مسائل متفرقة

مسائل متفرقة

 

المسألة الاولى:

سؤال: ما حكمة كثرة الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، وما سر ذكر السلام معها؟

الجواب: ان الصلاة على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وحدها طريق الحقيقة، فمع انه صلى الله عليه وسلم قد حظي بمنتهى الرحمة الالهية اظهر الحاجة الى منتهى الصلاة عليه، ذلك لان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ذو علاقة مع آلام الامة جميعاً، وله حظ بسعاداتهم. ولعلاقته بسعادة جميع الأمة المتعرضة لأحوال لا نهاية لها في مستقبل غير محدود يمتد الى ابد الآباد، أظهر صلى الله عليه وسلم الحاجة الى منتهى الصلاة عليه.

ثم ان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عبد وهو رسول في الوقت نفسه. فيحتاج الى "الصلاة" من حيث العبودية. ويحتاج الى "السلام" من حيث الرسالة. اذ العبودية تتوجه من الخلق الى الخالق حتى تنال المحبوبية والرحمة، فـ "الصلاة" تفيد هذا المعنى.

اما الرسالة فهى بعثة من الخالق سبحانه الى الخلق فتطلب السلامة (للمبعوث) والتسليم له، وقبول مهمته والتوفيق لإجراء وظيفته. فلفظ "السلام" يفيد هذا المعنى.

ثم اننا نقول "سيدنا" ونعبّر به: يا رب! ارحم رئيسنا الذي هو رسولكم الينا ومبعوثنا الى ديوان حضرتكم، كي تسرى تلك الرحمة فينا.

اللهم صلّ وسلّم على سيدنا محمد عبدك ورسولك وعلى آله وصحبه أجمعين.



 

المسألة الثانية:

(جواب قصير لسؤال طويل اورده احد اخواننا).

اذا قلت: ما هذه الطبيعة التي زلّ اليها اهل الضلال والغفلة فدخلوا الكفر والكفران وسقطوا الى اسفل سافلين بعد ان كانوا في مرتبة احسن تقويم؟

الجواب: ان ما يطلقون عليه بـ"الطبيعة" هو : الشريعة الفطرية الالهية الكبرى، التي هى عبارة عن مجموع قوانين عادة الله، التي تبين تنظيم الافعال الالهية ونظامها.

من المعلوم ان القوانين امور اعتبارية، لها وجود علمي، وليس لها وجود خارجي. ولكن الغفلة والضلالة ادت بهم الى الجهل بالكاتب والنقاش الازلي، لذا ظنوا الكتاب والكتابة كاتباً، والنقش نقاشاً والقانون قدرةً، والمسطر مصدراً والنظام نظّاماً والصنعة صانعاً!

فكما اذا دخل انسان جاهل لم ير الحياة الاجتماعية الى معسكر عظيم وشاهد حركات الجيش المطردة وفق الانظمة المعنوية، تخيل انهم مربوطون بحبال مادية، او دخل مسجداً عظيماً وشاهد الاوضاع الطيبة المنظمة للمسلمين في صلاة الجماعة او العيد، تخيل انهم مربوطون بروابط مادية.. كذلك اهل الضلالة الذين هم أجهل من ذلك الجاهل يدخلون هذا الكون الذي هو معسكر عظيم - لمن له جنود السموات والارض سلطان الازل والأبد - او يدخلون هذا العالم الذي هو مسجد كبير للمعبود الازلي، ثم يذكرون انظمة ذلك السلطان باسم الطبيعة، ويتخيلون شريعته الكبرى المشحونة بالحكم غير المتناهية انها كالقوة او كالمادة صماء عمياء جامدة مختلطة.

فلا شك انه لا يقال عن مثل هذا: انه انسان، بل حتى لا يقال له حيوان وحشي، لان ما تخيله "طبيعة" يفرض عليه ان يمنح كل ذرة، وكل سبب قوةً قادرة على خلق الموجودات كلها وعلماً محيطاً بكل شئ، بل عليه ان يمنح كلَّ ذرة وكل سبب جميع صفات الواجب الوجود. وما ذاك الاّ محال في منتهى الضلالة بل هذيان نابع من بلاهة الضلالة.

فـ"الكلمات" ورسائل اخرى قد أردتْ مفهوم الطبيعة قتيلاً في مائة موضع وموضع والى غير رجعة! وكذا الكلمة الثانية والعشرين اثبتت هذا الأمر اثباتاً قاطعاً.

الحاصل: لقد اثبتت في "الكلمات" اثباتاً قاطعاً: ان الذى يؤلّه الطبيعة يضطر الى قبول آلهة غير متناهية لانكاره الإله الواحد، فضلاً عن ان كل إله قادر على كل شئ، وضد كل إله، ومثله.. وذلك لينتظم الكون!. والحال انه لا موضع للشريك قطعاً بدءاً من جناح ذبابة الى المنظومة الشمسية ولو بمقدار جناح الذباب، فكيف يتدخل في شؤونه تعالى غيره؟

نعم ان الآية الكريمة ﴿لو كان فيهما آلهة الاّ الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون﴾(الأنبياء: 22) تقطع اساس الشرك والاشتراك ببراهين دامغة.



 

المسألة الثالثة:

ان الكفر بذرة لجهنم معنوىة، كما ان ثمرته جهنم مادية -كما اثبت في الكلمة الثانية والثامنة وفي سائر الكلمات- فكما أنه سبب لدخول جهنم، فهو سبب لوجودها. إذ كما ان حاكماً صغيراً بعزة ضئيلة وغيرة قليلة وجلال بسيط لو قال له شرير: لا تقدر على عقابي، ولن تقدر. فانه بلا شك ينشئ لذلك الشرير سجناً ويقذفه فيه حتى لو لم يكن هناك سجن.

كذلك الكافر بانكاره جهنم، فانه يوصم من له منتهى الغيرة والعزة والجلال، ويكذّبه ويتهمه بالعجز والكذب، فيمسّ عزته بشدة ويتعرض لجلاله بسوء. فلا شك لو لم يكن اى سبب لوجود جهنم -فرضاً محالاً- فانه سبحانه يخلقها لذلك الكفر المتضمن للاتهام بالعجز والتكذيب الى هذا الحد، وسيقذف فيها الكافر.



