتي تفيد حمداً وثناءً وشكراً واسعاً جداً ممتداً من الأزل إلى الأبد إنما هو ثمن يدفعه مقدماً لنيل السعادة الأبدية في الجنة، إذ لا يمكن أن يحصر معنى الحمد على نِعم الدنيا القصيرة الفانية المنغصة بالآلام ولا يمكن أن يكون مقتصراً عليها. بل حتى لو تأملت في تلك النعم نفسها تراها ما هي إلاّ وسائل لنعم أبدية خالدة تستحق الشكر عليها.

أما كلمة "سبحان اللّٰه" فإنها تعني: تنـزيه اللّٰه سبحانه وتقديسه من كل شريك وتقصير ونقص وظلم وعجز وقسوة وحاجة وحيلة، وكل ما يخالف كماله وجماله وجلاله. وهذا المعنى يذكّر بالسعادة الأبدية ويدل على الآخرة التي هي محور عظمته سبحانه وجلاله وكماله. ويشير أيضاً إلى ما في تلك الدار من جنة نعيم ويدل عليها. وإلاّ فلو لم تكن هناك سعادة أبدية فإن أصابع الاتهام تتوجه إلى عظمته سبحانه وكماله وجلاله وجماله ورحمته فتشوبها بالتقصير والنقصان، تعالى اللّٰه عن ذلك علواً كبيراً.

أي أن الآخرة لا ريب فيها، إذ هي مقتضى سلطان اللّٰه وكماله وجلاله وجماله ورحمته سبحانه.

وهكذا فإن هذه الكلمات المقدسة الثلاث مع "بسم اللّٰه" و "لا إله إلاّ اللّٰه" وسائر الكلمات المباركة، كل منها بذرة من بذور الأركان الإيمانية، وكل منها خلاصة لحقائق الأركان الإيمانية والحقائق القرآنية.

وكما أن هذه الكلمات الثلاث هي نوى الصلاة وبذورها فهي نوى القرآن الكريم أيضاً، كما تشاهد في بدء بعض السور الباهرة حيث تستفتح وكأنها جوهرة لامعة في مستهلها، وهي كنوز حقيقية وأسس متينة لأجزاء من "رسائل النور" التي تستهل بسوانح التسبيحات، وهي أيضاً أوراد الطريقة المحمدية تُذكر عقب الصلاة ضمن دائرة واسعة جداً للولاية الأحمدية والعبودية المحمدية، بحيث إن هناك عند كل صلاة أكثر من مائة مليون مؤمن في تلك الحلقة الكبرى للذكر يرددون معا ثلاثاً وثلاثين مرة "سبحان اللّٰه" و ثلاثاً وثلاثين مرة "الحمد للّٰه" وثلاثاً وثلاثين مرة "اللّٰه أكبر". فلابد أنك تدرك مدى أهمية قراءة تلك الكلمات المباركات الثلاث التي هي بذور القرآن والإيمان والصلاة وخلاصتها، ومدى ثواب ترديدها بثلاثٍ وثلاثين مرة عقب الصلاة ضمن تلك الحلقة الواسعة.

وهكذا فكما أن "المسألة الأولى" من هذه الرسالة كانت درساً قيّما في الصلاة، فإن آخر الرسالة هذه أصبح -دون اختياري- درساً مهماً حول أذكار الصلاة! والحمد للّٰه على نعمائه.

﴿سُبحَانَكَ لاَ عِلمَ لَنا إلاَّ مَا عَلّمتَنا إِنَّكَ اَنتَ الْعَلِيمُ الحَكِيمُ﴾

* * *