 

المسألة الرابعة:

اذا قلت : لماذا يتغلب اهل الكفر والضلال على اهل الهداية في الدنيا؟

الجواب: لان اللطائف الانسانية واستعداداتها التي منحت لشراء الالماس الابدى تحيلها بلاهة الكفر وسُكر الضلالة وحيرة الغفلة الى قطع زجاجية تافهة وبلورات ثلجية سرعان ما تزول. فلا شك ان الزجاج المتكسر الجماد لانه قد أُشتري بثمن الالماس، يصبح كأنه افضل زجاج واجلى جماد!

كان فيما مضى جوهرى ثرى، فقد عقله واصبح معتوهاً، ولما ذهب الى السوق اخذ يعطي خمس ليرات ذهبية لقطعة زجاجية لا

تساوي شيئاً. ولما رأى الناس هذا منه، بدأوا يعطونه ما لديهم من زجاج، حتى الاطفال اعطوه بلورات ثلجية لقاء قطعة ذهب.

وكذا، فقد سكر سلطان في زمن ما، ودخل ضمن الاطفال ظناً منه انهم وزراء وقواد، وبدأ باصدار اوامر سلطانية اليهم. سُرّ الاطفال بذلك، وقضى هو لهواً بينهم لطاعتهم له.

وهكذا الكفر بلاهة والضلالة سكر والغفلة حيرة بحيث يشترى المتاع الفاني بدلاً من الباقي. وهذا هو السر في شدة شعور اهل الضلالة. فيشتد العناد والحرص والحسد وامثالها من الاحاسيس لديهم، حتى ترى احدهم يعاند لسنة كاملة لما لا يساوى دقيقة واحدة من الاهتمام.

نعم، انه ببلاهة الكفر وسكر الضلالة وحيرة الغفلة تهوي اللطيفة الانسانية التى خلقت فطرة للابد والابدية، فتأخذ اشياء فانية بدلاً من الباقية وتعطيها ثمناً غالياً.

وهناك مرض عصبى او مرض قلبى ينتاب المؤمن ايضاً حتى انه -كأهل الضلالة- يعطي اهتماماً لما لا يستحق الاهتمام به. لكن سرعان ما يدرك خطأه فيستغفر ربه ولا يصر عليه.



 

المسألة السادسة (مسالة صغيرة).

ان سبب اطلاق اسم رسائل النور على مجموع الكلمات (وهي ثلاث وثلاثون كلمة) والمكتوبات (وهي ثلاثة وثلاثون مكتوباً) واللمعات (وهي احدى وثلاثون لمعة) والشعاعات (وهي ثلاثة عشر شعاعاً) هو: ان كلمة النور قد جابهتني في كل مكان طوال حياتي، منها:

قريتي اسمها: نورس.

اسم والدتي المرحومة: نورية.

اسم استاذي في الطريقة النقشبندية: سيد نور محمد.

واحد اساتذتي في الطريقة القادرية: نور الدين.

واحد اساتذتي في القرآن: نوري.

واكثر من يلازمني من طلابي من يسمّون باسم نور .

واكثر ما يوضح كتبي وينورها هو التمثيلات النورية.

واكثر ما حل مشكلاتي في الحقائق الالهية هو: اسم "النور" من الاسماء الحسنى.

ولشدة شوقي نحو القرآن وانحصار خدمتي فيه فان إمامي الخاص هو سيدنا عثمان ذو النورين رضي الله عنه.



 

جواب لسؤال حول تغليف الاسنان

"جواب لسؤال السيد خلوصي"

اكتب لكم مجملاً مسألة او مسألتين شرعيتين.

ان المضمضة سنة في الوضوء وليست فرضاً. بينما هي فرض في الاغتسال، فلا يجوز بقاء داخل الفم دون غَسل ولو شيئاً جزئياً. ولهذا لم يجرأ العلماء على الفتوى بجواز تغليف الاسنان. والامام ابو حنيفة والامام محمد "رضى الله عنهما" لهما فتاوى في جواز صنع الاسنان من الفضة او الذهب بشرط الاّ يكون تغليفاً ثابتاً. بينما هذه المسألة منتشرة بحيث اخذت طور البلوى العامة، لا يمكن رفعها.

فوردت الى القلب فجأة هذه النقطة:

انه ليس في طوقي ولا من حدّي التدخل في مهمة المجتهدين، ولكني اقول على الرغم من عدم ميلي الى ضرورة عموم البلوى:

اذا أوصى طبيب حاذق متدين بتغليف السن، عند ذاك تخرج السن من كونها من ظاهر الفم وتكون بمثابة باطنه. فلا يبطل الاغتسال بعدم غسلها، لان غلافها يغسل فحل محلها. فكما يحل شرعاً غسل اغلفة الجرح محل الجرح نفسه لوجود المضرة، فغسل هذا الغلاف الثابت -المبني على الحاجة- يحل محل غسل السن، فلا يبطل الاغتسال. والعلم عند الله. ولما كانت هذه الرخصة تقع للحاجة، فلا شك ان الذي يقوم بتغليف الاسنان او حشوها للتجميل لا يستفيد من هذه الرخصة، لانه لو عمل ذلك بسوء اختياره حتى في حالة الضرورة لا تباح له ذلك. ولكن لو كان قد حدث دون علمه فالجواز للضرورة.

سعيد النورسي



[حول رسالة الحشر]

"النكتة الثالثة للمسألة الثامنة من

المكتوب الثامن والعشرين"

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم وعلى والديكم وعلى اخوانكم وعلى رفـقائكم في درس القرآن

اخي العزيز!

اولاً: لقد سرّني كثيراً رأيكم: أنه لا داعي لما رآه عبد المجيد من ان المبحث الثالث للمكتوب السادس والعشرين، زائد لا داعى له، بناء على حذر في غير محله.

علينا ان ندرك اننا نحظى بسر الآية الكريمة ﴿ملة ابراهيم حنيفاً﴾ (البقرة: 135). والتي تشير الى اتباعنا سيدنا ابراهيم عليه السلام الذي نال ثناء القرآن الكريم في قوله تعالى ﴿وكيف اخاف ما اشركتم ولا تخافون انكم اشركتم بالله﴾(الأنعام:81).

ثانياً: يكتب عبدالمجيد ان مفتياً - من اهالي مدينة لهم صداقة عامة نحوي - قد اورد انتقادات واهية، بنظر سطحي عابر على تفرعات "الكلمة العاشرة". فأجوبة عبدالمجيد له كافية، عدا موضعين. اذ هو الآخر قد أجاب جواباً سطحياً في موضعين اثنين حول ذلك السؤال السطحي.

الاول: لقد قال ذلك الفاضل: ان حقائق " الكلمة العاشرة" ليست للمنكرين، لانها مؤسسة على الصفات الالهية والاسماء الحسنى. ويقول عبد المجيد في جوابه له: قد حمل المنكرين على الاقرار بالايمان في الاشارات الاربعة التى تسبق الحقائق، ثم يسرد الحقائق.

والجواب الحقيقي هو الآتي:

ان كل حقيقة من الحقائق تثبت اموراً ثلاثة في آن واحد: وجود واجب الوجود، واسمائه وصفاته، ثم تبني الحشر على تلك الامور وتثبته. فيستطيع كل شخص من اعتى المنكرين الى اخلص المؤمنين ان يأخذ حظه من كل حقيقة، لانها تلفت الانظار الى الموجودات والآثار، وتقول: في هذه الموجودات افعال منتظمة، والفعل المنتظم لا يكون بلا فاعل، لذا فلها فاعل. ولما كان الفاعل يفعل فعله بالانتظام والنظام يلزم ان يكون حكيماً عادلاً، وحيث انه حكيم، فلا يفعل عبثاً، وحيث انه يفعل بالعدالة فلا يضيّع الحقوق، فلا بد اذن من محشر اكبر ومحكمة كبرى.

وعلى هذا المنوال تسير الحقائق، وتلبس هذا الطراز من التسلسل، وتثبت الدعاوى الثلاث دفعة واحدة. ولانها مجملة فالنظر السطحي يعجز عن التمييز. علماً ان كل حقيقة منها قد فصلت بايضاح تام في رسائل اُخر وفي "الكلمات".

الجواب الثاني الناقص الذي اورده عبدالمجيد:

لقد اخطأ عبد المجيد لمسايرته السؤال الخطأ لذلك الفاضل ولقبوله الخطأ، لانه لم يُذكر في حاشية "الكلمة العاشرة" ان الاسم الاعظم هو عبارة عن مرتبة عظمى لكل اسم فقط. بل ذكرنا في مواضع كثيرة:ان الحشر يظهر من الاسم الاعظم ومن المرتبة العظمى لكل اسم. فمع اثبات الرسالة الاسم الاعظم، فلكل اسم مرتبة عظمى ايضاً بحيث حظي الرسول الاعظمyبهذه المراتب. فالحشر الاعظم ايضاً متوجه اليها.

فمثلاً:

اسم "الخالق" له مراتب ابتداءً من مرتبة كونه سبحانه وتعالى خالقي الى المرتبة العظمى في كونه خالقاً لكل شئ.

وقد قال ذلك الفاضل الذي ساوره الشك: ان وجود مرتبة عظمى لكل اسم من كلام فلاسفة المتصوفة، قاصداً ردّه. بينما يتغير الاسم بالنسبة للامام الاعظم ابي حنيفة والامام الغزالى وجلال الدين السيوطي والامام الرباني والشيخ الكيلاني وامثالهم من المحققين الصدّيقين. فقد قال الامام الاعظم:ان الاسم الاعظم هو: العدل، الحكم.. وهكذا.

على كل حال يكفي هذا القدر لهذه المسألة.

وقد جعلتنى انتقادات ذلك الفاضل ممتناً بثلاث جهات:

اولاها: انه عجز عن الانتقاد مع ارادته له. مما يبين ان حقائق "الكلمة العاشرة" تستعصي على الجرح والنقد. الاّ ما كان موجهاً الى بعض العبارات في الفرعيات.

ثانيتها: نسأل الله تعالى ان تحث تلك الانتقادات همة عبد المجيد الفطن الغيور ليصبح رفيق "خلوصي" نشطاً نابهاً اهلاًً لصداقته.

ثالثتها: ان ذلك الفاضل راغب في الرسائل، ولهذا انتقد، اذ الذي لا يرغب في شئ لا يهتم به، لذا سيستفيد باذن الله من الرسائل في المستقبل استفادة تامة.

يمكنكم اجمال هذه النكتة اجمالاً جيداً وارسالها الى ذلك الفاضل، مع تحياتي له وامتناني منه.

اخوكم

سعيد النورسي



 

[خادم الشخص المنتظر]

اخي العزيز الغيور، يا اخي في الآخرة ورفيقي في خدمة القرآن، صبري الاول وخلوصي الثاني!.

ابارك حسن فهمكم وادراككم الجيد للمكتوب العشرين واستنساخكم الجيد له، تذكرون في رسالتكم رغبتكم في تلقي درس في علم الكلام مني. انتم يا اخي تتلقون ذلك الدرس فعلاً، فما استنسختموه من "الكلمات" دروس منورة لعلم الكلام الحقيقي.

فقد قال علماء محققون، كالامام الرباني: سيبين احدهم في آخر الزمان علم الكلام -اي المسائل الايمانية الكلامية لمذهب اهل الحق- بياناً جلياً بحيث يفوق على جميع ما كتبه اهل الكشف والطريقة الصوفية، فيكون وسيلة لنشرتلك الانوار. حتى ان الامام الرباني قد رأى نفسه ذلك الشخص.

فاخوك هذا العاجز الفقير الذي لا يذكر بشئ لا يمكنني ان ادّعي -بما يفوق حدّي الف مرة- انني ذلك الشخص المنتظر، إذ لست اهلاً لاكون ذاك من اية ناحية كانت.

ولكن يمكنني ان اقول: انني اظن نفسي خادماً لذلك الشخص المنتظر، اهئ الميدان لمجيئه، وجندياً من جنود طلائعه، ولهذا فقد احسستم تلك الرائحة العجيبة من تلك الامور المكتوبة.



 

[حول توافقات القرآن الكريم]

باسمه سبحانه

﴿وان من شيء الاّ يسبح بحمده﴾

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعدد حروف القرآن واسرارها

يا سلوانى في دار الفناء هذه، ويا انسي في دار الغربة هذه، يا من تحثونني على الكلام في الاسرار القرآنية بشوقهم ولهفتهم. يا اخوتي المخاطبين الاذكياء المتفرسين!

لأجل اشعاركم مبلغ عملي الذي يرثى له بخط ناقص ردئ، ولاجل احساسكم كم هو مهم لديّ اقلامكم القيمة، فقد ارسلت لكم بخطي "فهرس الحروف القرآنية"(1) من دون تصحيح، للاطلاع عليه لدقائق. والحال انكم تأملتم فيه ساعات طوالاً بدلاً من دقائق قليلة ودونتموه لأيام عدة. فادركت من هذا انكم تهتمون بذلك الفهرس اهتماماً بالغاً. لذا ارسل لكم القائمة نفسها بعد تبييضها، فيمكنكم استنساخها. ولكن اعلموا ان هذا الفهرس قد كتب بشكلتقريبي ليكون مرجعاً موقتاً، فقد كتبته في ظرف تسع ساعات مع خطي الردئ وكتبت قسماً منه استناداً الى محفوظاتي السابقة والآخر بناء على مقياسين اثنين، ثم ادركت ان هناك تفسيراً(2) في هذا الباب، فجلبناه، وقابلناه مع قائمتنا فشاهدنا ان الغالبية العظمى متوافقة، الاّ ان هناك خلافاً في عدد قليل من المجموعات وفي حوالي خمسة عشر موضعاً من المواضع الجزئية.

ونتيجة التحقيقات ادركنا ان المخالفة هى نتيجة اخطاء مطبعية للتفسير والمستنسخين، بينما صححنا مسوّدتنا في مكانين او ثلاث، ثم ادركنا انّا اخطأنا في ذلك التصحيح. فلم نغير بعد قائمتنا. وظننا ان التفسير بحاجة الى تصحيح من جراء الاخطاء المطبعية. ولكن لم اجرأ على التصحيح لأن صاحبه مدقق عظيم والمطبعة قريبة للجامع الازهر وقد اشرف على الطبع علماء ازهريون.

ابعث لكم التفسير نفسه مع الفهرس المبيّض، لتطالعوهما ولكن لا تحاولوا الانتقاد، لان قائمتي تقريبية فلم اجعلها تحقيقية، اما التفسير فهو يعتمد على الروايات على الاغلب. ثم ان هناك بعض السور المكية دخلت فيها آيات مدنية وربما لم يدخلها في العدّّ. فمثلاً ذكر حروف سورة العلق انها مائة ونيف، ومراده النصف الاول منها النازل اول مرة. فقد اصاب. أما انا فإستناداً الى ما حفظته سابقاً أخطأت فيما اصاب فيه حيث اخذت السورة بمجموعها.

ثم ان اسرار التوافقات تأخذ بنظر الاعتبار المجاميع الكلية. فالفهرس التقريبى كافٍ لنا. والتوافقات المذكورة في النكات الثلاث لدعاء "كنـز العرش"(3) لا تتغير بتغير الكسور. ولا تفسد تلك التوافقات حتى بتغير المجاميع الكبيرة. مثلاً سورة الكهف ومعها تسع وثلاثين سورة تتفق في عدد الالف. فاذا ما فقدت احدى السور او اثنتان منها ذلك العدد الالف فلا يفسد ذلك التوافق.. وهكذا. رغم ان الكسور لها اسرار فانها لم تفتح امامنا بعد فتحاً جلياً. ونسأل الله ان يفتحها لنا وعندها يأخذ الفهرس صورته التحقيقية.

سعيد النورس

 

 

[الرسائل من العلوم الايمانية]

 

اولاً: ان هذه الكلمة "الكلمة العاشرة" لم تُقدّر حق قدرها. فقد طالعتها بنفسي ما يقرب من خمسين مرة، وفى كل مرة اجد لذة جديدة واشعر بحاجة الى قراءة اخرى. فمثل هذه الرسالة يقرأها بعضهم مرة واحدة ويكتفي بها وكأنها رسالة كسائر الرسائل العلمية. والحال ان هذه الرسالة من العلوم الايمانية التي تتجدد الحاجة اليها في كل وقت كحاجتنا الى الخبز كل يوم..

سعيد النورسي



 

[سعادتي بدعائكم]

"فقرة غريبة لمسعود"

عندما كنت اكدّ في ضرب المنجل لحصاد الشعير، والقمر ينور الارجاء، والجو اللطيف ينمي الشعير. تأملت في حالي يائساً وانا غارق في هذا النور الوضئ، ولكن لا يكف عمل المنجل من الانتهاء. فأظل محروماً من استنساخ رسائل النور. فقلت ما ورد على الخاطر، ولا اعلم أهو من الغفلة أم من طلوعات قلبية: يا رب ان اسمي مسعود، ولكنى غير مسعود، فقدكدحت في العمل ولم اسعد!. واستمررت في الحصاد. وبعد فترة غلبني النوم ورأيت فيما يرى النائم ان احداً يقول لي: لا تغادر طرف ثوب الاستاذ فهو الذي يجعلك مسعوداً. افقت من النوم، والقمر على وشك الغروب. فقلت حالاً: استغفرك يا رب، اننى لم اطلب السعادة الدنيوية. فيا استاذي لقد لُقنت ان سعادتى الاخروية ستحصل بدعائكم. فارجو دعاءكم. وتقبلوا فائق الاحترام مقبلاً ايديكم واقدامكم يا سيدي.

مسعود



 

[الرسائل مرشدة]

 

(رسالة "مزينة" من اخواتنا في

الآخرة وطالبات رسائل النور)

استاذي المحترم!

ان عيوني الغارقة في آلام هذه الدنيا الفانية، ارتبطت "بكلماتكم" المؤثرة وبرسائلكم الشافية من كل قلبي وروحي، وكلما قرأتها ادركت كم هي مرشدة تلك الرسائل، بحيث اعجز عن وصفها.

نعم، ان المظالم التى ارخت سدولها وخيّمت على الدنيا في هذا الزمان، تمزقها وتهتكها "كلماتكم" فتبدد تلك الظلمات وتشتت تلك الغفلات. ايّ عقل يا ترى يمكن ان يقذف نفسه في الظلمات بعد ان شاهد الحقيقة وسطوع انوارها فيغمض عينه دونها. فانا بفضل الله تعالى لا ارمي نفسي الى الظلمات مذ اصبحت محظوظةِ وسعيدةً. فلا ارجع الى الشقاء باذن الله مرة اخرى.

استاذي! انني محرومة كسائر اخواتي من أخذ الدرس منكم بالذات، ولكني اتصور انى آخذه غيابياً منكم باستماعي الى تلك "الكلمات" الرفيعة مرة في الاسبوع او في الشهر، فاتصور كأنني اتلقاه منكم مباشرة. نتضرع الى المولى القدير دائماً -وانتم في المقدمة ونحن من خلفكم- لسلامة المسلمين وليحوّل حالنا وحالي من الظلمات الى النور ولينعم علينا سبحانه افضاله.

ان لساني وعجزي وقصوري لا يسمح لي بالاسهاب والاستمرار في الكلام. فأنا معترفة بالتقصير يا استاذي.

نسأله تعالى ان يجعل لنا يوماً ننجو فيه -بتأثير الرسائل- من الاوضاع التى نفعلها دون اختيارنا وخارج ارادتنا -بارشاد كلماتكم- كما نجا منها اخونا المتقي المستقيم السيد لطفي.

لقد تسلمنا من اخينا ذكائي "الكلمة السابعة عشرة" و"المكتوب الثامن عشر والعشرين" ورسالة "النوافذ" الساطعة بالانوار، وبدأنا بمطالعتها.

هذا ولا يغادر ايدينا استاذنا الحقيقي وهو القرآن العظيم.

مزينة



 

[قراءة الرسائل عبادة فكرية]

اخي العزيز السيد رأفت!.

تسلمت رسالتكم والكتاب المرسل معها، بكل سرور وامتنان. ولقد شعرت فيكم روح احد طلابى "خلوصي" الذي اكن له حباً عميقاً. فقبلتك طالباً للنور، وليس طالباً حديثاً بل قديماً كقدم خلوصي. ان خاصية الطالب هي:

ان يتبنى العمل للرسائل المؤلفة كأنه هو صاحبها، وكأنه هو الذي ألفها وكتبها فيسعى جاداً لنشرها وابلاغها الى من هو اهل لها.

ان خطكم جميل.. بارك الله فيكم. فإن كان لكم متسع من الوقت، فاستنسخ قسماً من الرسائل. وقسماً منها سيستنسخه طلاب مجدّون امثال خسرو. وانتم بدوركم تستلمون منهم وتستنسخونه وتكونون من المشاركين لهم في اعمالهم.

فلقد كنت انتظر منذ سنوات ان يظهر في "اسبارطة" طلاب مجدّون، فالحمد لله والمنة له وحده، فقد ظهر معكم عدد منهم، فالطالب الواحد يفضل على مائة من الاصدقاء.

ان الانوار القرآنية المسماة بـ"الكلمات" هي من نوع العبادة الفكرية التي تعدّ من اعظم العبادات.

ان المهمة الجليلة في هذا الوقت هي خدمة الايمان. اذ هي مفتاح السـعادة الابدية.

الباقي هو الباقي

اخوكم

سعيد النورسي



 

[حول الاسم الاعظم]

باسمه

﴿وان من شيء الا يسبح بحمده﴾

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اخى العزيز الوفي السيد رأفت!

أنتم تتابعون الرسائل وتستنسخونها، كما كنت آمل، فبارك الله فيكم. ان سعياً قليلاً من امثالكم بمثابة الكثير، لان الكثيرين يقلّدونكم لثقتهم بكم. ولقد غدت ديار الغربة هذه في حكم موطني الاصلي، لوجداني فيها اخواناً نشطين جادين مثلكم. بل انستني موطني الاصلي.

ان مصدر علو المؤلفات و معدنها السامي و منبع رفعتها بعد القرآن الكريم هو وجود مخاطبين يدركونها حق الادراك ويشتاقون اليها اشتياقاً جاداً. فلئن شكرتم الله لوجدانكم اياي مرة واحدة فانا اشكره سبحانه الف مرة لوجداني اياكم.

تسألون في رسائلكم عن الاسم الاعظم. ان الاسم الاعظم مخفي، مثلما الاجل مخفي في العمر، وليلة القدر في شهر رمضان. واستتار الاسم الاعظم ضمن الاسماء الحسنى فيه حِكَم كثيرة. و من حيث زاوية نظري ان الاسم الاعظم الحقيقي مخفي. يُعرّف به الخواص. ولكن لكل اسم مرتبة عظمى بحيث تكون بمثابة الاسم الاعظم.

فتباين وجدان الاولياء للاسم الاعظم نابع من هذا السر الدقيق. فالاسم الاعظم للامام علي رضي الله عنه ستة اسماء، كما ذكر في ارجوزته الواردة في كتاب "مجموعة الاحزاب"(4). وقد بيّن الامام الغزالي مزايا ما ذكره الامام علي رضي الله عنه من الاسم الاعظم وتلك الاسماء الستة المحيطة به، وشرحها في كتابه "جُنة الاسماء" وتلك الاسماء الستة هى: فرد، حيّ، قيوم، حكم، عدل، قدوس..

الباقي هو الباقي

اخوكم

سعيد النورسي



 

[كنت اكتب العلم في روحي]

ثالثاً: تطلبون رسالة مني بخطي! فقد قيل لفاقد الشفاه: انفخ وأطفئ المصباح! فقال: لقد طلبتم اصعب الامور، فلا اقدر عليه.

نعم، ان الله سبحانه وتعالى لم يهب لى جودة الخط، حتى انني املّ من كتابة سطر واحد وكأنه عمل مرهق. فكنت اقول في السابق - متفكراً لا شاكياً - : ربّ رغم احتياجي الى الخط ومحبتى النظم لم تمنحني هاتين النعمتين. ثم تبين لى بياناً قاطعاً، انه كان احساناً عظيماً عدم منحي الشعر والخط. فان معاونة امثالكم من ابطال الكتابة يحققون لي حاجتي الى الخط. فلو كنت اجيد الكتابة، لما كانت المسائل تقر في القلب، فما من علم بدأت به سابقاً، الاّ وكنت اكتبه في روحي لحرمانى من الكتابة الجيدة، فكانت تلك الملكة نعمة عظمى علي.

أما الشعر فرغم انه وسيلة مهمة للتعبير، فان الخيال يقضي فيه بحكمه، فيختلط بالحقيقة ويغير من صورتها. واحياناً تتداخل الحقائق. ولم يفتح القدر الالهي باب الشعر امامنا، عناية وفضلاً منه تعالى، لانه كان من المقدّر ان نكون في المستقبل في خدمة القرآن الكريم التيهي حق خالص ومحض الحقيقة. فالآية الكريمة ﴿وما علّمناه الشعر﴾(يس: 69). متوجهة الى هذا المعنى.

سأكتب لكم عدة سطور لأجلكم انتم باذن الله...

الباقي هو الباقي

اخوكم

سعيد النورسي



 

 

[سبب الاستهلال]

اخي العزيز المدقق، ويا اخي في الآخرة ورفيقي في خدمة القرآن!

اولاً: تستفسرون في رسالتكم عن سبب استهلالي الرسائل كلها بالآية الكريمة ﴿وان من شيء الاّ يسبح بحمده﴾(الإسراء: 44).

الجواب: ان حكمة ذلك هى:

ان اول باب فتح لي من خزائن القرآن الكريم المقدسة، هو هذه الآية الكريمة. فحقيقة هذه الآية ظهرت اول ما ظهرت لي من بين الحقائق القرآنية السامية، ولقد سرت تلك الحقيقة في اغلب الرسائل.

وحكمة اخرى هي:

ان اساتذتي الكرام الذين اثق بهم قد استهلّوا بها رسائلهم.

وتسألون ايضاً في رسالتكم عن الكبائر السبع، فاقول:

ان الكبائر كثيرة، الا ان اكبر الكبائر واعظم الذنوب التى تطلق عليها الموبقات السبعة هي: القتل والزنا والخمر وعقوق الوالدين - اي قطع صلة الرحم - والقمار وشهادة الزور وموالاة البدع التي تضر بالدين.

الباقي هو الباقي

اخوك

سعيد النورسي



 

[الرسائل قوت وغذاء]

14 شوال 1352

كانون الثانى 1934(5)

باسمه

﴿وان من شيء الاّ يسبح بحمده﴾

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اخي في الآخرة، العزيز المدقق، السيد رأفت، يا رفيقي المتفكر الناشد للحقيقة!

اولاً:

تذكرون في رسالتكم انكم كلما قرأتم موازين رسائل النور استفدتم اكثر.

نعم، يا اخي ان تلك الرسائل قوت وغذاء لانها مستقاة من القرآن الكريم، فكما يستشعر الانسان الحاجة الى الغذاء يومياً، يستشعر الحاجة الى هذا الغذاء الروحانى ايضاً. فلا يسأم من القراءة من انكشفت روحه وانبسط قلبه من امثالكم. فهذه الرسائل القرآنية لا تشبه الرسائل الاخرى، فهى ليست من انواع الفاكهة كي تُسئم بل هى غذاء..

الباقي هو الباقي

اخوكم

سعيد النورسي



 

[حول الزيدية]

5 شباط 1934

باسمه

﴿وان من شيء الا يسبح بحمده﴾

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أخي العزيز الوفي المدقق المشتاق السيد رأفت!

ثانياً: ان سؤالكم حول الامام زيد (6)، إمام أهل اليمن سؤال ذو اهمية ويُمن الاّ انه صادف وقتاً لا يُمن فيه حيث الوضع لا يسمح، وذهني مسدود و... و... إلاّ انني اقول:

ان الامام زيداً من السادات العظام، ومن ائمة اهل البيت، وهو الذي ردّ غلاة الشيعة قائلاً: اذهبوا انتم الروافض، ولا يقر بالتبرئة من ابي بكر و عمر رضي الله عنهما، بل يقرّ بخلافتهما ويجلّهما. وان اتباعه هم اعدل الشيعة واقربهم الى السنة، فهم يتصفون بالانصاف وقبول الحق بسرعة.. وستستقيم -باذن الله- عدول الزيديين عن أهل السنة والجماعة وسيلحقون بأهل السنة والجماعة و يمتزجون معهم.

ان هذا الزمان الاخير يضطرب كثيراً، وتشعر فتنة آخر الزمان هذه بولادة امور عجيبة. سلامي الى من له علاقة بالرسائل

الباقي هو الباقي

اخوكم

سعيد النورسي



 

[يمكنكم مجالسة سعيد]

15 شباط 1934

باسمه

﴿وان من شيء الا يسبح بحمده﴾

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ثانياً:... وقد قلت لكم سابقاً: لا اهمية لشخصي "سعيد" كي يُرغب في مجالسته ومحاورته.

أما "سعيد" الذى هو استاذكم فيمكنكم مجالسته ومحاورته كلما فتحتم رسالة من الرسائل.

أما "سعيد" الذى هو اخوكم في الآخرة، فهو معكم صباح مساء في الدعاء والتضرع الى المولى الكريم. فالسيد "سزائي" يمكنه ان يرى استاذه واخاه "سعيد" في اي وقت يشاء.

أما شخص "سعيد" فيندم بعض من يراه، حسب المثل "تسمع بالمعيدى خير من ان تراه"(7) ويقول: ليتني لم اره! انه شبيه بطبل حسن الصوت من البعد فارغ في القرب.

 

الباقي هو الباقي

اخوكم

سعيد النورسي

 



 

 

[حول آل العباء]

14 نيسان 1934 الاربعاء

باسمه

﴿وان من شيء الا يسبح بحمده﴾

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اخي العزيز الوفي المدقق المهتم، السيد رأفت!

ان سؤالكم في هذه المرة ذو جهتين:

الاولى: جهة آل العباء، وهى سر، لست اهلاً لذلك السر لأجيب عن سؤالكم، أو لا يمكن التعبير عن كل سر بالكتابة، لأن جلوة من جلوات الحقيقة المحمدية تظهر في آل العباء.

اما الجهة الثانية الظاهرية: فهى واضحة مبينة في كتب الاحاديث كصحيح مسلم(8)، برواية ام المؤمنين عائشة الصدّيقة رضى الله عنها وهي:

(خرج النبىyغداة وعليه مرطٌ مرحّلٌ من شعر اسود فجاء الحسن بن علي فأدخله ثم جاء الحسين فدخل معه ثم جاءت فاطمة فادخلها ثم جاء علي فادخله ثم قال:

﴿انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا﴿ (الاحزاب:33).

وامثال هذا الحديث الشريف موجودة في الصحاح الستة بروايات مختلفة تبين آل العباء(9).

وقد قال احد الفاضلين للاستشفاء والاستشفاع(10):

لي خمسة اطفى بها نار الوباء الحاطمة المصطفى والمرتضى وابناهما والفاطمة

اكتفيت بهذا القدر حالياً، لا تتألم. سلامي لكل من ذكرتموه في رسالتكم فرداً فرداً، وادعو لهم.

الباقي هو الباقي

اخوكم

سعيد النورسي



 

 

[تهنئة بولادة طفلة]

9/مايس/1934 الاربعاء

باسمه سبحانه

﴿وإن من شيء الاّ يسبح بحمده﴾

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اخي العزيز الوفي المدقق السيد رأفت!.

اولاً:

ان قدوم طفلتكم المباركة الى الدنيا، فأل خير لكم. اهنئكم عليها. وستنال باذنه تعالى فيضاً من انوار الآية الكريمة ﴿وليس الذكر كالانثى﴾(آل عمران:36). إذ الإبنة التي رزقتم بها -كما رزق اخونا عاصم- تجعلاكما في ظني اهلاً لمزيد من التهنئة والتبريك؛ ذلك لان اهم اساس في مشربنا هو "الشفقة" والبنات بطلات الشفقة والحنان، وهن المخلوقات المحبوبات. انني اعتقد ان الاولاد الذكور فى هذا الزمان اكثر خطراً من الاناث.

أسأله تعالى ان يجعلها مبعث سلوان وانس لكم، ويجعلها كملاك صغير يجول في بيتكم. وافضّل ان يكون اسمها "زينب" بدلاً من "رنطى طول".

ثانياً:

ان ما كتبتموه انت والسيد شريف حول رسالة "حكمة الاستعاذة" و"اسرار البسملة" افادات مقتضبة جداً بحيث لا يفهم أهو تقدير ام نقد؟ علماً انني قلت مكرراً ان كل شخص ليس محتاجاً الى ادراك كل مسألة من مسائل كل رسالة، بل يكفيه ما فهم منها.

ثالثاً:

ان عالم المثال برزخ بين عالم الارواح وعالم الشهادة، فهو شبيه بكل منهما بوجه. حيث ان احد وجهيه ينظر الى ذاك والآخر الى هذا.

مثلاً: ان صورتك المثالية فى المرآة شبيهة بجسمك وهي لطيفة كروحك في الوقت نفسه. فذلك العالم، عالم المثال، ثابت قطعاً

كقطعية ثبوت عالم الشهادة وعالم الارواح(11) فهو مشهر العجائب والغرائب وهو متنزّه اهل الولاية، فكما ان القوة الخيالية موجودة في الانسان الذي هو عالم صغير، كذلك عالم المثال موجود في العالم الذي هو انسان كبير بحيث يؤدي تلك المهمة. فهذا العالم ذو حقيقة. فكما تخبر القوة الحافظة في الانسان عن اللوح المحفوظ فالقوة الخيالية ايضاً تخبر عن عالم المثال.

الباقي هو الباقي

اخوكم

سعيد النورسي



 

 

[اللطائف العشر]

20 حزيران 1936 الاربعاء

باسمه سبحانه

﴿وإن من شيء الاّ يسبح بحمده﴾

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أخي العزيز الوفي المهتم السيد رأفت!

تسألون في رسالتكم عن اللطائف العشر، انني الآن لست في حالة تدريس الطريقة الصوفية. والعلماء المحققون النقشبنديون لهم آثار حول اللطائف العشر.

فوظيفتنا في الوقت الحاضر استخراج اسرار القرآن الكريم، لا نقل المسائل الموجودة. فلا تتألم، لا استطيع سرد التفاصيل. الاّ انني أقول:

ان اللطائف العشر لدى الامام الربانى هى: القلب، الروح، السر، الخفي، الاخفى، ولكل عنصر من العناصر الاربعة في الانسان لطيفةانسانية بما يناسب ذلك العنصر. وقد بحث اجمالاً عن رقي كل لطيفة من تلك اللطائف واحوالها في كل مرتبة من المراتب اثناء السير والسلوك.

اننى ارى: ان في الماهية الانسانية الجامعة، وفي استعداداتها الحياتية، لطائف كثيرة، ولكن اشتهرت عشرة منها. وقد اتخذ الحكماء والعلماء الظاهريون تلك اللطائف العشر ايضاً وبصورة اخرى اساساً لحكمتهم، كالحواس الخمس الظاهرية والخمس الباطنية كنوافذ تلك اللطائف العشر او نماذجها.

وللطائف العشر الانسانية علاقة مع اللطائف العشر لدى اهل التصوف -كما هو متعارف بين العوام- فمثلاً: الوجدان، الاعصاب، الحس، العقل، الهوى، القوة الشهوية، القوة الغضبية وامثالها من اللطائف اذا اضيفت الى القلب والروح والسر تظهر اللطائف العشر في صورة اخرى.

وهناك لطائف كثيرة غير هذه المذكورة، كالسائقة والشائقة والحس المسبق -قبل الوقوع- فلو كتبت الحقيقة حول هذه المسألة، لطالت. لذا اضطررت الى الاقتضاب لضيق الوقت.

[المعنى الحرفي والاسمي]

أما سؤالك الثاني:

إذا نظرت الى المرآة من حيث انها زجاجة، فانت ترى مادتها الزجاجية، وتكون الصورة المتمثلة فيها شئ ثانوى، بينما ان كان القصد من النظر الى المرآة رؤية الصورة المتمثلة فيها، فالصورة تتوضح امامك حتى تدفعك الى القول ﴿فتبارك الله احسن الخالقين﴾(المؤمنون: 14) بينما يبقى زجاج المرآة أمراً ثانوياً.

فالنظرة الاولى تمثل "المعنى الاسمي" اي: زجاجة المرآة معنى مقصود، وصورة الشخص المتمثلة فيها "معنى حرفي" غير مقصود.

اما النظرة الثانية فصورة الشخص هي المقصودة، فهي اذن معنى "اسمي" أما الزجاج فمعنى حرفي.

وهكذا ورد في كتب النحو تعريف الاسم انه: دلّ على معنى في نفسه. اما الحرف فهو الذي: دلّ على معنى في غيره.

فالنظرة القرآنية الى الموجودات تجعل الموجودات جميعها حروفاً، اى انها تعبّر عن معنى في غيرها، بمعنى انها تعبّر عن تجليات الاسماء الحسنى والصفات الجليلة للخالق العظيم المتجلية على الموجودات.

أما نظرة الفلسفة -المادية- الميتة فهي تنظر على الاغلب بالنظر الاسمي الى الموجودات، فتزل قدمها الى مستنقع الطبيعة.

الباقي هو الباقي

اخوكم

سعيد النورسي



 

[مسلم غير مؤمن ومؤمن غير مسلم]

27حزيران 1934 الاربعاء

باسمه

﴿وان من شيء الا يسبح بحمده﴾

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أخي العزيز المستفسر والمغالي في البحث والتحري، السيد رأفت!

ان ذكاءك الفائق وملاحظتك الدقيقة يدفعانى الى ان اجيب باختصار عن اكثر اسئلتكم، فلا تتألم، رغم اني اريد محاورتك الاّ ان الوقت لا يسمح.

ان معنى مسلم غير مؤمن ومؤمن غير مسلم هو الآتى:

كنت ارى -في بداية عهد الحرية(12)- ملحدين داخلين ضمن الاتحاديين يقولون: ان في الاسلام والشريعة المحمدية دساتير قيمة شاملة نافعة جداً وجديرة بالتطبيق للمجتمع البشري ولاسيما للسياسة العثمانية. فكانوا ينحازون الى الشريعة المحمدية بكل ما لديهم من قوة، فهم من هذه النقطة مسلمون، اي يلتزمون الحق ويوالونه، مع انهم غير مؤمنين، بمعنى انهم اهل لان يدعون: مسلمون غير مؤمنين.

أما الآن فهناك من يعتقد بنفسه الايمان، فيؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر. الاّ انه يوالى التيارات المناهضة للشريعة والموافقة للاجانب، تحت اسم المدنية. ولما كان لا يلتزم بقوانين الشريعة الاحمدية التي هي الحق والحقيقة ولا يواليها موالاة حقيقية، فيكون اذن مؤمناً غير مسلم. ويصح القول: كما ان الاسلام بلا ايمان لا يكون سبباً للنجاة كذلك الايمان بلا إسلام - على علم - لا يصمد ولا يمنح النجاة.

سؤالكم الثاني: الاجل المبرم والمعلق، فهو بتعبير آخر: الاجل المسمى وأجل القضاء، كما تعلمون.

الباقي هو الباقي

اخوكم

سعيد النورسي

 



_____________________________

(1) وهو جزء من رسالة "الرموز الثمانية".- المترجم

(2) المقصود المقياس في تفسير ابن عباس للفيروزابادى صاحب القاموس - المترجم -

(3) دعاء طويل يبدأ بالتوسل بالبسملة وبدايات السور القرآنية سورة سورة ثم بكل حرف من حروف القرآن مع ذكر اعدادها في القرأن الكريم [مجموعة الاحزاب (3)]. المترجم

(4) للشيخ أحمد ضياء الدين طموشخانوي، جمع فيه الادعية المأثورة عن الائمة والأقطاب والاولياء العظام في ثلاثة مجلدات. طبع باسطنبول بخط اليد سنة 1311 وفي حاشيته شرح لبعض الادعية - المترجم.

(5) تأريخ وصول الرسالة الى السيد رأفت.

(6) (79-122هـ) هو زيد علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب: الامام، يقال له: (زيد الشهيد) وقال ابو حنيفة: ما رأيت في زمانه أفقه منه ولا أسرع جواباً ولا أبين قولاً. بايعه اربعون ألفاً من اهل الكوفة على الدعوة الى الكتاب والسنة ثم انصرفوا عنه ونشبت معارك انتهت باستشهاده في الكوفة. (عن الاعلام باختصار) وانظر البداية لإبن كثير (9/329) المترجم

(7) المثل للنعمان بن منذر اورده الميدانى (655) 1/ 178 والعسكري في جمهرة الامثال 1/266 والزمخشري في المستقصى 1/ 148، وابن منظور في لسان العرب مادة (معد) - المترجم.

(8) برقم 2424. وانظرفضائل الصحابة 61 .

(9) وللـحديث طرق كثـيرة. انـظر المسند 48، 107، 6/292، 296، 298، 304 والبخاري في التاريخ الكبير 1/2/69 والحاكم 3/147 والترمذي واحمد في فضائل الصحابة برقم 987،1149، 1404، 1170، 1392 وذكر الهيثمي في المجمع 9/166 والسيوطي في الدر المنثور 5/198 له طرق كثيرة مع مخرجيها عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم. اخرج الطبراني في الاوسط عن عليٍ أنه دخل على النبيyوقد بسط شملهً فجلس عليها هو وعلي وفاطمة والحسن والحسين، ثم اخذ النبي بمجامعه فعقد عليهم ثم قال:"اللهم ارضَ عنهم كما انا عنهم راضٍ" قال الهيثمي (9/169): رجاله رجال الصحيح غير عبيد بن طفيل وهو ثقة، كنيته ابو سيدان ا هـ. عن حياة الصحابة 4/105.المترجم.

(10) ورد في مجموعة الاحزاب للطموشخانوي جزء 2 ص 505 في دعاء دفع الطاعون. وفيه: لي خمسة اُطفئ بها حر الوباء …الخ. المترجم.

(11) اعتقد ان وجود عالم المثال مشهود. وتحققه بديهى كبداهة عالم الشهادة، حتى ان الرؤيا الصادقة والكشف الصادق، والتمثلات في الاشياء الشفافة، ثلاث نوافذ مطلة من هذا العالم الى ذلك العالم بحيث تظهر للعوام وللناس كلهم جوانب من ذلك العالم. المؤلف

(12) وهو عهد الاعلان الثاني للدستور، اى المشروطية الثانية وتم ذلك في سنة 1908 من قبل السلطان عبدالحميد الثانى. المترجم.